|
اختطاف تاجر مجوهرات
خرج شاؤول مشعنية تاجر
المجوهرات ، صباح 23 آب 1989 من منزله في بات يام بجولة عمل في طولكرم . مشعنية من
مواليد سوريا ، حصل على دخلٍ جيد من بيعه مجوهرات ذهبية للصاغة في مدن عربية ، و
أقام علاقات تجارية معهم منذ سنوات . اعتاد في البداية السفر إلى طولكرم بسيارته ،
لكن بعد تخريب مجهولين لها عدة مرات ، فضّل إيقافها في قرية قلنسوة بالمثلث ، و
استكماله سفره بسيارة مستأجرة .
عندما اقترب ، حوالي الساعة
الثانية عشرة ظهراً ، من محل المجوهرات الأول في جولته ، هاجمه شابان و حاولا جرّه
معهما . تمكّن مشعنية من الفرار منهما و وجد له ملجأ في محلٍ تجاري . سارع صاحب
المحل إلى إغلاق الباب و قدّم لـ (الإسرائيلي) كأس ماء . و بعد فترة ما و عندما نظر
العربي إلى الخارج و لم يشاهد أحداً اقترح على ضيفه الإسراع إلى محطة السيارات
المحلية و السفر إلى منزله . استجاب مشعنية لطلبه . جلس عدة مسافرين في السيارة
الأولى في الصف ، و التي دخل إليها مشعنية . بدأ السائق بتشغيل سيارته . و فجأة برز
شابان مسلحان . طردا المسافرين باستثناء مشعنية و تحت تهديد السلاح طالبا السائق
بالتوجّه إلى منطقة قروية تقع بين طولكرم و نابلس . و أمراه بالتوقّف في إحدى القرى
، نزلا من السيارة برفقة مشعنية و وجّها تعليمات للسائق بالعودة لنقل التاجر
(الإسرائيلي) و ذلك في تمام الساعة الرابعة بعد الظهر . عاد السائق كما طلب منه و
انتظر ساعة طويلة و لم يصل أحد . رجع إلى طولكرم و توجّه إلى مركز الشرطة و روى ما
حدث . لم يعرف المختطفان لكنه نجح بوصف شكليهما . كان أحدهما غامق البشرة جداً . و
قال السائق : "بدا مثل أسود سوداني" . نقلت المعلومات على الفور إلى قيادة
"الشاباك" في لواء طولكرم .
وصلت في الساعات التالية شذرات
معلومات أخرى إلى قيادة اللواء ، لكن لم يتضمّن أي منها تفاصيل عن هوية المختطف .
عرفنا فقط بأن تجار طولكرم كانوا يطلقون عليه اسم أبو موسى . و قدّمت موظفة في
"الشاباك" تقريراً في ساعة متأخرة من المساء ذكرت فيه بأن قريباً من عائلتها ،
شاؤول مشعنية ، سافر صباحاً إلى طولكرم و لم يعد إلى منزله . و افترضنا بأنه الشخص
المختطف . عثرنا حوالي منتصف الليل على صاحب المحل التجاري الذي دار أمامه الصراع
بين الشابين و مشعنية . كان يعرف الشابين و سلّمنا اسميهما . و تبيّن لنا بأننا
نعرفهما . أعلن قبل عدة ايام فقط من عملية الخطف عن الإثنين كمطلوبين للسلطات بسبب
مشاركتهما في سلسلة عمليات . أطلق على غامق البشرة لقبٌ يتوافق مع شكله "أسود" و
كان اسم الآخر خالد . و سمعنا أنها يتجوّلان علناً في شوارع طولكرم ، لكننا لم ننجح
باعتقالهما . أجريت في منتصف الليل مداولات طارئة شارك فيها جامعو معلومات و
محقّقون من المنطقة . تقرّر اعتقال جميع المشبوهين بإقامة أي اتصال كان مع الإثنين
و التحقيق مع جميع تجار المجوهرات في المدينة و فرض حظر تجوّل على جميع قرى المنطقة
التي نقلته السيارة إليها .
تمكّن رجال "الشاباك" ، جامعو
المعلومات ، بنفس الليلة من جمع تفاصيل أخرى . و قال مصدر في إحدى القرى لهم ، إنه
شاهد اثنين لهما ملامح مشابهة لأوصاف المختطفين يسافران في سيارة "اسكورت" صفراء .
حشدنا جميع المعلومات المتوفرة لنا ، و حلّلناها و لم نعثر على طرف خيطٍ حقيقي .
قرّرنا التركيز على قرية عيوش سيئة السمعة ، التي أطلق منها بتاريخ 7 تموز 1971
أربعة صواريخ على بيتاح تكفا . كان رجال المنظمات يريدون ضرب مطار بن غوريون ، لكن
بسبب سوء التوجيه أخطأوا الهدف . قتلت في تلك العملية امرأة مسنة و طفلة عمرها خمسة
أعوام و أصيب 19 آخرين بجروح و لحقت أضرار بعدة مباني في المدينة منها مدرسة و
مؤسسة للأمراض المستعصية . و عثر في منطقة القرية ، في آذار 1986 على جثة الجندي
المختطف دافيد منوس الذي اختطف في تشرين الثاني 1984 . استدعينا إلى هناك تعزيزات
عسكرية كبيرة . حلّقت مروحيات فوق القرية الخاضعة لحظر التجوّل . و بحث قصاصو أثر
عن دلائل جرّ شخصٍ بين الأعشاب . عثرنا في حقول القرية في نهاية المطاف على شابٍ
يحاول الهروب . كان اسمه صبحي . اعتقلناه و نفى أي علاقة له بالاختطاف . و حسب
أقواله عمل طوال ساعات النهار في الحقول برفقة شابٍ من قرية أخرى ، عثرنا على هذا
الشاب الذي لم يكن يعلم ، بالطبع ، شيئاً عن العمل في الحقول . نقلناه جواً إلى
قرية عيوش و ذلك من أجل القول أمام المعتقل بأنه يكذب . كان الشاهد يرتعد من الخوف
طوال الطريق و عندما وقف أمام المتهم نفى معرفته له .
