الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

خبيث و شكاك كبير

 

اضطر "الشاباك" إلى إعادة تنظيم نفسه عشية انسحاب الجيش من قطاع غزة . و كانت هذه مهمة كبيرة . حيث كان ثمة ضرورة لإعداد قاعدة استخبارية تتناسب مع الظروف المستجدة على الأرض و الحصول على مصادقة المستوى السياسي على ذلك . و بالمقابل كان علينا التعاون مع الفلسطينيين و تحديد لقاءات ، و تنسيق و تبادل المعلومات . و من أجل أن يجري كلّ شيء على خير وجه ، أجريت عدة لقاءات مع أوساط فلسطينية مركزية .

لم نتجاهل أيضاً التزامنا بمصير السكان الذين اكتشف أمرهم كعملاء لنا . حيث ربط الكثير منهم مصيرهم بنا قبل سنوات عديدة . و غير قليل منهم عملوا معنا منذ حرب حزيران . و عشية الانسحاب أبلغنا كلّ واحد منهم بأن له الخيار في مغادرة قطاع غزة مع أفراد عائلته و الإقامة في (إسرائيل) . و وعدنا بإصدار بطاقة هوية (إسرائيلية) لكلّ من يقرر النزوح إلى (إسرائيل) .

لم نكن نجنّد العملاء بالضغط أو الإكراه . و من الأجهزة السرية البارزة التي عملت وفق هذا الأسلوب هي المخابرات السوفييتية . و قد أثبتت التجربة أن العميل الذي يجنّد مكرهاً لا يمكن الاعتماد عليه في توفير كامل المعلومات و لن يتوفّر لديه الحافز لبذل كلّ جهد مستطاع لإحراز المعلومات المطلوبة . ثمة دوافع مختلفة مثلما أشرت سابقاً تدفع الإنسان لإن يتعاون معنا . و قد يكون ذلك كردّ على جميل فعلناه لأجله ، مثل جمع شمل العائلات و تقديم علاجٍ طبي له أو لأحد أفراد عائلته . و قد يكون انتقاماً من رفاقه في المنظمة (الإرهابية) الذين أساءوا التصرف معه .

و قد يكون السبب أيضاً ضائقة مالية . صحيح أن المبالغ التي دفعناها للعملاء كانت قليلة جداً بالمعايير (الإسرائيلية) و لكنها تكفي لعيش عائلة كبيرة الأفراد في غزة .

في سنوات الانتفاضة اتخذ معظم العملاء قرار النزوح إلى (إسرائيل) . و كانوا أثناء وجودنا في غزة يخافون عموماً من التنكيل بهم ، و لكن كلما اقترب موعد الانسحاب كلّما تعاظم خوف العملاء – و بحق – مما ينتظرهم عندما تستلم السلطة زمام الحكم . و حين دخلت السلطة إلى غزة طلبنا منها عدم التعرّض إلى العملاء الذين فضلوا البقاء هناك . و قلنا لهم إن ضمان عدم الإضرار بالعملاء هو أمر ينصّ عليه الاتفاق مع السلطة . غير أن رجال السلطة لم يصمدوا أمام ضغط الشارع و حماس . و تم تقديم عددٍ من العملاء للمحاكم حيث سجنوا ، قتلوا ، عذّبوا ، و حرقت بيوتهم ، و صودرت ممتلكاتهم . هذا ما حصل بعد عملية سلامة الجليل في لبنان و كذلك بعد الانسحاب من غزة في عملية "كديش" .

و المصير ذاته سيكون أيضاً من نصيب العملاء في جنوب لبنان حين ينسحب الجيش (الإسرائيلي) من هناك . لقد خلف العملاء الذين انتقلوا إلى (إسرائيل) وراءهم بيوتاً و ممتلكات و أحياناً تركوا نساء لم يشأن الانضمام إليهم . و انقطعوا عن عائلاتهم و عن بيئتهم الطبيعية و اضطروا إلى التكيّف مع المجتمع الغريب ذي العقلية المختلفة . و في معظم الأحوال تعامل معهم جيرانهم الجدد – سواء أكانوا يهوداً أم عرباً (إسرائيليين) – بنوعٍ من العداء و اضطروا إلى إدارة حياتهم الجديدة بعزلة فائقة . و في حالات غير قليلة انحدروا إلى مستوى الجريمة ، المخدرات و أعمال التهريب .

في 12 كانون الثاني 1994 قرّرت الحكومة إقامة إدارة مركزية لتأهيل عملاء كلّ أجهزة الاستخبارات . و تقرّر أن تخضع هذه الإدارة لرئيس "الشاباك" بتوجيهٍ من قبل لجنة ممثلين عن وزارات المالية و البناء و الإسكان و الداخلية . و حدّدت مواصفات لتأهيل العملاء ، و المستخدمين المحليين في الإدارة المحلية و أفراد الشرطة العرب الذين اتهموا بالتعاون معنا و كذلك أفراد عائلات العملاء الذين قتِلوا أثناء عملهم في خدمتنا أو توفّوا أثناء التأهيل . و حين أقيمت إدارة التأهيل ، شملت قائمة العملاء الذين احتاجوا إلى خدماتها 1400 اسماً من بينهم 1200 شخصاً كانوا من عملاء "الشاباك" .

كانت عملية التأهيل ، تبدأ في بعض الحالات بإنقاذ العميل وأفراد عائلته من المنطقة و نقله للسكن في داخل (إسرائيل) . و كانوا يحتاجون عموماً إلى إرشادات في كلّ ما يتعلّق بنظام الحياة في الواقع الجديد الذي فرض عليهم . و في معظم الحالات لم يكن العملاء الذين قدموا إلى هنا يعرفون ما هو حساب البنك و كيف يشترون من السوبرماركت . و السواد الأعظم منهم لا يعرفون اللغة العبرية .

