|
سيدة
تحمِل صحيفة
انقضى نحو نصفِ عام منذ أن
امتثلت للمقابلة الأولى في وزارة الدفاع إلى أن وصلتني البشرى التي انتظرتها . فقد
رنّ الهاتف في ساعة صباح مبكرة جداً ، و أبلغني صوت لا أعرفه بنبرة رسمية أنّي قبلت
.
"تعال غداً في الساعة الثامنة
صباحاً إلى برج الساعة في يافا" ، قيل لي ، "انتظر هناك سيدة تحمِل صحيفة . هي
شاهدت صورتك و ستشخصك . سر وراءها" .
رويت لوالدي أني قبلت في العمل
في "الشاباك" . لم تفهم أمي بالضبط عما يدور الحديث و طلبت إيضاحات . شرحت لها أن
"الشاباك" هو هيئة تعنى بإلقاء القبض على الجواسيس فلم يرق لها الأمر . "من أجل
ماذا تريد ذلك ؟" ، تأوهت و أضافت : "لم يعد يوجد وظائف عادية ؟" قلت لها إن
الوظيفة تثير اهتمامي ، و أني أرى فيها تحدياً . هدأت من روعها في أن الوظيفة
الجديدة لا تنطوي على المخاطرة بالحياة . أما والدي فقد أيدني فانضمت إليه والدتي
بعد بعض التردّد . و عاد ذاك الحديث إلى ذهني عندما عينت رئيساً للجهاز . و قد تفطر
قلبي حينها لأن والدي لم يحظَ برؤيتي في هذا المنصب . فقد أصيب بمرضٍ عضالٍ بقيَ في
أثره قيد الفراش في المستشفى لعدة سنوات حتى وافته المنية في العام 1990 . أما
والدتي التي رافقت مسار تقدّمي بكامله فلم تبدِ أبداً أي حماسة زائدة لعملي . و
سؤال "من أجل ماذا تريد ذلك ؟" كان يتردّد غير مرة ، و لا سيما حين كانت وسائل
الإعلام تنشغل بي ، بالخير أم بالشر . و كانت تقول لصديقاتها : "بوسعهم أن يكتبوا
عنه ما شاءوا ، فأنا أعرفه و أعرف الحقيقة ..." .
لم أغمِض عيني طوال الليلة
التي سبقت لقائي بالسيدة الغريبة بالقرب من برج الساعة في يافا . و قد استيقظت في
الصباح التالي مبكراً . و رأيت في خيالي حسناء ممشوقة القوام في بدلة رسمية تنظر
إليّ من وراء نظارة شمسية قاتمة و تلمح لي بإيماءة من رأسها للسير في أعقابها . و
لا بد أني كنت أشاهد أفلام تجسّس بقدرٍ مبالغ فيه . فالمرأة التي وصلت في الساعة
الثامنة تماماً كانت في نحو الأربعين من عمرها و بدت و كأنها ربة بيتٍ عادية خرجت
لشراء بعض احتياجاتها من البقالة . كانت تمسِك بصحيفة في يدها فتوجّهت إليّ و نبست
تقول "اتبعني!" .
اجتزنا الساحة صامتين و دخلنا
سوق الخردة . و كان التجار قد فتحوا محلاتهم لتوّهم . و قد تراكمت على الأرصفة
الملابس المستعملة و الأدوات المنزلية القديمة . و في المطاعم كانوا يقدّمون الفول
مع البيض على سبيل وجبة الصباح . و لم يلقِ أحد إلينا بأي نظرة . انتقلنا عبر زقاق
ضيّق إلى شارع سوان و وقفنا عند مدخل مبنى من ثلاثة طوابق ، يتميّز بفارقٍ واحد فقط
عن المباني الأخرى حوله في أن سياجاً عالياً يحيط بحاشية سطحه . و لم يكن تعلوه أي
يافطة أو إشارة تشخيص .
ضغطت المرأة المجهولة على زرّ
إلكتروني ففتحت البوابة الحديدية الثقيلة . دخلنا . كان هذا في الأول من آذار 1966
. و قبل أسبوعين فقط كنت قد أتممت الثانية و العشرين من عمري . كنت في غاية
الانفعال ، و غاية الفضول . وصلت إلى مكان عملي الجديد دون أن تكون لي ذرة علم بما
ينتظرني هناك .