لم نترك صبحي و شأنه لكنه
استمر بالإصرار على روايته . ازداد التخوّف على مصير مشعنية من ساعة لأخرى . شوهد
أفراد عائلته على الشاشة الصغيرة يبكون بمرارة . و ذكرت الصحف أن التحقيق لم يسفر
عن شيء . انهار صبحي في اليوم التالي . قال إنه لم يشارك بخطف مشعنية ، لكن طلب منه
شخصٌ يعرفه إحضار طعامٍ إلى حقل زيتون في مشارف القرية . وصل إلى الحقل و عثر هناك
على أحد سكان القرية و إلى جانبه يهودي مربوط بحبال . و شاهد في فترة لاحقة كيفية
إنزال اليهودي إلى بئرٍ عميقة . كانت فوهة البئر ضيّقة جداً قطرها حوالي أربعين
سنتيمتراً فقط ، و هكذا إذا وضع عليها حجراً كبيراً لن يعتقد أحد بأن تحت الحجر
بئراً .
مرّ يومان على الاختطاف . و
أدركنا بأنه إذا ألقِيَ بمشعنية في تلك البئر فإن احتمالات العثور عليه على قيد
الحياة غير كبيرة . دون فقدان و لا حتى لحظة واحدة انطلقنا إلى هناك مع القائد
العسكري للمنطقة الوسطى ، إسحاق مردخاي ، و برفقة قوة من وحدة مكافحة (الإرهاب) ،
الوحدة الخاصة لقوات حرس الحدود . أجبرنا على السير مسافة طويلة مشياً على الأقدام
. و عثرنا دون صعوبة على الحجر الكبير فور وصولنا إلى حقل الزيتون . دحرجنا الحجر
من على فوهة البئر و ركع مردخاي على ركبتيه و وضع رأسه في فوهة البئر و صرخ عدة
مرات : "مشعنية !" و انطلق في نهاية المطاف من عمق أربعة أمتار صوت واهن : "الله
حضر لإنقاذي ، شكراً لله..." .
أنقذ مشعنية من البئر الضيقة
مستنزفاً و قذِراً لكنه كان بصحة جيدة . و احتفاءً بالمعجزة التي حدثت له أقام
حفلاً في منزله شارك فيه كثيرون . هذا ما قيل له ، و هاجر و أسرته إلى كندا .
مرّت عدة أسابيع قبل تمكّننا
من إلقاء القبض على المطلوبين اللذان اختطفا مشعنية . و قالا إنهما أرادا احتجازه
رهينة بهدف إطلاق سراح (مخرّبين) من السجون . كان إلقاء القبض عليهما مرهوناً
بعملية صعبة ، و معقدة ، لكننا تنفّسنا الصعداء بعد اعتقالهما ، إذ كانا من
المطلوبين الخطرين جداً .
في الحالات التي حقّقنا نجاحاً
فيها ، مثل قضية مشعنية و عدد لا يحصى من عمليات الكشف عن (مخرّبين) و منع وقوع
عمليات ، كنا نشعر برضا تامٍ لا مثيل له . كان في ذلك ما يشدّ عضدنا و يزيل تعبنا و
يدفعنا دون تردّد للقيام بمهامنا التالية . كنت أعود من مهمة ناجحة إلى مكتبي أجلس
قرب الطاولة و أشعر كما لو أنني في ذروة العالم ، بالطبع لم يكن بإمكاني الحديث لأي
شخص عما فعلناه ، لكن لم يزعجني ذلك بتاتاً . و بعد ذلك و عندما كنت أحلّ ضيفاً في
مناسبات مختلفة على أشخاصٍ مختلفين لا يعرفوا بالضبط ما الذي أعمله ، كنت أسمع
روايات عن هذه المهمة أو تلك "للشاباك" من أفواه هؤلاء الذين يدّعون أنهم مقربون من
القضية .
كانت كميّة الكلام الفارغ و
الخيالي الذي سمعته من أفواه المثرثرين الذين لا يعرفون بالضبط عما يتحدّثون هائلة
. لكن لم يغْرِني هذا بتاتاً للحديث عن الرواية الحقيقية . و كلّ ما كنت أفعله هو
الشدّ على نواجذي أو الابتسام خلسة .
حوّلت نجاحات "الشاباك"
المنظمات إلى حذرة و أكثر حنكة بكثير . واجهنا أكثر من مرة وسائل إخفاء أو تمويه
استهدفت وضع عقبات أمامنا . حاولنا في صيف عام 1991 و دون جدوى العثور على خلية
كبيرة تابعة للجبهة "الشعبية لتحرير فلسطين" ، نظمت في منطقة القدس . اعتبرت
"الجبهة الشعبية" و لسنوات طويلة المنظمة الثانية في ائتلاف منظمة التحرير
الفلسطينية . شكّلت في كانون الأول عام 1967 و يترأسها منذ ذلك الحين الطبيب
المسيحي جورج حبش (الذي آمن في المراحل الأولى بأفكار القومية العربية و انتقل مع
مرور الزمن إلى التأكيد على القضية الفلسطينية) . دمجت المنظمة عناصر ماركسية في
أيديولوجيتها ، و أعلنت عن نيّتها بناء "قيادة الطبقة العاملة" للحركة الفلسطينية ،
و عرضت أساليب قتال فيدل كاسترو كنموذجٍ لعملياتها . رؤساء "الجبهة الشعبية"
اختلفوا و بصورة شبه علنية مع كلّ خطوة و عمل تقوم به فتح ، و قالوا إن قيادة منظمة
التحرير يجب أن تسلّم لأيدي حبش ، أكّدوا ضرورة القيام بعمليات كبيرة و عملوا طوال
سنوات في مجال خطف الطائرات و عمليات مساومة من أجل إطلاق سراح أسرى . عام 1974 و
بعد مصادقة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على "المخطّط المرحلي" و بلورتهم من
الناحية العمليّة خيار العمل السياسي للمنظمة بهدف تحقيق أهدافها ، انسحبت "الجبهة
الشعبية" من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير و أعلنت محاربتها "الحلول الخانعة"
لعرفات . و حتى بعد ذلك و رغم كافة التحوّلات السياسية و الأيديولوجية، لم تتراجع
هذه المنظمة عن الرفض التام لوجود دولة (إسرائيل) . كان أعضاؤها و بصورة عامة ذوو
مستوى شخصيّ عالي و كانت العمليات التي يقومون بها من أكثر العمليات وحشية .
