|
"أنت
مطرود !"
عدت في أحدى الأمسيات و بعد
فترة قصيرة من بدء عملي في الأرشيف ، تعباً منهكاً إلى تل أبيب و شاهدت في شارع
ديزنغوف خلال توجّهي إلى الغرفة التي استأجرتها فوق مقهى "كسيت" ، شابة شقراء جميلة
، تسير على الرصيف ليس بعيداً عني ، و أدّى جمالها الرائع إلى نسياني كلّ شيء بطرفة
عين . جمعت جرأتي و توجّهت إليها قائلاً إنني أتشوق إلى التعرّف عليها و بدأنا
الحديث ، و قالت لي بإنجليزية محطّمة بأنها بطلة فنلندا في التزلّج على الماء ،
حضرت إلى (إسرائيل) بهدف اعتناق اليهودية و الزواج من صناعيّ غني . دعوتها لتناول
كأسٍ من القهوة و سرت معها بشغفٍ و شعرت بأنني غارق في حبّها ، و لم تبقَ هي أيضاً
لا مبالية ، و عرّفت أهلي عليها و لم تحبّ والدتي هذه العلاقة . خصوصاً لأن الفتاة
مسيحية .
استمرت علاقتنا و كنت طوال هذه
الفترة أتجاهل التفكير بالتعهّدات التي وقّعت عليها فور التحاقي "بالشباك" و التي
تؤكّد عدم إيجاد أي اتصال مع أجنبي دون الحصول على موافقة مسبقة ، و تحدّثت في أحد
الأيام و بصورة بريئة للمسؤول عني في الأرشيف عن صداقتي الجديدة ، احمّر وجهه على
الفور و قال لي : "هذا خطير جداً ، أنت ببساطة لا تفهم معنى ذلك ، و لا يوجد لديك
أي إدراك لمدى الخطر الذي وضعت نفسك فيه" . حاولت الإيضاح بأن هذه مجرد علاقة حبّ
غير ضارة مع فتاة لطيفة ، لا توجد لها و بالتأكيد أي علاقة مع مخابرات أجنبية .
استدعوني . و بعد عدة دقائق من
جلوسي على طاولتي في الأرشيف للقاء إبراهام أحيطوف الذي عيّن رئيساً للقسم العربي
قبل عدة أسابيع من وصولي للخدمة . تحدّثوا في "الشباك" عنه بتقدير يمتزج بالذعر ،
كان شخصاً قادراًً على كلّ شيء ، قائداً صلباً لم يكلّف نفسه عناء الحديث مع
مستخدمٍ جديد مثلي . كان استدعائي إلى مكتبه في حينه مثل استدعاء قسّ بسيط إلى مكتب
الحبر الأعظم .
دخلت إلى مكتبه و شاهدت أمامي
رجلاً صلباً ذا شاربٍ صغير و نظارة شمسية عريضة و شعر رمادي من على جانبي صلعة
كبيرة . اتخذ وجهه ملامح قاسية فور مشاهدته لي و بدأ بالصراخ عليّ و كأنني مجرم قام
بعملٍ رهيب ، و طالبني بهجر الفتاة التي أحببتها على الفور .
أثار طلبه هذا غلياناً في نفسي
، فقاطعت حديثه الغاضب و قلت بأسلوب فظ : "اسمعني جيداً ، لست مهتماً ب"شاباكك" و
لا أكترث بقوانينكم الغبية ، لن أبيع حريتي" . كانت على الطاولة "متكة" زجاجية
كبيرة دفعتها بقوة و انسابت على الطاولة الخشبية ، نحو أحيطوف و صرخت في وجهه :
"مللت العمل معكم" . بدت مظاهر الإحساس بالمفاجأة على وجهه ، و بعد صمتٍ قصير قال
بغضب : "إذهب إلى منزلك ، أنت مطرود !" .
قلت له "شكراً" و أغلقت الباب
بقوة و نزلت السلم ، لكن عندما أوشكت على الخروج من المبنى أوقفني الحارس و أبلغني
بأن أحيطوف يطلب مني العودة إليه ، و قلت له إنني غير معنيّ بذلك ، لكن الحارس أغلق
الطريق أمامي و قال باحترام : "عندما يدعوك أحيطوف فلا خيار لديك إلا الذهاب" .
