الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

قتل في منزل اللقاء

         

لم يعرف جهاز المخابرات العامة ، المؤسسة المدنيّة ، التي تقوم بمهام حساسة ، حتى حرب الأيام الستة ، سقوط ضحايا ، و منذ لحظة دخولنا المناطق أصبح "الشاباك" متورّطاً بحرب بكافة الأخطار الكامنة فيها . و كان رفاق دربٍ سرت معهم شوطاً طويلاً من بين الشهداء الأوائل "للشاباك" ، فاجأنا موتهم و شكّل تصدّعاً لعهد الدفاع الوهمي الذي يؤكّد عدم وقوع ذلك لرجالنا . سقط منذ ذلك الحين تسعة و عشرون عاملاً في الجهاز خلال عمليات و مهام ميدانية و حراسة و مجالات عمل أخرى . سقط خمسة من رجال "الشاباك" و تسعة و عشرون من جهاز الحراسة في معارك (إسرائيل) .

قتل آفي نويفلد ، رجل قسم العمليات و الذي تعرّفت عليه و ربطتني به أواصر صداقة ، فور وصوله مع وحدة العمليات إلى نابلس في الوقت الذي كنت فيه جامع معلومات شاب ، من شظايا قنبلة خلال عملية في غزة . و خنق شمعون درعي حتى الموت على أيدي (مخرّبين) أثناء نقل وحدة العمليات ، أسرى من نابلس إلى جنين . و سقط فيكتور أرجوان الذي رافقني بجولات في غزة خلال رئاستي للجهاز بمعركة مع خلية (قتلة) من حركة الجهاد الإسلامي لاذوا بالفرار من سجن نفحة و عثر عليهم في حي الشيخ رضوان في قطاع غزة . و سقط كثيرون أثناء قيامهم بمهامهم .

رافقناهم في دربهم الأخير ، و الألم يعتصرنا . كانت مشاعرنا الأولى عبارة عن غضبٍ مكبوتٍ و رغبةٍ بالانتقام ، و كان هذا أمر طبيعيّ و مشاعر إنسانية ، غضبنا لكن لم يتسلّل الخوف لنفوسنا ، بل كنا مصمّمين على الاستمرار بالعمل دون تردد و أيقنا بضرورة التخلّص بسرعة قدر الإمكان من التطلع للانتقام ، الذي يمكن أن يشوّش شبكة اعتباراتنا .

يواجه رجال "الشاباك" المشرفون على عملاء أخطاراً في كلّ ساعة و في كلّ يوم ، و كانت تسيطر على الأجواء طوال الوقت احتمالات إحساس العميل الوفي و بصورة مفاجئة بالندم و كشفه الحقيقة لمنظمة (تخريبية) ، و وجد هذا تعبيره أكثر من مرة ميدانياً . يقتل (المخرّبون) أحياناً العميل فور اعترافه و يرسلوه أحياناً لقتل المشرف عليه و ذلك من أجل إثبات صحة ندمه .

وصل موشيه (موسى) جولان ، من مواليد مصر ، إلى رتبة رائد في سلاح المدرعات قبل التحاقه "بالشاباك" ، توجّه بتاريخ 25 حزيران عام 1980 لعقد لقاء مع عميله في منزل لقاءات بنتانيا . كان هذا أحد المنازل التي استأجرها "الشاباك" في المدن الكبيرة من أجل عقد لقاءات سرية بين رجال "الشاباك" و عملائهم . وصل العميل غسان محمد حبش و عمره واحد و عشرون عاماً من مخيم اللاجئين بلاطة في الوقت المحدد للقاء ، الذي كان من الناحية الشكلية لقاءاً روتينياً و أحد لقاءات كثيرة عقدت بينهما ، لكن هذه المرة خطّط حبش لشيء مغاير ، إذ ألقى حبيبات فلفل أسود في عيون جولان ، و قبل تمكّن الأخير من الخروج من صدمته قتله طعناً بسكين و لاذ بالفرار . قتل العميل الخائن بعد أربعة أيام في ظلمة الليل في مدينة نابلس بعد مطارة استخبارية قام بها جامعو المعلومات الميدانيين و إعفاء قسم العمليات و الجيش و كان بحوزته مسدس موسى جولان .

سار كثيرون من أصدقاء موسى بالعمل وراء نعشه ، و كان من بينهم قدماء عرفوه و قدّروه منذ سنوات طويلة . و كان هناك أيضاً من انضموا إلينا منذ فترةٍ قصيرةٍ لكنهم عملوا معه و تعرّفوا عليه . ارتعشت الأفئدة من كلمات التأبين ، لقد أحبه الجميع كفردٍ من عائلة و أيقنا جميعاً بأننا سنفتقده .