كان طرف خيطنا الوحيد لهذه
الخلية الخطيرة عميلنا ، الذي نجح بالالتحاق بالمنظمة . لكن تمّ تشغيله بحذرٍ كبير
مثل أي مجنّد جديد لم تعرف بعد مدى جودته . و بناء على ذلك لم يحصل على تعليمات
مباشرة بل بواسطة "نقطة ميتة" . "النقطة الميتة" كما أوضحت هي موقعٌ يضعون فيه - أي
يدفنون - رسائل و أسلحة من أجل منع إجراء أي اتصال مباشر ، كانت النقطة الميتة هذه
حفرة صغيرة مغطاة بحجر قرب أرجوحة في حديقة عامة . كانت الرسائل التي دفنت فيها ،
بصورة رئيسة توجيهات أيديولوجية ، و هذا أسلوبٌ معروف لدى "الجبهة الشعبية" لرفع
مستوى أعضائها .
كان بإمكاننا ، بالطبع ، نشر
نقاط مراقبة في المنطقة وإلقاء القبض على الذي يدفن الرسائل . لكننا أردنا إلقاء
القبض على الأعضاء التنفيذيين في المنظمة ، لا على مراسل مواد دعائية . طلبنا من
عميلنا وضع رسالة في النقطة الميتة يدّعي فيها عثوره على قنبلة يدوية في مكانٍ معين
، و أخذه لها إلى منزله و بأنه يريد معرفة ما الذي يجب عليه عمله بها . كتب الرسالة
و دفنها في الحفرة بالحديقة العامة و عاد إلى منزله . و عندما عاد إلى "النقطة
الميتة" بعد ثلاثة أيام وجد في الحفرة رسالة جوابية تتضمّن تعليمات مفصلة : بتاريخ
محدّد و في الساعة 16:30 عليه حفر حفرة في مكان معيّن قرب حيّ سكني في مدينة عربية
و دفن القنبلة فيها .
سلّمناه قنبلة ، لكن ليس قبل
إبطال مفعولها ، و دفنها حسب التعليمات التي تلقّاها . اختبأ أفراد وحدة عملياتنا
في المنطقة و تابعوا ما يدور . وصل شخص إلى المكان بعد ثلاث ساعات من الموعد
المحدّد ، نظر حوله ، بهدف التأكّد من عدم وجود أحدٍ يراقبه ، حفر قليلاً و سحب
القنبلة و دخل سيارته و سافر إلى رام الله . تابعناه حتى مبنى سكنيّ جوار المنطقة
الصناعية في المدينة . رغم الصعوبات الكامنة بتوفير مراقبة مستمرة في منطقة عربية ،
استخدمنا أساليب مختلفة من أجل التأكّد من بقاء المبنى في مدى نظرنا . صوّرنا جميع
الداخلين إليه و الخارجين منه . تابعنا معظم الخارجين و اعتقلنا أحدهم لدى وصوله
إلى مخيم اللاجئين الأمعري ، لكننا لم ننجح بالحصول على أي معلومات منه .
حاولنا معرفة من هم سكان
المبنى في رام الله ، و لم ننجح بذلك . اتضح بأن جميع المساكن في المبنى مستأجرة و
لم نتمكّن من الحصول على قائمة كاملة بأسماء السكان . و قرّرنا في النهاية اقتحام
المبنى بواسطة خدعة مجرّبة . استغلينا حادث رشق حجارة على سيارات قرب المبنى و
دفعنا إلى المكان بوحدة عسكرية . قام الجنود برفقة رجالنا بتمشيط المبنى شقة بعد
شقة ، تحت ذريعة البحث عن مشبوهين برشق الحجارة . و عندما طرقنا على أحد الأبواب لم
نتلقّ رداً و اقتحمناه . تم تأجير المسكن إلى مواطنٍ غزّي و أخته . و بعد إجراء
مقارنة بين وثائق التشخيص التي عثرنا عليها مع سجلاتنا وجدنا بأن الإثنين كانا
عضوان في "الجبهة الشعبية" . "الجبهة" التي لا تعتبر منظمة إسلامية متطرّفة ، تبدي
انفتاحاً حيال النساء و تشجّعهن على الانضمام لصفوفها .
