الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

خيال جامح في الكونغو

         

أصبحت الأزمة في حياتي الزوجية حقيقة قائمة ، حالة لا رجعة عنها . أكثرت من وجودي في القدس و هناك أيضاً تعرّفت على من ستكون في المستقبل زوجتي النهائية . كانت عيدنه هيرشمان سكرتيرة كتلة "يحاد" في الكنيست . و التقيتها المرة الأولى في لقاء عقدته بالكنيست مع عضو الكنيست بنيامين بن أليعيزر ، و كنت قد سمعت عنها قبل فترة طويلة من ذلك ، و تبادلت معها عدة كلمات مجاملة فقط . كان لقاؤنا الثاني في منزل صديقٍ قديم ، المحامي يحيال جوتمان ، و اقترحت عليها الخروج لتناول وجبة عشاء و وافقت ، و منذ ذلك الحين ارتبطت حياتنا معاً .

عيدنه زوجة مستقلة جداً ، قوية الشخصية ، عرفت بالضبط ما الذي تريده . ولدت في برلين لعائلة مهاجرين وصلت من بولندا ، والدها سليل عائلة من أنصار بلعاز . فتح والداها بقالة في الحيّ الألماني بالقدس فور هجرتهم إلى البلاد . و بعد توطيد علاقتنا توجّهت إلى يعيل ، و أبلغتها بكلّ شيء و بدا لي بأنها كانت تتوقّع حدوث شيء من هذا القبيل و قالت فقط : "إذا كان هذا هو قرارك فإنني سأحترمه" .

تركت منزلي في نتانيا نهائياً عام 1985 ، و انتقلت للسكن في منزل عيدنه مع ابنها شارون و ابنها دورون ، و حصلت على تشجيع من ابني البكر أمير للخطوة التي قمت بها و وجد عدي و طال صعوبة باستيعاب مغزى التغيير الذي طرأ على حياتنا جميعاً . أشرفت عيدنه و بدرجة كبيرة مثل يعيل وحدها على تربية الأولاد منذ طلاقها . لم يكن لديّ أصدقاء كثيرون لأنه و بصورة طبيعية كان معظم الأشخاص المحيطين بي رجال "الشاباك" ، و امتنعت بصورة عامة عن إقامة علاقات اجتماعية وثيقة معهم و ذلك بهدف عدم المسّ بالعمل . كانت عيدنه صديقة حقيقية ، تعرف كيفية رفع المعنويات في اللحظات الصعبة ، كما عرفت تقديم نصحٍ عقلاني و التربيت على الكتف عند الحاجة .

لم يوفّر الصحافيون الراحة لنا و لأنه يحظر عليهم نشر اسمي أو أي إشارة تدل على هويتي . اختاروا التلاعب بالرموز . و كتب أمنون أبرموفيتش "يطلقون على رئيس الشاباك أمير الجاذبية و يوجد من يقولون ثمرة الجاذبية ..." ، و بالطبع الذي لم يفهم لن يفهم . أما الذي فهم فمن المفروض تأثّره بطابع الرمز . سار الصحافيون وراءنا في جميع المناسبات و الاحتفالات و بحثوا بدقة عن كلّ شذرة أنباء خاصة . و عن طرف أي حقيقة بالإمكان تضخيمها . وصفوني بالبوهيمي كمتطلّع للأوهام و كعازف أبواق في جميع الفرص . و ربما أثارت حقيقة وصولي إلى "الشاباك" ليس من خلفية تقليدية لرؤساء "الشاباك" - على سبيل المثال مثل خدمات المخابرات في الهاجاناه – و بأنني كنت على العكس منهم من مواليد البلاد ، شخص عادي ، فضول وسائل الإعلام . لقد حضرت عدداً أقل بكثير من الحفلات التي نسبوا حضوري إليها . و في جميع فترة خدمتي لم يكن لدي الوقت للعزف على البوق أكثر من ثلاث أو أربع مناسبات ، لكن بالنسبة لهم لتذهب الحقائق للجحيم و المهم الرواية الصحافية ، كانت "قضية الكونغو" نموذجاً ملموساً و ممتازاً لقدرة وسائل الإعلام على كتابة عناوين كبيرة لا أساس لها من الصحة .