عارضت بشدة اقتراح إقامة أحياء لتأهيلهم و ادعيت أننا بذلك نشكّل ما يشبه الغيتوات التي ستعزلهم أكثر فأكثر عن المجتمع ، الأمر الذي سيخلق مشاكل صعبة . و حقاً ، تم توزيعهم في كلّ أرجاء البلاد ، رغم أن بعض العملاء السابقين فضّلوا السكن في تجمّعات خلقوها بمبادرة منهم . لقد منحنا الجميع بطاقات هوية (إسرائيلية) من أجل التسهيل في عملية استيعابهم في البلاد . و اشترينا أو استأجرنا شققاً لهم . و عرفت شخصياً عميلاً وصل إلى (إسرائيل) مع زوجتين و أربعة أولاد و عشرة أحفاد . و لم يكن يتجاوز الخامسة و الأربعين من عمره ، استأجرنا له بيتين في بئر السبع ، و في حالات خاصة ساعدنا العملاء في التأهيل خارج البلاد و خاصة في أوروبا و جنوب أمريكا .

لقد انتابت الكثير من العملاء الكآبة و الاحباط بعد وصولهم إلى (إسرائيل) . و في أماكن مختلفة أشعرهم الجيران بأنهم غير مرغوبين رغم أنهم خاطروا بأنفسهم من أجل الدولة . و في بعض الأحيان كانت دائرة التأهيل تقرّر تقديم علاج نفسي . و كان هناك حالات لم يستطع فيها العملاء الصمود أمام المصاعب التي واجهوها هنا ، فعادوا إلى أماكن سكنهم في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية على الرغم من المخاطر المترتبة عن ذلك . و حتى هذا اليوم ما زلت أستقبل عملاء يطلبون تدخّلي لحلّ مشاكل مع السلطات في مواضيع مختلفة مثل تراخيص البناء ، التشغيل ، و المساعدات المالية و ما إلى ذلك . و في بعض الأحيان ، كنت أستجيب لطلبهم و أظهر كشاهدٍ في الدعاوى القضائية التي يقيمونها ضد الدولة .

يؤسفني أنه لم يكن بمقدورنا أن نعمل أكثر من ذلك من أجل العملاء . لقد كانت الميزانية التي خصّصت لدائرة التأهيل تتيح المجال لتشغيل عددٍ قليلٍ فقط من المستخدمين و كان على هؤلاء أن يعتنوا بالكثير من عائلات العملاء في مختلف أنحاء البلاد . و لا يوجد في الدائرة الآن سوى موظف واحد لكلّ خمسين عائلة ، و هذا بالطبع لا يكفي . كان الحري بدولة (إسرائيل) أن تفهم أنها مدينة لهؤلاء الأشخاص أكثر مما هي مستعدة لتقديمه لهم .

كلما اقترب موعد الانسحاب من قطاع غزة كلما عملنا بكثافة أكثر . و كان الجهاز على صلة بعددٍ لانهائي من التفاصيل الصغيرة . فقد عملنا بدقة متناهية من أجل أن لا يدخل إلى القطاع أسلحة بعددٍ أكبر مما هو متفق عليه . و أجرينا فحصاً لكلّ مسدس ، بندقية ، و رشاش كي نستطيع تشخيص هذه الأسلحة في حالة استخدامها في عمليات ضد (إسرائيليين) . فحصنا كلّ حقيبة ، كلّ صندوق ، كل إرسالية علمنا بوصولها إلى القطاع عبر البحر ، البر ، و الجو . و اطلعنا على قوائم أفراد الشرطة الفلسطينية الذين كانوا يستعدون للقدوم من خارج البلاد ، و رفضنا عدداً منهم . و كان الرجوب و دحلان ، اللذان لم يسلما بهذا الرفض في معظم الحالات ، قد التقيا بي مراراً و ادعيا أن الأشخاص المرفوضين سيشغلون مناصب رفيعة في جهاز الأمن الفلسطيني و بدونهم لا يمكن القيام بالعمل على نحوٍ منظّم . و حين رفضنا ادعاءاتهما أحيل الأمر لعرفات الذي تحدّث مع بيرس حول هذا الأمر . فتوجّه وزير الخارجية إلى رئيس الحكومة . و عاد إلينا رابين بأسماء و بدأت القصة من جديد . كنا نتنازل أحياناً و نتمسك برأينا في أحيانٍ أخرى .

اضطر عرفات ، مع المسيرة السلمية ، إلى التكيف مع واقع سياسي مختلف ، الأمر الذي لم يكن سهلاً بالنسبة له . و كان بعد إبعاد (المخرّبين) عن لبنان في أعقاب عملية سلامة الجليل ، قد لجأ إلى تونس و نسج لـ م.ت.ف هناك علاقات خارجية و ميزانية و خطّط لعمليات (تخريبية) . لم تكن هذه حكومة منفى بل كانت تجمع للاجئين . لم يسمح عرفات لأي من مقرّبيه أن يتمتع بقوة أكثر من اللازم . لقد كان يبعد من يشاء و يقرّب إليه من يشاء . و لم يكن يسمح لأي شخصٍ بأن يشغل منصباً رفيعاً لفترة طويلة . و عندما وصل إلى غزة لم يتخلّص من الإحساس بالشك و الخوف من التنحية ، هذا الإحساس الذي أملى عليه خطواته في تونس ، و لكن سرعان ما أدرك أن ما كان يناسب منظمة في تونس تفتقر إلى قاعدة حقيقية ، لا ينسجم مع المتطلبات التي يفرضها الوضع الجديد في غزة . حيث أدرك أن عليه أن يضع أسس الدولة ، غير أن الظروف الصعبة التي واجهته في غزة أعاقت ، و ما زالت تعيق خطواته .

كان عرفات المعروف بقدرته على البقاء و بعظيم شكه ، قد خلق لنفسه خلال السنوات نمطاً خاصاً من الحياة نبع من إحساسه بأن الاستخبارات (الإسرائيلية) تريد اغتياله . و في مرحلة ما قبل إقامة السلطة الفلسطينية كان يكثر من الحركة و الاختفاء ، و يكاد لا ينام على السرير الواحد ليلتين متتاليتين ..