كان في المنزل شخصٌ مذهول حاول
حرق وثائق ، هجمنا عليه و تمكّنا من أخذها من يديه ، استأنا كثيراً لأننا لم نعثر
على شيء باستثناء ذلك . كان المنزل خالياً و لم توجد فيه علائم لأي نشاطات غير
عادية . لكن علّمتنا التجربة بأنه لا يجب أن نستنتج نتائج من المظاهر الخارجية فقط
. فتّشنا بدقة الأرضية و الجدران بدون تجاوز و لا حتى سنتيمترٍ واحد . عثرنا في
المطبخ على جدار مبلطٍ بسيراميكا . نجم عن الضرب عليه نغمة عميقة . و عندما بدأنا
بخلع البلاط اتضح لنا أن بعضه ملصّقٌ على لوح خشبي على شكلِ باب . رفعنا اللوح و
شاهدنا ثغرة مظلمة حشر عربيّ نفسه فيها . كان من سكان شفا عمرو و كانت الهوية التي
بحوزته مزوّرة .
استمر التفتيش على طول الجدران
. كان أحدها مغطى بقطعة قماشٍ ملوّنة الأمر الذي أثار شكوكنا ، فتشناه بصورة دقيقة
و اكتشفنا بأنه مصنوع من قطعة واحدة . شكّل توالي الأشكال المتماثلة التي زيّنت
قطعة القماش تمويهاً كاملاً لمدخلٍ مغطى بلوح جبص ، اقتحمناه و وجدنا أنفسنا داخل
كوخٍ اختبأ فيه شخص آخر . لم نكن بحاجة لوقتٍ طويلٍ من أجل التعرّف على هوية رجل
المنظمات الذي نبحث عنه منذ خمس سنوات متتالية . عثرنا في الكوخ الضيّق على ثروة
هائلة : وثائق مختلفة ، أختام لوزارة الداخلية و للإدارة المدنية و هويات
(إسرائيلية) و آلات تصوير متطوّرة و أدوات تنكّر - شعر مستعار و لحى و شوارب بأشكال
و ألوان و أحجام مختلفة و آلة طباعة و عشرات آلاف الدولارات .
اعتقل الثلاثة و سلّمت المواد
للدراسة و التصنيف . كان هناك حوالي خمسمائة وثيقة تضمّنت أكثر من ثلاثمائة اسم
لأشخاص مرتبطين بـ "الجبهة الشعبية" بالقدس و رام الله و أريحا . بحثنا بهذا
الأسلوب عن علاقة واضحة بين "الجبهة" و مجموعة "أبناء البلد" في أم الفحم و عرفنا
الكثير عن أساليب عمل المنظمة و بنية قيادتها و شبكتها المالية و كلّ شيء .
"أبناء البلد" مجموعة وطنية
شكّلت في كانون الأول عام 1973 و تطلّع أفرادها إلى عدم إضفاء شرعية على دولة
(إسرائيل) الصهيونية ، و إلى إقامة دولة علمانية ثنائية القومية على جميع أرض
(إسرائيل) الغربية . و من هنا برز شعارهم "الخليل مثل الجليل" . دعوا في بداية
نشاطاتهم إلى مقاطعة انتخابات الكنيست الثامنة . و هاجموا "اعتدال" ركاح . و شكّلوا
بعد ذلك سلسلة جمعيات للدفاع عن الأسرى السياسيين و للنساء العربيات و للشبان العرب
و للنشر و جمعيات أخرى . كان كثير من أعضائها طلبة جامعات و كان لها ممثلون في عدة
مجالس محلية . انسحب من هذه الحركة عام 1983 قسم الأنصار و شارك في "القائمة
التقدميّة للسلام" . لم يتوقّف من تبقّوا في الحركة عن نشاطاتهم حتى منتصف
التسعينيات . و من بين ما تمكّنوا من القيام به إرسال عريضة إلى الأمين العام للأمم
المتحدة ضد الهجرة من الاتحاد السوفييتي و تنظيم تأييدٍ و دعم للعراق إبان حرب
الخليج في مطلع عام 1991 .
كانت مواجهة المطلوبين إحدى
المهام الأكثر قسوة و تعقيداً "للشاباك" . و تضاعفت في فترة الانتفاضة ، عندما
تحوّلت النواة الصلبة للمطلوبين إلى العنصر المحرّك لنشاطات الإرهاب في المناطق .
أدخلوا للانتفاضة الشعبية الاستخدام الواسع للسلاح و نفّذوا عمليات هجومية ضد
مدنيين (إسرائيليين) ، بما في ذلك الطعن بالسكاكين ، قتل في سنوات الانتفاضة جراء
عمليات من هذا النوع - كانت معظمها عمليات قام بها أفراد - عشرات (الإسرائيليين) و
أصيب مئات بجروح .
كان معظم المطلوبين شباناً
تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر و أربعة و عشرين عاماً . و كان من بينهم شابان غير
متزوجان . عملت غالبيتهم العظمى بناء على مبادراتهم الشخصية دون انتماء لأي إطار
تنظيمي . نما هؤلاء في خضم النشاطات الاحتجاجية الجماهيرية ، التي وجدت تعبيرها في
البداية برشق الحجارة و المظاهرات . لكن تشكّلت في أوساطهم و بسرعة ، مجموعات قام
أفرادها بعمليات ضد قوات الأمن و قتلوا بوحشية سكاناً من المناطق اشتبهوا بتعاونهم
مع السلطات . وصفوا تجار مخدّرات و عاهرات و قوّادين . اعتبروا بنظر قيادة
الانتفاضة أشخاصاً غير مرغوب فيهم و لا تقل خطورتهم على المجتمع الفلسطيني عن خطورة
العملاء .
