الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

كافيار و شمبانيا وزيارة كنيس

 

هبطت بتاريخ 10 أيار عام 1991، حوالي الساعة السابعة مساء طائرة "سويس إير" في مطار بن غوريون قادمة من زيوريخ . نزل من الطائرة شمعون ليفائي (ليفنسون) ، و هو رجل متوسط القامة ، لم يشكّ و لا حتى لحظة واحدة بأن رجال "الشاباك" بانتظاره في القاعة . و عندما وطئت قدمه نهاية قاعة مراقبة جوازات السفر ، تقدّم نحوه أحد رجالنا و طلب منه مرافقته . انصاع ليفائي للتعليمات دون تردّد ، و توجّه الإثنان إلى مكاتب "الشاباك" في المطار . كان بانتظارهما في إحدى الغرف رئيس قسم التحقيقات في "الشاباك" و رئيس قسم الأجانب و رئيس قسم مكافحة التجسس الروسي . نظر ليفائي إليهم و فقدت الدماء من وجهه الذي أصبح شاحباً بلون الكلس . و فهم فجأة سبب إحضاره إلى هنا .

قال رئيس قسم التحقيقات لليفائي إننا نعلم بارتكابه جريمة بحق دولة (إسرائيل) . و تتوفر له الفرصة الآن للاعتراف بذلك . رد ليفائي دون أن يفكّر مرتين : "أخطأت و أجرمت ، سأقول لكم كلّ شيء" . اتخذ قرار بتمديد اعتقاله في نفس الليلة بخمسة عشر يوماً و نقل إلى مركز التحقيق التابع "للشاباك" .

قال لنا ليفائي إنه وقف في مطلع عام 1983 أمام مفترق طرق ، كان عقد عمله مع الأمم المتحدة في تايلاند على وشك الانتهاء ، و من الناحية العملية أوقفوه عن العمل قبل ذلك بسبب أزمة عميقة بعلاقاته مع المسؤول عنه . و جلس في منزله المستأجر في بانكوك دون عمل ، و باءت بالفشل جميع محاولاته العودة لعمله .

"طرأت بذهني تصوّرات مخيّبة للآمال و مهينة ، ناجمة عن محاولتي السابقة العثور على عمل في (إسرائيل) ، هذا ما قاله و أضاف : "أقلق راحتي الإدراك بأن عليّ الطرق مرة أخرى على الأبواب المغلقة . كانت أوضاعي الاقتصادية سيئة جداً . عشت نمط حياة بسيطٍ جداً في تايلاند . وفّرت الفلس بعد الآخر و معظم الأموال التي كسبتها أرسلتها لتمويل دراسة بناتي ، و صرفت مبالغ غير قليلة على سفرياتي لـ (إسرائيل) . و بلغت جميع توفيراتي في تايلاند أقلّ من ألف دولار" .

بدأ و القلق يأكله بدراسةٍ جادة للقيام بخطوة قصيرة لمرة واحدة : تسليم معلومات مركّزة لطرفٍ استخباري أجنبي مقابل مبلغ كبير من المال . و بدت له بانكوك مكاناً ملائماً لإيجاد اتصالٍ كهذا . فكّر بالبداية بالتوجه للصينيين ، و بعد ذلك للأمريكيين . و اختار في نهاية المطاف السوفييت . و حسب أقواله لم يكن لديه ميل كبير للاتحاد السوفييتي . لم يترعرع على القيم الشيوعية و لم يبدِ في أي فترة اهتماماً غير عادي بما يدور وراء الجدار الحديدي ، لكن ساد لديه انطباع بأن المخابرات السوفييتية ستبدي اهتماماً أكثر من الأخريات بالحصول على المعلومات المتوفرة لديه . و بعد حسمه لقراره ، خطط لكيفية إيجاد الاتصال الأولي مع وفد الـ كي.جي.بي في القنصلية السوفييتية ببانكوك . و قال : "أيقنت عدم قدرتهم على الموافقة على المبلغ الذي أريد . و اعتقدت بأنهم سيتوجّهون إلى موسكو من أجل استمرار مستوى أعلى بكثير ، بالاتصال معي . لكن بانكوك يمكن أن تشكّل بداية جيدة" .