صحيح أننا ناقشنا ، مرة أو مرتين ، إمكانية تصفيته ، و لكن ، حسب علمي ، لم يتخذ أي قرار باعتباره هدفاً للاغتيال . و حتى في الأيام التي بادر فيها إلى عمليات قاسية ضدأ (إسرائيلية) كنت أنظر إليه كأقلّ الشرور خطراً . فكّرت أنه معتدل إذا قارناه مع الآخرين ، الذين قد يشغلون مكانه إذا أبعدناه عن المنصة .. مثلاً فاروق القدومي ، أبو جهاد . حتى  انني تجرأت ذات مرة و فكرت أنه في مرحلة معينة قد يكون شريكاً في الحوار معنا ، على هذا النحو أو ذاك .

التقيته لأول مرة في ظلمة الليل ، بعد عشرة أيام من دخوله إلى غزة . انتظرني رجال دحلان في حاجز أيرز و أحضروني إلى مقره الخاص المؤقت . كان هذا بيتاً سكنياً يتكوّن من طابقين و محاطاً بسورٍ مرتفع . اصطحبني المرافقون إلى غرفة ضيوف واسعة . تطلّ نوافذها على ساحة داخلية جميلة ، على شكل بستان شرقي ساحر ، تتوسّطها نافورة مياه . و كان المسلحون ينتشرون في كلّ مكان و زاوية . و قدّم لي أحدهم شاياً حلو المذاق . دخل دحلان إلى الغرفة و استقبلني بحفاوة . بعد نحو ربع ساعة ظهرت في الساحة سيارة مرسيدس سوداء محاطة بعسكريين مسلحين . توقفت السيارة أمام مدخل البيت فخرج منها عرفات ، توجّهت لاستقباله في المدخل . اقترب منّي فاتحاً ذراعيه ، احتضنني و قبلني بحرارة حسب العادات الشرقية و بدأ الحديث كما لو كنا أصدقاء قدامى . سألني كيف كانت رحلتي إلى غزة ، و عن صحة زوجتي و أولادي ، و أين أسكن الآن (لم أكن واثقاً أنه كان يعلم أين أسكن) . في البداية تحدثنا بالإنجليزية و خاطبني بلقب His Excellency . و حين انتقلنا للحديث بالعربية خاطبني بـ "حضرة" . بعد عدة لقاءات ، حين توثقت العلاقة بيننا أصبح يخاطبني باسمي الشخصي . و سرعان ما انتقلنا في حديثنا من المواضيع العائلية إلى الواقع السياسي . و كان عرفات قد أبدى معرفة عميقة بالتطوّرات في (إسرائيل) وأكثر من الثناء على إسحاق رابين و شجاعته و إصراره على دفع عملية السلام . و بعد أن استعرض أمامي المصاعب الجمة التي تواجه السلطة الفلسطينية انتقلنا للحديث عن القضايا العملية المرتبطة بمجال عملي .

سُئلت مراراً عن الإحساس الذي انتابني عند لقائي الأول مع الشخص الذي كان حتى قبل وقتٍ قصير يتصدّر قائمة أعداء (إسرائيل) . هل شعرت بالكرب ، الكراهية ، النفور ؟ لم يكن الجواب على ذلك سهلاً . يبدي عرفات درجة كبيرة من الهدوء و اللطف ، اللذان يتناقضان تماماً مع صورته . و يستطيع أن يدخل في نفس محدّثه الشعور بالارتياح و الاطمئنان . و الحقيقة أنني لم أتوقع ذلك ، لكنني لم أفاجأ . لقد بدأ اهتمامي المهني بعرفات في عام 1967 ، و منذ ذلك الحين و أنا أجمع معلومات عنه . لذلك عرفت أيضاً هذا الجانب في الشخص الذي كان و لفترة طويلة ، مسؤولاً عن أعمال (إرهابية) وحشية .

إضافة إلى ذلك ، و منذ بداية المسيرة السلمية مع الفلسطينيين انتهت بالنسبة لي دائرة العداء . لقد قاتلناهم ، و قاتلونا ، و كل منا فعل ما اعتقد أنه صحيح . و الآن لم يعد هذا قائماً . لقد توجّهت للقاء أشخاص سنبرم معهم اتفاق سلام ، لذلك لم يعد هناك أي معنى للحديث عن الماضي بمصطلحات الحقد و الكراهية . كانت العمليات (التخريبية) التي وقعت منذ ذلك الحين ، و رغم العملية السلمية ، تمزّق قلبي و جعلتني أقتنع بأن علينا مكافحة (الإرهاب) و لفترة طويلة . و لكن يجب أن نتذكر أيضاً أن فتح ، المنظمة التي كانت مسؤولة عن سبعين بالمائة من العمليات ضد (إسرائيل) ، تخلّت عن طريق (الإرهاب) .

في تلك الأيام تذكّرت أكثر من مرة زياراتي إلى نابلس بعد حرب حزيران ، تذكّرت الاتصالات التي أجريتها ، كموظف في "الشاباك" ، مع السكان الفلسطينيين . لقد بدا لي الأشخاص الذين التقيتهم في الشارع و في المقاهي و في غرف التحقيق ، منغلقين على أنفسهم ، ضيّقو الأفق ، خائفون ، لديهم إحساس بالظلم ، و تنتابهم مشاعر من الحقد الشديد ليس إزاء (إسرائيل) و حسب بل إزاء الدول العربية ، التي حمّلوها مسؤولية وضعهم السيء . و لكنني الآن و حين التقيت الممثلين و الناطقين باسم هذا الجيل الفلسطيني الجديد و المختلف كثيراً ، فكّرت – و قد يبدو هذا غريباً – أنه يمكن أن ننسب هذا التغيير – جزئياً على الأقل – إى الحكم (الإسرائيلي) في المناطق الذي طوّر الجامعات المحلية و أدّى إلى ازدهارٍ في الوضع الاقتصادي و الصحي و منح السكان حرية نسبية في الحركة . و كان الذين التقيتهم و خاطبتهم ، أناساً فخورين ، مثقفين ، يحملون مفاهيم غربية و رؤيا واسعة ، يتحدّثون معنا كأنداد . و في مثل هذا الواقع لم أجد صعوبة في إيجاد لغة مشتركة معهم .