بالإمكان التمييز بين ثلاث
مجموعات رئيسية للمطلوبين : كان من بين أفراد المجموعة الأولى ، الذين قاموا بهذه
العملية أو تلك ، و تخوّفوا من الكشف عن هوياتهم ، و لهذا قرّروا الاختباء خوفاً من
توجّهنا إلى منازلهم لاعتقالهم . و كانت المجموعة الثانية ، أعضاء "اللجان الضاربة"
الذين قادوا الانتفاضة في المناطق و رشقوا حجارة و قاموا بعمليات ضد أشخاصٍ يشتبه
بتعاونهم مع (إسرائيل) ، و اختبأ هؤلاء أيضاً خوفاً من اعتقالهم . و انتمى للمجموعة
الثالثة (مخرّبون) أصدرت ضدهم قرارات اعتقال إداري ، و قبل استبدال الأنظمة الخاصة
بهذا الموضوع كان لدى هؤلاء المطلوبين أسباب جيدة للاختباء ، لأن قرار الاعتقال
الإداري يبدأ سريان مفعوله منذ لحظة إصداره و ليس منذ موعد الاعتقال الفعلي . و على
سبيل المثال : إذا أصدر القرار لمدة ثلاثة أشهر و اختبأ المطلوب مدة شهرين منها ،
فإن عليه قضاء شهر واحد فقط . و تم في نهاية المطاف استبدال هذه الأنظمة . و أصبح
قرار الاعتقال الإداري الصادر ضد شخصٍ ما يلغى فور إلقاء القبض عليه و يصدر ضده
قرار اعتقال جديد في اليوم الذي يلقى فيه القبض عليه . لكن يستوجب إصدار القرار
الجديد عرض شبهات جديدة .
مع مرور الزمن ازداد تصميم
المطلوبين على ضرب أهدافٍ عسكرية - مواقع مراقبة و مواقع عسكرية و دوريات – و على
خوض مواجهات مع الجنود (الإسرائيليين) ، رغم إدراكهم بأن احتمالات بقائهم على قيد
الحياة في عمليات كهذه غير كبيرة . وقعت 59 عملية من هذا النوع في عام 1990 ، و
وقعت 120 عملية في عام 1991 ، و ازدادت الأرقام دون توقّف .
لاحقنا المطلوبين دون هوادة .
أجبروا على هجر منازلهم ، و اختبأوا في الكهوف و في منازل سرية و في أماكن آمنة قدر
الإمكان من وصولنا إليها . أدركوا بأن الاشتباك معنا قد ينتهي بموتهم . أما إذا
ألقي القبض عليهم فسينتظرهم تحقيقٌ طويل و بعد ذلك عقوبات كبيرة بالسجن ، لكنهم
آمنوا بقدراتهم على البقاء في الميدان و توجيه الضربات لنا دون وصولنا اإليهم ، مرت
فترة كانت قائمة المطلوبين تتضمن أكثر من ألفي اسم . انتمى عددٌ كبير منهم إلى
عصابات "الفهد الأسود" التي شكلت إطاراً لنشاطاتهم (التخريبية) .
كان أحد أبرز هؤلاء أحمد يحيى
عياش الذي اشتهر أكثر بلقب "المهندس" و ذلك بسبب كفاءاته الفنية . كشف عن هويته في
تحقيقٍ أجري في أعقاب العثور على سيارة ملغومة برمات إفعال ليلة 20 - 21 تشرين
الثاني 1992 ، و عثر على مخبأ له في أماكن مختلفة و استمر بالتخطيط لتنفيذ عمليات
ضد (إسرائيل) ، قمنا و خلال فترة طويلة بملاحقة غير متوقّفة له . حوّلته العمليات
القاسية التي نفّذت بواسطة العبوات الناسفة التي صنعها ، إلى الهدف الأول من حيث
الأهمية . لم يسهّل عياش المهمة علينا . حافظ على النوم في كلّ ليلة بمكانٍ مختلف و
لم يشارك أحدٌ بتاتاً بمخططاته ، و لا حتى إذا كانت تتعلّق بذات اليوم . عرفنا بأنه
يحصل على تقديرٍ كبير و على تعاون من قبل السكان .
قمنا أكثر من مرة بعمليات
تمشيط مفاجئة في منزل "المهندس" في قرية رافات . و قمت أنا نفسي بزيارة المنزل مرة
واحدة . أردت التعرف و لو قليلاً على الخلفية التي ترعرع فيها هذا القاتل الوحشي .
التقيت أفراد عائلته ، والده و والدته و زوجته التي كانت حاملاً . كانت أسرة زراعية
فقيرة تعيش ظروفاً قاسية . الأب إنسان صامت ، خاضع بصورة كاملة لزوجته العدوانية .
استنكرت دون توقّف (إسرائيل) و أضفت مصداقية على النضال الفلسطيني و قالت إن ابنها
بريء من أية جريمة و أننا ننكّل به دون سبب . لم تسمح لزوجها بالحديث . نظرت إليها
و استمعت لحديثها و أدركت من أين ورث ابنها توجهاته الوطنية و كراهيته الرهيبة لـ
(إسرائيل) .
تمت في نهاية المطاف تصفية
"المهندس" بعد تفخيخ هاتفه الخلوي بتاريخ 5 كانون الثاني 1996 . و رأيت بعدم
معاقبته قبل ذلك فشلاً شخصياً لي .
مطاردة أخرى ، إحدى عمليات
المطاردة المعقّدة و الاأكثر خيبة للآمال التي أتذكّرها ، كانت وراء عماد حسان
إبراهيم ، من سكان مخيم اللاجئين جباليا البالغ من العمر ثلاثة و عشرين عاماً ، و
الذي ترأس القسم العسكري لحركة حماس - كتائب عز الدين القسام . أطلقنا عليه لقب
"المطلوب ذو السبعة أرواح" . و ذلك بسبب كثرة عمليات التنكّر التي استخدمها من أجل
التهرّب منا . اعتاد على التنكّر كامرأة عربية ترتدي ملابس تقليدية ، تغطّي وجهها
بنقاب ، أو كيهودي يضع قبعة دينية على رأسه (عمليتا التنكر هاتان كانتا رائجتين في
أوساط المطلوبين) و أطلق عليه سكان قطاع غزة أسماء "الوميض" و "الهارب" و "الشبح" .