عدت إلى غرفة أحيطوف و كان أكثر هدوءاً و دعاني للهدوء و قال : "درست ملفك ، أنت
جيّد و لا أريد التخلي عنك بهذه البساطة" ، أعطني تفاصيل عن الفتاة كي نعرِف من هي"
، و قدّمت له ما طلب ، بالطبع بحثوا عن تاريخ الفتاة و سمعت بأنهم وصلوا حتى
عائلتها في فنلندا ، لكن من الناحية العملية ، كان هذا تحقيقاً لا جدوى منه ، إذ
انطفأ حبي لها بسرعة دون أي صلة بتدخل المسؤولين عني في "الشاباك" .
كان أحيطوف أحد الأشخاص الأكثر
روعة الذين التقيتهم في "الشاباك" . كان حاداً جداً ، سريع الفهم ، فناناً في
الجدال و نشيطاً جداً . و يبدو أنه اكتسب هذه المضامين خلال دراسته في المدرسة
الدينية . أحيطوف سليل عائلة متديّنة جداً ، هاجرت من ألمانيا عام 1935 عندما كان
عمره خمسة أعوام ، و اتضح له مع كبر سنه بأن مكانه ليس في العالم الديني ، و انضم
مثل الكثيرين في سنّه إلى "الهاجاناه" . أصيب بجروحٍ خطيرة خلال حرب (الاستقلال) ،
جراء حادث سير ، و ظلّ عاماً كاملاً طريح الفراش في مستشفى ، و هناك تعرّف على زوجة
المستقبل يوكفد ، التي اعتنت به كممرضة . تناهت إلى مسامعه خلال تلقّيه العلاج
اأنباء عن تشكيل وحدة سرية أطلق عليها اسم "المخابرات" في إطار الجيش و طلب
الالتحاق بها ، لكن وجد ممثل المخابرات الذي التقاه بأنه "غير مناسب" ، لكن رغم
رفضه استدعيَ مرة ثانية لعقد لقاءٍ و قبلوه . و قالوا في "الشاباك" إنه و طوال
سنوات خدمته في الجهاز ضبط نفسه و امتنع عن البحث في الملفات عن أسباب رفضه في
اللقاء الأول .
بدأ عمل أحيطوف في "الشاباك" ،
و كما هو متبع بمهمة بسيطة ، و بسرعة أيقن المسؤولون عنه مدى كفاءته و أرسلوه إلى
دورة استخبارات في القدس ، و عيّن بعد ذلك في منصب قياديّ في قسم أمن الجيش في
المخابرات . و كان أحد مساعديه هناك جنديّ في الخدمة الإلزامية هو شلومو أفنيري ،
الذي أصبح بروفيسوراً في العلوم السياسية . كان أحيطوف مسؤولاً عن المخابرات في
قطاع غزة خلال عملية "كديش" (حرب السويس) عام 1956 و تعرف من خلال منصبه هذا على
موشيه ديان رئيس هيئة الأركان في حينه و ربطتهما أواصر صداقة .
و بصورة موازية لعمله في
"الشاباك" درس و دون أخذه يوم إجازة واحد في كلية الحقوق بالجامعة العبرية بالقدس و
حصل على البكالوريوس و الماجستير ، و بسبب امتيازه بالدراسة حصل على بعثة كاملة و
تمت إعارته للموساد في مطلع سنوات الستينيات و شارك من خلال انتحاله شخصية يهودي
متزمّت بالبحث في أوروبا عن الطفل "يوسلا شوحمخر" الذي اختطفه جده المتزمّت .
