الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

إلى نهاية العالم

 

أرسلوني من باقة الغربية لفترة تثقيفية في الناصرة و ذلك بهدف الدراسة العملية و معرفة كيفية عمل "الشاباك" ميدانياً . استأجرت غرفة صغيرة في منزل مسنة مهاجرة جديدة من رومانيا ، كانت المدينة في ذاك الوقت مزيجاً من أحياء المهاجرين و لا توجد فيها أي نشاطات اجتماعية أو ثقافية . كان هذا الانتقال من وسط الحياة الغجرية في تل أبيب و من سكنة فوق كسيت التي تغص بالضجيج ، يعني الانتقال إلى نهاية العالم ، لكن العمل في المنطقة عوضني كثيراً . دخلت عالماً يغصّ بما هو غامض ، الخفي منه يزيد عن العلني عالم يثير حب الاستطلاع و الانفعال الشديد . كان يونثان مسؤول جمع المعلومات في الناصرة . أرسلوه و زوجته "حبيبة" التي تعمل سكرتيرة في مدرسة محلية بعد أن هاجروا من العراق إلى الناصرة العربية و انتقلا للسكن في الناصرة العليا (اليهودية) فور إقامتها ، و وجدت في منزلهما المتواضع منزلاً ثانياًً لي .

عمل منسّقون آخرون للشباك في الناصرة : أليعيزر المزارع بروحيته و الخبير بكلّ ما له علاقة بالموضوع العربي ، و إيلي المهاجر من العراق ، الدافىء و الودود ، و جيمي و أورنه و آخرون و أذكرهم جميعاً بالخير . جلسنا في القسم المغلق من مبنى "المسكوبية" في المدينة العربية ، الذي كانت تقع فيه أيضاً المحكمة و مكاتب ضريبة الدخل و مؤسسات حكومية أخرى . كان السكان يعرفون من نحن ، و في الناصرة مثلما هو الوضع في كلّ موقع في الوسط العربي الذي يعمل فيه منسقو "الشاباك" ، كان العمل يجري بصورة علنية .

أرسلوني من الناصرة إلى طبريا ، حيث كنت ألتقي عملاء عرب في أماكن سرية ، و طلبوا مني صياغة تقارير مطوّلة و مملة ، كنت أقضي ليالي طويلة بالتعمّق بدراسة المواد و في ساعات الصباح و بعيون حمراء تحترق من نقص النوم . كنت أحضر العمل المستكمل لجامع المعلومات المحلي ، يوسي ، الذي كان معلّمي . كان ينظر إلى صفحات الأوراق و يبدي تجهّماً و يمزّق إلى قطعٍ صغيرة ما كتبته طوال ساعات ، كنت أشد على نواجذي و لا أنبس ببنت شفة . كنت أتذكر كلّ ما يفعلوه بي ، إذ لم يكن كل هذا إلا تهيئة لأمور حقيقية . كان يستمر تأهيل رجل "الشاباك" حينذاك حوالي عامين . و أيقنت توقّعي تجارب غير قليلة طوال مساري هذا ، لكنني كنت مصمّماً على الاستمرار بالدرب الذي بدأت . أحببت ما كنت أفعل و كنت أشعر بأنني أحمل رسالة تتعزّز من يوم إلى آخر .

أحببت في تلك المرحلة ، كان اسمها يعيل و هي من عائلة يمينية متشعبة ، تعمل مدرّسة ، و ترعرعت مثلي في نتانيا ، و كان لدى شركة "إل - عال" طلب كبير على مضيفات من أصلٍ يمني ، إذ بدت اليمنيات بنظر الشركة أكثر جاذبية من الأخريات . تركت يعيل التعليم و أصبحت مضيفة . كان واضحاً لكلانا بأننا سنتزوّج ، و قرّرنا الإسراع بالإجراءات ، خصوصاً بسبب ظروف حياتي القاسية في "الشاباك" . كنت و بصورة عامة وحيداً في الميدان ، بعيداً عن يعيل ، و كنت أتوجّه إلى المنزل فقط في أحيانٍ متباعدة .

عندما عرضت يعيل على والدتي استقبلتها بترحاب ، و أمر واحد فقط أثار قلقها : كيف سيتمكّن ابنها ، وحيدها سليل عائلة بولندية على التعوّد على تناول الأطعمة اليمنية ؟ .

نصبت عريشة العرس في ساحة منزل والدي في حزيران عام 1967 ، بعد أسبوعين من حرب الأيّام الستة ، و حضر الحفل أفراد العائلتين و عدد قليل من الأصدقاء . وصلت من هضبة الجولان تقريباً في اللحظة الأخيرة و بأعجوبة . كنا نعمَل و على دوران الساعة في الأسابيع الأولى بعد الحرب . و أجرى احتفال التقديس حاخامان ، يمني و أشكنازي . و عزفت فرقة طلابية و رقصوا و غنّوا و كانت الفرقة كبيرة ، سافرنا لقضاء شهر العسل في الولايات المتحدة و عدت لعملي في "الشاباك" .