|
سيارة مفخّخة قرب السفارة
إن جهاز الحراسة في دولة
(إسرائيل) ، نسبة إلى مساحتها و عدد سكانها ، هو دون شكّ من أكبر الأجهزة في العالم
. و كانت محاولة (المخرّبة) ليلى خالد اختطاف طائرة (إل – عال) في أيلول 1970 ، قتل
الرياضيين (الإسرائيليين) في دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ 1972 ، تصعيد
(الإرهاب) الفلسطيني و تحويل أوساط (إسرائيلية) و يهودية خارج البلاد إلى هدف
للعمليات (الإرهابية) – كان كلّ هذا قد ألزم "الشاباك" ببلورة نظرية حراسة حديثة
توفّر الرد الملائم لكافة المشاكل المعقدة . و كان المفكّر الأساسي لهذه النظرية هو
أبراهام شالوم ، رئيس "الشاباك" في أعوام 1981 – 1986 ، و الذي خلال ولايته ترأس
أيضاً قسم الحراسة . و من أجل ترويج هذه النظرية أقام "الشاباك" مدرسة للحراسة ،
تؤهّل ليس فقط رجال "الشاباك" العاملين في هذا المجال بل أيضاً رجال الحراسة للأطر
الحكومية و التجارية على المستوى الوطني مثل (إل – عال) . و كانت مسؤولية حراسة هذه
الأطر تقع على عاتق "الشاباك" .
كلّ رجل حراسة محترف يعرف أنه
فقط في أحيان نادرة تصل معلومات تفيد أنه في تاريخ معيّن و في ساعة معينة ستقتحم
خلية (مخرّبين) المطار المعين من أجل قتل المسافرين في الطائرة المعينة . لذلك فإن
الحراسة الجارية هي فقط التي من شأنها أن تحبط المحاولات (التخريبية) .
في فترات الهدوء التي تنعدم
فيها الأحداث الكبيرة من الصعب معرفة حجم العمليات التي أحبطت بفضل وحدة الحراسة .
من الجائز الافتراض أنه في عهد الهدوء النسبي أيضاً كانت هناك محاولات للقيام
بعمليات ، و لكن (المخرّبين) أدركوا من جولتهم الأولى في الموقع أن الحراسة هناك
مشدّدة . و يقاس جهاز الحراسة حسب قدرته في الرد على الحالات الطارئة بالسرعة
المطلوبة و النجاعة التامة . لذلك فإن الحياة اليومية لجهاز الحراسة "طيّب الذكر" ،
هي حياة تأهب مستمر و يقظة تامة في كلّ لحظة و في كلّ مكان .
يتميّز عمل الحراسة ، و على
خلاف العمل الميداني للمركزين أو المحقّقين ، بدرجة كبيرة جداً من الروتين . و من
لا يعتاد على الروتين لا يستطيع أن يصمد في عمله كحارس . و لما كان الروتين يضعف
اليقظة ، مع مرور الوقت ، فإن "الشاباك" يحرِص على عدم إبقاء الحراس في مكانٍ واحد
لفترة طويلة . و يكرّرون أمام الحراس دائماً في كلية الحراسة و الميدان ، بأن
الهدوء و السكينة هما الخطر الأكثر جسامة لكلّ جهاز حراسة . و المناورات الحيّة
المتتالية في الميدان هي الوسيلة الأفضل للاحتفاظ باليقظة . و الحارس النموذجي هو
عموماً شاب أعزب ، قادر على العمل ليل نهار و في ساعات الضرورة يعمل أيضاً بتواصل و
بدرجة عالية من اليقظة . و معظم ضباط الحراسة الذين يكلّفون بمهام قيادية لأجهزة
الحراسة في خارج البلاد لعدة سنوات ، هم من أرباب العائلات . و يفضّل "الشاباك" هذا
الصنف من القادة .