كان أحيطوف مسؤولاً متشدداً ،
ذا قدرة غير عادية على العمل و قدرة تحليل رائعة ، و رغم عدم تسلّمه أي مهام
تنفيذية أو ميدانية ، صاغ برنامج تدريب حصل على مديح الكثيرين . استغرب الكثيرون
بعد تسليمه رئاسة القسم العربي ، و حتى قبل ذلك عدم معرفته للغة العربية ، لكن هذا
الأمر لم يحل دون قيامه بمهامه في هذا المجال بأحسن وجه . لقد حافظ بدقة على جميع
القوانين و الأنظمة و كانت علاقاته مع الناس جيدة و تدخل بكلّ ما كان يجري في
عائلاتهم – زواج ، حمل ، ولادة ، طلاق ، نقل سكن و كلّ ما شابه ذلك . كانت حركات
يده عصبية لدرجة ما و أعربت بصورة عامة عن عدم ارتياح ، و بسبب شخصيته التهديدية
وجدت مسافة بينه و بين الموظفين ، رغم اعتياد الجميع على مناداته باسمه الأول . كان
أحد مضامينه الأكثر بروزاً تشديده على تفاصيل التفاصيل في كلّ مسألة ، سواء أكانت
هناك ضرورة لذلك أم لم تكن . و على سبيل المثال عندما كان يتحدّث عن لقاءٍ معين
شارك فيه ، كان قادراً على إجراء مداولات دقيقة جداً بينه و بين نفسه أو مع مساعديه
حول مسألة : كم دام اللقاء ، ثمانية و خمسون أم اثنان و ستون دقيقة ؟
تحوّل الأمر الذي بدأ بتوبيخٍ
بصراخٍ عالٍ و بلاغ بالإقالة الفورية الحاسمة ، و بصورة عجيبة إلى شبه علاقات مثيرة
بيني و بين أحيطوف . رغم عدم قوله ذلك وجِد لديّ انطباعٌ بأن أحيطوف قرّر فرض
وصايته عليّ من أجل توعيتي و لجم البركان الصاعد من داخلي و قيادتي للمسار المقبول
لدى رجل "شاباك" جيد . كان يتوجّه عدة مراتٍ أسبوعياً إلى الأرشيف و يقف بجانب
طاولتي و يسألني إذا كان كلّ شيء يسير بصورة جيدة و إذا كنت بحاجة لشيء ما . لم تكن
زياراته الدورية للأرشيف عادية ، و قال لي زملائي بالعمل إن زياراته للأرشيف كانت
متباعدة ، كما أنه لم يكلّف نفسه إبداء اهتمام شخصيّ أياً كان بمبتدىء بالعمل ، ما
زال في طور التجربة .
كان أحياناً يجلس إلى جانبي في
غرفة الطعام و يتناول وجبته معي ، و كان يبدي في هذه المناسبات اهتماماً بعائلتي و
يطلب مني الحديث عنها و عن علاقاتي الاجتماعية ، و اتضح لي في فترة لاحقة أن
حاخامين من مدرسة بني عكيفا في كفار هرأه التي درس فيها بشبابه كانا من نفس المدينة
التي ولد فيها والدي ، و كانا يعرفاني و أحباني بطفولتي ، و كان أحيطوف يحافظ على
علاقاته بهما حتى بعد تركه المدرسة الدينية و اعتقد بأنهما حدّثاه عني و عن عائلتي
.
جمع أحيطوف آراء حول تفاصيل
تقدّمي بالعمل و كان يحضر لزيارتي مرة أسبوعياً ، عندما شاركت في فترة لاحقة في
الدورة الأساسية للخدمة في "الكريا" (وزارة الدفاع) في تل أبيب ، و اعتدنا الجلوس
معاً في إحدى غرف الموقع الذي كانت تجري فيه الدورة الدراسية و نتحدّث . كان يتحدّث
في تلك اللقاءات بأسلوب هادىء جداً و يتطلّع إلى الحديث المطوّل ، كان يبدأ الحديث
عادة بقصصٍ عن زوجته و أولاده ، و ينتقل للسؤال عن صحتي و معنوياتي . و مع مرور
الأيّام و عندما أصبحت زوجتي يعيل حاملاً ، كان يسألني دون توقّف عن تقدّم حملها .
و كان يستفسر بنفس الأسلوب عن مراحل تطوّر ابني البكر أمير .
لم يستخدم أحيطوف خلال
أحاديثنا بتاتاً مفاهيم "كبيرة" مثل الصهيونية و انتصار (إسرائيل) ، بل فضّل
تعبيرات بسيطة و عملية و واضحة ، ما زال ينقش بذاكرتي حديث عن أهمية الشك . أوضح لي
أحيطوف مطوّلاً مدى أهميّة تجوّل رجل "الشباك" و الشك يعتري فؤاده بصورة دائمة ، و
قال لي : "يجب عليك التساؤل طوال الوقت ، هل المعلومات التي حصلت عليها حقيقية ؟ ،
هل بذلت قصارى جهدك من أجل التأكد بأنها كذلك فعلاً ؟ ، هل درست كافة التفاصيل ؟ ،
هل تم التحقيق مع مصدرك بصورة كاملة ؟ ، و حتى إذا توصلت لنتيجة بأن جميع هذه
الشروط متوفّرة من الأفضل بقاء شك ما في نفسك ؟ ، إذ ربما و رغم كلّ ذلك نسيت شيئاً
ما ، جزء تفصيلي قفزت عنه أو نقطة لم تستوضحها بدرجة كافية ..." . كانت تراودني
أقواله هذه أكثر من مرة في اللحظات الحاسمة خلال خدمتي . و كانت "حول الشك"
المحاضرة الأكثر روعة التي ألقاها أحيطوف في دورات و أيام دراسية في الجهاز .
