الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

العربي الذي أنقذَ حياتي

 

الواقع الذي نجَمَ عن حرب الأيّام الستة وضع جهاز الأمن على أعتاب عهدٍ جديدٍ دون منحه مهلة كافية للاستعداد بشكلٍ ملائم لذلك . كان سكان قطاع غزة و يهودا و السامرة ما زالوا تحت وقع صدمة الاحتلال (الإسرائيلي) ، و لكن كان واضحاً للجميع أنه عندما ستزول المفاجأة قد تتولّد مشاكل أمنية خطيرة .

و لم يكن هناك شكّ على أية حال بأن الجهاز يجب أن ينظّم صفوفه بسرعة قصوى حتى يمنع إقامة بؤر مقاومة . و لم يكن احتياطي القوة البشرية "للشاباك" الذي كان مقلّصاً جداً حتى ذلك الوقت مؤهلاً للاستجابة لهذه الاحتياجات . و لمواجهة هذه الثغرة تم البدء بتجنيد عاملين قدماء مجدداً ممن اعتزلوا الخدمة في الجهاز .

و بموازاة ذلك اضطر "الشباك" إلى استعارة مهنيين من صفوف "الموساد" و لكن الإضافة المهمة جداً ساهمت فيها عمليات التجنيد الواسعة لعاملين جدد – شبان غالبيتهم كانوا من خريجي وحدات مقاتلة في الجيش (الإسرائيلي) . و خلال فترة زمنية قصيرة راكم "الشاباك" قوة كبيرة و ازدادت أهميته في أوساط أذرع الأمن المختلفة .

و كمرحلة حتمية في طريقي إلى المناطق أُرسلت لتقوية إلمامي باللغة العربية في معهد تابع للجهاز أقيم في بيت ضيافة في أحد التجمعات السكنية قرب القدس .

تعلّمت هناك سوياً مع رجل ميداني قديم هو جدعون عزرا ، عضو الكنيست اليوم من حزب الليكود . و كان أحد المتعلّمين المشاركين شاباً سريع الحركة مرحاً ، مظلياً سابقاً تم تجنيده "للشاباك" و انسحب خلال الدورة . و بعد سنوات طويلة قرأت في إحدى الصحف عن شهرته الجديدة : رئيس محكمة العالم السفلي .

كانت دراسة العربية في المعهد مكثّفة جداً و تعلّمنا عموماً منذ ساعات الصباح الباكر حتى بعد منتصف الليل . و عندما كنا نغرق في مواضيع معقدة على نحوٍ خاص ، و كان هذا يحدث في أوقات متقاربة ، فإن جفوننا لم تر النوم طوال ليال . و في نهاية كل أسبوع كان يُجرى امتحان إجمالي كنا نستعد له بقلقٍ كبير مثل طلاب الثانوية عشية امتحانات "البجروت" .

تعلّمنا العربية الفلسطينية و وفّروا لنا لهجات قروية و مدينية و تعرّفنا على العادات و التقاليد و كنا نستمع إلى بث الراديو من الدول العربية و قرأنا صحفاً عربية بمستويات مختلفة ، كما علّمونا قراءة الخط اليدوي .

كان لذلك أهمية خاصة لأن مركزي "الشاباك" يعتادون على تلقّي مادة استخبارية كبيرة بخط أيدي العملاء العرب في الميدان ، و عليهم أن يقرأوا كلّ ما هو مكتوب بسرعة و أن يفهموا عن ماذا يدور الحديث قبل أن تنقل المادة للترجمة المهنية و تُنقل بعد ذلك إلى وضعها في "الديسك" الملائم .

و قد تمّ تأهيلنا لتحليل الخط اليدوي بأحرف كبيرة و صغيرة ، بشكلٍ مائلٍ أو مبعثر ، و تعلّمنا معرفة أنه كلما كان مستوى تعليم العميل أقلّ كلما كان خطه اليدوي أقل قابلية للقراءة عموماً .

بدأ المعهد في أواخر عام 1967 بعد أن كان الكثيرون من مركزي "الشباك" قد عملوا في المناطق حوالي نصف عام و راكموا خبرة ملحوظة هناك . و عندما كانوا يأتون للمحاضرة أمامنا تحدّثوا لغة عربية ثرية بطلاقة كأنها لغتهم الأم و أظهروا معرفة مدهشة لكلّ العادات و آداب المعاشرة العربية .