و لم يمضِ طويل وقت حتى نشأت علاقات صداقة بيني و بين عرفات . و أكثرت من السفر للالتقاء معه ، برفقة يوسي غينوسار الذي كان رجل اتصال غير رسمي لرابين مع رئيس السلطة الفلسطينية . أجرينا حوارات طويلة في جوّ مريح و كان عرفات خلالها ينهض من مكانه و يمسك بذراعي و يقودني إلى الغرفة المجاورة حيث تنتظرنا مشروبات خفيفة روحية ، و مأكولات شهيّة مختلفة و أحياناً وجبة خفيفة .

و حسب عادات الضيافة الشرقية ، كان يحرص شخصياً على أن لا أبقى جائعاً ، لا سمح الله ، و كان يحثني على تذوق كلّ شيء و أحياناً يتناول قطعة حلوى بيده و يقرّبها إلى فمي .

في تلك اللقاءات طرحت مطالب و طلبات مختلفة ، مثلاً طلبت منه في إحدى المرات أن تلقي السلطة القبض على (المخرّب) أحمد يحيى عياش (المهندس) الذي كان في ذلك الحين يتصدّر قائمة المطلوبين . أصغى لي عرفات باهتمام و وعدني بأن يبذل قصارى جهده في هذا الأمر. و لم يكن ثمة غرابة في ردّه هذا . حيث كان دائماً يمنحنا الإحساس بأن طلباتنا مستجابة حتى لو لم يقصد ذلك . و بالفعل لم يتم تنفيذ الجزء الأعظم من الطلبات .

و كانت اللقاءات التي تتناول قضايا عملية تضمّ في الكثير من الأحيان المسؤولين الكبار منهم الرجوب و دحلان . و رغم أن عرفات لم يكن يصدر الأوامر لهم مباشرة إلا أنهم كانوا بمجرد طرحه لهذا الموضوع أو ذاك يعرفون كيف يتصرّفون . و مع مرور الوقت تعلّمت أنا أيضاً كيف أفسّر نواياه الحقيقية .

مثلاً حين طلبت منه المساعدة في إيجاد جثة الجندي إيلان سعدون ، ردّ باختصار أن السلطة الفلسطينية ستفعل ما بوسعها . نظرت إليه وأدركت أنه ينوي فعل ذلك حقاً . و أثبت الواقع صدق حدسي . مقابل ذلك كان ردّه على طلبي بخصوص المهندس ، يتمثّل بتصريحات رنانة : "دور السلطة الفلسطينية هو مكافحة (الإرهاب) ، و (الإرهاب) هو العدو المشترك للشعبين" و ما شابه . و أدركت فوراً أن هذه كلمات جوفاء لا تعني شيئاً .

يتساءل الكثيرون ما هو سرّ قوة هذا الشخص ذي المظهر الخارجي غير الجذاب . يبدو لي أن التفسير الأكثر منطقية هو أن الفلسطينيين يعتبرونه رمزاً و علماً . حيث يعتبر عرفات في نظرهم الشخص الذي حمل و يحمل على عاتقه الكفاح الوطني منذ إقامة م.ت.ف عام 1964 . و الملابس الرسمية و الكوفية التي يحرص على الظهور بها دائماً ، تجسّد بوضوح هذا الانطباع ، و لا شك أنه يدرك ذلك . أضف إلى هذا أنه ذكيّ جداً و ماكر و يعرف كيف يركّز بيده صلاحيات و قوة بدون أن يبرز ذلك . لا يحتاج وسط رجاله أن يضرب بقبضته على الطاولة من أجل أن ينال مراده ، و لا يضطر إلى رفع صوته إلا في حالات نادرة . و مع ذلك ، كان في لقاءاته معي ، يرفع صوته أحياناً و يقول "أنا لست إمعة لكم . لا تعتقدون أنني سأقبل بعدة سنتيمترات في أريحا . لن أدعكم تجعلون مني أضحوكة" .

بات من الواضح للجميع أن عرفات و الفلسطينيين لا يعشقون (إسرائيل) و لن يعشقوها . إنهم يريدون السلام على فرض أنه سيؤول إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة . و هذه لم تكن أمنية رابين و كذلك لم تكن رغبة نتنياهو ، و لكن يجب أن نأخذ بالحسبان أنه لا يوجد خيار آخر . و في كلّ الأحوال لا يوجد خيار أفضل . أنا مقتنع بأن حثّ المباحثات مع الفلسطينيين و التوقيع على الاتفاقيات سيؤدّي بالضرورة إلى تسريع آلية المصالحة بين الشعبين . ما زال الكثير من (الإسرائيليين) لا يفهمون بأن السلام الحقيقي يتم بين الشعوب ، بين الأشخاص و ليس فقط بين الزعماء . لقد نسجت في سنوات عملي في "الشاباك" علاقات صداقة جريئة مع الكثير من الفلسطينيين ، و أحياناً في مناطق مشبّعة بالكراهية لـ (إسرائيل) . أنا أدرك غرابة الأمر بالنسبة للكثيرين . و لكن لا أذكر و لو حادثة واحدة أن قام أحد أصدقائي العرب بالإخلال بالثقة التي سادت بيننا ، أو أغلق الباب في وجهنا .