تحدّثنا مطوّلاً أيضاً عن
العلاقة الشخصية بين رجل المخابرات و بين مصدر معلوماته و أوضح لي : "علاقات
الصداقة التي تتوطّد بينكما مع مرور السنين و التعاطف الذي يتطوّر مع مصدرك قد
يؤديّان إلى المس بعلاقتك الموضوعية ، مع المعلومات التي يقدّمها لك و قد يتطوّر
لديك ميل طبيعي للاعتماد عليه أكثر من اللازم و الدفاع عنه عندما يخطىء أو يخدع .
إحذر من ذلك !" .
أبدى أحيطوف و بصورة طبيعية ،
أهمية قصوى بنجاحه المهني و بطابع شخصيته ، و مع ذلك تمسّك بصورة متشدّدة بمبدأ
السرية ، و بالانغلاق على الذات و بالامتناع التام عن الشهرة بأي حال من الأحوال ،
كما امتنع نهائيا عن الظهور أمام وسائل الإعلام . و حدّثني أكثر من مرة و بهذه
الروحية عن الحياة البسيطة و المحافظة التي يجب اعتياد رجل "الشاباك" عليها . لم
تكن هذه الأقوال موجّهة لي ، إذ كنت و خلال فترة تدريبي في الجهاز غريباً عن المشهد
الإنساني هذا . و كان أحيطوف على دراية كاملة بذلك و لهذا عاد و كرر هذه النقاط على
مسامعي المرة تلو الأخرى و للتأكيد على أهمية أقواله اعتاد عرض نماذج محدّدة عن
"البساطة" و لم تكن هذه قليلة في الجهاز .
كان "الشاباك" يعيش في ظروفٍ
تشبه الرهبنة ، يمتنع بتشدّد عن مصاريف مالية فائضة ، و كان يعيد سنوياً إلى وزارة
المالية مبالغ خصّصت للجهاز و تم توفيرها . و إذا توخّينا الحقيقة سنجد بأنه لولا
أحاديث أحيطوف المطوّلة عن صورة رجل "الشاباك" و بساطته و إخلاصه لكان الواقع فعل
فعله ، إذ كان يكفي العمل في أوساط هؤلاء الأشخاص من أجل التشبّع بهذه الأجواء و
الغرق فيها .
كان عدد رجال "الشاباك" في
منتصف سنوات الستينيات عدة مئات فقط ، و كان كلّ واحدٍ منهم يعرف الجميع تقريباً .
كانت تلك منظمة محافظة و سرية و خفيّة ، و ليس بالإمكان الوصول إليها ، تحدّث
رجالاتها عن نجاحاتهم أو إخفاقاتهم فقط مع بعضهم البعض ، كانوا يكتفون بتشجيع
الممتازين و يبعثون رسائل لهم عوضاً عن تقديم الجوائز و الأوسمة و كان أفرادها
يتعاملون بصورة جادة و نوعية حتى مع أمورٍ لم يكن من واجبهم التعامل معها .
عندما حدّثتهم عن قصة حبي مع
تلك الفنلندية الجميلة ، كانت ردود فعلهم غاضبة ، إلى درجة كان بالإمكان الاعتقاد
فيها بأنني طالب جامعي و اكتفت بذلك . و لو توخّينا الحقيقة فإنني حتى لو كشفت
النقاب لها عن عملي في "الشاباك" ، لما فهمت عما أتحدّث .