و قد علّمونا من خبرتهم كيف يمكن استمالة عميلٍ محتمل و كيفية استجواب عميل و بأية وسائل يمكن معرفة أنه يقول الحقيقة .

جميعنا ، نحن طلاب المعهد ، تحدّثنا و كتبنا و فكّرنا بالعربية ليل نهار ، و على مرّ السنوات اكتسبت الكثير من طريقة التفكير و العادات العربية . و من السهل فهم ذلك ، فتأهيلي المهني و عملي المتواصل في أوساط  السكان العرب تركا بصماتهما الواضحة عليّ . تحدّثت العربية لسنوات طويلة أكثر من العبرية إلى درجة أن أحلامي دارت حول نقاء هذه اللغة.

اعتدت قراءة صحيفة عربية مع فنجان قهوة الصباح و حدث أكثر من مرة أنني عندما كنت أدعى لإلقاء محاضرة بالإنجليزية أمام رؤساء أجهزة سرية و وفود أجنبية كنت أجد نفسي و قد انتقلت فجأة للحديث بالعربية .

أتذكّر المعهد بصورة إيجابية باستثناء أمر واحد : الطعام . فقد كنا شباناً ذوي شهية صحيّة و الوجبات التي قدّمت لنا على نمط التواضع الذي يشتهر به "الشاباك" كانت ضعيفة جداً ، و قد اختار جدعون عزرا و أنا عدم التزام الصمت إزاء ذلك و أضربنا عن الطعام أمام غرفة يهودا أربيل الذي كان بحكم منصبه كقائد للواء  القدس و منطقة يهودا و السامرة مسؤولاً عن المعهد أيضاً . و قد فعلت عملية احتجاجنا فعلها فتم زيادة كمية الطعام و تحسينه .

و فيما بعد ، في 1974 ، و بوجوده خارج الجهاز ساعد أربيل في إنهاء تمرّدٍ أخطر بكثير ، الذي يذكره قدماء "الشاباك" كتمرّد المركزين . و قد حدث هذا عندما توجّه عاملو الميدان في لواء القدس و يهودا و السامرة – مركزون و محقّقون – بشكلٍ منظم إلى قائدهم إسحاق و طلبوا منه تحسين شروط تشغيلهم ، و كمثالٍ فقد تطرقوا فيما تطرّقوا إليه إلى عاملي قسم الجمرك الذين يتمتعون بعلاوة كسوة ، فردّ عليهم إسحاق بغضب : "إذاً اذهبوا للعمل في الجمرك !" و رفض كلّ مطالبهم .

و عندما تفاقم التوتر و وصل العاملون إلى طريق مسدود توجّهوا إلى أربيل – الذي كان قد اعتزل ، كما ذكر ، من الجهاز – و طلبوا منه مساعدتهم في الخروج من الورطة . استجاب لهم و بوسائل لطيفة ممزوجة بحزمٍ أسهم في إنهاء القضية و تحديداً ليس حسب توقّعات أولئك الذين طلبوا مساعدته .

خرج العاملون بأيدٍ فارغة و حظرت الحكومة في أحد الأنظمة الخاصة أي نوعٍ من انتظام العاملين في "الشاباك" .

أنهيت المعهد في شباط 1968 بشعورٍ من الفخر الكبير و حصلت على علامات عالية في اللغة العربية أدباً و محادثة ، و لكن ما كان مهماً أكثر في نظري هو أنني و بعد عامين من الدورات و فترة تلمذة حظيت في النهاية بمكانة عامل دائم في الجهاز .

تم توزيع الخريجين في كلّ ألوية "الشاباك" و غالبيتهم وجدوا أنفسهم في المناطق و كذلك أنا ، و قد أرسلوني إلى قيادة "الشاباك" في نابلس و بوصولي إلى هناك تلقّيت رزمة المعدات الثابتة لرجل "الشاباك" : مسدس شخصي – أف إن 9 ملم ، حقيبة إسعاف أوليّ تضمنت رابطاً لإغلاق الشرايين و ضمادات و أدوية ، و ملابس عسكرية (في تلك الفترة لبسنا دوماً زيّ الجيش (الإسرائيلي) مع رتبة تمثيلية) .

في البداية كما قلت وضعت رتبة رائد و لقّبني العرب بـ "كابتن يعقوب" و فيما بعد حصلت على رتبة مقدم فتحوّلت إلى "ميجور يعقوب" . و قد وضعت تحت تصرّفي سيارة "كرمل" يتكوّن هيكلها الداخلي من "فيبر غلاس" صلب و كانت سيارات مشابهة حينئذٍ توضع تحت تصرف ضباط في الجيش .