و السؤال الذي كان يطرح دائماً هو من سيخلف عرفات في قادم الأيام . من الصعب التنبؤ بالواقع الشرق أوسطي كثير التغيرات و التقلبات . و مع ذلك ، سأخاطر و أذكر أسماء مرشّحين يتمتعان بفرص قوية : أبو العلاء ، الاقتصادي القدير ، و من واضعي أسس مسيرة أوسلو ، و أبو مازن ، المعتدل . المقبول في العالم و في الدول العربية و من مبادري اللقاءات مع (إسرائيليين) في الفترة التي كانت تحظر فيها هذه اللقاءات . و كلاهما يقيمان علاقات وثيقة مع الكثير من (الإسرائيليين) ، سواء كانوا رجال سلطة أو أصدقاء شخصيين .

و المفارقة هي أن تجميد المسيرة السلمية أدّت تحديداً إلى هدوء نسبي في مجال (الإرهاب) . صحيح أن العمليات لم تتوقّف نهائياً ، و لكنها كانت قليلة و أضرارها بسيطة . و سبب ذلك أن هدف حماس ، الجهاد الإسلامي و منظمات الرفض المختلفة أ من تنفيذ عمليات (تخريبية) هو إبطال أو تشويش أو نسف المسيرة السلميّة و إثارة الرأي العام (الإسرائيلي) ضد المصالحة مع الفلسطينيين ، طالما أن هذه المسيرة تتقدّم . و المعروف أن المنظمات الأصولية تعارض التسوية السياسية بمضمونها المقترح . و هي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية تبتلع (إسرائيل) . لذلك ، حين تتوقّف المسيرة السلمية ، لا تجد ضرورة لممارسة (الإرهاب) ، ذلك لأن هدف معارضي السلام يتحقّق بطبيعة الحال دون الحاجة إلى سفك دماء و دون التورّط مع أجهزة الأمن الفلسطينية التي أثبتت نجاعتها إثر العمليات التي وقعت في الأشهر الأولى من عام 1996 .

و لكنني أعتقد بأن الصورة ستتغير بعد حدوث انطلاقة في المسيرة السلمية ، من الجائز الافتراض بأن العمليات (الإرهابية) ستشتد . خاصة و أن المنظمات (التخريبية) الإسلامية لا تجد صعوبة في تجنيد (الانتحاريين) و لا تعاني من نقص في الوسائل القتالية ، و لم تنخفض حافزية أفرادها و لا تواجه مشاكل تنظيمية . و على الرغم من ذلك ليس هناك بديل غير السلام . تستطيع (إسرائيل) لكونها الدولة الأقوى في المنطقة أن تمنح السلام فرصة . لن يشكّل الفلسطينيون في المستقبل المنظور خطراً على (إسرائيل) . حيث لا يملكون حتى الآن قوة عسكرية حقيقية و كل ما يملكه هو شرطة و قوات أمن ، و ليس لديهم أسلحة ثقيلة و إذا أثيرت مشكلة جدية فإن 5 – 6 دبابات (إسرائيلية) تستطيع أن تسيطر على قطاع غزة بسهولة بالغة . مع ذلك فإن الزاوية العسكرية هي جانب واحد من العملة ، حيث إن إعادة السيطرة على المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية من شأنها أن تورّط (إسرائيل) على الصعيد السياسي و الدولي .

و في ظلّ غياب اتفاق سلام ليس (الإرهاب) فقط هو الذي سيتجدّد . بل من شأن الشارع الفلسطيني ، الذي فقد ثقته بالسياسيين و الذي يغلي الآن من تحت البساط ، أن ينفجر و يحيي الانتفاضة و إن كان ذلك بصورة أخرى : فمن شبه المؤكد أن الحجارة و الزجاجات الحارقة ستستبدل بالسلاح الناري الموجود في المناطق بغزارة . من الصعب ، كما هو واضح تقدير متى سيحدث ذلك و لكن ثمة أمر واحد واضح : و هو أن الظروف المؤدية إلى ذلك تنضج بسرعة . مع ذلك فإن معظم الفلسطينيين ، على غرار معظم (الإسرائيليين) ، يريدون العيش بسلام و سكينة . و تجري الحياة اليوم كعادتها . و لا يحدث الإخلال بالهدوء إلا حين نفتح نحن نفقاً مختلفاً عليه ، أو عندما يخرجون هم للتظاهر في يوم النكبة . و من الممكن أن نستخلص من الهدوء الذي ساد بين الطرفين ، بأن الشعبين قادران على العيش بسلام إذا شاءا ذلك .

و من أجل استكمال الصورة لا يمكن تجاهل التآكل في الموقف الدولي لـ (إسرائيل) . إلى جانب التغيير نحو الأفضل ، الذي طرأ على الموقف الدولي من السلطة الفلسطينية . لقد أدّت عرقلة المسيرة السلمية إلى تحسّن كبير في مكانة عرفات . فهو كثير التردّد على مكاتب رؤساء دول و رؤساء حكومات و يستقبل كشخصية رفيعة المستوى و الآذان تصغي لكلّ ما تنبس به شفتاه .

و مقابل ذلك ثمة تطوير خطير جداً : و هو أن حصانتنا الداخلية أخذت بالتآكل و التلاشي و انخفضت قدرتنا على مواجهة العمليات (الإرهابية) بقوة و جرأة . أضف إلى ذلك الإحساس بعدم الصبر ، اليأس العميق و الشعور بوجود حرب داخلية دائمة و انعدام الأمل . و لكن حتى التقدّم الحقيقي في المسيرة السلمية ينطوي على خطر . حيث من شأن ذلك أن يخلّ بالتوازن الحساس في المجتمع (الإسرائيلي) . قد يبدأ ذلك بالإخلال بالنظام ، بالمظاهرات ، بخلق جوّ مماثل لذلك الذي ساد قبل اغتيال رابين . و ستنصب مشاعر العداء ضد من يقود المسيرة السلمية . و تدل التجربة على أن مثل هذا الجو يشكّل دفيئة أيديولوجية لنمو أعشاب ضالة ، لا تتوانى عن المسذ بشخصيات (إسرائيلية) و فلسطينية تحاول حث مسيرة السلام . و لعل يغئال عمير هو نموذجهم .. لقد نجح في تشويش المسيرة و سيستقون التشجيع من تجربته . حيث سيقولون لأنفسهم إنه إذا استطاع عمير فعل ذلك فليس هناك سبب لفشل طريقهم . علينا أن نستمع ثانية إلى فتاوى بعض الحاخامين ، التي ربما لم تتناول مباشرة "الحكم ضد الطاغية" و لكنها تؤكّد الأهمية العليا للحفاظ على سلامة أرض (إسرائيل) الكاملة . و يستطيع كلّ واحد أن يستخلص من ذلك نتائج عملية . صحيح أن أصبع "الشاباك" يبقى دائماً على الزناد . و لكن ليس ثمة فرصة لأن يكتشف قاتلاً محتملاً ، يعمل بدون دعم تنظيمي أو بدون علم الآخرين .