كان إبراهيم (مخرّب) خطير و
عنيف جداً . جنّد أعضاء لحماس ، دربهم و أهلهم للقيام بعمليات (تخريبية) و شارك
بنفسه بعشرات العمليات - معظمها إطلاق نارٍ من كمين - قتل فيها عشرة جنود و مدني
(إسرائيلي) واحد و أربعة من سكان المناطق . ظهر اسمه في قائمة المطلوبين منذ كانون
الأول 1991 ، لكن وصلت مطاردته نهايتها الناجحة فقط بعد حوالي عامين من ذلك .
بذل "الشاباك" عشية تنفيذ
اتفاقية الانسحاب من غزة و أريحا ، مجهودات كبيرة جداً من أجل إلقاء القبض على
المطلوبين في المناطق التي من المفروض تسليمها إلى السلطة الفلسطينية . بتاريخ 24
تشرين الثاني 1993 قبل ثلاثة أسابيع فقط من الإخلاء وصلتنا معلومات من مصدر في حماس
تقول إن إبراهيم وجد مخبأ له في منزلٍ سري في حيّ الشجاعية في غزة . طوّقت وحدة
المستعربين "شمشون" المبنى . شاهد إبراهيم الجنود و لاذ بالفرار من المنزل مع مطلوب
آخر إلى سيارة كانت تقف قرب المكان . طوّق أفراد الوحدة السيارة ، أطلق إبراهيم
النار عليهم و ردّ الجنود بإطلاق النار . أصيب و توفيّ بعد فترة قصيرة . و سجّلت
العملية كأحد الانتصارات الكبيرة لقوات الأمن و "الشاباك" .
كانت بؤر نشاطات النواة الصلبة
للمطلوبين في لوائي جنين و نابلس شمال الضفة الغربية و في رفح و خانيونس بقطاع غزة
. تلقّينا معلومات متوالية و مقلقة عن تسلّحهم المتزايد بالبنادق و المدافع الرشاشة
و المسدسات و أثار قلقنا أكثر من ذلك ، تطوّر تجارة أسلحة بين المطلوبين و بين عرب
في (إسرائيل) خصوصاً في قرى خط التماس . و عثر بعض المطلوبين على ملجأ لهم في عددٍ
من هذه القرى .
ارتكز توسيع المطلوبين
لنشاطاتهم و بدرجة غير قليلة على التآكل التدريجي الذي طرأ على قوة ردع الجيش
(الإسرائيلي) في أعقاب الانتفاضة بالمناطق . كان التنكيل بجنود الجيش (الإسرائيلي)
إضافة للحوافز الوطنية نوعاً من حملة انتقامية على الملاحقة المكثّفة لهم من قبل
الجيش و "الشاباك" . قمنا بعشرات العمليات التي قتل خلالها أو ألقيَ القبض على
مطلوبين كبار . و على سبيل المثال اعتقل أحمد عوض كميل رئيس مجموعة "الفهد الأسود"
في جنين و الذي كان المطلوب الأول في شمال الضفة .
كان كميل مسؤولاً عن عمليات
وقعت في منطقة جنين ، منها قتل جنديّ و حارس صهريج وقود و درزيان من (إسرائيل) .
هذا إضافة إلى تصفية عرب اشتبه بتعاونهم معنا . نجحنا بتعقّب آثاره بعد التحقيق مع
أحد رجال "الفهد الأسود" و ألقيَ القبض عليه قبل عدة أسابيع من ذلك . حدّد هذا
عدداً من اأماكن التي اعتاد رجال المجموعة الاختباء فيها . أجريت عمليات مراقبة و
متابعة كثيرة قبل اتخاذنا قراراً باقتحام منزلٍ معين في قرية كوفير . وصلنا إلى
هناك سراً في ليلة 28 أيلول 1993 ، برفقة قوة عسكرية و وحدة مكافحة الإرهاب .
طوّقنا المنزل و ألقينا القبض على رئيس المجموعة برفقة اثنين من كبار الأعضاء و
عثرنا هناك أيضاً على أسلحة و عبوات ناسفة و مخطّطات للقيام بعمليات داخل (إسرائيل)
.
استسلم أحمد عوض كميل دون
معركة . لكننا و في حالات كثيرة واجهنا إطلاق نارٍ لدى توجّهنا لاعتقال مطلوب . و
هذا ما حدث عندما أردنا اعتقال عضوٍ كبير في حماس أطلق سراحه من السجن بعد أربع
سنوات من الاعتقال و عاد على الفور إلى العمل . كان أعضاء الخلية التي شكّلها
مطلوبون من حماس من غزة و الخليل . في تلك الفترة كان هناك تنقّل باتجاهين لمطلوبين
من غزة و من الضفة و لم يكن التعاون بين المنطقتين ظاهرة شاذة .
خطّط هذا الشخص لعمليات إطلاق
نار على سيارات (إسرائيلية) و إلى إلقاء قنابل يدوية على مستوطنات في منطقة الخليل
. و حسب المعلومات التي تلقّيناها جمع أسلحة و ذخيرة بكميات كبيرة . سلّمنا مصدرنا
عنواناً في منطقة الخليل اختبأ فيه هذا الشخص مع ناشط في جهاز عمليات حماس .
توجّهنا إلى هناك مع حلول ساعات الليل مع قوة من وحدة مكافحة الإرهاب ، قطعنا ساعة
طويلة سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى هدفنا - مبنى صغير من طابق واحد يقع في أسفل
وادي . طوّقنا البيت و نصبنا حواجز في جميع المنطقة ، و ذلك بهدف منع هروب محتمل لـ
(المخرّبين) . و مع حلول الفجر استخدمنا مكبرات الصوت و طلبنا منهم تسليم أنفسهم .
