الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

في منزل زكي بقرية عربية

 

تشرين الأول - تشرين الثاني 1966

      

كان آريه بن يعقوب (أبو يعقوب) قصير القامة ، كبير الرأس ذو شعر أجعد و أحد واضعي أسس العمل الاستخباري في أوساط عرب (إسرائيل) ، و كان رئيس القسم الميداني في "المثلث" (المنطقة الممتدة من كفر قاسم و حتى أم الفحم) و وقعت في إطار مسؤولياته مدن مختلطة مثل يافا و الرملة . و تقريباً جميع سكان المثلث يعرفونه كما يعرفون صوته الصاخب و يعجب كلّ من يتصل به من لغته العربية الجيّدة التي تغص بالأمثال الشعبية . استدعاني إلى مكتبه و كلّفني بمهمة جديدة أثارت انفعالي . و في النهاية أصبح المقصود خروجي من بين جدران مكتبي .

بشّرني بن يعقوب : "غداً صباحاً ستسافر إلى باقة الغربية ، ستقطن و لعدة أسابيع لدى عميل لنا ، أحد سكان القرية و تتعلّم نمط حياتهم ، إنه يعرف بالضبط من تكون ، لكن بالنسبة لسكان القرية ، أنت بحاجة لرواية تبرّر وجودك . ستقول لكلّ من يسألك بأنك طالب في الجامعة العبرية بالقدس ، تعدّ بحثاً متعلّقاً بأنماط حياة العرب و لغتهم و عاداتهم و تقاليدهم ، هل هذا واضح ؟" .

ضم إليّ ثلاثة من المتدرّبين في "الشاباك" ، و كان لدى جميعهم رواية تبرّر وجودهم ، مثلي ، و كان من المفروض وجود كلّ واحدٍ منهم في إحدى قرى "المثلث" ، و أرسلنا بن يعقوب في سيارة جيب واحدة حيث أوصلت كل واحدٍ إلى قريته .

وصلت إلى باقة الغربية ، قرية كبيرة و جميلة في وسط منطقة زراعية خصبة . كان مضيفي زكي عبد الله عويسات - "أبو كمال" كما يطلق عليه الجميع - بانتظاري في مدخل منزله المكوّن من طابقين . ملتفاً بعباءة و يضع كوفية بيضاء بنصاعة الثلج و كان لون بشرته الأسمر يشكّل نقيضاً لملابسه القاتمة . كان رجلاً جميل المظهر ذو تقاطيع لطيفة ، و رئيس عائلة محترمة و احتل سابقاً رئاسة المجلس المحلي . و عندما صافحني شعرت بأن هذه بداية صداقة حميمة .

قال لي زكي "أهلا و سهلاً ، بيتي هو بيتك ، و عائلتي هي عائلتك" . و هو لا يتحدّث العبرية . كان زكي فخوراً بكونه عميلاً ، و لا يستأنف أحد في القرية على ضرورة احترامه . كانت تلك فترة اقترابِ انتهاء الحكم العسكري ، الذي أقيم فور إعلان الاستقلال . و حتى أشخاص مثل صبري جريس (الذي أصبح فيما بعد من رؤساء الجهاز الاإعلامي و الدعائي لمنظمة التحرير الفلسطينية) كتب عنه عام 1965 ، بأن ولادته كانت "لأسباب أمنية ، محضة ، شكّلت هذه المؤسسة في فترة حرب بين (إسرائيل) و الدول العربية ، كسلطة جديدة لمواجهة مشاكل خطيرة خارجية و مع السكان العرب الذين وضعت تساؤلات حول مدى ولائهم للسلطة الجديدة ، لقد استهدف فقط معالجة القضايا الأمنية" . كانت تقع في البداية في مجال صلاحيات الحكم العسكري مناطق الجليل و "المثلث" و النقب و مدن الرملة و اللد و يافا و المجدل (عسقلان) ، لكن مع مرور الزمن تم تقليص مجاله بالتدريج . ارتكزت إقامة الحكم العسكري بصورة رئيسة على خمسة أنظمة طوارىء من عهد الانتداب مكّنت من فرض قيودٍ على حرية التنقل في مناطق يتحمّل المسؤولية عنها قادة عسكريون و إجبار السكان على الحصول على تصاريح خاصة من أجل تمكّنهم من القيام بنشاطات مختلفة ، بما في ذلك الانتقال من منطقة لأخرى . أكدت لجنة برئاسة الجنرال (احتياط) يوحنان رتنر ، بروفيسور للهندسة في التخنيون ، في شباط 1956 ضرورة استمرار وجود الحكم العسكري جراء ستة أسباب رئيسة منها : "الارتباط ... مع العرب خلف الحدود تؤثّر على علاقة الأقلية العربية بالدولة . توجد عناصر متطرّفة لم تسلم بوجودها توفر ملجأ لمتسلّلين و تزوّد عملاء العدو بمعلومات أمنية . كما أن ضرورة الحصول على التصاريح تقيّد تنقل المتسلّلين و الجواسيس بصورة حرة ... ، ثم إن  ضرورة الحصول على تصاريح لا تسبّب معاناة جادة للسكان الذين يحافظون على القانون ، و لن ينجحَ أي بديل مدني بردعهم ... فلا يوجد أي أسلوب آخر للسيطرة على أراضي الدولة المعدّة للاستيطان على الحدود الآمنة أو التي تستخدم كمناطق تدريب للجيش (الإسرائيلي) .

