الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

سيدة تحمِل صحيفة

 

انقضى نحو نصفِ عام منذ أن امتثلت للمقابلة الأولى في وزارة الدفاع إلى أن وصلتني البشرى التي انتظرتها . فقد رنّ الهاتف في ساعة صباح مبكرة جداً ، و أبلغني صوت لا أعرفه بنبرة رسمية أنّي قبلت .

"تعال غداً في الساعة الثامنة صباحاً إلى برج الساعة في يافا" ، قيل لي ، "انتظر هناك سيدة تحمِل صحيفة . هي شاهدت صورتك و ستشخصك . سر وراءها" .

رويت لوالدي أني قبلت في العمل في "الشاباك" . لم تفهم أمي بالضبط عما يدور الحديث و طلبت إيضاحات . شرحت لها أن "الشاباك" هو هيئة تعنى بإلقاء القبض على الجواسيس فلم يرق لها الأمر . "من أجل ماذا تريد ذلك ؟" ، تأوهت و أضافت : "لم يعد يوجد وظائف عادية ؟" قلت لها إن الوظيفة تثير اهتمامي ، و أني أرى فيها تحدياً . هدأت من روعها في أن الوظيفة الجديدة لا تنطوي على المخاطرة بالحياة . أما والدي فقد أيدني فانضمت إليه والدتي بعد بعض التردّد . و عاد ذاك الحديث إلى ذهني عندما عينت رئيساً للجهاز . و قد تفطر قلبي حينها لأن والدي لم يحظَ برؤيتي في هذا المنصب . فقد أصيب بمرضٍ عضالٍ بقيَ في أثره قيد الفراش في المستشفى لعدة سنوات حتى وافته المنية في العام 1990 . أما والدتي التي رافقت مسار تقدّمي بكامله فلم تبدِ أبداً أي حماسة زائدة لعملي . و سؤال "من أجل ماذا تريد ذلك ؟" كان يتردّد غير مرة ، و لا سيما حين كانت وسائل الإعلام تنشغل بي ، بالخير أم بالشر . و كانت تقول لصديقاتها : "بوسعهم أن يكتبوا عنه ما شاءوا ، فأنا أعرفه و أعرف الحقيقة ..." .

لم أغمِض عيني طوال الليلة التي سبقت لقائي بالسيدة الغريبة بالقرب من برج الساعة في يافا . و قد استيقظت في الصباح التالي مبكراً . و رأيت في خيالي حسناء ممشوقة القوام في بدلة رسمية تنظر إليّ من وراء نظارة شمسية قاتمة و تلمح لي بإيماءة من رأسها للسير في أعقابها . و لا بد أني كنت أشاهد أفلام تجسّس بقدرٍ مبالغ فيه . فالمرأة التي وصلت في الساعة الثامنة تماماً كانت في نحو الأربعين من عمرها و بدت و كأنها ربة بيتٍ عادية خرجت لشراء بعض احتياجاتها من البقالة . كانت تمسِك بصحيفة في يدها فتوجّهت إليّ و نبست تقول "اتبعني!" .

اجتزنا الساحة صامتين و دخلنا سوق الخردة . و كان التجار قد فتحوا محلاتهم لتوّهم . و قد تراكمت على الأرصفة الملابس المستعملة و الأدوات المنزلية القديمة . و في المطاعم كانوا يقدّمون الفول مع البيض على سبيل وجبة الصباح . و لم يلقِ أحد إلينا بأي نظرة . انتقلنا عبر زقاق ضيّق إلى شارع سوان و وقفنا عند مدخل مبنى من ثلاثة طوابق ، يتميّز بفارقٍ واحد فقط عن المباني الأخرى حوله في أن سياجاً عالياً يحيط بحاشية سطحه . و لم يكن تعلوه أي يافطة أو إشارة تشخيص .

ضغطت المرأة المجهولة على زرّ إلكتروني ففتحت البوابة الحديدية الثقيلة . دخلنا . كان هذا في الأول من آذار 1966 . و قبل أسبوعين فقط كنت قد أتممت الثانية و العشرين من عمري . كنت في غاية الانفعال ، و غاية الفضول . وصلت إلى مكان عملي الجديد دون أن تكون لي ذرة علم بما ينتظرني هناك .