قام بالبداية بجولة حول أسوار السفارة ، التي توجد القنصلية فيها أيضاً ، و ذلك بهدف التأكد من عدم وضع شرطة تايلاند نقاط مراقبة للسفارة . تخوّف من التقاط آلات تصوير من المحتمل أن تكون الشرطة نصبتها في المنطقة صوراً لدخوله إلى السفارة و استدعائه فيما بعد لتقديم إيضاحات . أرضته نتيجة هذه الجولة ، إذ لم توجد هناك أي آلات تصوير . وصل صباح أحد أيام شهر نيسان 1983 إلى مقرٍ صغير لقسم تأشيرات السفر و قدّم نفسه للموظفة كمواطن (إسرائيلي) يريد تأشيرة سفر للاتحاد السوفييتي ، و أوضحت له بأنه سيكون من الصعب عليه الحصول على تأشيرة دخول لعدم وجود علاقات دبلوماسية بين بلادها و بين (إسرائيل) . و قال ليفائي إنه موظف كبير في الأمم المتحدة و السفر إلى موسكو مهم جداً له ، و لهذا يرغب بالحديث مع موظفٍ كبير في القنصلية ، قادته الموظفة لغرفة كبيرة و طلبت منه الانتظار قليلاً و خرجت . فتح الباب بعد فترة انتظار قصيرة و دخل إلى الغرفة رجل طويل القامة ، يقارب الأربعين من عمره ، يتحدّث الإنجليزية جيّداً . و بدون أن يعرّف عن نفسه سأل ليفائي عن سبب رغبته بالسفر إلى الاتحاد السوفييتي . و رد ليفائي مباشرة : "أنا (إسرائيلي) كولونيل في قوات الاحتياط و أعمل الآن في الأمم المتحدة . و أعتقد أن بامكاني مساعدة الاتحاد السوفييتي" . قدّم له الروسي ورقة و طلب منه كتابة تاريخ حياته ، فعل ليفائي ما طلب منه ، و مما كتبه أنه عمل في الموساد و في "الشاباك" ، لكنه لم يكتب أي تفاصيل عن المناصب التي تسلّمها .

نظر الروسي إلى الورقة التي كتبها ضيفه و سأل : "كم تريد مقابل مساعدتك ؟" . "مائة ألف دولار" ، ردّ ليفنسون دون أن يرمش بطرفة عين .

لم يردّ الروسي ، أخذ الورقة و خرج من الغرفة . عاد بعد حوالي ربع ساعة و قال إن المادة سترسل إلى المركز ، و أوضح : "أعتقد بأنه سيتوجب عليك السفر إلى موسكو لاستمرار الاتصالات . انتظر اتصالاً هاتفياً منا و إذا أبلغوك بأن تأشيرة السفر جاهزة ستدرك بأن عليك العودة إلى هنا" .

عندما أراد ليفائي الخروج من الغرفة ، أوقفه الروسي و قال له : "ليس من هنا ، لأسبابٍ أمنية من الأفضل عدم خروجك من المكان الذي دخلت منه" . قاده إلى غرفة أخرى يطلّ بابها على الساحة . وقفت سيارة يقودها موظّف في السفارة قرب الباب . دخل ليفائي إليها . و انتظر السائق إشارة من الحارس السوفييتي قرب الباب . و عندما أعطيت الإشارة فتح الباب و انطلقت السيارة إلى الشارع ، و قامت بالتفافات حادة في الأزقة و اجتازت شوارع مختلفة و خرجت منها بصورة غير متوقّعة . كان السائق ينظر و دون توقف في المرآة الصغيرة أمامه . استهدفت جميع هذه المناورات الحيلولة دون إمكانية متابعة السيارة . وصل السفر الطائش نهايته في وسط المدينة . خرج ليفائي من السيارة ، و استقل سيارة أجرة و سافر إلى منزله . "حاولت التصرّف و كأنه لم يحدث شيء" قال للمحقّقين ، و أضاف : "أبلغت زوجتي بنية سفري إلى موسكو التي ردّت بانفعال ، لأن سفر (الإسرائيليين) للاتحاد السوفييتي كان نادراً جداً في تلك الأيام" .