كان قدماء العاملين في الجهاز و الذين حضروا لإلقاء النظرة الأخيرة على زميلهم ، يشاركون أيضاً في الأفراح العائلية لزملائهم ، إنها مجموعة من الأشخاص متراصة جداً ، مثل العائلة الواحدة ، يحسن فيها كلّ فرد معرفة الآخر . كان بالإمكان و بصورة دائمة الإحساس بالود الكبير السّائد بين هؤلاء الأشخاص و بينهم و بين قادتهم . ذرف إبراهام أحيطوف القائد الصلب للجهاز الدموع على قبر موسى .

ولد حاييم نحماني بالقدس و خدم ضابطاً في وحدة قتالية بالجيش و التحق في نيسان عام 1990 بالجهاز . و قال أحد أصدقائه : "كان مخلِصاً جداً للعمل ، شابٌّ هادىءٌ ذو ذاكرةٍ ممتازة ، لم يتذمّر نهائياً و كان يقول : "إذا لم نكن نحن فمن إذاً ؟" . حدّد بتاريخ 3 كانون الثاني 1993 لقاءاً مع عميلٍ في منزل "الشاباك" بحي رحافيا في القدس . ولد العميل ماهر أبو سرور - 22 عاماً - في بيت جالا و درس إدارة الأعمال و الآداب في جامعة بيت لحم . اعتقل في تشرين الثاني 1989 بتهمة تأييده لحماس و لم يعد للدّراسة بعد إطلاق سراحه و فتح عوضاً عن ذلك صالون حلاقة في مخيم اللاجئين عايدة قرب بيت لحم . و بعد فترةٍ قصيرةٍ من ذلك و في كانون الأول 1992 تم تجنيده كمصدر معلومات "للشاباك" . وصل للقاء نحماني برفقته اثنان من أفراد عائلته و ذلك بهدف تطهير سمعته من الشبهات التي التصقت به في الشارع العربي ، و قتل رجل "الشاباك" طعناً بسكينٍ و بضربات مطرقة . اعتقل قريباه بعد حوالي أسبوع بتهمة المساعدة بالقتل ، و أشارا خلال التحقيق معهما إلى تنفيذ أبو سرور عملية القتل بيديه .

أصبح أبو سرور المطلوب الأول في المناطق ، عثِر عليه خلال عمليات البحث المكثّفة في قرية بلواء الخليل ، لكنه تمكن من الفرار من أيدي قوات الأمن . حاول أبو سرور برفقة (مخّربين) آخرين بتاريخ 1 تموز 1993 خطف حافلة تغصّ بالركاب قرب مقر قيادة الشرطة في القدس ، و ذلك بهدف المطالبة بإطلاق سراح معتقلين و إعادة مبعدين مقابل إطلاق سراح الركاب . فشلت المحاولة و سيطر الثلاثة على سيارة كانت تقودها جنيت قدوش و أخذوها رهينة ، لكنهم اصطدموا و خلال فرارهم بحاجز لحرس الحدود و قتل الثلاثة و المرأة (الإسرائيلية) أيضاً خلال تبادل إطلاق النار . كانت جثث (المخرّبين) الذين عثر عليهم في السيارة متفحّمة ، و تم التعرّف على أبو سرور فقط بعد عدة أيام ، و من بين ما أدّى إلى التعرّف عليه منشورات وزّعتها حماس تعلن عن موته .

تحدّث قائده في جنازة نحماني رجل "الشاباك" الذي قتله أبو سرور عن "الجنود المجهولين الذين يقفون في خط النار الأول و الذين يواجهون كلّ ساعة و كلّ يوم العدو ، تحرّكهم شجاعتهم و تحميهم جرأتهم" .

كان نوعام كوهين جامع معلومات ميداني "للشباك" في رام الله . و هو من عائلة متديّنة ، خريج مدرسة دينية في الكيبوتس الديني بعلوميم و خريج دورية هيئة الأركان ، و كان يتمتع بسمات قيادية واضحة . لا يتهرّب بتاتاً من تحمّل المسؤولية ، انضم "للشاباك" بعد تسريحه من الجيش برتبة مقدّم . وصف في التقييم الأولي له "جامع معلومات من الطراز الأول و موثوق" . توجّه بتاريخ 13 شباط 1994 إلى بلدة بيتونيا ، غير بعيدٍ عن رام الله بهدف لقاء عميل جنّده قبل فترة قصيرة ، من مخيم اللاجئين الأمعري . فوجىء فور وصوله إلى المكان بكمينٍ نصبه (مخرّبون) و قتل نوعام بعيارات نارية أطلقت على سيارته ، و كان عمره في حينه سبعة و عشرون عاماً ، و أصيب حارسان كانا برفقته بجروح .

