الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

حيوان بري يعشق حريته

 

كمرحلة أخرى من تأهيلي المهني أرسلت إلى الدورة الأساسية للجهاز ، التي عقدت في عريشة خشبية في مقر وزارة الدفاع "هكريا" (الضاحية) في تل أبيب و هناك التقيت للمرة الأولى مع من أسهم أكثر من أي شخصٍ آخر في قولبة شخصيتي كرجل "شاباك" . كان اسمه يهودا أربيل ، المرشد الرئيسي للدورة و قائدي المباشر في وقتٍ لاحق من خدمتي في "الشاباك".

كان نموذجاً رمزياً جداً ، رجلاً وسيماً بروح بوهيمية ، شجاعاً ، عيناه فولاذيتان و ذا نفسٍ رومانسية ، مقدسياً عريقاً ، و متنزهاً مجرّباً ، دعامة أي حفل و عاشقاً للنساء و النبيذ . كان أربيل رجلاً يثير الانطباع ، خشناً يمتلك الحكمة و فهم النفس البشرية ، و قد رأيت فيه نوعاً من الأب الروحي ، المرشد و القائد الذي يركن إليه في شقّ الطريق الصحيح أمام الخاضعين لإمرته . و كانت بطاقات التقدير التي أرسلها لي خلال سنوات عملنا المشتركة أهم من أي وسامٍ رسميّ .

و بفضل يهودا أربيل كانت الدورة الأساسية مثابة خبرة روحية حقيقية ، فقد علّمنا كل ما كان يتوجّب علينا معرفته في هذه المرحلة عن العمل الاستخباري ، المتابعة و المراقبة . كما استمعنا منه إلى تفاصيل مروّضة عن عمل وكالات الاستخبارات الأجنبية .

لقد اعتاد على مقابلة الأشخاص الذين يجنّدهم للشاباك في مقهى "فتير" في "المستعمرة الألمانية" في القدس ، خلف غابة من نباتات "الغرانيوم" البرية و الصبار . و كان هناك من ادعى أنجون لاكارا استخدم في كتابه "الطبالة الصغيرة" أربيل كمصدر إيحاء لوصف رجل خدمات الأمن (الإسرائيلية) الذي يلتقي مع عملائه في مقهى مقدس . و لم يكن هناك أشخاص يختلفون أكثر في طابعهم منه و من أحيطوف .

كان أربيل غير روتيني و لا مؤسساتياً ، مبدعاً بصورة غير عادية ، هائجاً و لاذعاً . فيما كان أحيطوف بالعكس تماماً رجل مؤسسة يحافظ على القانون حتى أدق التفاصيل ، محافظاً متواضعاً و منغلقاً .

ولد أربيل عام 1920 في هنغاريا و اسم عائلته الأصلي "فارغو" و قد هاجر إلى البلاد عام 1941 و كان عضو كيبوتس لبعض الوقت . تجنّد في الحرب العالمية الثانية للجيش البريطاني و خدم في إيطاليا . و عشية حرب (الاستقلال) عاد إلى البلاد و قاتل في منطقة القدس .

تجنّد عام 1949 للشرطة و عالج فيما عالج شؤوناً انطوت على حساسة سياسية ناجمة عن تقسيم المدينة بما في ذلك ترتيبات المرور في بوابة مندلبوم ، و في عام 1958 انضم إلى "الشاباك" و بعد شهرين التقى مع آيسر هرئيل المكلّف بشؤون الأمن العام . و قال هرئيل في نهاية اللقاء "هذا أفضل عملية شراء لنا هذا العام" .