يهدف الجهاز بمجمله إلى إعداد
حراس يستطيعون الردّ بدقة ، و بصورة صحيحة خلال عدة ثوان . و إذا لم يتأهبّوا
لمواجهة ذلك الجزء من الثانية الحاسمة الذي قد يقع في كلّ لحظة من عملهم . فإن كلّ
الجهود التي بذلت في سبيلهم و سبيل جهازهم ستذهب هباء منثوراً . و من أجل الحيلولة
دون وقوع هذا الخطر تتخذ إجراءات مشدّدة ضد الحراس الذين لا يبدون يقظة كافية أثناء
التدريب ، تصل أحيانا إلى مستوى الإقالة .
ثمة الكثير من الحكايات رويت
عن أبروم أثناء ولايته كرئيس قسم للحراسة ، و كان هذا الرجل الذي عرف بدقته و
مبدئيته يكثر جداً من التجوّل في أجهزة الحراسة في العالم و يفحص مدى اليقظة فيها و
يشارك في المناورات . و قيل إنه لم يكن يعود من رحلة بدون أن يقيل اثنين على الأقل
من رجال الحراسة بسبب أخطائهم . لم أستطع أن أتأكد من صحة القصة المسلية جداً التي
تروى عن أبروم . يقولون في قسم الحراسة ، إن أبروم رأى أثناء زيارة عادية إلى مطار
بن غوريون ، شخصاً يتكىء على عمود و هو ينتعل صندلاً . اشتاط أبروم غضباً لأنه يحظر
انتعال الصنادل أثناء الحراسة فداس بكلّ قوته على أصابع قدم الشخص التي بانت من
فتحات الصندل . و فقط بعد وقتٍ متأخر تبيّن أن الشخص المرعوب الذي يتلوّى و يصرخ
ألماً لم يكن سوى مسافرٍ بريء كان ينتظر موعد الطائرة و ليس رجل حراسة مثلما اعتقد
أبروم . و بصعوبة بالغة استطاعوا إنقاذه من الرجل الغاضب الذي أراد معاقبته .
لقد كنا نستخلص العبر من كلّ
عملية ضد مؤسسة (إسرائيلية) أو يهودية في خارج البلاد و ننفّذها بسرعة . و بعد
انفجار السيارة المفخّخة قرب مبنى السفارة (الإسرائيلية) في بوينس آيرس طلبنا أن لا
تقيم ممثلياتنا في بيوتٍ منفصلة بل في طوابق متوسطة في عمارات مكاتب . و أمرنا
بإقامة قواعد و جدران إسمنتية تمنع اقتراب سيارات من العمارات التي تقيم فيها
الممثليات (الإسرائيلية) . لقد حرصنا أيضاً على عدم السماح للسيارات الأجنبية
بالتوقّف قرب هذه العمارات .
و لكن وسائل الحذر ، و مهما
كانت دقيقة و محكمة ، لا تستطيع أن تمنع تماماً الإخفاق في الحراسة ، ذلك لأنه لا
يمكن أن نتوقّع سلفاً كلّ الاحتمالات . و الأكثر من ذلك ، و لما كان من غير الممكن
إغلاق أي منطقة طوال الوقت فإنه لا مناص من المخاطرة المحسوبة . لقد كان الموقع في
كنسينغتون ، لندن ، حيث تقع السفارة (الإسرائيلية) ، محمياً جيّداً من قبل الشرطة
البريطانية . و كان يطلب من كلّ سائق يريد الدخول إلى الموقع في سيارته أن يُعرّف
نفسه . و مع ذلك ، في 26 تموز 1994 انفجرت سيارة مفخّخة في الساحة المحاذية للسفارة
، مما أسفر عن وقوع أضرارٍ في جزء من المبنى و إصابة عددٍ من المستخدمين بجروح
طفيفة من شظايا الانفجار . و كانت المرأة التي قادت السيارة إلى الساحة المجاورة
للسفارة قد استطاعت خداع الشرطي البريطاني . حيث قالت له إنها جاءت إلى عنوان معيّن
في نفس الموقع و تركها تمرّ عبر الحاجز . و كان هذا عنوان بيت بجدارٍ مشترك مع
السفارة . و في مثل هذه الظروف لم يكن هناك إمكانية لمنع الانفجار ، ذلك لأنه ليس
بوسعنا إغلاق منطقة كاملة في مدينة أجنبية .