تمترست على بعد حوالي ثلاثمائة متر من البيت . و في مثل هذه الحالات كنت أدع قائد
العملية القيام بما يكلّف به بدون تدخل . هو المسؤول عن قواته و كان من المفروض
معرفته أفضل مني ما الذي يجب عمله .
كان تبادل إطلاق النار قد
استمر حوالي ساعتين و فجأة شوهد اثنان من (المخرّبين) يحاولان الهروب من مدخل خلفي
يحملان على ظهريهما أسلحة كثيرة . صوّبت النيران عليهما و قتلا في مكانهما . في هذه
الحالات و عندما يطلق (المخرّبون) النار على قوة حضرت لاعتقالهم يكون واضحاً لهم
منذ البداية بأن احتمالات بقائهم على قيد الحياة توازي الصفر - لا يرتدع بعضهم عن
ذلك لأنهم يكونوو على يقين بتحوّلهم إلى شهداء و يطلق بعضهم النار لاعتقادهم بأنهم
قد ينجحوا بالهروب تحت وابل النيران ، أما نحن فكنّا نمتنع و في جميع الأحوال و
بصورة عامة عن المخاطرة الزائدة . و عندما كنا نواجه إطلاق نارٍ كنا نستخدم أسلحة
تغطي الهدف كاملاً بالنيران .
كان المطلوبون و في معظم
الأحوال (مخرّبون) عنيفون جداً . قتلوا دون رحمة عرباً اشتبه بتعاونهم مع (إسرائيل)
. كان بعض ضحاياهم أبرياء و منهم مواطنون أبرياء خطيئتهم الوحيدة زيارتهم مرة واحدة
مكاتب الحكم العسكري بهدف طلب مساعدة طبيّة لأحد أفراد العائلة . كانت جرأة القتلة
كبيرة إلى درجة لا يتردّدون فيها عن العمل علناً و في وضح النهار . و بنظرهم كان
لذلك تأثير رادع على السكان المحليين .
اتخذ المطلوبون سبل حذرٍ كثيرة
بهدف الحيلولة دون وقوعهم بأيدينا . لم ينطلقوا من أماكن اختبائهم قبل قيام خلية
الحراسة المرافقة لهم بجولة ميدانية في المنطقة للتأكّد من نظافتها من رجال الأمن
(الإسرائيليين) . كانت هناك أساليب إنذار متفق عليها بين الحراس و المطلوبين مثل
الصفير و الضرب على النوافذ أو التلويح بقطعة قماش حمراء . و عندما كان يعرض على
شخصٍ ما الانضمام إلى حارس مطلوب رفيع المستوى ، كان يرى بذلك شرفاً كبيراً . حلم
حراس كثيرون بتعيينهم حراساً على المهندس ، لكن قلائل فقط هم الذين حصلوا على هذا
الشرف . وجد مطلوبون كثيرون ملجأ لهم في حي القصبة بنابلس و كانوا ينطلقون من هناك
للقيام بعملياتهم في المنطقة . و كان أحد البارزين منهم ناصر عماد . صفّى بوحشية
عملاء كثيرين و نظّف المنطقة من العاهرات و تجار المخدرات . كان و رجاله يلقون
القبض على المتهمين و ينقلوهم للتحقيق و يعذّبوهم حتى يعترفوا بالتهم المنسوبة
إليهم . كان أحد أساليب التعذيب لديه دفن الذين يجري التحقيق معهم أحياء و سحبهم من
القبر لدى بدء اختناقهم . وأطلق النار على ركب المتهمين ، و عالجهم بالحديد الساخن
و في النهاية و بعد اعترافهم فيما يطلب منهم كان يطلِق النار على رؤوسهم .
نصبنا له كميناً ، فترة طويلة
جمعنا التفاصيل الواحدة بعد الأخرى لمعرفة نمط حياته في القصبة ، و ساعات العمل
المفضلة لديه . فوجِئنا كثيراً لعدم نجاحنا في إلقاء القبض عليه رغم الكمائن
الكثيرة التي وزّعناها في الأماكن التي من المفروض وجوده فيها . و فقط بعد فترة
اتضح لنا سبب تمكّنه من الفرار من أيدينا . كان ببساطة يتجوّل في المنطقة متنكّراً
بملابس امرأة تضع نقاباً على وجهها . و في نهاية المطاف تكلّلت مجهوداتنا بالنجاح .
في إحدى المرات و بعد أن خرج للعمل مرتدياً كعادته ملابس امرأة حاصرناه و رجاله ، و
قتل خلال عملية تبادل إطلاق النار التي بدأت بعد أن اتضح له وقوعه في الفخ .
من بين ما استوجبته محاربة
المطلوبين المساعدة غير القليلة من مصادر بشرية ، كانت الأخطار التي يعرّضون أنفسهم
إليها هائلة . كان من الممكن أن تؤدّي شكوك مهما كانت بسيطة حول تعاونهم مع
(إسرائيل) إلى تصفيتهم . كان أحد عملائنا الهامين في قطاع غزة مهرّباً ذكياً ،
اعتاد الإبحار بسفينته إلى مجال المياه الإقليمية المصرية ، حيث كان يلتقي سفناً
مصرية تنقل إليه بضائع مختلفة بالإمكان بيعها بأرباح عالية في المناطق و في
(إسرائيل) .
أغمضنا عيوننا عنه فترة طويلة
و سمحنا له بالتهريب . و نسّقنا مع سلاح البحرية بحيث لا تكون أيّ من سفنه و لا أي
وحدة عسكرية في المنطقة عندما كان يحمّل أو يفرغ بضائع من سفينته . و بسرعة راجت
شائعات في المناطق بأنه مهرّب بالإمكان الاعتماد عليه .