انطباعي الأول عن مبنى "الشاباك" في يافا كان البساطة و التواضع بلا هوادة . فقد كان لباس الأشخاص بعيداً جداً عن الموضة ، و الأثاث قديم بل و قليل . و كانت الجدران مطروشة باللون الأبيض و خالية من الصور . أما البلاط المزخرف - حيث كان هذا مبنى عربياً قديماً - فكان محطّماً و مشقّقاً في قسمٍ منه . و لم يكن ثمة مزهرية على أي طاولة . فلم أعثر هناك على أي لمسة شخصية .

لم يستغرقني وقت طويل كي أكتشف أن أحداً من زملائي الجدد لا يرى في عمله في "الشاباك" مصدر رزق و حسب . فقد كانوا قبل كل شيء آخر عقائديين ، مفعمين بروح الرسالة . كان العمل جماً ، و كان يتواصل بالإجمال حتى ساعات المساء المتأخرة بل و أحياناً على مدار الساعة ، لسبعة أيام في الأسبوع . لم يكن هناك أي نظام للدفع لقاء ساعات العمل الإضافية . كما أن أحداً لم يتصوّر طرح هذا المطلب . كان في الجو شيئاً معدياً . روح الطاقم ، التفاني ، الإحساس بأن كلّ شخصٍ في هذا الإطار ينفّذ ، بطريقته ، إحدى المهمات الأكثر حيوية للدولة - كلّ هذه فعلت فعلها . كانت تلك جماعة متراصة ، مصمّمة ، مشجعة و مؤيدة . جماعة فخورة "لرؤوس كبيرة" .

و منذئذ سار جهاز الأمن العام درباً طويلاً . فقد اتسع و نما وراكم قوة و وجد نفسه يتصدّى لمهام هائلة ، بما في ذلك مكافحة منظّمات (المخرّبين) و الانتفاضة . و إحباط (الإرهاب اليهودي) و ضمان سلامة الهجرة الكبرى و اكتشاف الجواسيس و الذين تسرّب العديد منهم إلى البلاد تحت ستار المهاجرين الأبرياء ، و حراسة أمن الشخصيات و المؤسسات (الإسرائيلية) و محاور المواصلات في أرجاء العالم .

إن "الشباك" - جهاز الأمن العام - هو أحد ثلاثة أجهزة استخبارية مركزية لدولة (إسرائيل) . و هو مكلّف إضافة إلى الموساد و "أمان" (شعبة الاستخبارات العسكرية) بأن يوفّر للمحافل السياسية التحذيرات و المعلومات و التقديرات و التوصيات لغرض اتخاذ القرارات ذات الشأن . و في سياق العمل اليومي تتدفق كميات هائلة من المعلومات من هذا المصدر الاستخباري إلى سواه ، وفقاً لمجالات النشاط المحدّدة . و ثمة بين الأجهزة الثلاثة تعاون جاري ، حتى في المجال الميداني أيضاً . و تجري أيام دراسية مشتركة . و يمكث مندوبو أحد الأجهزة الاستخبارية غير مرة لغرض الخوض في مشاريع معينة في داخل جهاز آخر . و هكذا ، مثلاً ، يعنى "الشباك" بالترشيح الأمني للطاقة البشرية للموساد و "أمان" ، و كذلك لأذرع الجيش (الإسرائيلي) الأخرى .

و لأجهزة الاستخبارات المركزية الثلاثة تمثيل في لجنة رؤساء الأجهزة التي تجتمع مرة كل عدة أسابيع . و يشارك في هذه الجلسات رئيس "الموساد" و رئيس "الشباك" و رئيس "أمان" ، و منذ قضية الخط 300 يشارك السكرتير العسكري لرئيس الوزراء أيضاً . و لجنة رؤساء الأجهزة هي بالأساس هيئة لأغراض التبليغ و النقاش . كما أنها تحرِص على ألا يخرج أي جهاز عن نطاق صلاحياته المحدّدة له . و قد طرحت للنقاش غير مرة حالات ملموسة ، غير مبدئية . فعلى سبيل المثال مسألة هل خرج "الشاباك" (المخابرات) عن صلاحيته إذ استخدم مصدراً استخبارياً في دولة ما ؟ و مثل هذه النقاشات ترمي إلى تحقيق الحد الأاقصى من التنسيق بين الأجهزة و إصلاح الخلل و إعادة الأمور إلى نصابها السليم .

