|
خمسون عذراء في جنة عدن
برزت في مطلع سنوات التسعينيات
و للمرة الأولى ظاهرة (المخرّبين) (الانتحاريين) . كانت تلك بداية حقبة العمليات
الخطيرة جداً للمنظمات المتطرّفة ، التي أرادت و من خلال هذا الأسلوب إفشال مسيرة
(السلام) . و بالفعل خلال العامين بعد اتفاق أوسلو نفّذ ليس أقل من عشرين عملية
(انتحارية) . كان أعضاء حماس في قطاع غزة أول من استخدم هذا الأسلوب . و سار في
أعقابهم أعضاء الجهاد الإسلامي . و طرأ تصعيد كبير على العمليات (الانتحارية) في
أعقاب المجزرة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي في شباط 1992 .
عندما اتضح اتخاذ ظاهرة
(الانتحاريين) أحجاماً واسعة جداً صاغ قسم الأبحاث في القسم العربي في "الشاباك"
أبحاثاً و وثائق مواقف أرسلت إلى إسحاق رابين رئيس الحكومة و لعناوين أخرى في
الأوساط السياسية و لأوساط أخرى . كتب فيها بأن العمليات و خصوصاً العمليات التي
يقوم بها (انتحاريون) مسلمون تشكّل تهديداً استراتيجياً لدولة (إسرائيل) .
إلى حين استخدام المنظمات لـ
(الانتحاريين) لم يوصف العنف بأنه يشكّل تهديداً لوجود دولة (إسرائيل) ، لكن أدّت
نشاطات (الانتحاريين) إلى وجود واقع جديد : مست نوعياً بأمن المواطنين في (إسرائيل)
، و حدوث تعثّر في مسيرة السلام و زعزعت الاستقرار في المنطقة جميعها . و أكد
الباحثون بأن لهذه الظاهرة الجديدة نتائج على مجالات أخرى : المس بالمعنويات
الوطنية و بطابع الردع و التشويش على مسار الحياة و إلحاق أضرارٍ مباشرة و غير
مباشرة بالاقتصاد و أمور أخرى .
ورد في إحدى الوثائق أن موجة
العمليات القاسية قد تؤدّي إلى وضعٍ جديد - من الناحية العملية ، حالة طوارىء -
تستوجب مواجهته ، استبدال عنف ردة الفعل و أساليب و أعراف اللعبة القديمة . و تم
التأكيد أيضاً على أن محاربة (الإرهاب) تستوجب نشاطات مستمرة متتالية و عنيدة في
أماكن و أزمنة مختلفة ، و تنسيق فيها أساليب و وسائل و قدرات متوفّرة لنا . و ورد
هناك أيضاً أن الاستخبارات النوعية شرط لمحاربة ناجحة لـ (الإرهاب) .
توقّعت هذه الأبحاث أن يؤدّي
انسحابنا المتوقع من مناطق شاسعة في أعقاب الاتفاق مع الفلسطينيينإ إلحاق أضرارٍ
كبيرة بالقدرات الذاتية للأوساط الأمنية (الإسرائيلية) على جمع معلومات و إفشال
عمليات . و بناء على ذلك سيكون من الصعب ضرب البنى التحتية لـ (الإرهاب) دون
السيطرة على المناطق الموجودة و العاملة فيها و التي تتمتع فيها ببيئة و أجواء
مناصرة . كما أعرب كتبة الأبحاث عن اعتقادهم أن السلطة الفلسطينية تستطيع و من خلال
استخدام أجهزتها التسبب بضعف حقيقي لتهديدات (الإرهاب) الإسلامي ، لكنها غير مصمّمة
بما فيه الكفاية ، و غير ناجعة بالدرجة المطلوبة . و أكدت الأبحاث أن ضغوطاً كبيرة
تمارسها (إسرائيل) و أوساط دولية على السلطة الفلسطينية و تهديداً لإنجازاتها
السياسية و تهديداً لوجودها ، هي التي يمكن أن تدفع عرفات لمحاربة مستمرة لا هوادة
فيها لـ (الإرهاب) الإسلامي . الاتفاقات أو التفاهم المحتمل بين السلطة الفلسطينية
و بين أوساط (الإرهاب) لا تشكّل ضمانة لوقف (الإرهاب) . التداخل السكاني الفلسطيني
– (الإسرائيلي) يضع عقبات أمام منع (الارهاب) . و بكلمات أخرى : يجب تنفيذ سياسة
الفصل التي دعا إليها إسحاق رابين .