نشرت صحيفة "معاريف" في اليوم التالي مقالاً بقلم تسفي غيلات حول نوعام و ضحايا "الشاباك" الآخرين ، و مما كتبه : "الضحايا أشخاص لا يكشف النقاب عن أعمالهم و هم على قيد الحياة ، و لا تنشر دائماً حتى بعد وفاتهم . و فقط أحياناً تفتح نافذة ضيقة على عالمهم الخطير ، و من سوء الحظ تفتح هذه النافذة في زمنٍ حقيقي فقط في ظروف مأساوية . هؤلاء جنود مجهولون ، و لولا نشاطاتهم المجهولة لما كان بالإمكان محاربة (الإرهاب) ، لقد دفع و سيدفع في هذه الحرب ثمناً مؤلماً . هذه حقيقة قاسية و أحيانا ممقوتة لعالم نكران الجميل . من يعرف - يعرف و من لا يعرف - ينام بهدوء . و يؤكّد مضمون هذه الحقيقة أن لا نعرف كي نستطيع النوم بهدوء . مع تقدّم مسيرة السلام مع الفلسطينيين ، يتحوّل عمل "الشاباك" إلى أكثر قسوة و أكثر دموية ، و مع ذلك تصبح ضرورته أكثر حيوية . عدوّ نوعام كوهين رحمه الله ، ليس فقط عدوّي ، بل و أيضاً عدوّ ياسر عرفات و عدو احتمالات العيش هنا بهدوء" .

بذلنا مجهودات كبيرة بالبحث عن قتلة نوعام ، مثلما فعلنا في كلّ حالةٍ قتل فيها أحد رجالنا . أقسمنا على الوصول إليهم ، و أيقنا بأننا لن نتوقّف عن ذلك . اتضح من المعلومات التي جمعناها مشاركة ثلاثة (مخرّبين) بالكمين أنقذهم من هناك بعد إطلاق النار هروبهم في سيارة . كان أحدهم العميل الذي خان و كان بحوزته على الأقل بندقية أم - 16 و مدفع رشاش كلاشينكوف و مسدس . و حسب النتائج التي توصّل إليها قسم التشخيص الجنائي التابع للشرطة ، استخدم الكلاشينكوف في عمليتين خطيرتين بالضفة الغربية ، قتٍل فيهما يهود .

قتل اثنان من القتلة في النهاية بمعركة تبادل إطلاق نار ، بعد تطويق قوة عسكرية لموقع كانوا يختبئون فيه في أبو ديس ، شرقي القدس . و علِمنا بعد فترة من ذلك أن القاتل الثالث كان من المفروض أن يسافر في موعدٍ معيّن بحافلة عربية تعمل على شارع القدس - رام الله . وضعنا صناديق خضروات على سيارة تجارية صغيرة و رفعنا علم منظمة التحرير الفلسطينية على ظهرها ، و بعد استكمالنا هذه المهمة لم يكن بالإمكان التمييز بين هذه السيارة و سيارات تجار الخضروات الآخرين الذين يتجوّلون في شوارع الضفة ، و نصبنا كميناً للحافلة في أحد مفترقات الطرق و بدأنا بالسفر وراءه .

و حتى إذا شاهد القاتل السيارة المسافرة في أعقاب الحافلة ، لم يكن ليعتريه أي شكوك . و عندما نزل في إحدى المحطات توقّفت سيارة الخضروات إلى جانبه ، تحرّكت صناديق الخضروات دفعة واحدة و اندفعت مجموعة من الأشخاص المسلحين نحو الشارع ، كانت هذه قوة مشتركة من دورية "دفدفان" و وحدة العمليات في "الشاباك" . شاهدهم القاتل بعد فوات الأوان ، و عندما أيقن عدم إمكانية هروبه حاول إطلاق النار لكنه قتل على الفور .

يدفن شهداء "الشاباك" بطقوس عسكرية كاملة و في مقبرة عسكرية و أمرٌ واحد هو الذي يميّز شواهد قبورهم عن الشهداء العسكريين - رمز المخابرات العامة منقوش عليها : نجمة رسم عليها شعار الجهاز : "نجمة دون أن يشاهدها أحد" .