أبلغته زوجته بعد أسبوع بأنهم اتصلوا من القنصلية السوفييتية و قالوا إن تأشيرة السفر جاهزة . عاد في اليوم التالي إلى قسم التأشيرات . استقبله الشخص الذي تحدّث معه في زيارته الأولى بترحابٍ و سأله إذا كان بإمكانه السفر لفترة قصيرة إلى موسكو . نظر ليفائي إلى دفتر مذكّرات الجيب و قال إن بإمكانه تخصيص ثلاثة أيام كأقصى حدّ لهذه الزيارة . هزّ الروسي رأسه بتفهّم و وجّهه إلى مكاتب شركة الطيران "إيروفلوت" و شركة السياحة السوفييتية "إينتوريست" من أجل الحصول على تذكرة سفر و حجز بفندق في موسكو .

حطّ في موسكو بتاريخ 12 أيار 1983 . عندما قدّم جواز سفره في نقطة مراقبة الحدود ، شاهد شخصاً يرتدي ملابس عسكرية يهمِس بأذن الموظف . خُتِم جواز سفره على الفور و توجّه للخروج من القاعة . في طريقه إلى المخرج تقدّم إليه رجل يرتدي ملابس مدنية و قدّم نفسه باللغة الإنجليزية ، كموظف في "إينتوريست" حمل حقائبه و دعاه لمرافقته لسيارة بانتظارهما . و همس بأذن ليفائي و هما في طريقهما إلى السيارة : "تعلم بالتأكيد لأي جهاز أنتمي فعلاً . أودّ عدم حديثك و لا حتى كلمة واحدة خلال السفر" .

سافرا مباشرة إلى منزلٍ تابع لـ كي.جي.بي في أحد شوارع موسكو ، و هناك تعرّف ليفائي و للمرة الأولى على المشرف عليه . فوجىء عندما أيقن بأن هذا الشخص ذو مكانة رفيعة جداً في كي.جي.بي - رئيس قسم أفريقيا و الشرق الأوسط و الشرق الأقصى . و في إطار عام بالإمكان القول إن ليفائي اعتبر ثروة استخبارية كبيرة جداً و لهذا كان الإشراف عليه سرياً جداً . و من حظّنا عدم تكليف شخصٍ ذو مستوى أدنى بالإشراف على الاتصال معه ، لأنه عندما يكون المشرف على عميل ذو صلاحيات كثيرة جداً ، يجد صعوبة باستغلالها بنجاعة . و من المرجح أنه لو أشرف عليه شخصٌ ذو مستوى أدنى لتمكّن من الحصول من ليفائي على أسرار أكثر بكثير من تلك التي قدّمها عملياً .

امتدت اللقاءات مع رجال كي.جي.بي التي جرت جميعها في نفس المنزل ، معظم ساعات اليوم ، و أعاده مضيفوه بالمساء إلى غرفته في الفندق . في الحديث الأخير عشية مغادرته الاتحاد السوفييتي طلب منه محاولة الحصول من جديد و فور عودته إلى (إسرائيل) على عملٍ في مؤسسة أمنية تتوفّر فيها إمكانية الحصول على مواد سرية . و قال ليفائي للذين حقّقوا معه : "في هذه المرحلة بدأت بالإدراك بأن مخطّطي الأصلي - إعطاؤهم مواد و أخذ أموال و إنهاء القضية عند هذا الحد – ينجز . إذ تبدي كي.جي.بي اهتماماً بعلاقة مستمرة" .