تستوجب المحاربة الناجعة لـ
(الإرهاب) معالجة (المخرّب) و الذين أرسلوه و الذين ساعدوه و الذين موّلوه و المحيط
المؤيد له . كانت تقديرات "الشاباك" تؤكّد بأن المسّ بعائلة (المخرّب) و ممتلكاته ،
يشكّل اعتباراً حاسماً في مجمل اعتبارات (المخرّب) و المرشح لتنفيذ عملية
(انتحارية) .
يتغذّى (الإرهاب) في منطقتنا
أيضاً من مساعدة خارجية ، و بناء على ذلك أكدت الأبحاث أن مواجهته تستوجب تعاوناً
دولياً . و يجب الأخذ بالحسبان بأن توجيه ضربات قاسية لبؤر (الإرهاب) قد تؤدّي إلى
ردود فعل حادة ، بما في ذلك في خارج البلاد . تستوجب نجاعة مكافحة (الإرهاب) تحسين
نوعي لقدرات المخابرات في مجال الإفشال و تحديد أهداف لمعالجة موضوعية ، و المبادرة
و تحديد قدرات هجومية لضرب أهداف محدّدة . و أكّد كاتبو الأبحاث أنه من أجل تحقيق
هذه الأهداف يجب تخصيص المصادر المطلوبة .
أما بالنسبة للقدس فقدّمت
توصيات بإضفاء نجاعة على مراقبة الشرطة (الإسرائيلية) للمداخل المنظمة و غير
المنظمة للمدينة و مضاعفة نشاطات "الشاباك" و منع وجود بنية تحتية لحماس في المدينة
و في جميع أرجاء (إسرائيل) . و في هذا الإطار حددت سلسلة من الخطوات العملية منها
إغلاق مؤسسات و مكاتب و صحف و تجفيف التمويل و مصادرة ممتلكات و القيام باعتقالات و
إجراء تحقيقات مدروسة سلفاً و منع التحريض و معالجة رجال الوعظ الذين يحرضون على
(إسرائيل) و الإثقال على الاتصالات بين أوساط إسلامية في القدس و بين مصادر إسلامية
في أوساط العرب في (إسرائيل) .
كانت النشاطات في "الأورينت
هاوس" دائماً هدفاً مثيراً لاهتمام أجهزة الأمن ، و ذلك بسبب حقيقة وقوف فيصل
الحسيني على رأسها و وجود جمعية الدراسات الفلسطينية هناك ، و خصوصاً جراء الحقيقة
بأن "الأورينت هاوس" تحوّل إلى نوع من سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في القدس .
في أعقاب المعلومات التي تلقّيناها عن النشاطات في هذا المقر اتخذت عدة مرات
إجراءات محدّدة ضد أشخاص عملوا فيه . و أصدرنا في حالات متباعدة جداً قرارات تحظر
نشاطات تمّ التخطيط لها في "الأورينت هاوس" بعد تلقّينا معلومات مسبقة عنها .
كان تغلغل عملاء إلى منظمات
الإرهاب الإسلامية الأصولية مرتبط و بصورة دائمة بصعوبات كبيرة . و كان الحصول على
معلومات مسبقة عن الإعداد لعمليات (انتحارية) بمثابة مهمة شبه مستحيلة . لم نستطع
أخذ شابٍ عادي و تحويله بين ليلة و ضحاها إلى مسلم متزمت ، ذو لحية ، يحافظ على
تأدية الصلاة في المسجد و إدخاله إلى قسم العمليات في إحدى هذه المنظمات . إن بناء
شخصية جديدة كهذه لعميلٍ محتمل ، تبدو موثوقة ، مسيرة منهكة قد تستمر سنوات . و
إضافة لذلك يجب أن نأخذ بالحسبان دائماً أخطار تأثر العميل بالبيئة الجديدة إلى
درجة توبته و تحوّله نفسه إلى إسلامي متطرف و عمله ضدنا . و لم يتوفّر الوقت لنا ،
إذ كان لزاماً علينا الوصول إلى نتائج سريعة . و لهذا وجّهنا معظم مجهوداتنا
لاستخدام أشخاصٍ مقرّبين من المنظمات الإسلامية يبدون استعداداً لمساعدتنا مقابل
مال أو لاعتبارات أخرى . بمساعدة هؤلاء و بفضل نشاطاتنا الاستخبارية المتشعبة نجحنا
بمنع و إفشال نشاطات (إرهابية) كثيرة .