لم تنجح لوحات التشخيص المدنية التي تم تركيبها للسيارة في تضليل السكان حيث إن هوائيّ الاتصال الذي ارتفع من منتصف السقف كشف فوراً حقيقة أن الذي يقودها هو رجل "شاباك" . و لمنع ذلك أزيل في النهاية ذلك المؤشر التشخيصي البارز و تم ملاءمة هوائي الراديو لاستخدامه أيضاً لشبكة الاتصال . و لكن المشكلة لم تحلّ بذلك كلياً فعندما تقترب إلى السيارة كنت تستطيع بسهولة ملاحظة "الندبة" التي خلفها هوائي الاتصال في سقف "الفيبر غلاس" و أن تخمّن دون صعوبة لمن تكون هذه السيارة .

استقرت مكاتب "الشاباك" في مبنى خصصه الأردنيون ليستخدم كمستشفى ، و لكن بناؤه توقّف مع اندلاع الحرب . و قد ضمّ طاقمنا ثلاثة أشخاص فقط : فاردي عيني رجل الموساد الذي أعير "للشاباك" ، و باروخ كوهين الذي كان روحاً استخبارية لامعة و أنا الشاب في المجموعة .

باروخ كوهين شخص قصير القامة ، نحيف ، سريع و ثاقب الفكر أكسبني نظرياً و عملياً كل ما لم أستطع تعلمه في الدورات . عاش و تنفس استخبارات و تحقيقات و ملاحقات و كان ضليعاً في العادات العربية ، تحدث العربية بطلاقة و كان مؤهلاً لأن يشتَمَّ (مخرّبين) عن بعد . و قد عرف جيداً المنطقة و من يعمل فيها و كان يمتلك الكثير جداً من الوسائل الذكية لانتزاع معلومات حيوية ممن يخضعون لتحقيقه .

لقبوه "سامبو" بسبب لونه الأسمر ، و كان من الجيل الخامس في البلاد ، ابن لعائلة هاجرت من المغرب . شغل جد والده الحاخام إبراهام كوهين منصب الحاخام الرئيسي لحيفا في عهد الحكم التركي ، و كان فارق السن بيننا حوالي عشر سنوات .

كان باروخ متزوّجاً من نوريت ابنة إيليت هشاحر ، و كان له أبناء . كان ربّ أسرة لامعاً أكثر من الحديث عن زوجته وأبنائه و احتفظ دائماً بصورهم في محفظته و كان فخوراً بعرضهم . تصادقنا بشكلٍ وثيق و خرجنا مراراً للعمل سوياً في الميدان ، و مع مرور الأيام و في بداية 1973 خلال وجوده في مهمة من الموساد في أوروبا اغتاله عربيّ في شارعٍ مزدحم في مدريد .

كان فاردي عيني أيضاً محترفاً مهنياً ، أكثر انطواءاً على نفسه من باروخ ، و لكن ليس أقلّ أهلية منه . و قد علّمني كلاهما كلّ ما احتجت إليه حتى لا أضيع في هذا العمل الصعب بعد الحرب .

لم يكن مفترضاً أن يقوم "الشاباك" بالطبع بمعالجة شؤون تجمّع سكاني يضم أكثر من مليون فلسطيني وجدوا أنفسهم بين عشية و ضحاها تحت حكم دولة (إسرائيل) . و لم يتم تأهيل الأشخاص بما يكفي و لم تكن هناك أنظمة عمل واضحة ، و لم يحدّد ما هو مسموح و ما هو محظور ، و مع ذلك كان هناك أمر واحد واضحاً جداً : كان علينا إيجاد عملاء و مصادر أخرى و إقامة اتصال مستمر معهم و جمع معلومات استخبارية من أجل منع و صدّ و تحييد انتظامات (مخرّبين) و عمليات و كشف مخازن الوسائل القتالية و الاهتمام بعدم تمكّن أوساط معادية من التسلّل إلى (إسرائيل) .

في نفس الفترة نجحت منظمات (المخرّبين) في تنفيذ عدة عمليات أسفرت عن الكثير من الضحايا في سينما "مركاز" بتل أبيب و ساحة صهيون في القدس . و لفّ الدولة شعور قاسٍ بالعجز و الارتباك .

تم تعييني مسؤولاً عن عشرات القرى و عدة مخيّمات لاجئين في منطقة ريفية كبيرة امتدت من نابلس حتى رام الله و بدأت العمل من الصفر : لم يكن هناك عملاء في المنطقة و لا مصادر معلومات أخرى . و كان يجب تجنيدهم و لم يكن ذلك مهمة سهلة .