حين يتم التوقيع على اتفاق سلام ، سيتضاءل – حسب رأيي – خطر الإرهاب اليهودي سواء بسبب التسليم بالحقائق أو بسبب المبنى التنظيمي الواهن للمجموعات الهامشية من اليمين المتطرف . و لكن أخشى أن نشهد ظواهر إرهابية تأتي كردّ فعل . مثلاً إذا قتل يهودي ، لا سمح الله ، و هو في طريقه إلى حائط المبكى ، فإنه سيظهر من يقوم بطعن عربي بدافع الانتقام .

و التسوية السلمية ، حتى لو أعقبتها عمليات (تخريبية) هناك و هناك ، ستؤدّي إلى تهدئة الشارع العربي و ستوفّر لأجهزة الأمن الفلسطينية الحافز لضرب من يحاول تعطيل الحياة التي عادت في نهاية الأمر إلى مسارها الطبيعي . و فقط عندما يتيقّن عرفات عملياً بأن المنظمات (الإرهابية) الاسلامية تنسف محاولات بناء دولته فإنه سيقاتلها بصرامة و حزم و على نحو منهجيّ و دائم .

سيرتب اتفاق السلام على مصاعب جمة لجهاز الأمن العام "الشاباك" . حيث بات منذ الآن ، يجد صعوبة في جمع المعلومات . و سيكون اعتقال مطلوبين في مناطق لا تخضع إلى سيطرتنا ، أمراً يكاد يكون مستحيلاً . و سنجد أنفسنا ملزمين بالاعتماد أكثر على تعاون أجهزة الأمن الفلسطينية . و لا أحد يضمن لنا بأن يكون هذا التعاون كاملاً . مع ذلك أنا أؤمن بأنه كلما تعمّق السلام كلّما تعاظم التعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية . و ذلك بسبب المصالح المشتركة ، و نتيجة لذلك ستكون مكافحة (الإرهاب) أكثر نجاعة ذلك لأن أجهزة الأمن هذه قادرة على مواجهة المنظمات (التخريبية) . و لما كانت تعيش وسط السكان فإنها تستطيع أن تصل إلى كلّ مكان و تكتشف كل (مخرّب) . و حين قرّرت أجهزة الأمن الفلسطينية في بداية عام 1996 ، في عهد ولاية شمعون بيرس كرئيس حكومة ، ضرب حماس ، لم يستطع أحد منعها من ذلك .

من شبه المؤكّد أن اتفاق السلام سيوقّع في جيلنا . و مشكلة القدس المعقدة و المشحونة ، ستبقى حسب رأيي ، دون حلّ لأجيال طويلة .

يفهم الفلسطينيون ذلك تماماً . و سيواصلون إصدار التصريحات بشأن حقّهم بالقدس و لكنهم لن يرجئوا الإعلان عن دولتهم لأن المشكلة لم تجد حلاً لها . سيضطرون إلى إبقاء هذه القضية مفتوحة . إن ثلث سكان القدس هم من العرب . و هي أحد الأماكن المقدّسة جداً للمسلمين . و لكن تولّد لديّ الانطباع من المباحثات التي أجريتها مع الكثير من الفلسطينيين أنهم يعرفون جيّداً أن (إسرائيل) لن تتنازل أبداً عن أجزاء من القدس . و قال لي بعضهم – و منهم شخصيات مركزية – إنهم كانوا سيكتفون برام الله كعاصمة مع حرية الوصول إلى الأماكن الإسلامية في القدس . و حقاً ، من الجائز جداً أن يتم الإعلان في نهاية الأمر عن رام الله كعاصمة مؤقتة لدولة فلسطين .

تترسّخ أسس الدولة الفلسطينية المستقلة أمام أعيننا . و يعتبر الإعلان عن الدولة ذروة طموح عرفات ، ليس فقط لدوافع وطنية بل لسببٍ شخصي : و هو رغبته الجامحة في أن يسجّل في كتب التاريخ كمؤسّس لفلسطين و رئيسها الأول . و كلّما سارعت (إسرائيل) في الاعتراف بهذا الواقع و بلورت موقفها في الموضوع كلّما كان من السهل عليها إجراء مفاوضات أكثر تركيزاً حول التسوية الدائمة التي تحدّد فيها لنفسها سلفاً الخطوط الحمراء في القضايا الجوهرية المصيرية مثل حق العودة و حجم القوات المسلحة الفلسطينية ، الحدود و المعابر للدول العربية و غير ذلك .

بطبيعة الحال ثمة سؤال طُرِح أكثر من مرة و هو كيف ستؤثّر إقامة دولة فلسطينية على عرب (إسرائيل) . و هذا السؤال مرتبط بفهم الوضع الخاص لعرب (إسرائيل) الذي لا يقلّ إثارة للمشاكل . لقد كان الوسط العربي أحد القطاعات التي كرّس لها جهاز الأمن العام اهتماماً بالغاً حتى حرب حزيران . و كان الاهتمام يتركّز على أعضاء "راكاح" الذين بنوا أنفسهم كحركة وطنية عربية أكثر منها حركة أيديولوجية شيوعية . و بعد عدة سنوات ، و في أعقاب ضعف راكاح إثر انحلال المعسكر الشيوعي انخفضت ضرورة الرقابة عليها بهذا النحو من الكثافة .