وصلت إلى لندن بعد عدة ساعات
من العملية و تبيّن لي أن من بين الجرحى شارون ابنة زوجتي عيدنه التي كانت تعمل في
السفارة . و كانت قد أصيبت في ظهرها و هاتفتني من المستشفى من أجل تهدئتي . أبلغت
عيدنه بذلك قبل عدة دقائق من نشرة الأخبار في شبكة الـ سي.أن.أن التي شاهد فيها
المشاهدون كيف يعالجون شارون المصابة قرب الدمار في السفارة .
و غداة اليوم انفجرت سيارة
مفخّخة قرب بيت بلفور في وسط لندن ، الذي يجمع الكثير من المؤسسات اليهودية و أصيب
ثلاثة من المارة بجروح .
كان قسم حراسة الشخصيات (قبل
اغتيال رابين كان هذا مجرد دائرة) مثقلاً بالأعباء . فهو لا يعنى فقط بالحراسة
نفسها بل في التنسيق مع الأوساط الاستخبارية و الأوساط العسكرية و الشرطية ، و يدير
شبكة تدريبات واسعة و مكثّفة تشمل التدريب على إطلاق النار بأنواعه ، على مسافات
مختلفة ، و من داخل سيارات مسافرة . و يحفظ رجال الحراسة عن ظهر قلب أشرطة الفيديو
التي سجّلت أثناء محاولات و أعمال اغتيال شخصيات في مختلف أنحاء العالم – كنيدي ،
السادات و آخرين . و كانت مشاهدة الأشرطة تستهدف استنباط العبر المناسبة .
إن إدارة جهاز الحراسة في دولة
(إسرائيل) مهمة معقدة جداً ، و من بين أسباب ذلك هو ضرورة الرقابة على أقسام حراسة
منفصلة ، لوزارة الخارجية ، (إل – عال) ، الوكالة اليهودية و أطر أخرى . و ثمة لكلّ
إطار رئيس مركز أمن في خارج البلاد ، مهمته التنسيق بين الأطر المختلفة التي تخضع
للحراسة و المراقبة . و هو أيضاً مسؤول عن إجراء الاتصال مع الأوساط الأمنية و
الشرطة المحلية ، و يشرف كذلك على تدريبات الحراس على إطلاق النار و الحفاظ على
لياقتهم البدنية و مستوى يقظتهم .
يجري رئيس "الشاباك" ، مع
رؤساء الأقسام و رؤساء مراكز الأمن في خارج البلاد تقييمات للوضع بصورة دورية أو
بعد وقوع أحداث ، و تتغذّى هذه التقييمات من المعلومات التي تجمعها كلّ أذرع الأمن
و يقرّرون على أثرها ما إذا كان يجب رفع أو تخفيض مستوى الحراسة في أماكن معينة . و
في هذا الصدد يأخذون بالحسبان اعتبارات مختلفة ، من ضمنها الاعتبارات المالية ذلك
لأن الحراسة منوطة بنفقات مالية باهظة ، تشكّل في الكثير من الأحيان عبئاً ثقيلاً
على الإطار المحروس .
و بات من المألوف في مثل هذه
الحالات ممارسة الضغط على "الشاباك" من أجل تقليص و لو قليلاً من أجل تقليل النفقات
.
في بعض الأحيان لا نجد مناصاً
من تخفيف العنان قليلاً و المخاطرة و ذلك لمقتضيات محلية . مثلاً ، تؤدّي الحراسة
المشدّدة ، حسب اأنظمة في المطارات الأجنبية أحياناً إلى تأخير مسافري (إل – عال)
لساعات طويلة مما يدفع مسافرين معيّنين إلى تقديم شكاوى "للشاباك" على التفتيش
الأمني الدقيق أكثر من اللازم بالنسبة لهم . و منهم من يشكو من أسئلة خاصة وجّهها
إليهم الحراس مثل "أين أقمت ؟" "مع من التقيت ؟" ، "ما هي الصلة بينك و بين الشخصية
التي جئت إليها ؟"، من الممكن تفهّم المشتكين . حيث لا يجوز أن تتحوّل شركة (إل –
عال) إلى حصنٍ منيع . يجب النظر بإيجاب إلى كلّ هذه الاعتبارات و مع ذلك يجب تنفيذ
أفضل مستوى من الحراسة .