أحد المجمّعات التي انتزعنا منها عملاء محتملين كان قائمة السكان الذين طلبوا امتيازات مختلفة من الحكم العسكري . دعَوناهم إلى مقابلات في مكاتب الحكم العسكري – كما لو أن ذلك لغرض المسألة التي توجّهوا بشأنها – و حاولنا خلال الحديث أن نعرِف إذا ما سيوافقون على العمل من أجلنا ، و قد ردّت غالبيتهم الساحقة بالرفض أو تهرّبوا بذرائع مختلفة .

أبلغت في يوم خماسيني في ذروة الصيف أن أحد القرويين الذي عاش في منطقة مليئة بـ (المخرّبين) يطلب تصريحاً للمتاجرة داخل الخط الأخضر ، استدعيته إلى مقابلة و عرضت عليه التعاون و قد وافق فوراً تقريباً . و اتفقنا على أن نعود و نلتقي في مكانٍ سريّ ليس بعيداً عن قريته حيث كان يفترض أن يحضِر إلى هناك المعلومات الأولى التي سيجمعها .

و عند المساء قبيل موعد اللقاء كنت أستعد للخروج إلى المنطقة برفقة حارسيّ الدائمين و هما مظليّان في الخدمة النظامية كانا يمكثان بمعيّتي طوال ساعات اليوم . و في اللحظة الأخيرة أبلغوني أن شخصاً ما لم يكن معروفاً بالنسبة لي يطلب الحديث معي بصورة عاجلة فسارعت عائداً إلى مكتبي و وجدت هناك قروياً متهيّجاً .

قال لي : "كابتن يعقوب ، أنا أعرف أن لديك لقاء هذا المساء مع ..." و ذكر اسم المخبر و وصف المكان الذي حدّدناه للقاء ، و حذّرني قائلاً : "لا تذهب . يوجد هناك (مخرّبون) يكمنون لك من أجل تصفيتك" .

سألته ما هو الذي حرّكه لتحذيري و قد بدا جوابه موثوقاً حيث ادعى أنه منذ وقتٍ طويل تسود علاقات كدرة على خلفية نزاع تجاريّ بينه و بين العميل الذي حاولت تجنيده ، و لهذا عندما سمع صدفة عن الكمين الذي يعتزِمون نصبه لي سارع لإبلاغي بذلك – ليس من أجل إنقاذ حياتي تحديداً و إنما بالأساس من أجل أن يُدخل خصمه إلى السجن لسنوات طويلة .

بقيت في نابلس و انطلقت قوة عسكرية إلى المنطقة فوراً و عند اقترابها من مكان اللقاء سمعت فجأة أصوات عيارات نارية و اتضح أن (المخرّبين) فتحوا النار على سيارة "مرسيدس" بيضاء يملكها عربيّ من سكان إحدى القرى في المنطقة مفترضين أنها سيارتي . حاصر الجنود المنطقة و اعتقلوا (المخرّبين) و العميل الذي غرّر بي ، و خلال التحقيق معه اعترف أن استعداده للعمل لصالحنا استهدف فعلاً نصب فخّ لي فقط .

كان هناك أيضاً متعاونون من نوع آخر ، غالبيتهم رغماً عنهم . و أقصد (المخرّبين) الذين اعترفوا خلال التحقيق معهم أنهم تدرّبوا في معسكرات "فتح" في سوريا (خاصة في معسكر الهامة) و في الأردن مع شبان من سكان المناطق و أنهم قادرون على تشخيصهم حسب منظرهم .

كنا نغطّي رأس (مخرّب) كهذا بواسطة كيس مثقّب في منطقة العينين و نجلسه في سيارة جيب تابعة لدورية "حروب" و نخرج للتجوال في أسواق نابلس . و كانت سيارة العمليات التابعة "للشاباك" تسير على بعد ما عن الجيب و تقيم معه اتصالاً لاسلكياً متواصلاً . و عندما كان (المخرّب) يشخص شخصاً ما تدرّب معه في حينه كان جنود "حروب" يبلغون رجالنا بذلك فيسارعون إلى إلقاء القبض على من يتم اكتشافه . و هكذا اعتقل و ألقي القبض على مئات كثيرة من (المخرّبين) أعضاء منظّمات مختلفة في أنحاء الضفة الغربية خلال عامي 1968 – 1969 .