انطباعي الأول عن مبنى
"الشاباك" في يافا كان البساطة و التواضع بلا هوادة . فقد كان لباس الأشخاص بعيداً
جداً عن الموضة ، و الأثاث قديم بل و قليل . و كانت الجدران مطروشة باللون الأبيض و
خالية من الصور . أما البلاط المزخرف - حيث كان هذا مبنى عربياً قديماً - فكان
محطّماً و مشقّقاً في قسمٍ منه . و لم يكن ثمة مزهرية على أي طاولة . فلم أعثر هناك
على أي لمسة شخصية .
لم يستغرقني وقت طويل كي أكتشف
أن أحداً من زملائي الجدد لا يرى في عمله في "الشاباك" مصدر رزق و حسب . فقد كانوا
قبل كل شيء آخر عقائديين ، مفعمين بروح الرسالة . كان العمل جماً ، و كان يتواصل
بالإجمال حتى ساعات المساء المتأخرة بل و أحياناً على مدار الساعة ، لسبعة أيام في
الأسبوع . لم يكن هناك أي نظام للدفع لقاء ساعات العمل الإضافية . كما أن أحداً لم
يتصوّر طرح هذا المطلب . كان في الجو شيئاً معدياً . روح الطاقم ، التفاني ،
الإحساس بأن كلّ شخصٍ في هذا الإطار ينفّذ ، بطريقته ، إحدى المهمات الأكثر حيوية
للدولة - كلّ هذه فعلت فعلها . كانت تلك جماعة متراصة ، مصمّمة ، مشجعة و مؤيدة .
جماعة فخورة "لرؤوس كبيرة" .
و منذئذ سار جهاز الأمن العام
درباً طويلاً . فقد اتسع و نما وراكم قوة و وجد نفسه يتصدّى لمهام هائلة ، بما في
ذلك مكافحة منظّمات (المخرّبين) و الانتفاضة . و إحباط (الإرهاب اليهودي) و ضمان
سلامة الهجرة الكبرى و اكتشاف الجواسيس و الذين تسرّب العديد منهم إلى البلاد تحت
ستار المهاجرين الأبرياء ، و حراسة أمن الشخصيات و المؤسسات (الإسرائيلية) و محاور
المواصلات في أرجاء العالم .
إن "الشباك" - جهاز الأمن
العام - هو أحد ثلاثة أجهزة استخبارية مركزية لدولة (إسرائيل) . و هو مكلّف إضافة
إلى الموساد و "أمان" (شعبة الاستخبارات العسكرية) بأن يوفّر للمحافل السياسية
التحذيرات و المعلومات و التقديرات و التوصيات لغرض اتخاذ القرارات ذات الشأن . و
في سياق العمل اليومي تتدفق كميات هائلة من المعلومات من هذا المصدر الاستخباري إلى
سواه ، وفقاً لمجالات النشاط المحدّدة . و ثمة بين الأجهزة الثلاثة تعاون جاري ،
حتى في المجال الميداني أيضاً . و تجري أيام دراسية مشتركة . و يمكث مندوبو أحد
الأجهزة الاستخبارية غير مرة لغرض الخوض في مشاريع معينة في داخل جهاز آخر . و هكذا
، مثلاً ، يعنى "الشباك" بالترشيح الأمني للطاقة البشرية للموساد و "أمان" ، و كذلك
لأذرع الجيش (الإسرائيلي) الأخرى .
و لأجهزة الاستخبارات المركزية
الثلاثة تمثيل في لجنة رؤساء الأجهزة التي تجتمع مرة كل عدة أسابيع . و يشارك في
هذه الجلسات رئيس "الموساد" و رئيس "الشباك" و رئيس "أمان" ، و منذ قضية الخط 300
يشارك السكرتير العسكري لرئيس الوزراء أيضاً . و لجنة رؤساء الأجهزة هي بالأساس
هيئة لأغراض التبليغ و النقاش . كما أنها تحرِص على ألا يخرج أي جهاز عن نطاق
صلاحياته المحدّدة له . و قد طرحت للنقاش غير مرة حالات ملموسة ، غير مبدئية . فعلى
سبيل المثال مسألة هل خرج "الشاباك" (المخابرات) عن صلاحيته إذ استخدم مصدراً
استخبارياً في دولة ما ؟ و مثل هذه النقاشات ترمي إلى تحقيق الحد الأاقصى من
التنسيق بين الأجهزة و إصلاح الخلل و إعادة الأمور إلى نصابها السليم .