خابت آمالنا أكثر من مرة من
العملاء الذين استخدمناهم . كان هناك من خانونا و غذّونا بمعلومات خادعة ، و توجه
بعضهم إلى رجال أجهزة العمليات في منظمات (الإرهاب) و كشفوا لهم النقاب عن تجنيدنا
لهم و طالبوا الانضمام إليهم بهدف العمل ضدّنا . لكن رغم العقبات الكثيرة التي
تراكمت أمامنا نجحنا أكثر من مرة بتوجيه ضربات قاسيةٍ لهذه المنظمات ، لكن تأثير
هذه الضربات كان في معظم الأحوال مؤقتاً فقط . و كانت تشكل قدرة المنظمات الإسلامية
على الانتعاش و تعاطف الشارع العربي اعتباراً مضاداً و نوعياً . و حتى إذا اعتقلنا
معظم الأعضاء ، لم تجد المنظمة صعوبةً بالعثور على نواة صغيرة لـ (انتحاريّين)
محتملين .
على العكس من الانطباع السائد
، لم يكن العنصر الديني الحافز الوحيد (للانتحاريّين) . أثارت الانتفاضة في أوساط
شبانٍ كثيرين رغبةً بالانتقام من السلطة (الإسرائيلية) بسبب سلسلة طويلة من القضايا
: اعتقالٌ مستمر بظروفٍ قاسيةٍ ، فقدان أحد أفراد العائلة أو صديقٍ عزيزٍ في أحد
الاشتباكات ، معاملة مهينة أثناء التفتيش و قضايا مماثلة أخرى كثيرة . و أكثر من
مرة كان يكفي قيام جنديٍّ على حاجزٍ عسكريٍّ بإهانة أم شابٍّ بسبب مسألةٍ تافهةٍ
ليشعل لديه نار الانتقام . إذا أخذت العنصر الديني و الرغبة بالانتقام و أضفت إليها
الأزمة الاقتصادية ، و ضممت إلى ذلك الوعد بانتظار (الانتحاريّ) على أبواب الجنة
على الأقل خمسون عذراء ، و اهتمام المنظمة على الأرض بدخل العائلة - كلّ هذا يشكّل
أرضاً خصبةً لعددٍ غير قليلٍ من الشبّان لإبدائهم استعداداً لـ (الانتحار) .
(الانتحاريّون) النموذجيون
بنظر أعضاء حماس و الجهاد الإسلامي هم شبّانٌ غرباء من عائلات فقيرةٍ ذوو إيمان
ديني عميق يسيرون وراء قائدهم الروحي بعيون مغلقة و يبدون استعداداً لتنفيذ جميع
تعليماته . و بالطبع يجب أن يكونوا جريئين و توجد أفضلية لمن لديه تجربة ما في مجال
تنفيذ عمليات .
وجدنا بعد الدّراسة أن معظم
(الانتحاريّين) تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر عاماً و أربعة و عشرون عاماً ، حصلوا
على تعليم ثانوي أو أكثر . و كان هناك تمثيلاً كبيراً من قطاع غزة و مناطق جنين و
قلقيلية و رام الله في أوساطهم . كان لجميع هؤلاء علاقةً تنظيمية مع حماس أو الجهاد
الاسلامي أو على الأقل علاقة صداقةٍ مع أعضاء في هاتين المنظمتين . كان لديهم
جميعاً حافز ديني- وطني واضح و أرادوا جميعاً الاستشهاد في نضال ضدّ (إسرائيل) .