في التسعة عشر سنة التي سبقت حرب الأيام الستة كان عرب (إسرائيل) منعزلين تماماً عن إخوتهم في الدول المجاورة الذين اتهموهم ببيع أنفسهم رخيصاً للعدو الصهيوني ، و أنهم فقدوا هويتهم الوطنية كعربٍ فلسطينيين حتى أنهم تخلّوا عن هويتهم الدينية . و الأكثر من ذلك فإن الكثير من لاجئي 1948 و ذريتهم لم ينجحوا بالتخلّص من الحياة القاسية في المخيمات فيما تعزّز سكان عرب (إسرائيل) من الناحية الاقتصادية . و رغم عزلتهم ، و على الرغم من الاتهامات الصعبة التي وجّهها لهم إخوتهم وراء الحدود ، ثار خوف ، عشية حرب حزيران من انعطافة محتملة وسط عرب (إسرائيل) . و أعلن "الشاباك" حالة التأهب لمواجهة هذا الاحتمال . لقد أخذنا بعين الاعتبار انتفاضة مدنية تعرقل قوات الجيش (الإسرائيلي) في التحرّك باتجاه أهدافها . و لكن كلّ هذه المخاوف تبدّدت . و مثلما هي الحال في كلّ حروب (إسرائيل) فإنهم لم يقفوا حجر عثرة في هذه المرة أيضاً . صحيح أنه سجّل هناك و هناك محاولات منفردة ، بسيطة ، تهدف إلى (التخريب) أثناء الحرب و لكن القطاع السكاني العربي بمجمله ترك الأمور تتطوّر دون تدخّل .

و بعد أن فتحت الحدود في أعقاب الحرب بدأ سكان عرب (إسرائيل) بالتدفق إلى الضفة الغربية لزيارة أقربائهم . و سافروا إلى هناك بسياراتهم الجديدة مظهرين علامات الثراء و النعيم . و كان استقبال مضيفيهم في بعض الأحيان يتسم بالبرود و الجفاء .

و كان السياسيون (الإسرائيليون) الذين آمنوا أن عرب (إسرائيل) سيشكّلون جسراً للسلام قد أخطأوا . حيث أدّت مواجهة الاتهامات التي وجّهت إليهم من أبناء شعبهم الذين يرزحون الآن تحت الاحتلال (الإسرائيلي) إلى صدمة شديدة . و لم تتأخر النتائج عن الوصول : حيث قام الكثير من الذين وصفوا أنفسهم في السابق "كعرب (إسرائيليين)" بإبراز هويتهم الفلسطينية فيما أبعدوا الهوية (الإسرائيلية) إلى الهامش . و بكلمات أخرى لم يعد هناك عرب (إسرائيليون) بل عرب سكان دولة (إسرائيل) . و تعزّز الإحساس بالظلم – الإحساس بأنهم مواطنون من صنف ب – و عبّر هذا الإحساس عن نفسه في مجالات كثيرة . مثلاً اشتدت مقاومة تعلم قصائد بياليك في المدارس العربية و طرح مطلب تضمين المنهاج التعليمي بأعمال الشاعر الفلسطيني الوطني محمود درويش . و قال رجال التربية العرب : "أنتم اليهود ، تتعلمون التراث الصهيوني . دعونا نتعلم نحن التراث الفلسطيني" . و حسب علمي أدركت وزارة التربية و التعليم هذه المطالب و عملت ، و بحق ، على إيجاد توازن في المناهج التعليمية في الوسط العربي .

ثمة الكثير جداً من المواضيع التي تجمع عرب (إسرائيل) مع إخوتهم في المناطق . و يتصدّر هذه المواضيع ، العامل الديني المتمثل بالحرم الشريف . و ليس صدفة أن طرأ قبل نحو عشر سنوات ارتفاع مذهل في قوة الحركة الإسلامية . صحيح أن زعماءها يكتبون و يخطبون ، و يحرّضون و لكنهم يعرفون أنهم يعيشون في دولة قانون . إنهم أذكياء جداً و حذرون بصورة عامة من مغبة تجاوز الحدود . و لعلّ أحد الأسئلة الكبيرة التي تطرح نفسها هي ما إذا كان تطابق المصالح يولد وسط عرب (إسرائيل) الرغبة في أن يكونوا جزءاً من الدولة الفلسطينية المستقلة . ليس من الصعب تطبيق ذلك بصورة جزئية على الأرض : حيث إن المثلث كلّه يقع بجوار الضفة الغربية ، و من خلال إزاحة الحدود بخمسة كيلومترات فقط يتحوّل كلّ وادي عارة ، الطيبة ، كفر قاسم ، أم الفحم و عرعرة إلى جزء من الدولة الفلسطينية و ثمة حوالي نصف سكان عرب (إسرائيل) يسكنون في هذه المنطقة ، و أي تغيير جيوسياسي لا يستدعي تقريباً أي تغيير في أماكن السكن أو نمط الحياة . مع ذلك أعتقد أن معظم هؤلاء السكان سيرفضون الانضمام إلى الدولة الفلسطينية حتى لو لم يكن ذلك منوطاً باقتلاعهم من أماكن سكناهم . و إمكانية أن يوافق عرب الجليل على هجر أراضيهم و بيوتهم من أجل التوطّن في هذا المكان أو ذاك في الدولة الفلسطينية إذا أقيمت ، تبدو لي ضعيفة جداً . حيث لن يتنازل عرب (إسرائيل) ، بهذه البساطة عن النعيم في دولة (إسرائيل) . ربما يعملون لصالح إخوتهم في الدولة الفلسطينية الجديدة ، و ربما يرسلون أولادهم إلى المخيّمات الصيفية التي قد تقام في نابلس ، و في جنين أو غزة ، و ينشئون جمعيات صداقة و لكنهم سيبقون هنا .