وأهم مجالات عمل جهاز الأمن
العام (المخابرات أو "الشباك") هو في مجال الاستخبارات الإحباطية (الوقائية) .
فالعديد من الأشخاص المسؤولين عن ذلك هم ملح الأرض . فقسم العمليات ، مثلاً ، يشغله
قادة سابقون من الوحدات القتالية المختارة في الجيش (الإسرائيلي) ، ممن يحمِلون على
أكتافهم أكثر المهمات حساسية في "الشاباك" . كما يمكن للمرء أن يجد هناك نساء أيضاً
، تقمن بأعمال استثنائية . و بسبب التآكل العظيم ، فقد حصرت الخدمة في قسم العمليات
بفترة محدّدة بشكلٍ عام - ليس أكثر من سبع سنوات على الأغلب . و بعد ذلك يجري
استيعاب رجال العمليات في وظائف أخرى أو أنهم يسرّحون من الخدمة . كما و يجد خريجو
الوحدات المختارة في الجيش (الإسرائيلي) سبيلهم إلى ذراع آخر في "الشاباك" - ألا و
هو حراسة الشخصيات و الطائرات و السفن و المؤسسات (الإسرائيلية) في أرجاء العالم .
و لكن هذا يتم لفترات محدّدة .
و يتمثّل العامود الفقري
للجهاز ، بالطبع ، برجال المنطقة العربية . كلّ واحد منهم ملزم ، في جوهر الأمر ،
بأن يكون "ذئباً منفرداً" لأنه مكلّف بالوقوف - وحده أغلب الأحيان ، قبالة العملاء
الذين جنّدهم لغرض الحصول على المعلومات عن المنطقة . و مع ذلك ، و بشكلٍ متناقض
ظاهرياً ، فإنه مطالب بأن يكون "كائناً حياً اجتماعياً" أيضاً - أي ذا سحرٍ شخصي و
قدرة على الإقناع ، شخصاً قادراً على أن يقيم العلاقات مع الناس بسهولة ، و أن
يستطاب لهم . و خصلة حيوية هي القدرة على إنشاء صلة شخصية مع العملاء الذين
يستخدمهم . أما إذا ما افتقد إلى هذه الخصلة ، فإنه سيجد صعوبة في إقناعهم بخيانة
شعبهم ، و محيطهم القريب و دائرتهم الاجتماعية .
و يجري البحث عن خصالٍ مشابهة
أيضاً لدى المرشحين للخدمة في الأقسام التي تعنى بالمتطرفين اليهود - كأفراد و
جماعات - في اليمين و اليسار ، في النطاق الشرق أوروبي ، و لا سيما الروسي ، و كذا
بين الأجانب على اختلاف مشاربهم . و كذا الحال بالنسبة للمحقّقين ، الذين يقفون
بمفردهم أمام الخاضعين للتحقيق ، و الذين يصمّم بعضهم على عدم الانكسار . و قد حصل
غير مرة حين يكون رجال "الشاباك" يلعبون دور "المحقّق الطيب" قبالة "المحقّق
الشرير" ، يتعيّن عليهم أن يستخدموا سحرهم الشخصي و قدرتهم على منح الخاضع للتحقيق
الإحساس بأنهم يقفون إلى جانبه .
و من كلّ ما تقدّم يتضح أن رجل
"الشاباك" مطالب بمعانٍ كثيرة بأن يكون ممثّلاً راقياً بحيث لا يكتشف جمهوره حتى و
لو أدنى زيفٍ في أدائه . بيد أن المنطلق في كلّ المهمات هو الشجاعة . و ينبغي لي
هنا أن أتحفّظ فأقول إني لا أقصد التظاهر المبالغ فيه بالشجاعة بل بالقدر السليم ،
الذي يترافق و الحكمة و الروية .