فضّلنا مبدئياً إلقاء القبض
على المطلوبين على اليابسة ، و كان إلقاء القبض عليهم في البحر أصعب بكثير و ذلك
لأن سفن الصيد صغيرة مزوّدة بمحركات قوية ، و كانت مرنة الحركة و أسرع بكثير من
"دبوريم" التابعة لسلاح البحرية . عقدنا الآمال على تمكّننا و بمساعدة المهرّب الذي
أصبح عميلاً لنا ، من إغلاقٍ جزئي لمسار الهروب عبر البحر .
أبلغنا العربي في يوم ماطرٍ
رمادي بكانون الأول 1990 ، أن أربعة مطلوبين أعضاء في مجموعة الفهد الأسود من قطاع
غزة يريدون الهروب إلى مصر بمساعدته . كان هؤلاء (مخرّبون) بحثنا عنهم فترة طويلة ،
بعد مشاركتهم بعمليات خطيرة . و واتتنا الفرصة الآن لإلقاء القبض عليهم . حشدت على
الفور جميع القوى المطلوبة بهدف ضمان نجاح العملية . كانت سفن سلاح البحرية تناور
في منطقة غير بعيدة و نصبت كمائن على الشاطىء و غطّت المراقبة الجويّة المستمرة
جميع المنطقة . انطلقت مع مجموعة القيادة إلى المنطقة و تمركزنا قرب ميناء سفنٍ ليس
بعيداً عن مخيم اللاجئين دير البلح .
وصلت سيارة جيب خضراء الساعة
15:30 إلى مكب نفايات مجاور ، قفز أربعة رجال منها و سارعوا إلى سفينة المهرب ، و
قدّمت المراقبة الجوية تقريراً أكدت فيه نزول الأربعة إلى مخزنٍ في بطن السفينة .
فرش العربي أكياساً قديمة عليهم و أبحر . و بعد فترة قصيرة اقتربت سفن سلاح البحرية
من السفينة و أطلقت نداء إليها بالتوقّف . طرأ انعطاف في هذه المرحلة لم نفكّر به
مسبقاً . أصيب المهرب و بصورة مفاجئة بالذعر تخوّفاً من أن يؤدّي إلقاء القبض على
المطلوبين الأربعة إلى إثارة شبهات لدى المنظمات بأنه يتعاون مع (الإسرائيليين) .
عندما خطّطنا للعملية وجّهنا إليه تعليمات واضحة بإيقاف السفينة في اللحظة التي
تقترب منه سفن سلاح البحرية ، و عوضاً عن ذلك انطلق بأقصى طاقة محرّك السفينة نحو
الشاطىء . و تخلّفت سفن سلاح البحرية وراءه . لكن الطائرة المروحية ، التي كانت
تتابع ما يدور عن كثب وجّهت تعليمات إلى القوة البرية بالاستعداد في الموقع الذي
تقترب منه السفينة . و سار كلّ شيء على ما يرام و اعتقل الأربعة فور أن وطئت
أقدامهم الرمال .
و من أجل عدم إثارة الشكوك
اعتقلنا أيضاً المهرّب . و قال إنه لم ينفّذ تعليماتنا لإحساسه بالخوف . أطلقنا
سراحه لكن ليس قبل إعداد رواية مناسبة له . نجم إطلاق سراحه السريع ، من الناحية
الشكليّة ، عن تصديق محقّقي "الشاباك" لروايته بأنه أجبر على تهريب المطلوبين بعد
ممارستهم ضغوطاً كبيرة عليه ، حيث لم يعد أمامه خيار آخر . بدا هذا الإيضاح مقنِعاً
. و بعد فترة قصيرة من ذلك توجّه إليه مطلوبون من أجل تهريبهم إلى مصر . و بقينا
طوال الوقت في الصورة .
عمل المطلوبون دون هوادة على
إبداء جرأة كبيرة جداً ، و على المبادرة بعمليات تصبح مدار حديث الشارع العربي .
نجمت هذه الحدة عن إحساسهم في الفترة الأولى لنشاطاتهم بأن السكان لا يدعموهم بدرجة
كافية . كانوا بحاجة للسكان من أجل الحصول على الأموال و الملاجىء . و لهذا كان
لزاماً عليهم عرض إنجازاتٍ و بكثرة . و هذا ما حدث فعلاً ، إذ أدّى نجاحهم بالبقاء
لفترة أطول و بروز نشاطاتهم الميدانية إلى مضاعفة التعاطف معهم و بعد ذلك مضاعفة
دعمهم . و بدأت و مع مرور الزمن المنظمات في لبنان و سوريا و تونس و دول عربية أخرى
بملاحقتهم و ذلك بهدف ربطهم بنشاطات عنفٍ تتوافق و مصالحها . و بالفعل وجد هنا و
هناك تعاون زوّدت المنظمات في إطاره المطلوبين بأسلحة و عملت على تدفق الأموال
إليهم بواسطة مبعوثين من سكان المناطق . لكن فضّل معظم المطلوبين البقاء "ذئاباً
ضالة" أو العمل في إطار مجموعات محلية صغيرة .
كانت محاربة المطلوبين و دون
أدنى شكّ إحدى النجاحات الكبيرة للمخابرات العامة . و للأسف فقدنا خلال هذه الحرب
الطويلة والقاسية عدد من افضل رجالنا . و تمكّنا في نهاية المطاف و من خلال التعاون
الوثيق مع الوحدات المختارة في الجيش و حرس الحدود من تقليص هذه الظاهرة بدرجة
كبيرة .
تحوّلت مواجهتنا للمطلوبين مع
إقامة السلطة الفلسطينية و بصورة طبيعية ، إلى أصعب بكثير . لم تعتقلهم السلطة إلا
إذا أزعجوها و بالطبع لم تسلّمنا أياً منهم .
|