ولم يتوقف الجدال السياسي حول حيوية الحكم العسكري حتى منتصف سنوات الستينيات. كلف ليفي اشكول رئيس الحكومة في تشرين الأول عام 1965 مستشاره آيسر هرئيل (الذي كان حتى حزيران 1963 المسؤول عن جميع المخابرات) ببحث إمكانية التغيير. درس هرئيل هذه القضية وأوصى بتسهيلات حقيقية في نشاطات الحكم العسكري. (بعد فترة قصيرة من إرسالي الى باقة بتاريخ 1 كانون الأول عام 1966 ألغي جهاز الحكم العسكري. لكن مع ذلك لم تلغ الأنظمة التي مكنته من العمل، وبعد عدة أشهر استخدمها الحكم العسكري الذي أقيم في الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب حرب الايام الستة).

... باقة الغربية خاضعة للحكم العسكري ويطلب من كل شخص يريد الخروج منها التزود بتصريح تنقل من الحكم العسكري. عمل عملاء "الشباك" في المدن والقرى العربية بصورة علنية، وهؤلاء بصورة رئيسة وجهاء محليون، زعماء على دراية جيدة بحياة سكانها لديهم أملاك وحقوق أقدمية وينظمون عقود صلح عشائري ويتحملون مسؤوليات توفير عمال لمقاولين، وتوفر لهم مكانتهم الرفيعة هذه حماية من هؤلاء الذين لا ينظرون بعين الرضا لتعاونهم مع "الشباك". كثيرون ومنهم مضيفي "أبو كامل" لا يقدمون المساعدات لنا مقابل حفنة من الأموال، ويتعلق الأمر في كثير من الأحيان بامتيازات من نوع آخر: جمع شمل عائلات والحصول على رخص بناء وتجارة والتسريع بإجراءات لدى الشرطة أو ضريبة الدخل ومكاتب حكومية أخرى، ويوجد من بينهم من يستغلون تعاملهم معنا لمصلحة الجميع - تطوير قريتهم وزيادة ميزانية التطوير والحصول على رخص بناء وتصاريح تنقل، وتؤدي مساعدتهم لقريتهم الى تعزيز مكانتهم في أوساط سكانها. وقدم عدد غير قليل من العملاء مساعدة لـ "الهجاناه" قبل قيام (الدولة) وللجيش خلال حرب الاستقلال. يحصل "الشباك" على مساعدتهم بالعثور على مطلوبين والكشف عن تنظيمات معادية واقامة اتصالات سرية مع العدو ومعرفة المنطقة بتفاصيلها الدقيقة. ويشكّل هذا عليهم أخطارا غير قليلة، ولهذا تم تزويد عملاء معينين بأسلحة شخصية للدفاع عن أنفسهم.

يعتبر مضيفي زكي عبد الله شخصية محبوبة في باقة الغربية، ولا يعقد صلح تقريبا في "المثلث" لا يدعى للمشاركة فيه ويقدم له "الشباك" مقابل مساعدته بأساليب مختلفة وعلى سبيل المثال: أخوه الذي كان من الحرس الشخصي للملك حسين، تشوق الى الخروج من الأردن والانضمام لعائلته في (إسرائيل) ولم يكن ذلك سهلا، لكن عمل "الشباك" على مساعدته بالتغلب على العقبات.