على رجل المخابرات أن يرى
الصورة مجرّدة من الميول الشخصية و أن يعالج كلّ الأمور بشكلٍ موضوعي . فلا يمكنه
أن يسمح لنفسه ، مثلاً ، بكره المستوطنين أو ، مع الفارق ، مقت العرب . فحذارِ أن
يكون ، لا سمح الله ، مدفوعاً بمشاعر الانتقام . فقد واجهت لمراتٍ لا حصر لها قتلة
متوحشّين ألقينا القبض عليهم . غضبت منهم ، نفرت منهم ، و لكن لم تتحكّم بي أبداً
الرغبة في الانتقام . و بهذه الروح أيضاً ربّيت مرؤوسي . فمهمتنا ، كما كنت أشرح
لهم ، تنتهي في اللحظة التي نلقي فيها القبض على المشبوهين ، و ننتزع اعترافاتهم و
نسلّم ملف التحقيق للشرطة أو النيابة العامة . و كنت أردّد لهم دوماً بأن الجهاز
يعمل في الاستخبارات الوقائية . و مهمتنا هي جمع المعلومات التي تؤدّي إلى إلقاء
القبض على منفّذي العمليات أو المخطّطين لها ، و العثور عليهم و إلقاء القبض عليهم
"و إحباط نواياهم" . فليس "الشاباك" سوى حلقة واحدة في سلسلة الجهات ، بما فيها
الشرطة ، و النيابة العامة ، و جهاز القضاء و مصلحة السجون . لدينا مهمة محدّدة و
علينا تنفيذها ، هي فقط ، بأفضل صورة ممكنة .
و على مدى تسعة و عشرين عاماً
من الخدمة في جهاز المخابرات - "الشباك" مرّ الجهاز بهزاتٍ عديدة ، و لكن المصدر
الإنساني للجهاز ، و الذي بقيَ قوياً و مستقراً كالصخر ، و رؤية الأهداف و المهمات
أتاحت لنا التغلّب على كلّ القلاقل . و قد كان مقتل رابين برأيي الضربة الأقسى التي
يتلقّاها الجهاز على مدى سنوات وجوده . و لكن "الشاباك" تمكن من اجتياز الأزمة و
الإحباط . و قد انتعش الجهاز و هو يواصل طريقه . فالمهمات لم تقلّص ، بل تعاظمت . و
هي تستوجب العناية المهنية التي لا يمكن إلا لجهاز الأمن العام ، المجرّب أن
يقدّمها .
تتمثّل عظمة الجهاز في تمسّكه
الذي لا هوادة فيه بمبدأ العمل الرسمي . فكائناً من كانت السلطة في دولة (إسرائيل)
، فإن جهاز الأمن العام سيواصل الحفاظ على هذا المبدأ بثبات . و لا ريب لديّ في أن
قادة السلطة لن يخرجوا أبداً عن هذه التقاليد المقدّسة . فالجهاز يحرِص على المهنية
و العمل الرسميّ . فتدخلّه في الجدال السياسي من شأنه أن يمسّ ليس بسمعته فقط بل و
بقدرته على العمل بأقصى قدرٍ من النجاعة .
لم يكن أول يومٍ لي في
"الشاباك" تجربة صاخبة . فقد أصعدتني امرأة الاتصال إلى الطابق الثاني للمبنى في
يافا و أمرتني بالانتظار . فجاء كلمن توكر ، الرجل الذي كان يترأس لجنة القبول .
فصافحني قائلاً : "مرحباً ، صباح الخير ، أهلا و سهلاً" . لم تكن هناك خطب حماسية
لتحفيز دوافعي ، و لا طقس خاص للقبول الرسمي . فقد سلّمني توكر لمساعده ، تسفي بار
– ليف ، الرجل لطيف المعشر ، قصير الشعر ذي الصلاحية . و وضع بار - ليف أمامي
العديد من النماذج الجديدة ، و التصريحات المشفوعة بالقسم للحفاظ على السرية و ما
إلى ذلك . و كان عليّ أن أحفظ عدداً لا حصر له من التعليمات المكتوبة : محظور عليّ
أن أعمل كذا و كذا ، محظور عليّ أن أكون هنا و محظور عليّ أن أكون هناك . فسألت :
"هل مسموح لي على الأقل أن أتنفس هنا ؟" . فأشاح إليّ بوجهه بدهشة . فالتندر ، كما
فهمت في الحال ، كان أمراً غريباً على نمط الحياة في مقر "الشاباك" في يافا .
ليومٍ كاملٍ قمت بالتوقيع على
النماذج . و في فرصة الظهيرة ، توجّهت كالجميع إلى غرفة الطعام . نسيت ماذا قدّموا
لنا في ذاك اليوم بالضبط . و لا أذكر سوى أني لم أستمتع بالوجبة المتواضعة . عدت
إلى البيت منهكاً و محبطاً . فقد توقّعت أن يثير أول يومٍ لي في "الشاباك" الانفعال
.