كان أربيل رجل مبادىء ، و قد تمسّك بها بدون حلول وسط ، كما علّمنا نحن الخاضعين لإمرته كي نفعل ذلك . و قد اعتاد على أن يقول لنا : "لا تقبلوا أبداً أوامر بدون تفكير و لا تتراجعوا بسبب آراء المسؤولين عنكم إذا كنتم واثقين بمصداقيتكم ، و اعرفوا كيف تقاتلون عن حقيقتكم" . و قد ذهب بعيداً في دعم رجاله و خلَق لهم بيئة مشبّعة بالأمان مما سهّل عملهم ، و كان تعامله مع الناس وحيداً من نوعه . أولاً اعتاد أن يصرخ عليك سواء كان هناك سبب أم لا فتقف أمامه و هو يصرخ بقوة لتشعر أنك مهان و ذليل . و بعد عدة دقائق كان يصمت و يخرج زجاجة "براندي" من الجارور و يصب لك كأساً و يشرع بالحديث كشخصٍ عادي .

و مع اندلاع حرب الأيام الستة كان أربيل يشغل منصب قائد لواء القدس ، و بعد الحرب أضيف إلى نطاق صلاحياته الجزء الشرقي للمدينة أيضاً و جميع الضفة الغربية . بادر إلى عمليات و أقام مذهب قتال دقيق في مواجهة (الإرهاب) و اخترع أساليب عمل كثيرة في هذا الشأن أصبحت جزءاً مهماً في روتين عمل الجهاز . لم يتحدّث العربية و لكنه اعتاد على استخدام الكلمات و التعبيرات العربية التي كان يستوعبها ، و قد أثارت الطريقة التي قام بها بذلك ضحك المحيطين به و كان مصدراً لعمليات تقليد لانهائية ليست أقل إثارة للضحك . و في إحدى المناسبات أصر على أن يلقي خطاباً بالعربية أمامنا ، و قد سجّلنا له كلّ الخطاب بأحرف عبرية فقرأه دون خجلٍ بلكنة هنغارية ثقيلة و ارتكب كلّ الأخطاء الممكنة . و روى من عمل معه في نهاية سنوات الستينيات أنه لم تكن واضحة دوماً السياسة التي رسمها بشأن عمل "الشاباك" في قطاعه ، و تحدّث رجاله عن عملياته التي "كانت أحياناً مجنونة و أخرى غريبة" ، و قد رأى الجنرال (احتياط) رفائيل فاردي قائد الضفة حينئذ ذلك بشكلٍ واضحٍ و قال : "كان لأربيل توجّهٌ ليبرالي و متسامح تجاه عرب المناطق ... و قد شارك في تحديد قواعد اللعبة مع السكان ، تلك القواعد التي تصمد حتى اليوم" .

و في مذكراته التي وضعها على مدى ثلاثين عاماً كتب أربيل في كانون الأول 1968 : "ما هي عملية الرد المرغوبة ؟ المس بقلب منظمات (التخريب) ، بهيئاتهم القيادية ، يجب أن نكون مؤهلين للنزول إلى هيئة قيادية لمنظمة و أن "نرفع" كلّ من يوجد هناك ... إن تصفية أبو عمار (عرفات) تشكّل شرطاً لإيجاد حلٍّ للقضية الفلسطينية" .

و قد غيّر أربيل رأيه في وقتٍ لاحق و توصّل إلى نتيجةٍ بأنه من غير الممكن التوصل إلى أي اتفاق مع الفلسطينيين دون مشاركة عرفات .

كشف و اعتقل آلاف (المخرّبين) الكثيرين منهم قبل أن ينفذوا عمليات في (إسرائيل) . و بالمقابل لم ينجح في منع عدة عمليات قاسية في القدس بينها الانفجارات عام 1968 في "السوبر سول" و في سوق محنيه يهودا و في كافتيريا الجامعة العبرية .