اعتدت بسرعة كبيرة على
الدوغماتية ، و السرية ، و النمط المحافظ الذي يعمّ تقريباً جميع الجهاز ، كانت
البساطة نمط حياة ، و ليست مجرّد ستارٍ لاحتياجات التخفّي ، كانت حقيقية و حتى
مقدّسة ، و كأنها إحدى الكلمات العشرة . إذا كان بالإمكان الشرب بكأس الورق مرة
ثانية لم نكن نلقيه للنفايات بعد المرة الأولى ، و إذا كان بالإمكان كتابة تقريرٍ
على جانبي الورقة كنا نفعل ذلك . كان أحد قدماء العاملين في الجهاز ، عرفه الجميع
باسمه الشخصي - زليغ - مسؤولاً عن التنظيم و الأساليب ، و كان زليغ يعمل على
التوفير في كلّ مجالٍ بالإمكان القيام به بذلك حتى و إن وصل إلى حدّ السخرية ، كان
مبتدع النظرية التي تقول إذا كتبت على ورقة عدة أسطر فقط عليك قطع الورقة و
الاحتفاظ بما تبقّى منها لاستخدام مستقبلي ، و لم يحتجّ أحد على هذه التعليمات .
فقد أيقن الجميع بأن الورقة التي لم تستغل حتى النهاية تؤدّي إلى مصاريف مالية دون
فائدة ، تقتطع من الميزانية الوطنية .
تعلّمت معرفة الأشخاص الذين
أعمل معهم خلال فترة قصيرة ، كما تعلّموا معرفتي ، و أعتقد بأنني كنت بنظرهم و في
جميع الأحوال شخصية غير عادية ، تختلف عن الآخرين ، بوهيمي وصل في بيئة اجتماعية
تقريباً لم يعرِفها أي منهم ، شخص من المحتمل أن يخرج من حياتهم إذا قلّصوا أكثر من
اللازم مجال معيشته .
عملت شهراً في الأرشيف ، و
نقلت من هناك إلى الملفات ، الموقع الذي يجري فيه تقييم للمواد التي تنقل للجهاز من
مصادر سرية و علنية و من وكالات تجميع أخرى . يرتكز عمل المخابرات و بصورة رئيسة
على استخدام عملاء ميدانيين ، و ترسل المعلومات التي يجمعها جامعو المعلومات من
عملائهم و من مصادر أخرى إلى ضباط التصنيف الذين يقومون بأعمال التصنيف و التقييم ،
و بعد الانتهاء من معالجة المعلومة أو الإدراك بأن لا جدوى ترجى منها تنقل إلى
الأرشيف و توضع في ملفات هناك ، و عندما تصل معلومات غير كاملة تتم إعادتها إلى
المشرف على العميل و يطالبونه بالحصول على إيضاحات . أما المعلومات التي تستوجب
نشاطات معينة فيتم نقلها إلى التحقيق و الاستكمال و يتم بحثها في مجلس العمليات .
تستخدم وحدة العمليات أحياناً بهدف جمع أو استكمال معلومات ، و تقوم في أحيان
متقاربة بعمليات الإفشال ذاتها ، و ازدادت مع مرور السنين و توسّعت مهام الإفشال .
ألصقوني في قسم الملفات بيئير
ليفي ، و هو شخص هادىء و بسيط ، تذكّرك هيئته الخارجية بموظف يعمل طوال حياته
بمهامّ رمادية . كان هناك مطبخ صغير في نهاية الرواق في المبنى الذي نعمل فيه و كان
موظف المطبخ يمر مرتين يومياً في ساعات محددة ، الساعة العاشرة صباحاً و الثالثة
بعد الظهر على الغرف لبيع الموظفين ساندويشات و مشروبات خفيفة بأسعار مدعومة .
استهدف هذا النظام فيما استهدفه منع القيام عن الطاولات و عدم تبذير الوقت . لم يكن
ليفي بحاجة للشاندويشات المدعومة ، بل كان يتوقّف عن العمل الساعة العاشرة بالضبط و
يسحب ساندويشاً من حقيبته و ينتظر وصول عربة المشروبات الخفيفة و يطلب كأساً من
الشاي و يشربه بجرعات محدّدة أثناء تناوله الساندويش ، و لم يكن هناك أمر على وجه
البسيطة يؤدّي إلى استبداله عادته هذه . لكن مظهره الخارجي كان خادعاً ، كان ليفي
مخزناً ثرياً للمعلومات . التقيت مثله قلائل جداً . كانت لديه ذاكرة مذهلة ، يحتفظ
فيها بجميع المضامين الدقيقة لكلّ ورقة و لكل تقرير ، كان يتذكّر التفاصيل الدقيقة
لكلّ عملية و كان منظّماً و دقيقاًً لدرجة غريبة . أرسلني أحيطوف إليه بهدفِ تعلّمي
منه و ربما أيضاً من أجل اكتسابي شيئاً من مضامينه . كانت تتراكم على طاولته و
بصورة دائمة أكوام ملفات و كان يقرأ عليّ تقريباً كل وثيقة تنقل إليه و يوضح لي ما
ينقصها و ما هي الإضاحات التي يجب الحصول عليها .