وأهم مجالات عمل جهاز الأمن العام (المخابرات أو "الشباك") هو في مجال الاستخبارات الإحباطية (الوقائية) . فالعديد من الأشخاص المسؤولين عن ذلك هم ملح الأرض . فقسم العمليات ، مثلاً ، يشغله قادة سابقون من الوحدات القتالية المختارة في الجيش (الإسرائيلي) ، ممن يحمِلون على أكتافهم أكثر المهمات حساسية في "الشاباك" . كما يمكن للمرء أن يجد هناك نساء أيضاً ، تقمن بأعمال استثنائية . و بسبب التآكل العظيم ، فقد حصرت الخدمة في قسم العمليات بفترة محدّدة بشكلٍ عام - ليس أكثر من سبع سنوات على الأغلب . و بعد ذلك يجري استيعاب رجال العمليات في وظائف أخرى أو أنهم يسرّحون من الخدمة . كما و يجد خريجو الوحدات المختارة في الجيش (الإسرائيلي) سبيلهم إلى ذراع آخر في "الشاباك" - ألا و هو حراسة الشخصيات و الطائرات و السفن و المؤسسات (الإسرائيلية) في أرجاء العالم . و لكن هذا يتم لفترات محدّدة .

و يتمثّل العامود الفقري للجهاز ، بالطبع ، برجال المنطقة العربية . كلّ واحد منهم ملزم ، في جوهر الأمر ، بأن يكون "ذئباً منفرداً" لأنه مكلّف بالوقوف - وحده أغلب الأحيان ، قبالة العملاء الذين جنّدهم لغرض الحصول على المعلومات عن المنطقة . و مع ذلك ، و بشكلٍ متناقض ظاهرياً ، فإنه مطالب بأن يكون "كائناً حياً اجتماعياً" أيضاً - أي ذا سحرٍ شخصي و قدرة على الإقناع ، شخصاً قادراً على أن يقيم العلاقات مع الناس بسهولة ، و أن يستطاب لهم . و خصلة حيوية هي القدرة على إنشاء صلة شخصية مع العملاء الذين يستخدمهم . أما إذا ما افتقد إلى هذه الخصلة ، فإنه سيجد صعوبة في إقناعهم بخيانة شعبهم ، و محيطهم القريب و دائرتهم الاجتماعية .

و يجري البحث عن خصالٍ مشابهة أيضاً لدى المرشحين للخدمة في الأقسام التي تعنى بالمتطرفين اليهود - كأفراد و جماعات - في اليمين و اليسار ، في النطاق الشرق أوروبي ، و لا سيما الروسي ، و كذا بين الأجانب على اختلاف مشاربهم . و كذا الحال بالنسبة للمحقّقين ، الذين يقفون بمفردهم أمام الخاضعين للتحقيق ، و الذين يصمّم بعضهم على عدم الانكسار . و قد حصل غير مرة حين يكون رجال "الشاباك" يلعبون دور "المحقّق الطيب" قبالة "المحقّق الشرير" ، يتعيّن عليهم أن يستخدموا سحرهم الشخصي و قدرتهم على منح الخاضع للتحقيق الإحساس بأنهم يقفون إلى جانبه .

و من كلّ ما تقدّم يتضح أن رجل "الشاباك" مطالب بمعانٍ كثيرة بأن يكون ممثّلاً راقياً بحيث لا يكتشف جمهوره حتى و لو أدنى زيفٍ في أدائه . بيد أن المنطلق في كلّ المهمات هو الشجاعة . و ينبغي لي هنا أن أتحفّظ فأقول إني لا أقصد التظاهر المبالغ فيه بالشجاعة بل بالقدر السليم ، الذي يترافق و الحكمة و الروية .