و في بداية 1972 اتضح له أنه لن يعيّن رئيساً للشاباك رغم توقعاته ، و كان المرشح الحقيقي للمنصب إبراهام أحيطوف الذي اختلف مع أربيل في نهجه مراراً . و يدعي مقرّبو أربيل أن آراءه و أساليب عمله غير الروتينية و ربما شخصيته البوهيمية هي التي سدّت الطريق أمام ترقيته . أرادت الحكومة شخصاً "راسخاً" أكثر لمنصب رئيس الشاباك و اعترف أربيل بنفسه قائلاً : "كنت نعجة سوداء" . و كان حينئذٍ في الثانية و الخمسين من عمره ، نظره ضعيف و يحيط به شبان طموحون جنّد جزءاً منهم و رباهم بنفسه ، كان أحد هؤلاء رؤوبين حزاق الذي لولا قضية "الخط 300" لكان قد عيّن كما يبدو في نهاية المطاف رئيساً للجهاز .

قرّر أربيل الاعتزال قبل أن يصبح عبئاً ، و كتب في مذكراته : "تركت مملكة لأنني آمنت بمبادىء وجوب معرفة موعد إخلاء الكرسي" . و بعد ذلك بوقتٍ ما كتب عن نفسه أموراً تمس شغاف القلب :

"كنت في غالبية حياتي و ما زلت ذئباً وحيداً . ذئب - لأنني كنت مستعداً دائماً للنضال من أجل معتقداتي حتى إذا كان عليّ أن أقف وحيداً أمام الصعوبات . و لأنه لم يكن لي في غالبية حياتي شريك فقد كنت وحيداً .. لا أعتقد أن لديّ الكثير من الأصدقاء ، ربما واحد أو اثنان و كانت لي قصص حبّ رائعة و لكنها لم تستمر إلى الأبد .. إنني أشبه حيواناً برياً يحبّ حريته ، جوهر حياته هو التجوال بعيداً هائماً على وجهه و متنقلاً من مكان إلى آخر ، إذا لم يكن جسدياً فعلى الأقل بالمفهوم النفسي . إنني أعتقد أن هذا هو التفسير لانعدام قدرتي على بناء صداقات طويلة أو علاقات حساسة لفترة طويلة ، و لكن الآن و فيما أسير نحو الشيخوخة فإنني أشعر أكثر فأكثر بالحاجة إلى عزوة الحب و المودة . و بين حين و آخر أكون مكتئباً بلا روح قريبة و ثابتة أستطيع الحديث معها بدون حواجز و أستطيع الركون إليها و بها أكون قادراً على الإيمان" .

"عندما أحبّ فإنني أحبّ بقوة إلى درجة الاستعداد للتضحية بموضوع حبّي من أجل الحب نفسه .. لا أعرف أن أكره .. أنا إنسان مستقيم ، مثالي و لا أعداء لي" .

"إنني أخشى التفكير بأنه ستكون هناك نهاية لكلّ ذلك . و لا يزال لديّ الكثير من الأمور للقيام بها ، الكثير الكثير من الاأمور التي لم أفعلها بعد .. إنني أخشى من المرض و أخشى أن أكون مرتبطاً بآخرين . 

 

أريد أن أواصل أكثر فأكثر ،

أريد أن أرى و ألا أكون أعمى ،

أريد أن أسمع و ألا أكون أطرشاً ،

أريد أن أحب و أن أكون محبوباً ،

أريد أن أحكي حكايات و أسمع حكايات ،

أريد أن ألتقي الناس ،

أنا عاشقٌ للجمال و أريد أن أكون جزءاً منه ،

أنا عاشق للحياة و أريد أن أكون جزءاً منها ."

 

و قد مرّت عليه السنوات العشر التالية دون كثير فرح ، و عمل في "شركة ليسرائيل" و وجد نفسه وسط الفوضى المحيطة بقضية الاختلاس الخاصة بميخائيل تسور . و قد خرج بنفسه نظيفاً معدوماً حتى النخاع و كتب في يومياته : "أفضّل أن أقود سيارة قمامة على أن أعمل في هذا المكان" ، و تألّم مما بدا له أيضاً كتدهورٍ اجتماعي و سياسي و اقتصادي لـ (إسرائيل) .