أتذكّر وصول مواد كثيرة إلينا
متعلّقة بحركة "الأرض" المتطرفة ، كانت هذه مجموعة مكوّنة من حوالي عشرين شاباً
وطنياً ، و نظّمت من أجل تشكيل مؤسسة سياسية ، تمثّل التطلعات الوطنية لعرب
(إسرائيل) . بدأت نشاطاتها عام 1959 بعد عدة أشهر من مشاركة أعضائها بتشكيل تنظيم
آخر "الجبهة الشعبية" تحت إشراف الحزب الشيوعي و ذلك بعد أن هاجم بطلهم الكبير
الرئيس المصري جمال عبد الناصر بحدة الشيوعية . قرّر أعضاء "الأرض" قطع كل علاقة
لهم بماكي (الحزب الشيوعي "الإسرائيلي") و حاولوا سحب البساط من تحت أقدامها في
الشارع العربي . عارضوا شرعية وجود دولة (إسرائيل) و طالبوا أيضاً باستبدال البنية
التقليدية للمجتمع العربي ، و ذلك لاعتباره قديمٌ و رجعيّ تقليدي و لأنه ساعد حسب
اعتقادهم الحكومة (الإسرائيلية) بالسيطرة بقبضة حديدية على المواطنين العرب و سلب
حقوقهم . و دعوا في إطار الصراع السياسي ، العرب في (إسرائيل) لمقاطعة انتخابات
الكنيست الرابعة (التي جرت في نهاية عام 1959) و أصدروا أسبوعية دون ترخيص ، ظهرت
ثلاثة عشر أسبوعاً ، و نجحوا بعد ذلك في تسجيل أنفسهم كشركة "تجارية" بمساعدة
الالتماس للمحكمة العليا - قدّموه رغم ادعائهم بأنهم ضد شرعية الدولة – و بدأوا
بإرسال مذكرات استنكار ضد الحكومة (الإسرائيلية) لصحف أجنبية و لأوساط دولية .
اعتقل أربعة من رؤساء هذه المجموعة عام 1964 بتهمة الاتصال مع عملاء في مصر و سوريا
و وقّع وزير الدفاع في نهاية ذاك العام على قرار بإخراج هذه الحركة عن القانون .
استبدلوا مواقفهم بعد حوالي العام و حاولوا المشاركة بانتخابات الكنيست السادسة تحت
اسم "القائمة الاشتراكية العربية" و رفضت لجنة الانتخابات المركزية هذه القائمة
بحجّة كونها ممثلة لـ "مؤسسة تآمرية" و صادقت المحكمة العليا على هذا الرفض . و
انتخب أحد نشطاء هذه المجموعة ، محمد ميعاري ، بعد سنوات للكنيست على رأس قائمة
"القائمة التقدّمية للسلام" .
كان الانتقال من قسمٍ إلى آخر
، في تلك الأيّام ، جزء لا يتجزأ من تأهيل المبتدىء "بالشاباك" ، إذ كانت الأمور
التي يتعلّمها من هؤلاء الأشخاص الذين يتمتّعون بتجربة غنية بالجهاز ، الأسلوب
الأنجح لمشاركة الموظف المبتدىء بجوهر العمل . أيقنت مع مرور الزمن بأن الغرف
الثلاث أو الأربع التي تجوّلت فيها كانت الطرف الأخير في شبكة "الشاباك" . أيقنت
وجود أقسام مهنية كثيرة و مناطق تحمل جغرافية و وحدات أخرى . و تستبدل الأمور بكلّ
ما له علاقة بتأهيل الموظفين ، و توجد اليوم برامج تأهيل و توجيه منظمة و راسخة .
|