على رجل المخابرات أن يرى الصورة مجرّدة من الميول الشخصية و أن يعالج كلّ الأمور بشكلٍ موضوعي . فلا يمكنه أن يسمح لنفسه ، مثلاً ، بكره المستوطنين أو ، مع الفارق ، مقت العرب . فحذارِ أن يكون ، لا سمح الله ، مدفوعاً بمشاعر الانتقام . فقد واجهت لمراتٍ لا حصر لها قتلة متوحشّين ألقينا القبض عليهم . غضبت منهم ، نفرت منهم ، و لكن لم تتحكّم بي أبداً الرغبة في الانتقام . و بهذه الروح أيضاً ربّيت مرؤوسي . فمهمتنا ، كما كنت أشرح لهم ، تنتهي في اللحظة التي نلقي فيها القبض على المشبوهين ، و ننتزع اعترافاتهم و نسلّم ملف التحقيق للشرطة أو النيابة العامة . و كنت أردّد لهم دوماً بأن الجهاز يعمل في الاستخبارات الوقائية . و مهمتنا هي جمع المعلومات التي تؤدّي إلى إلقاء القبض على منفّذي العمليات أو المخطّطين لها ، و العثور عليهم و إلقاء القبض عليهم "و إحباط نواياهم" . فليس "الشاباك" سوى حلقة واحدة في سلسلة الجهات ، بما فيها الشرطة ، و النيابة العامة ، و جهاز القضاء و مصلحة السجون . لدينا مهمة محدّدة و علينا تنفيذها ، هي فقط ، بأفضل صورة ممكنة .

و على مدى تسعة و عشرين عاماً من الخدمة في جهاز المخابرات - "الشباك" مرّ الجهاز بهزاتٍ عديدة ، و لكن المصدر الإنساني للجهاز ، و الذي بقيَ قوياً و مستقراً كالصخر ، و رؤية الأهداف و المهمات أتاحت لنا التغلّب على كلّ القلاقل . و قد كان مقتل رابين برأيي الضربة الأقسى التي يتلقّاها الجهاز على مدى سنوات وجوده . و لكن "الشاباك" تمكن من اجتياز الأزمة و الإحباط . و قد انتعش الجهاز و هو يواصل طريقه . فالمهمات لم تقلّص ، بل تعاظمت . و هي تستوجب العناية المهنية التي لا يمكن إلا لجهاز الأمن العام ، المجرّب أن يقدّمها .

تتمثّل عظمة الجهاز في تمسّكه الذي لا هوادة فيه بمبدأ العمل الرسمي . فكائناً من كانت السلطة في دولة (إسرائيل) ، فإن جهاز الأمن العام سيواصل الحفاظ على هذا المبدأ بثبات . و لا ريب لديّ في أن قادة السلطة لن يخرجوا أبداً عن هذه التقاليد المقدّسة . فالجهاز يحرِص على المهنية و العمل الرسميّ . فتدخلّه في الجدال السياسي من شأنه أن يمسّ ليس بسمعته فقط بل و بقدرته على العمل بأقصى قدرٍ من النجاعة .

لم يكن أول يومٍ لي في "الشاباك" تجربة صاخبة . فقد أصعدتني امرأة الاتصال إلى الطابق الثاني للمبنى في يافا و أمرتني بالانتظار . فجاء كلمن توكر ، الرجل الذي كان يترأس لجنة القبول . فصافحني قائلاً : "مرحباً ، صباح الخير ، أهلا و سهلاً" . لم تكن هناك خطب حماسية لتحفيز دوافعي ، و لا طقس خاص للقبول الرسمي . فقد سلّمني توكر لمساعده ، تسفي بار – ليف ، الرجل لطيف المعشر ، قصير الشعر ذي الصلاحية . و وضع بار - ليف أمامي العديد من النماذج الجديدة ، و التصريحات المشفوعة بالقسم للحفاظ على السرية و ما إلى ذلك . و كان عليّ أن أحفظ عدداً لا حصر له من التعليمات المكتوبة : محظور عليّ أن أعمل كذا و كذا ، محظور عليّ أن أكون هنا و محظور عليّ أن أكون هناك . فسألت : "هل مسموح لي على الأقل أن أتنفس هنا ؟" . فأشاح إليّ بوجهه بدهشة . فالتندر ، كما فهمت في الحال ، كان أمراً غريباً على نمط الحياة في مقر "الشاباك" في يافا .

ليومٍ كاملٍ قمت بالتوقيع على النماذج . و في فرصة الظهيرة ، توجّهت كالجميع إلى غرفة الطعام . نسيت ماذا قدّموا لنا في ذاك اليوم بالضبط . و لا أذكر سوى أني لم أستمتع بالوجبة المتواضعة . عدت إلى البيت منهكاً و محبطاً . فقد توقّعت أن يثير أول يومٍ لي في "الشاباك" الانفعال .