كما أن الأيام التالية لم تكن
وافرة بالأحداث العاصفة . فقد بعثت إلى لقاء شخصي مع جبريئيل جبريئيلي ، كي يدرجني
في أول وظيفة لي في "الشاباك" . فقد كان هو رئيساً للقسم العربي . الرجل الذي يترك
شديد الأثر و يبث إحساساً بالسلطة و النفوذ ، ذو الشعر الأجعد و العينين المفعمتين
بالتعبير . عندما دخلت الغرفة رأيت ، على سبيل التغيير ، صوراً معلقة على الجدران .
و كان هناك أصيص نمت فيه نبتة خضراء يافعة . جلست قبالته منفعلاً ، أترقب المهمة
التي سيكلّفني بها . حدجني بنظرة جدية و أبلغني أنه تقرّر بناء على معطياتي الشخصية
إدراجي في القسم العربي . "و عليه فقد قرّرت أن أبعث بك إلى أرشيف القسم" قال . و
عندما استفقت من الصدمة ، قلت له بكياسة إنني لم آت إلى "الشاباك" لهذا الغرض .
فأعمال التوثيق ، كما شرحت له ، ليست مثابة التجسيد لحلمي . فابتسم مجيباً : "أفهمك
يا شاب ، و لكن الأرشيف هو محطة أولى إلزامية في سياق تأهيلك . من المهم أن تكون
هناك . ففي هذا المكان ستتعلّم كيف تنبت الأمور من تحت . و إلى هناك تصل كلّ
الإخباريات من كل المصادر ، السرية و العلنية . و إني واثق بأن هذه ستكون بداية
ممتازة بالنسبة لك" .
و في نظرة إلى الوراء تبيّن لي
أنه كان ثمة الكثير من المنطق في أقواله . نزلت إلى الأرشيف ، و استقبلني العاملون
هناك بمودة كبرى . فقد كان ذاك طاقماً رائعاً ، متفانٍ لا مثيل له ، طوّر إرشيفاً
مثار فخر . كانت هناك رفوف محملة بالملفات تحمل أسماء عربية . و كانت هذه هي
الملفات الشخصية . و هناك ملفات أخرى خصصت للمواضيع المختلفة في المجال العربي .
أما اليوم ، بالطبع ، فكلّ شيء مخزّن بالحاسوب فيما كان في الماضي على الورق فقط .
بدأت أعمل . وضعوا أمامي كومة
من الوثائق و علّموني في أي ملف أدرِجها . في البداية عملت بكدّ ، حيث استمتعت
بقراءة قسم من الوثائق قبل أن أبوّبها . و لكن عندما خلقت وتيرتي البطيئة تأخيراً
كبيراً ، اضطررت إلى التخلي عن القراءة . و عندما عدت إلى البيت في المساء ، كانت
يداي مجرّحة من السدادات المعدنية للملفات .
في تلك الأيام كان طاقم
"الشباك" يتكوّن من ثلاث مجموعات أساسية : الأولى - هم قدامى جهاز الإخباريات في
"الهاجانا" ("شاي") و وحدة الأمن الداخلي "ماحتس" ، و التي أنشئت بعد حلّ
"الهاجانا" و عملت حتى تشكيل جهاز الأمن في شباط 1949 (أما لقب "العام" فلم يضف إلى
"جهاز الأمن" إلا بعد عدة أشهر من تأسيسه) . و المجموعة الثانية - أناس لغة الأم
لديهم هي الروسية أو أي لغة شرق أوروبية أخرى . و الثالثة - من سليلي الدول العربية
أو من مواليد البلاد ممن عاشوا في محيطٍ عربيّ و تعلّموا كيف يعرفونه كما يعرف
المرء كفّ يده . أحدهم كان غيورا زيد ، ابن إلكسندر زيد الأسطوري ، من مؤسسي
"هشومير" (الحارس) . الذي استقر في أراضي الشيخ إبريق و قتله عربي في العام 1938 ،
في ذروة الأحداث . و كان غيورا يتكلّم العربية كالعربي الأصيل ، و كانت معرفته في
الثقافة العربية بعادتها تبعث على الإعجاب . فقد كان ضيفاً مرغوباً فيه في كلّ قرية
عربية و كلّ خيمة بدوية . و قد هرع غير مرة لنجدة عربيّ احتاج إلى مساعدة عاجلة . و
كان يتراكض دوماً في سيارة جيب وضعها "الشاباك" تحت تصرفه فيما يتطاير شعره في
الريح و تلمع عيناه الضاحكتان .. لقد كان على ودّ مع العرب و على صلة بحياتهم لدرجة
أنه تلقّى بشكلٍ طبيعي مهمة مساعدتهم حتى في تنظيم الأسرة . و كان يمكن للمرء أن
يجد في سيارة الجيب خاصته غير مرة حبوب منع الحمل التي كان يوزّعها بالستر على نساء
أصدقائه . أما المعلومات التي كان يأتي بها من جولاته الميدانية فقد كانت دوماً آخر
الأنباء ، دقيقة و بالغة القيمة .