أوضح له مستخدمه في ذاك الحديث الختامي ، بأن المواد التي قدّمها مهمة حقاً ، لكنها ليست غير عادية ، و لهذا فإنها لا تضفي مصداقية على دفع ثمنٍ كبير كما يطالب . و مع ذلك قال رجل كي.جي.بي الكبير ، إنه اذا وافق على التعاون في المستقبل ، بصورة صحيحة ، لا ريب في حصوله على دفعات تزيد بكثير عن مائة ألف دولار . و بنفس النوايا الحسنة ، و على أمل استمرار العلاقة ، قال الروسي إنه تقرّر دفع عشرة آلاف دولار له و ألفي دولار كإعادة مصاريف . تلقّى ليفائي مغلفاً فيه الدولارات و وقّع على إيصال . صافحه مستخدمه و طلب منه التوجّه بتاريخ 15 تشرين الأول إلى فيينا و الحلول في فندق "هيلتون" حيث سيتصلوا به هناك بين الساعة الخامسة و الساعة السابعة حيث سيسلّموه تعليمات .

و قال لنا ليفائي : "فكّرت و أنا في الطائرة التي أعادتني إلى بانكوك بقطع العلاقة مع كي.جي.بي. أيقنت مدى تورّطي . و أدركت بأنني لن أحصل على المال الذي أنا بحاجة إليه إلا في حال استمراري بالعمل لصالحهم . لكن لم يدم تردّدي طويلاً . كنت بحاجة للمال ، و كانوا المصدر الوحيد الذي يستطيع تزويدي به ، كما أنهم يحتفظون بمواد تدينني - تقارير بخطّ يدي و إيصالات بالمال الذي دفعوه لي . و بهدف إزالة الشكوك توجّهت فور عودتي إلى بانكوك إلى ضابط الأمن في السفارة (الإسرائيلية) و قدّمت تقريراً له عن سفري . قلت إنني سافرت بتكليف من الأمم المتحدة . و بالطبع لم أذكر كي.جي.بي" . أودع المال الذي حصل عليه في بنكٍ في فيينا . و قال لزوجته إنه ربح عشرة آلاف دولار في كازينو .

عاد ليفائي في شهر حزيران عام 1983 برفقة عائلته إلى (إسرائيل) ، و سافر جواً بتاريخ 13 تشرين الأول إلى فيينا و حلّ كما اتفق في فندق "هيلتون" . اتصل به في ساعات بعد ظهر نفس اليوم مستخدمه الذي وصل خصيصاً من موسكو . دخلا سيارة و قاما بما يطلق عليه مهنياً "سفر التأكد من عدم وجود ملاحقة" . سافرا في مناطق خالية من الناس ، و انحرفا في بعض الأحيان عن الطريق و دخلا منازل من بابٍ و خرجا من بابٍ آخر - كل ذلك من أجل التخلّص من أي متابعة محتملة .

وجد ليفائي نفسه في نهاية المطاف في مبنى قديم . "هذه السفارة السوفييتية" قال له الروسي ، و أضاف: "منذ الآن يا صديقي سيكون لقبك لدينا (مارك)" .

أغلقا على نفسيهما غرفة معزولة ، و سلّم السوفييتي العميل الجديد توجيهات بخصوص المعلومات التي تأمل كي.جي.بي الحصول عليها منه . قسّمت القضايا إلى نوعين : سياسية و أمنية . و تم تزويد ليفائي بشيفرة كتابة سرية ، و جهاز راديو لالتقاط بلاغات قد ترسل إليه و بآلة تصوير متطوّرة لتصوير مواقع أمنية . كما سلّم إليه رقم صندوق بريدٍ في فيينا من المفروض أن يرسل إليه تقاريره المشفّرة . و قيل له في نهاية المطاف إنه إذا علم بأن (إسرائيل) تنوي المبادرة بأي حرب كانت ، عليه رسم إشارة على عامود كهرباء معيّن في القدس .

عاد ليفائي إلى (إسرائيل) و حاول دون نجاح الحصول على عمل في الموساد و في "نتيف" ، المؤسسة التي كانت تشرف على الهجرة من الاتحاد السوفييتي . سلّم مستخدمه في لقاءات تالية عقدت في فيينا تقارير سياسية ، و استكمالاً للمواد الاستخبارية السابقة . لكن السوفييت أرادوا أكثر من ذلك . لم يخفِ رجل كي.جي.بي خيبة أمله الكبيرة من عدم نجاح ليفائي بالاندماج بمؤسسات أمنية حساسة . و كانت الدفعات تتوافق مع ذلك : عدة آلاف من الدولارات فقط في كلّ لقاء . و بلغ مجموع ما حصل عليه ليفائي من السوفييت حوالي 30 ألف دولار .