كما أن الأيام التالية لم تكن وافرة بالأحداث العاصفة . فقد بعثت إلى لقاء شخصي مع جبريئيل جبريئيلي ، كي يدرجني في أول وظيفة لي في "الشاباك" . فقد كان هو رئيساً للقسم العربي . الرجل الذي يترك شديد الأثر و يبث إحساساً بالسلطة و النفوذ ، ذو الشعر الأجعد و العينين المفعمتين بالتعبير . عندما دخلت الغرفة رأيت ، على سبيل التغيير ، صوراً معلقة على الجدران . و كان هناك أصيص نمت فيه نبتة خضراء يافعة . جلست قبالته منفعلاً ، أترقب المهمة التي سيكلّفني بها . حدجني بنظرة جدية و أبلغني أنه تقرّر بناء على معطياتي الشخصية إدراجي في القسم العربي . "و عليه فقد قرّرت أن أبعث بك إلى أرشيف القسم" قال . و عندما استفقت من الصدمة ، قلت له بكياسة إنني لم آت إلى "الشاباك" لهذا الغرض . فأعمال التوثيق ، كما شرحت له ، ليست مثابة التجسيد لحلمي . فابتسم مجيباً : "أفهمك يا شاب ، و لكن الأرشيف هو محطة أولى إلزامية في سياق تأهيلك . من المهم أن تكون هناك . ففي هذا المكان ستتعلّم كيف تنبت الأمور من تحت . و إلى هناك تصل كلّ الإخباريات من كل المصادر ، السرية و العلنية . و إني واثق بأن هذه ستكون بداية ممتازة بالنسبة لك" .

و في نظرة إلى الوراء تبيّن لي أنه كان ثمة الكثير من المنطق في أقواله . نزلت إلى الأرشيف ، و استقبلني العاملون هناك بمودة كبرى . فقد كان ذاك طاقماً رائعاً ، متفانٍ لا مثيل له ، طوّر إرشيفاً مثار فخر . كانت هناك رفوف محملة بالملفات تحمل أسماء عربية . و كانت هذه هي الملفات الشخصية . و هناك ملفات أخرى خصصت للمواضيع المختلفة في المجال العربي . أما اليوم ، بالطبع ، فكلّ شيء مخزّن بالحاسوب فيما كان في الماضي على الورق فقط .

بدأت أعمل . وضعوا أمامي كومة من الوثائق و علّموني في أي ملف أدرِجها . في البداية عملت بكدّ ، حيث استمتعت بقراءة قسم من الوثائق قبل أن أبوّبها . و لكن عندما خلقت وتيرتي البطيئة تأخيراً كبيراً ، اضطررت إلى التخلي عن القراءة . و عندما عدت إلى البيت في المساء ، كانت يداي مجرّحة من السدادات المعدنية للملفات .

في تلك الأيام كان طاقم "الشباك" يتكوّن من ثلاث مجموعات أساسية : الأولى - هم قدامى جهاز الإخباريات في "الهاجانا" ("شاي") و وحدة الأمن الداخلي "ماحتس" ، و التي أنشئت بعد حلّ "الهاجانا" و عملت حتى تشكيل جهاز الأمن في شباط 1949 (أما لقب "العام" فلم يضف إلى "جهاز الأمن" إلا بعد عدة أشهر من تأسيسه) . و المجموعة الثانية - أناس لغة الأم لديهم هي الروسية أو أي لغة شرق أوروبية أخرى . و الثالثة - من سليلي الدول العربية أو من مواليد البلاد ممن عاشوا في محيطٍ عربيّ و تعلّموا كيف يعرفونه كما يعرف المرء كفّ يده . أحدهم كان غيورا زيد ، ابن إلكسندر زيد الأسطوري ، من مؤسسي "هشومير" (الحارس) . الذي استقر في أراضي الشيخ إبريق و قتله عربي في العام 1938 ، في ذروة الأحداث . و كان غيورا يتكلّم العربية كالعربي الأصيل ، و كانت معرفته في الثقافة العربية بعادتها تبعث على الإعجاب . فقد كان ضيفاً مرغوباً فيه في كلّ قرية عربية و كلّ خيمة بدوية . و قد هرع غير مرة لنجدة عربيّ احتاج إلى مساعدة عاجلة . و كان يتراكض دوماً في سيارة جيب وضعها "الشاباك" تحت تصرفه فيما يتطاير شعره في الريح و تلمع عيناه الضاحكتان .. لقد كان على ودّ مع العرب و على صلة بحياتهم لدرجة أنه تلقّى بشكلٍ طبيعي مهمة مساعدتهم حتى في تنظيم الأسرة . و كان يمكن للمرء أن يجد في سيارة الجيب خاصته غير مرة حبوب منع الحمل التي كان يوزّعها بالستر على نساء أصدقائه . أما المعلومات التي كان يأتي بها من جولاته الميدانية فقد كانت دوماً آخر الأنباء ، دقيقة و بالغة القيمة .