قبل تعييني رئيساً "للشاباك"
أجريت جولة في مدن مختلفة من العالم من أجل الوقوف عن كثبٍ على أنظمة الحراسة في
السفارات (الإسرائيلية) و في (إل – عال) . و خلال جولتي زرت مونتريال في كندا . و
حين أنهيت عملي هناك ، سافرت إلى مطار و استقليت طائرة (إل – عال) عائداً إلى
البلاد . أغلقت الأبواب ، و بدأت الطائرة بالتحرّك في مدرج الإقلاع ، فجأة اقتربت
منّي مضيفة مذعورة و أبلغتني أن الملاح يريد الحديث معي في ركن القيادة . توجّهت
إلى الطيار الذي علِم من أنا ، فأبلغني أنه في هذه اللحظة بالذات تلقّى بلاغاً
بوجود قنبلة في الطائرة و طلب ضابط الأمن في الشرطة إطفاء المحرّكات و إخلاء
الطائرة من المسافرين و الاستعداد لتفتيشٍ دقيقٍ على متن الطائرة .
و أضاف : "أريد أن تفهم بأنه
إذا وافقنا على طلب ضابط الأمن ، سنضطر ، كما يبدو ، إلى إلغاء الرحلة كلها الأمر
الذي يسبّب خسارة مالية فادحة" . حملق بي على أمل أن يجد بصيص تفهّم ينبعث من عيني
. أدركت أنه يتوقّع مني أن أجد سبيلاً لحثّ الإجراءات و تمكين الطائرة من الإقلاع
بالسرعة الممكنة . لم أُجب .
"حسناً . سأفحص ما يجري هنا" ،
قال الطيّار و طلب مني مرافقته . توقّفت الطائرة ، و خمدت المحرّكات و أبلغ
المسافرون بوجود عطلٍ فنّي . ذهبنا إلى ضابط الأمن . طلب الطيّار منه أن يأخذ
بالحسبان حقيقة أنه يوجد في الطائرة حوالي 400 مسافر في عجلة من أمرهم لذلك يجب
العمل بسرعة . نظر ضابط الأمن صوبي و انتظر رأيي . لم أفكّر أبداً بالتدخل في الأمر
. لقد كانت هذه منطقته ، و تخضع لمسؤوليته . كان قد تلقّى تعليماتٍ واضحة بشأن
كيفية العمل في مثل هذه الظروف . و لم تتضمّن هذه التعليمات تقديم أي "تسهيلات"
بكلّ ما يتعلّق بالفحص المطلوب . فهم ضابط الأمن بسرعة أنني لا أنوي التدخل في
الموضوع . و وفقاً للتعليمات أبلغ هيئة "الشاباك" في البلاد ، هاتفياً ، عن خطر
القنبلة . سمعته يقول إنني موجود إلى جانبه . و سأل المسؤول عنه ، في الجانب الآخر
من الخط : "ماذا يقول بيري ؟ هل يمكن الإسراع في الفحص أم لا ؟" رد الضابط قائلاً :
"لا يريد بيري التدخل في عملي" .
و للحقيقة ، حين جمعنا تفاصيل
عن ملابسات البلاغ المجهول ، اتضح لي أنه لم يتم وضع أي قنبلة في الطائرة لذلك من
الممكن الاكتفاء بفحص سريع و تمكين الطائرة من الإقلاع . و لكن فقط بعد أن توصّل
ضابط الأمن هو أيضاً إلى هذا الاستنتاج قلت له إن هذا هو رأيي أيضاً . رأيته يمسح
حبات العرق عن جبينه و قلت له : "حتى لو فكّرت أنك مخطىء ، لكنت قد تركتك تعمل حسب
فهمك و قناعتك" .
|