تعلق على جدران غرفة الاستقبال في منزل زكي صور ذات إطار لرئيس الدولة ورئيس الحكومة، إنه عربي فخور لكنه أيضا مواطن (إسرائيلي) مخلص. حولت علاقاته مع المؤسسات (الإسرائيلية) الرسمية منزله الى مزار يحج إليه كل من يبحث عن سبيل للوصول الى السلطات، وإذا واجه شخص ما وعلى سبيل المثال مشاكل مع سلطات ضريبة الدخل، كان زكي يتصل مع موظف الضريبة وفي معظم الحالات كان ينجح تقريبا بما هو شبه مستحيل. تحترمه السلطات ويحترمه سكان قريته ويتمتع بالعاملين.

قادني زكي بعد أن تصافحنا الى شرفة رحبة وجلس الى جانبي وبدأ بتقطيع خضروات لصنع سلطة لوجبة الغداء. كان يعد سلطة رائعة، يقطع الخضروات قطعا دقيقة ويضع عليها توابل طازجة. النساء تجلس في المطبخ، وفي كل مرة يستكملن فيها اعداد طبخة جديدة يطرقن ثلاث مرات على الباب ويذهب زكي لإحضار الطعام لنا. وكما هو معتاد في الشرق لا تتدخل النساء بمجتمع الرجال وعندما يحضر ضيوف لدى زكي يحافظن على البقاء في المطبح أو في داخل المنزل.

رافقني زكي في ساعات بعد ظهر اليوم الأول لي في باقة الغربية بجولة في أحيائها وعرفني على أشخاص كثيرين. كنا نجري حديثا عاما معهم وكانوا يقدمون القهوة في كل مكان نصله. عدنا الى المنزل في ساعات المساء، ورتب زكي لي مكانا للنوم في غرفة الاستقبال الكبيرة على كومة من الفرشات، وبعد صعودي على فرشتي خرج من الغرفة وأغلق الباب وراءه بإحكام بعد أن كان أغلق النوافذ بألواح خشبية سميكة. تقع القرية قرب الحدود الأردنية، وأكثر من مرة تسلل اليها أشخاص في ساعات الليل. (فقط بعد مغادرتي باقية، كشف النقاب لي عن تخوف زكي على سلامتي وأنه كان يتجول حول المنزل في ساعات الليل مسلحا ببندقية صيد حتى ساعات الصباح. وهذا ما اعتاد على عمله طوال فترة وجودي في منزله. كان لا ينام الليل ولم أكن أعلم بذلك).

كان لدى زكي اولاد كثيرين، وشاهدت في اليوم الاول لتواجدي في منزله طفلا عمره عامين، ينزف أنفه باستمرار، يتجول مع زكي يد بيد. وقال لي مضيفي بأنه عثر على هذا الطفل، اسمه شريف، في بيت للايتام، أحبه وتبناه.(شريف مثله مثل اشخاص كثيرين في باقة الغربية اختفى من حياتي فور مغادرتي القرية، وبعد سنوات طويلة ظهر في احد الايام بمكتبي في "سلكوم" عانقني بانفعال شديد وروى لي ما مر به منذ وداعنا قبل أكثر من ثلاثين عاما. يقطن في قرية جت ومتزوج وأب لأطفال. كان هدف زيارته وكما أوضح لي استئناف العلاقة بيننا وطلب مني بنفس المناسبة مساعدته بحل مشاكل برزت بينه وبين أبناء ونسيب زكي والده بالتبني).

... شعرت وخلال فترة قصيرة من وجودي في كنف عائلة زكي بأنني واحد من الأسرة. كان أخوه البكر حافظ صاحب أكبر ملحمة في القرية، وكنت أتوجه من حين لآخر الى المحل وأساعده بتقطيع اللحوم واعدادها للبيع، وكان له أخ آخر، فارس، يربي الابقار والماعز والماشية، وكنت أقضي اياما كاملة مع قطيعه في المراعي، وكان لدى أخوه الثالث وجيه سيارة عمومية وكنت أكثر من الانضمام اليه في السفريات الطويلة، حيث أجري أحاديثا مع المسافرين وأزور قرى ومدنا لم أزرها في حياتي.