قطعت اتصالاته مع السوفييت عام 1989 . و قال لنا ليفائي إن هذا كان قراره . أما الروس و على كلّ الأحوال فلم يصروا على استمرار العلاقة و لم يزعجوه بعد ذلك .

لا ريب في أن ليفائي ألحق أضراراً كبيرة . كشف تفاصيل سرية عن بنية المخابرات (الإسرائيلية) ، و سلّم معلومات أمنية ، و سلّم مواد حساسة عن ديوان رئيس الحكومة . قدّم للمحاكمة و حكِم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً ، و خرج من السجن في مطلع عام 1999 ، بعد تخفيض ثلث فترة حكمه جراء حسن سلوكه . و بالمناسبة عارض "الشاباك" فترة طويلة إطلاق سراح ليفائي . و كجزءٍ من شروط إطلاق سراحه حظر عليه الحديث مع وسائل الإعلام .

من حيث حجم المواد التي سلّمها ليفائي للسوفييت ، بالإمكان مقارنته بالبروفيسور ماركوس كلينبرغ العالم المشهور ، الذي كان نائب مدير المعهد البيولوجي في نس تسيونه . كشف النقاب عن البروفيسور قبل تعيينه رئيساً للمعهد و حكِم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً بعد إدانته بالتجسس لصالح الاتحاد السوفييتي . خدم خلال الحرب العالمية الثانية في الجيش الأحمر برتبة كولونيل ، و زرعته المخابرات السوفييتية عام 1948 في (إسرائيل) . و على العكس من ليفائي عمل كلينبرغ لأسباب أيديولوجية . سجن الإثنان لفترة ما معاً ، لكن السجين المسن الذي تعوّد العيش وحيداً وجد صعوبة بتحمّل وجود شخصٍ آخر في غرفته و نقل ليفائي منها .

قبل عدة سنوات من إطلاق سراحه ، عرضت مبادرة لإصدار عفوٍ عن كلينبرغ ، أو كبديلٍ عن ذلك - تحسين ظروفه الاعتقالية ، أو السماح له على الأقل بالخروج بإجازات . توجّهت إلى شخصيات عامة منهم الوزيران أمنون روبنشتاين و يوسي سريد مطالبين بذلك . درست المسألة مع رجال "شاباك" عملوا في هذه القضية . كانت معارضتهم شديدة و ناجمة عن عدة مبررات . أولاً و قبل كلّ شيء ، كلينبرغ ، هكذا قالوا ، ما زالت لديه معلومات حساسة جداً و من المحظور المخاطرة بنقلها لأيّ طرفٍ كان . ثانياً ، الأضرار التي ألحقها بالدولة هائلة ، و يجب عليه دفع كامل الثمن . ثالثاً ، رفض تخفيف الأعباء عنه سيشكّل عنصراً رادعاً لعملاء محتملين .

درست الملف بصورة جذرية . قرأت رأي سلطة السجن التي أكّدت تنفيذ كلينبرغ بطاعة – و حتى بتشدّد - الشروط المكبّلة له و التي فرضها عليه "الشاباك" في السجن ، و اتضح لي بأن زوجته ، المتوفاة الآن ، و ابنته و صديقٌ للعائلة سمح لهم بزيارته و هكذا كان له اتصال بأشخاص من خارج السجن . درست آراء أطباء معروفين ، أكّدت أن مرضه يزداد خطورة . اعتقدت بأنه و في هذه الظروف و رغم الأضرار الكبيرة التي ألحقها ، ربما يوجد مجال لبادرة حسن نوايا معه . شاركت إسحاق رابين رئيس الحكومة بتردّدي هذا . قلت له إن كلينبرغ قضى جزء كبيراً من عقوبته و بأنه إنسان مريض يجد صعوبة بالوقوف على ساقيه . و قلت إن عظمة الدولة تقاسُ أحياناً بمدى الرحمة التي تستطيع إبداءها . و بناء على ذلك و رغم أن مبرّرات التشدّد كبيرة جداً ، ربما من الجدير دراسة هذه القضية .