"الشاباك" و رغم مهامه الأمنية و هيكليته شبه العسكرية . جهاز عمل مدنّي . يتوجّه الأشخاص إليه للعمل في مهام جذابة و المساهمة بأمن الدولة و للحصول على دخل . الجهاز عبارة عن طاقم ذو تصميمٍ و متراصّ و لهذا فإن سقوط أي شخص فيه يؤدّي إلى زعزعة قاسية جداً . يوجد هنا و هناك موظفون جيّدون متفانون ، و ربما يفكّرون إذا كانوا فعلاً على استعداد للمخاطرة لهذه الدرجة و لفترة طويلة . و ضاعفت من حدة هذه المشاعر الكارثتان الكبيرتان اللتان وقعتا في لبنان خلال حرب كرة الثلج (الحرب اللبنانية) - انهيار مبنى الحكم العسكري و انفجار سيارة ملغومة . أدّى فقدان أفضل رجالنا خلال فترة زمنية قصيرة إلى إثقال الهموم على الموظفين في الجهاز و إلى إثارة مخاوف كبيرة في أوساط أفراد عائلاتهم .

يشرِف قسم التأهيل في وزارة الدفاع على معالجة قضايا العائلات الثكلى بتفاني ، لكن البنية الخاصة "للشاباك" و التقارب بين القيادة و الموظفين الميدانيين ، و تعوّد العائلات خلال سنوات طويلة على الاهتمام الشخصي و الفوري بهم في كلّ لحظة يريدون ، كلّ هذا دفعني للبحث عن إطار دعم داخلي أكثر دفئاً بالضبط كما تعوّدوا . وضعت نفسي في خدمة العائلات الثكلى و الأرامل و أبنائهم . شجعتهم على التوجّه إليّ و مشاركتي بالمشاكل التي تنغص عليهم ، و استخدمت علاقاتي الشخصية من أجل مساعدتهم بالعثور على حلول . أقمت نصباً في الألوية لإحياء ذكرى الذين سقطوا و بادرت بعادة ما زالت قائمة حتى يومنا هذا : دعوة العائلات الثكلى لحضور جميع الحفلات المركزية للجهاز و ذلك بهدف إحساسهم بأنهم ما زالوا جزءاً منا .

كانت لي علاقات صداقة مع المظلّيين الذين أقاموا صندوقاً خاصاً بهم لمعالجة قضايا الأرامل و الأيتام . تأثّرت بالاهتمام الكبير الذي يولونه لهذا الموضوع . شاهدت اهتماماً شخصياً متفانياً إلى درجة إرسال عامل مواسير لإصلاح صنبور في منزل عائلة ثكلى ، و حاولت إقناعهم قبول العائلات الثكلى  "للشاباك" في إطارهم و دعوت نفسي لحضور عدة اجتماعات للجنة صندوق المظلّيين ، و تمكّنت من الحصول على مبتغاي ، و تطوّع الكثير من العاملين في الجهاز لمساعدة هذا الصندوق بقدر ما يستطيعون . شعرنا جميعاً بأن علينا دينٌ كبير حيال الشهداء ، لن نستطيع سداده ما حيينا ، و كان من الواضح لنا أنه لزاماً علينا بذل قصارى جهدنا من أجل مساعدة هذه العائلات . دعم صندوق المظلّيين و ساعد و شجّع كما شكلنا نحن أيضاً عنواناً لهم . تجنّدنا زملائي و أنا للعمل في المخيمات الصيفية ، التي نظمت لأطفال العائلات الثكلى ، و كنت أعمل نادلاً في غرفة الطعام أو مساعد طباخ . و عمل متطوّعون آخرون بالنقليات و بالتدريب الرياضي و قاموا بمهام كثيرة أخرى .

اعتدنا في الإجازة الصيفية على استئجار خدمات طلبة مدارس ثانويين للقيام بأعمال بسيطة في مقر "الشاباك" ، أبناء و بنات العاملين في الجهاز الذين يتطلّعون إلى جمع مصروف جيب و حافظت بصورة دائمة على دمج أبناء شهدائنا في هذا الإطار . و منذ وصولي إلى شركة "سلكوم" يعمل لدينا كحراسٍ بوظيفة جزئية أبناء عائلات ثكلى ، يتعلّمون في الجامعات و بحاجة لاستكمال دخلهم . و حتى اليوم ما زلت أستمع لجميع المشاكل التي تعاني منها العائلات الثكلى و أحاول عدم تفويت حضور مناسبات إحياء ذكراهم .

ما زلت أحتفظ بالرسالة التي بعثتها إليّ في ختام خدمتي كرئيسٍ "للشاباك" أرملة آفي بن شموئيل رجل الجهاز الذي قتِل جراء انهيار المبنى في صور : "لن تشبه آيات الشكر التي ستقال لك في احتفالات الوداع المختلفة ، آيات شكرنا . شكرنا من نوع آخر ، إنه امتنان عن المشاعر التي نجحت بنقلها لنا ، الإحساس بأننا لم نبقَ وحدنا ... كنت شريكاً حقيقياً ... و سنسير معك أينما اتجهت" .