و كان زملائي في العمل في الأرشيف من قدامى الجهاز . و على نحوٍ مشابه للقدامى الآخرين في "الشاباك" ،  لم يكن لأي منهم تقريباً أمل في الوصول إلى موقع إداري عالٍ . بمعظمهم كانوا بدون تعليم رسمي أو مؤهلات قيادية . و قد اكتسبوا معرفتهم و خبرتهم من خلال عملهم . و تبيّن غير مرة أن تحكّمهم باللغة العربية و خبرتهم في العادات العربية تفوق قدرة قادتهم . غير أن القيادة الجديرة باسمها تستدعي كفاءة خاصة ، و جملة من الخصال و اطلاعاً على مجالات عديدة ، و التي لم تكن لديهم . و لكن كلّ من في "الشاباك" ، مثلما هو الحال في الأطر الأمنية الأخرى ، قبِلوا الهرمية كأمر مسلّم به ، و إن كان معناها ترقية أشخاص ليسوا هم الأقدم بالضرورة .

أما بعد حرب الأيام الستة فقد صار المشهد البشري أكثر تنوعاً . فقد انضم إلى نواة القدامى شباب من مواليد البلاد ، جاءوا إلى الجهاز بعد تسريحهم من الجيش (الإسرائيلي) . بعضهم تعرّف على عمل "الشباك" في إطار خدمتهم العسكرية و سعوا لمواصلة ذلك في الحياة المدنية . و آخرون جاءوا إلينا بتوصية من أصدقائهم لمهام مختلفة في الجهاز . كما كان ثمة من وجد سبيله إلى "الشاباك" ، كما حدث معي ، من خلال الإعلانات في الصحف و مؤسسات التعليم العالي . و إلى جانب كلّ هؤلاء كان الجهاز يبادر إلى التجنيد في أوساط شريحة معينة من السكان - بين المهاجرين من الاتحاد السوفييتي مثلاً ممن حلّوا مع الوقت محلّ العاملين القدامى المتقاعدين في القسم الروسي .

و كان جهاز الأمن العام يدار في حينه كمؤسسة مغلقة و كتومة ، محصّنة تجاه العالم الخارجي . و كانت السرية هي الكلمة الأساسية . الكتمان الصارم كان جزءاً لا يتجزأ من نمط العمل . فمثلاً لم أكن أعرف في عهدي الأول في الجهاز أي شيء تقريباً عن أعمال قسم الأجانب . الذي كان يعنى في كلّ المواضيع الاستخبارية التي لا علاقة لها بالعرب ، أما عن وحدة العمليات فكنت أعرف أقل من ذلك بكثير . كما كان ثمة قدرٍ لا بأس به ما كان يسمى "بالمسافة" . فقد كان رئيس الجهاز في حينه هو يوسف هرملين . و في السنوات الأولى بعملي في "الشاباك" لم يحصل لي أن تبادلت معه كلمة واحدة . فلم يكن من الدارج الدخول إلى غرفة رئيس الجهاز كلما شعرت بالحاجة إلى أن تصب ما في قلبك أو تطلب شيئاً . و عندما كنا نلتقي في مناسبات "الشاباك" لم نكن حتى نتصافح . و أشكّ أنه كان لفترة طويلة يعرف حتى بوجودي . فقد ولد في فيينا في العام 1923 . و عندما دخل النازيون إلى النمسا ، هاجر والداه إلى المكسيك و أقاما مصنعاً ، أما هو و أخته فهربا مهاجرين إلى أرض (إسرائيل) . و في الحرب العالمية الثانية خدم في الجيش البريطاني . و بعد حرب الاستقلال انضم إلى أسرة الاستخبارات . و عيّن رئيساً للجهاز في العام 1963 عندما كان في الأربعين . و كانت إحدى نجاحاته الكبرى هي انتشار "الشباك" بعد حرب الأيّام الستة في قطاع غزة و يهودا و السامرة .