ما زال موقف عرب (إسرائيل) إزاء ما يحدث في المناطق هو موقف تضامني عن بعد . و حتى لو تعمّق انخراطهم الفاعل في القضية الوطنية فإنها لن تصل إلى درجة التعاطف التلقائي . و كانت الانتفاضة خير مثال على ذلك . حيث عندما كانت المناطق تشتعل و تثور ، لم تجرِ تقريباً أعمال إخلال بالنظام و مظاهرات عنيفة وسط عرب (إسرائيل) . و قد وقعت بعض الأحداث القليلة على خلفية محلية فقط و من منطلق المحاكاة و التقليد من قبل الأولاد . و في أحيانٍ قليلة وقعت على خلفية التعاطف . و من بين نحو مليون عربي من مواطني (إسرائيل) كان هناك القليل جداً من الذين ساعدوا (المخرّبين) و انضم عددٌ محدود جداً إلى المنظمات (التخريبية) ، و لكن يجب أن لا ننسى بأن هناك إمكانية هائلة وسط عرب (إسرائيل) للتعاطف مع عرب المناطق و خاصة في أعقاب فشل العملية السلمية . و على "الشاباك" أن يبدي يقظة دائمة من أجل منع إمكانية أن يرتدي هذا التعاطف طابعاً خطيراً .

و لم تتخطّ التغييرات في المنطقة الوسط البدوي في النقب و الجليل ، فقد تغلغلت الحركة الإسلامية إلى هذا الوسط بوتيرة عالية . و كان تسويف السلطات في ايجاد حلّ لمشكلة الأراضي البدوية في أعقاب إعادة انتشار القواعد العسكرية بعد الانسحاب من سيناء ، قد أثار غضب البدو و دفعهم إلى أحضان الحركات العربية الوطنية . و لا شك أن كلّ التصريحات غير المتزنة و غير الموفقة التي أدلى بها مسؤولون (إسرائيليون) قد ساهمت في إثارة الغضب و الاحتجاج و مشاعر الإحباط وسط السكان البدو .

لقد استطاع الكثير من البدو اكتساب مكانة محترمة وسط الجيش كقصاصي أثرٍ بارعين . و رغم أن الخدمة الإلزامية لا تسري على البدو إلا أن الكثير منهم تطوّعوا إلى الجيش و إلى قوات الأمن الخاصة . و لكن يجب أن لا ننسى أنهم ، و رغم ارتدائهم الزي العسكري ، لا يزالون جزءاً من الوسط البدوي و لا أحد منهم محصّن من الإحساس بالظلم و العداء الذي يضرب جذوره عميقاً وسط السكان البدو . الأمر الذي من شأنه أن يمسّ بتقليد تطوّعهم إلى أجهزة الأمن . و لعلّ ايلاء السلطات (الإسرائيلية) اهتماماً أكبر إلى احتياجات البدو سيساعد في تبديد التوتر و منع تطوّر ظواهر متطرّفة أكثر خطورة.

تستطيع دولة (إسرائيل) أن تقدّم الكثير للسكان الدروز ، و هم يستحقون ذلك . لقد ربط الدروز في دولة (إسرائيل) – للتفريق عن إخوتهم في هضبة الجولان – مصيرهم بمصير الدولة . و هذه طائفة تتكيف بسرعة ، و تعرف كيف تسوي أمورها مع السلطة الحاكمة في بلد إقامتها . و الدروز في (إسرائيل) يفعلون ذلك على نحوٍ يثير التقدير و الاحترام . و انخراطهم في حياة الدولة مدهش و مثير للإعجاب ، و ليس أدلّ على ذلك من ضباط الجيش الكبار من أبناء الطائفة . كذلك ساهم "الشاباك" في انخراط الدروز في مهمات أمنية خاصة للجهاز ..

مثلما هي الحال في كلّ وسط ، يوجد في الطائفة الدرزية أيضاً أعشاب ضارة تروّج لعدم التجنّد للجيش . و عدد الشبان الدروز الذين يرفضون الخدمة العسكرية الإلزامية غير كبير ، و لكن هذه الطائفة عموماً هي طائفة مذهلة لها إسهامات كثيرة لدولة (إسرائيل) .

مقابل ذلك ، فإن علاقة الدروز سكان هضبة الجولان مع (إسرائيل) هي مزدوجة . من جهة فإن مستوى حياتهم في ظلّ السلطة (الإسرائيلية) أعلى بكثير مما كانت عليه في فترة السلطة السورية . و من جهة أخرى فإن معظمهم يبدون ميولاً سورية واضحة . الأمر الذي ينبع إلى حدّ كبير من خوفهم بأن يكلفهم تعاطفهم مع (إسرائيل) غالياً إذا عادت الجولان ذات يوم إلى سوريا . إضافة إلى أنه يوجد في القرى الدرزية في هضبة الجولان غير قليل من العائلات التي انفصلت عن أقربائها في سوريا و هي تسعى للعودة و جمع الشمل بأسرع ما يمكن .

يتركّز جلّ نشاط "الشاباك" في هضبة الجولان على إحباط محاولات التجسّس لصالح سوريا من قبل فرادى من سكان الهضبة و إحباط النشاطات التآمرية السياسية النابعة من التضامن مع سوريا ، و في فترة ولايتي كرئيسٍ "للشاباك" سمحنا للكثير من الشبان الدروز من هضبة الجولان بالسفر لاستكمال التحصيل العلمي في سوريا . و سمحنا أيضاً لزيارات متبادلة بين الكثير من الأقارب . و إجمالاً ، من الممكن القول إنه باستثناء أحداث استثنائية - مثل مظاهرات في عيد الثورة السورية - تم الحفاظ على مظاهر التعايش مع الطائفة الدرزية في هضبة الجولان .