بدأت القصة مع حاييم بورو الذي عمل ثلاث سنوات رئيساً لمكتبي و كان ما يزال حتى اليوم أحد أصدقائي المقرّبين . قرّر بعد استقالته من الخدمة إقامة شركة استيراد و تصدير للمنتوجات الغذائية من و إلى الشرق الأقصى . عرض على عيدنه العمل معه و وافقت ، لكن في نهاية المطاف لم تخرج الفكرة إلى حيّز التنفيذ . و في مرحلة لاحقة توجّه (إسرائيلي) ذو علاقات في أفريقيا إلى حاييم بورو و اقترح عليه إعداد مخطّ‍ط لمشروع حراسة لجيش الكونغو . لم يكن هذا عقداً مضموناً بل مجرّد اقتراح لتقديم مشاريع . صاغ بورو ملخّصاً و نقله إلى الوسيط (الإسرائيلي) و أيضاً لم ينجم عن ذلك شيئاً و تكبّدت الشركة التي أقامها بورو خسائر فادحة و ظلّت قائمة على الورق فقط ، و توقّفت عيدنه عن العمل فيها فور وفاة ابنها دورون رحمه الله و الذي سأتحدث عنه فيما بعد .

مرت عدة سنوات و كنت تركت الخدمة في "الشاباك" . وافقت شركة (إسرائيلية) اسمها "لبدن" على مشروع الحراسة في الكونغو و اقترحت على حاييم بورو العمل مدرباً هناك ، و وافق . و ظهرت في الصحف في أحد الأيام أنباء عن إشراف عيدنه و بورو على أعمال في الكونغو . بحث الصحافيون و وجدوا أنه فور تسجيل شركة بورو سجّلت عيدنه كأحد الأشخاص أصحاب الأسهم . و بسبب إهمالٍ فقط لم يشطب اسمها من سجلات الشركة ، و بالطبع لم يكن لعيدنه أي علاقة بالكونغو ، لكن سيطرت الرواية على عناوين الصحف ، و لم يكلّف أحد نفسه عناء التأكد من القضية قبل نشرها . و عندما بحث هذا الأمر اتضحت الحقيقة ، لكن اتضاحها لم يؤدّ إلى تقليص الإساءة التي وقعت .

وقعت كارثة تركت آثاراً عميقة على عيدنه و المقرّبين منها . كان ابن عيدنه الرائد دورون هيرشمان يخدم في دورية "دفدفان" و توجّه في إجازة تسريحه مع صديقٍ له هو إيتسيك حياط ، طيار "كوبرا" للغوص في ساحل ذهب بسيناء و نزل الإثنان بتاريخ 3 تموز 1991 إلى الثقب الأزرق ، و لم يصعدا منه ، و كان من الصعب العثور على الجثتين في أعماق البحر و كان الأسلوب الوحيد لرفع الجثتين هو الاستعانة بخبراء سلاح البحرية ، طلبت من محمد بسيوني السفير المصري التوجّه للرئيس حسني مبارك من أجل السماح بذلك و حصل فعلاً على موافقته ، و بعد مجهودات استمرت أكثر من أسبوع سحبت جثتي دورون و إيتسيك و دفنتا في جبل هيرتسل ، و منذ ذلك الحين تتوجّه عيدنه شبه يوميّ لزيارة القبر .

كنت مرتبطاً جداً بدورون ، و عندما انتقلت للسكن في بيت عيدنه ، كان طالباً ثانوياً و كان قائد سرية "استطلاع" في الحركة الكشفية ، كان شاباً لامعاً ، أكثر من قراءة الكتب و الاستماع للموسيقى . أيّد دورون بحرارة شبكة العلاقات القائمة بيني و بين أمه ، و تطوّرت بيننا بسرعة صداقة جريئة . و رغم هوة السن الكبيرة بيننا كان هناك مواضيع كثيرة نتبادل الحديث حولها و تمتّعت جداً برفقته و اعتاد استشارتي بشؤون كانت تقلقه و لأنه كان على وشك تسريحه من الجيش شاركني بتردّده ببلورة مستقبله ، درس إمكانية التعلّم في الولايات المتحدة ، لكنه لم يكن اختار بعد المسار الذي يريد ، و نغصت وفاته المأساوية غير قليل على حياتنا .