كنت أتحدث العربية فقط وأشعر بأن إتقاني لهذه اللغة يتحسن من يوم لآخر، وهكذا تعرفت على نمط حياة العائلة العربية، تعلمت أساليب احترام الوالدين وكيفية التصرف مع النساء والأولاد، ما الذي يأكلونه وما الذي يشترونه وما شابه ذلك. كنت أقضي النهار والليل مع مضيفي، أتعلم عن قرب القيم والعادات واستوعب الامثال واللهجات وأعود نفسي على الحديث الصحيح. تعلمت وعلى سبيل المثال ما يقولونه عندما يدعو أحدهم الله للحفاظ على أولادك وما هي تحيات الصباح والمساء وما الذي يقولونه قبل تناول الطعام وبعد تناوله. أيقنت مدى غنى اللغة العربية وكانت هذه هي الجامعة الأفضل لي بالموضوع العربي.

عائلة زكي عائلة بطريركية بكل ما يحمله هذا المفهوم من معنى، ويجري كل شيء بناء على تعليماته ومن الصعب وصف الاحترام الكبير الذي يكنه له الجميع، وعلى سبيل المثال لا يفكر شخص من أبنائه بالجلوس بحضرته وساقه على الساق الأخرى، والحذاء موجه لأبيه، واتضح لي بأن مثل هذا التصرف يحمل في طياته إهانة كبيرة لرب العائلة. ولا يتجرأ الأبناء على التدخين بالمنزل دون سماح والدهم لهم. اعتاد زكي لف السجائر بيديه، يضع فيها التبغ من علبة فضية مزينة. وعندما كنت أجلس الى جانبه، كان يقدم لي السيجارة الأولى التي يلفها ويشعل بعد ذلك واحدة لنفسه، وفقط بعد ذلك يحق لأبنائه التدخين.

كان منزل زكي مقر لجنة وجهاء القرية، الذين اعتادوا الجلوس بارتياح في الشرفة الكبيرة والحديث خصوصا بالسياسة. وكان يتوجه اليه أيضا وفي احيان متقاربة رجال الحكم العسكري ولم يعتقد بعضهم بأنني يهودي، وكانوا يعاملوني كأحد أفراد العائلة المتشعبة، وعندما كنت أحضر لهم القهوة من المطبخ وأصبها لهم بكؤوس صغيرة، كانوا يحدثونني بالعربية وهم على يقين بأنني خرجت من بطن أمي عربيا.

(في وقت لاحق وبعد فترة قصيرة من مغادرتي باقة الغربية، عقد في "بيت سوكولوف" بتل أبيب يوم دراسي مغلق حول موضوع متعلق بعرب (إسرائيل). شارك فيه ضباط من الحكم العسكري أكثروا من زيارة منزل زكي. دعوني إلى هناك برفقة عدد من العاملين في "الشباك". وعندما شاهدني الحاكم العسكري لباقة، لم يخف غضبه وطالب معرفة: "كيف تسلل هذا العربي الى هنا؟". ومثل كثيرين من أصدقائه كان يعرفني فقط بالاسم الذي ألصق بي في باقة - يعقوب عويسات).

كان المنزل الواسع في باقة الغربية يبتعد بعد الشرق عن الغرب عن المسكن البسيط الذي أقطنه في تل أبيب. كان ذلك عالم أحببته، الجلوس في المطبخ برفقة نساء العائلة وهن يطبخن كوسا محشي ويغنين، يجعلني أعيش في تجربة لا تنسى، سكنت هناك أربعة أشهر وتمتعت في كل لحظة.

أبلغني آريه بن يعقوب بعد استكمال فترة تأهيلي في باقة الغربية بحلول الوقت لحزم حقائبي والسير قدما. ورافق وداعي لعائلة زكي انفعال كبير. وكان بإمكان المراقب من الجانب أخذ انطباع بأنهم يودعون والألم يعتصرهم أحد افراد العائلة المسافر لمكان بعيد وربما لن يعود. ولن أنسى الدموع في عيونهم لدى عناقي بحرارة.