و كان زملائي في العمل في
الأرشيف من قدامى الجهاز . و على نحوٍ مشابه للقدامى الآخرين في "الشاباك" ، لم
يكن لأي منهم تقريباً أمل في الوصول إلى موقع إداري عالٍ . بمعظمهم كانوا بدون
تعليم رسمي أو مؤهلات قيادية . و قد اكتسبوا معرفتهم و خبرتهم من خلال عملهم . و
تبيّن غير مرة أن تحكّمهم باللغة العربية و خبرتهم في العادات العربية تفوق قدرة
قادتهم . غير أن القيادة الجديرة باسمها تستدعي كفاءة خاصة ، و جملة من الخصال و
اطلاعاً على مجالات عديدة ، و التي لم تكن لديهم . و لكن كلّ من في "الشاباك" ،
مثلما هو الحال في الأطر الأمنية الأخرى ، قبِلوا الهرمية كأمر مسلّم به ، و إن كان
معناها ترقية أشخاص ليسوا هم الأقدم بالضرورة .
أما بعد حرب الأيام الستة فقد
صار المشهد البشري أكثر تنوعاً . فقد انضم إلى نواة القدامى شباب من مواليد البلاد
، جاءوا إلى الجهاز بعد تسريحهم من الجيش (الإسرائيلي) . بعضهم تعرّف على عمل
"الشباك" في إطار خدمتهم العسكرية و سعوا لمواصلة ذلك في الحياة المدنية . و آخرون
جاءوا إلينا بتوصية من أصدقائهم لمهام مختلفة في الجهاز . كما كان ثمة من وجد سبيله
إلى "الشاباك" ، كما حدث معي ، من خلال الإعلانات في الصحف و مؤسسات التعليم العالي
. و إلى جانب كلّ هؤلاء كان الجهاز يبادر إلى التجنيد في أوساط شريحة معينة من
السكان - بين المهاجرين من الاتحاد السوفييتي مثلاً ممن حلّوا مع الوقت محلّ
العاملين القدامى المتقاعدين في القسم الروسي .
و كان جهاز الأمن العام يدار
في حينه كمؤسسة مغلقة و كتومة ، محصّنة تجاه العالم الخارجي . و كانت السرية هي
الكلمة الأساسية . الكتمان الصارم كان جزءاً لا يتجزأ من نمط العمل . فمثلاً لم أكن
أعرف في عهدي الأول في الجهاز أي شيء تقريباً عن أعمال قسم الأجانب . الذي كان يعنى
في كلّ المواضيع الاستخبارية التي لا علاقة لها بالعرب ، أما عن وحدة العمليات فكنت
أعرف أقل من ذلك بكثير . كما كان ثمة قدرٍ لا بأس به ما كان يسمى "بالمسافة" . فقد
كان رئيس الجهاز في حينه هو يوسف هرملين . و في السنوات الأولى بعملي في "الشاباك"
لم يحصل لي أن تبادلت معه كلمة واحدة . فلم يكن من الدارج الدخول إلى غرفة رئيس
الجهاز كلما شعرت بالحاجة إلى أن تصب ما في قلبك أو تطلب شيئاً . و عندما كنا نلتقي
في مناسبات "الشاباك" لم نكن حتى نتصافح . و أشكّ أنه كان لفترة طويلة يعرف حتى
بوجودي . فقد ولد في فيينا في العام 1923 . و عندما دخل النازيون إلى النمسا ، هاجر
والداه إلى المكسيك و أقاما مصنعاً ، أما هو و أخته فهربا مهاجرين إلى أرض
(إسرائيل) . و في الحرب العالمية الثانية خدم في الجيش البريطاني . و بعد حرب
الاستقلال انضم إلى أسرة الاستخبارات . و عيّن رئيساً للجهاز في العام 1963 عندما
كان في الأربعين . و كانت إحدى نجاحاته الكبرى هي انتشار "الشباك" بعد حرب الأيّام
الستة في قطاع غزة و يهودا و السامرة .
|