تردّد رابين و قرّر إجراء مشاورات في القضية . شارك في المداولات التي أجريت في مكتبه ممثلتان عن مكتب المدعي العام هما دوريت باينش و راحيل سوكر . و ممثلون عن وزارة الدفاع و مسؤولون عن حراسة المعلومات و رجال "الشاباك" الذين أشرفوا على القضية . عرضت مبرّراتي على الحاضرين ، لكن ظلّ الجميع متمترسون وراء مواقفهم الرافضة تقديم أي تسهيلات كانت لكلينبرغ . قالت ممثّلتا الادعاء العام إن السجين يقدّم التماساتٍ دون توقّف إلى المحكمة العليا و تقف الدولة متابعة و تؤكّد بحماس استحالة الاستجابة لطلباته . و قالتا ليس معقولاً استبدالنا لمواقفنا بصورة مفاجئة و بدون سببٍ ظاهر للعيان . لخّص رابين المداولات بقوله إنه يجد صعوبة باتخاذ قرار . و اقترح عقد اجتماع في موعدٍ لاحق . لم يحدّد موعد لإجراء مداولات أخرى، و لم تجرِ مداولات بتاتاً .

بعد عامٍ و نصف من استقالتي من الخدمة قدّم كلينبرغ طلباً إلى المحكمة العليا بإطلاق سراحه بسبب وضعه الصحّي المتردي . كان عمره حينذاك ستة و سبعون عاماً ، و قضى ثلاثة عشر عاماً في السجن ، طلب محاميه أفيغدور فيلدمان في عرض رأيي في مداولات المحكمة . كنت قد أعربت عن موقفي قبل ذلك في مقابلة صحافية و كرّرت هذه الأقوال أمام المحكمة . قلت إن كلينبرغ منقطع منذ سنوات طويلة ، عن الأمور التي عمِل فيها . صحيح أنه حتى بعد هذه الفترة الطويلة ما زالت توجد قضايا الصمت أفضل حيالها ، لكن هذه فترة زمنية طويلة بدرجة كافية . و هكذا حتى إذا ألحق ، و حاشا لله ، أضراراً جراء كشفه أيّ أمرٍ ما ، فإنها ستكون ضئيلة جداً .

ردّت راحيل سوكر مساعدة مدعي عام الدولة على أقوالي بأنها مجرد تقديرات متعلّقة بالمستقبل ، لا ترتكز على حقائق معروفة . و للأسف لم تأخذ المحكمة العليا برأيي و رفضت التماس كلينبرغ .

كرّرت موقفي أمام لجنة إطلاق سراح السجناء ، لكن دون جدوى . و في وقتٍ لاحقٍ و خلال المداولات التي أجرتها المحكمة المركزية في بئر السبع استغرب قضاة المحكمة ، كما استغربت أنا أيضاً من التعامل المتحفّظ معي الذي أبداه رجل الهيئة الأمنية الذي حضر هو أيضاً للإدلاء بشهادته . و قرّرت المحكمة في نهاية المطاف قبول توصيتي بشرط تمكين الدولة من فرض مراقبة معينة على تحرّكات كلينبرغ . تكلّف هذه المراقبة مالاً كثيراً و لهذا أجّل الموضوع . لكن رغم ذلك تحرّك شيء ما : خرج كلينبرغ في إجازة قصيرة ، قضاها برفقة حفيده الوحيد . و فقط في أيلول عام 1998 و بعد قضائه ستة عشر عاماً في السجن قبلت المحكمة المركزية في بئر السبع استئناف كلينبرغ ابن الثمانين و أمرت بإطلاق سراحه . كان إطلاق سراحٍ مشروطٍ بقيودٍ لفترة اختبار . و من هذه الشروط تعهّده بتشغيل ممرّضين و مرافقين على حسابِه الخاص يصادق "الشاباك" على عملهم يرافقوه مدة أربعةٍ و عشرين ساعة يومياً .