و كتب : "إنني أغلي و أتفجّر حقاً .. و لا أعرف ما يمكن فعله بالضبط لإنقاذ هذه الدولة التي حلمت بإقامتها منذ أن كنت طفلاً ، هناك لحظات توجد فيها حوافز لديّ لإلقاء قنبلة يدوية داخل كلّ هذه القذارة ... أريد أن أفعل أمراً ما ... و السؤال ما العمل ؟" .

و بعد وقت قصيرٍ في أواخر عام 1976 انضم إلى مجموعة التفت حول يغئال يادين و وصلت معه إلى "داش" . و في ذلك الوقت بدا لأربيل أن هذا الانتظام السياسي سيؤدّي إلى إنقاذ الدولة فأخلَصَ له بحماس إلى درجة أنه كان مستعداً ليكون سائق يادين . و تعود خيبة الأمل التي منِيَ بها بعد ذلك إلى أسبابٍ لم تكن مرتبطة به بالطبع و إنما بأوبرا أخرى .

و في أوقات عطلاته أدار شبكة فنادق و فقد بسرعة قدرته على الإبصار و لكنه أصرّ على التصرّف كما لو أن كلّ شيء على ما يرام و واصل قيادة سيارته رغم أانه لم يكن يرى جيداً فصعد على جزيرة و بأعجوبة لم يصب .

و قبل عامين على وفاته أصيب بسكتة دماغية و مكث في مستشفى "هداسا" في عين كارم ، و بعد ذلك انتقل إلى قسم التأهيل التابع لهداسا في جبل سكوبس . و في غرفة مقابلة كان يرقد السفير شلومو أرجوب الذي أصيب في هجوم (مخرّبين) في لندن بمطلع عام 1982 و وفّرت إصابته الذريعة المباشرة للأحداث التي أدّت إلى اجتياح الجيش (الإسرائيلي) للبنان . زرت أربيل في أوقات متقاربة و أسفت لرؤية خبو الرجل القويّ ، الوسيم و البوهيمي ، الذي أحبّ الحياة و العمل في "الشاباك" . و من كان يبث الثقة و الصلاحية في كل اتجاه يجلس الآن عاجزاً في قسم التأهيل بحاجة إلى الممرضات .

صارع دون توقّف الذاكرة التي خانته و انشغل في استذكار كلّ العمليات التي بادر إليها أو شارك فيها و حاول تذكر أسماء كلّ العملاء الذين كانوا على اتصالٍ معه ، و عندما كان ينسى تفصيلاً معيناً ، و كان هذا يحدث مراراً ، كان يُلمّ به الغضب و يتصل بي حتى إذا كانت الساعة الثانية أو الرابعة فجراً و يطلب معرفة ما نسيه . في نهاية كلّ أسبوع كانوا ينقلون يهوداً من المستشفى إلى فندق بلازا و هناك أيضاً أكثرت من زيارته . و كنت أكتشف مراراً أن ملابسه تمزّقت أو أصبحت رثة فأحضر له قطعاً من ملابسي . و هناك في غرفة الفندق اعتنى به بإخلاص منقطع النظير شابان عربيان من سكان بيت صفافا كان أربيل قد تعرّف على والدهما ، الذي عمل نادلاً في بارِ فندق الملك داود في القدس ، خلال زياراته الدورية في المكان حيث اعتاد على شرب كأس بعد يومٍ عمل شاق . و تولّدت بين أربيل و العربي علاقات صداقة وثيقة و عندما احتاج إلى مساعدة كان العربيّ تحديداً و ليس أيّ واحدٍ من أصدقائه اليهود هو الذي أرسل ابنيه لرعايته في أواخر أيامه . توفيّ يهودا أربيل في أيلول 1984 و ورّثني في وصيته مسدسه الشخصي ، و أحافظ على هذا المسدس كأحدِ الهدايا الأكثر إثارة التي تلقّيتها في حياتي .