تزوّجتني عيدنه عام 1993 ، و كانت وسائل الإعلام تترصّد كلّ خطوة لنا . و كتب في صفحات الاجتماعيات دون توقّف عن "رئيس الشاباك و رفيقة حياته" و تخوّفنا من الضجة الإعلامية حول الطلاق من يعيل و الزواج من عيدنه و حافظنا على ترتيب الأمور بصورة سرية جداً و كنا نهرب في كلّ مرة من الأروقة الخلفية للمحكمة الحاخامية ، و سلّم ولداي عدي و طال مع مرور السنين بالتغيير الذي طرأ على حياتي ، أما التي لم تسلّم بذلك فكانت والدتي التي ظلّت حتى اليوم الأخير في حياتها صديقة ليعيل . كانت الإثنتان تقطنان ليس بعيداً عن بعضهما البعض ، و كانت يعيل تهتم بشؤونها بدرجة غير قليلة ، و توفيّت أمي عام 1998 عن عمر يناهز الخامسة و الثمانين . و امتنعت أمي في كلّ مرة كنا نزورها و نجد لديها أصدقاء أو جيراناً عن التعريف على عيدنه كزوجتي . لقد شطب الفصل الثاني من حياتي الزوجية و بصورة مقصودة من إدراكها .

لم تكثر عيدنه من الاتصال الهاتفي بي أثناء عملي ، و عندما كانت تتصل كان يوجد سبب جيد لذلك . اتصلت بمكتبي في آذار 1994 بصورة مذعورة و قالت : "اتصل بي أشخاص لم يعرّفوا على أنفسهم و هدّدوا بقتلك هذه الليلة و قالوا : (أيضاً زوجك متهم بالكارثة التي حلّت بطائفتنا) و قطعوا الاتصال ، و بعد عدة دقائق اتصلوا ثانية ، و استمر ذلك لبعض الوقت و كرّروا في كلّ مرة تهديداتهم" .

وجهت تعليمات على الفور بالتنصت على هاتف منزلي في رموت و أرسلت سائقي إلى عيدنه من أجل أن يكون لديها شخص ما إذا حاولوا اقتحام البيت . اتصلوا ثانية بمنزلي و قال الصوت الخفيّ : "قولي لزوجك ، إننا أنصار الحاخام عوزي مشولم ، نعرف أين تقطنون و الليلة ستكون نهاية القصة" ، حدّد عنواننا الدقيق و أغلق سماعة الهاتف . درست إمكانية وضع حراسة من أفراد وحدة حراس الشخصيات ، لكن في النهاية فضّلت إبلاغ الشرطة و بؤرة الحراسة المحلية . و حضر هؤلاء لحراسة المنزل ليلة واحدة ، و بالمناسبة لم أطلب طوال تسع و عشرين عاماً من خدمتي في "الشاباك" ، كما لم أحصل على حماية وحدة حراسة الشخصيات .

مرّت الليلة بسلام ، و في ساعات الصباح الباكر سرحت الحراس ، و لا يوجد لديّ أيّ وضوح حتى يومنا هذا ما الذي أراده منّي أنصار عوزي مشولم ، إذ لم تكن "للشاباك" أي علاقة بتحصين أنصاره و تمترسهم في يهود ، و بالطبع لم تكن له أي علاقة بقضية أطفال اليمن ، و رغم ذلك لم يتركوني و شأني ، إذ بعد فترة قصيرة من ذلك كشف عوزي مشولم عن اسمي الكامل خلال بثّ مباشر لإذاعة الجيش .