بعضهم أراد الانتقام على مسٍّ بهم أو بأفراد عائلاتهم ، بعضهم أراد الرّدّ على
المسّ بالمقدسات الإسلامية ، اجتازوا جميعاً قبل الانطلاق للمهمة (الانتحارية)
طقوساً دينيةً ، طهّروا أجسادهم ، صاموا و أدّوا صلاةً معينةً و التقوا رجال دينٍ و
مجموعات تؤيد المنظمة . في معظم الأحوال تضمنت مرحلة الإعداد النهائية كتابة وصيةً
و تصويراً بفيديو و تسجيلاً للأقوال الأخيرة لـ (الانتحاري) ، و سداد ديون و توزيع
حلويات على أقرباء العائلة و على أصدقاء . الإعداد الفني قصير و لا يتضمّن تعقيدات
. كانت هذه الأعمال مؤشّرات و دلائل ساعدت "الشاباك" بتحديد على الأقل جزء من
(الانتحاريّين) قبل انطلاقهم لتنفيذ مهامهم .
كانت التوجيهات الفنيّة و في
معظم الحالات أساسية و بسيطة . يطلب و بصورةٍ رئيسية من (الانتحاري) الذي من
المفروض به تفجير عبوةٍ ناسفةٍ ملتصقة بجسده ، الوصول إلى المكان المحدّد دون إثارة
شكوك و الضغط على زر التشغيل . و يتم تقديم توجيهات أكثر شمولية لـ (الانتحاريّين)
الذين يكلّفون بنقل سيارة ملغومة . لا يتضمّن تدريبهم فقط كيفية تفجير العبوة ، بل
و يتعلّمون أيضاً السياقة الصحيحة لسيارة مليئة بموادٍ متفجرة . و إجراءات تأهيل
(الانتحاري) يجب أن تكون قصيرة قدر الإمكان و ذلك لمنع تسريب السر . و كما هو متبع
في حماس فإن سرية تامة تكتنف هذا الموضوع . لا يعرف الأشخاص الذين يعدّون المواد
المتفجرة أو السيارة الملغومة من سيستخدمها . و حتى الزعيم الدينيّ يستدعى لممارسة
تأثيره فقط قبل يوم أو يومين من موعد تنفيذ العملية .
ضآلة المواد (الانتحارية)
الضرورية وضعت صعوبات أمام إلقاء القبض على (المخرّبين) (الانتحاريين) قبل انطلاقهم
للعمل . استخدمت صورة (الانتحاري) المحتمل التي كوّناها ، كأداة مساعدة لرجال
المخابرات الميدانيين ، لكن لم تكن هذه صيغة مذهلة تؤدّي إلى تحديدهم . اعتقلنا
إحدى المرات في نابلس (إرهابياً) و أحضرناه إلى جهاز الكشف عن الحقيقة ، من أجل
معرفة إذا كان متورّطاً بالتخطيط لعمليات . نفى كلّ شيء و أكّد الجهاز نفيه . و بعد
فترة وجيزة من ذلك قام بعملية (انتحارية) كبيرة في القدس .
منعنا وقوع عمليات (انتحارية)
كثيرة ، و لم تصل إلى وسائل الإعلام معلومات عن نمطها . عملنا بتعاون وثيق مع الجيش
(الإسرائيلي) ، و مع الشرطة و حرس الحدود . لكن كامل المسؤولية عن الكشف عن
(المخرّبين) و إفشال وقوع عمليات و إلقاء القبض على متورّطين بنشاطات (إرهابية) ،
ألقيت على كاهل المخابرات العامة .
تكمن السخرية الكبرى في أن
الانطباعات عن المجهودات الهائلة التي تبذل و النجاحات التي تحرز في منع ألف عمليةٍ
كبيرةٍ تتلاشى في اللّحظة التي تقع فيها عمليةٍ واحدة و وحيدة في وسط مدينةٍ كبيرةٍ
. و في حالات كهذه تثار ، بالطبع ، مشاعر فشل الجهاز ، تجري مداولات لأخذ العبر و
يتضح لك موقع الخطأ الذي ارتكب و كم كنت قريباً من إفشال العملية . كلّ هذا ممكن أن
يكون مجدياً في المستقبل ، لكن تبقى خيبة الأمل الكبيرة قائمة . إبان الانتفاضة و
في الأيام التي لحقتها كشفت المخابرات عن عشرات خلايا (المخرّبين) كل شهر ، كانت
هناك احتمالات حقيقية لتنفيذ عمليات تحمل كوارث في طياتها . لكن الاعتقالات الواسعة
و التحقيقات و أخذ العبر الهامة جداً لم تنجح و لن تنجح في منع العملية الوحيدة
التي تلقي بظلالٍ كبيرةٍ على جميع المجهودات الكبيرة المبذولة .
|