سمير ، (المخرّب) ذو العلامة الفارقة منذ الولادة ، الذي تحدّثت عنه كان من أفضل عملائنا . و بعد أن اعتقل و وافق على التعاون ، فبركنا في عملية معقّدة هروبه من السجن و بفضله تم اعتقال خلايا (مخرّبين) الواحدة تلو الأخرى و أحبطت عمليات خطيرة و اعتقل مطلوبون اختبأوا فترة طويلة .

و حسب إرشاداتنا فقد تصرّف كمطلوبٍ بكلّ معنى الكلمة و "غطّى" لمدة ثلاث سنوات في خدمتنا أحد القطاعات الأكثر خطورة في المناطق . كان يمتلك ثقافة طبيعية عالية ، عرف المنطقة بصورة ممتازة و طوّر علاقات متشعّبة مع الكثير من السكان و لكن الأهم من كلّ هذا هو أنه حظيَ بثقة منظمات (المخرّبين) المطلقة .

كانت المعلومات التي يحضِرها لنا دائماً دقيقة بشكلٍ مدهش و كان يعرِف أين يختبىء (المخرّبون) و أين توجد مخازن الأسلحة و أية عمليّة يجري التخطيط لها . و حتى لا يشتبهوا به كنا نكثر من إجراء تفتيشات مفاجئة في البيت الذي سكنه و طبعاً اعتدنا على إبلاغه مسبقاً حول أي تفتيش كهذا حتى يستطيع مغادرة البيت . و أحيانا كنا نعتقل والديه و أفراداً آخرين من عائلته و كأننا نريد الضغط كي يكشفوا لنا أين يختبىء .

و للأسف فإنني لم أستطع أن أردّ له بالمقابل كما ينبغي ، فالمقابل الذي يقدّم للعملاء ينطوي على إشكالية عموماً ، فمن غير الممكن دفع مبالغ كبيرة لهم خوفاً من أن يؤدّي ثراؤهم المفاجىء إلى الاشتباه بهم من قبل المحيطين .

تلقّى سمير منا القليل جداً و لكننا كنّا نمنحه بسرورٍ كلّ ما يطلبه منا في إطار امتيازات غير لافتة للنظر ، و هكذا مثلاً ساعدناه حسب طلبه في شراء سيارة عمومية كانت مصدر رزقه .

و كقاعدة فضّلنا دائماً العملاء الذين يتلقّون راتباً على أولئك الذين يتطوّعون للعمل دون مقابل ماليّ . إن رفض الحصول على مالٍ يثير الشك بأن العميل ما زال يجد صعوبة في التسليم بحقيقة أنه يسلّم زملاءه ، و قد يتراجع أو حتى يتحوّل إلى عميل مزدوج .

و لا يشكّل قبول المال – سواء على قاعدة ثابتة أو مقابل كلّ معلومة ذات قيمة – مجرّد حافز ، فالمال يربط العميل بمشغليه و "يدينه" بحيث تصبح طريق التراجع بالنسبة له أصعب بكثيرٍ رغم أنها غير مستحيلة .

و كان هناك أيضاً عملاء ساعدونا من منطلقات أيديولوجية و إن لم يكونوا كثيرين . و يدور الحديث عن أشخاصٍ اعتقدوا أنهم يقومون بذلك بخطوة بين كلا الشعبين . و قد اعتادوا على تسليمنا فقط المعلومات التي تضمّنت كما اعتقدوا ما يخدِم هذا الهدف و ليس أي أمرٍ آخر . و كان من مميزاتهم الأخرى رفضهم الشديد للحصول على مالٍ حتى لا يتحوّلوا إلى خونة في نظر أنفسهم .

من الصعب ، و إن يكن من غير المستحيل ، أن تعرف مسبقاً إذا ما كان العميل الذي جنّدته سيبقى مخلِصاً لك على مدى الأيام . و لكن هناك طرق مختلفة لاختبار مصداقيته . و تدعى هذه الطرق "مهام اختبار" . و على سبيل المثال يتمّ تزويد العميل بمغلّفٍ مختوم و يطلب منه إيداعه في حانوت معيّن في القصبة حتى يأتي شخص آخر ليأخذه من هناك فيما بعد . و يعرِف العميل أن من الصعب على رجل "الشاباك" أن يصل بنفسه إلى هناك دون أن يثير الانتباه ، و لهذا لا يوجد أي سببٍ لأن يشتبه في أنهم يقومون باختباره ، و لكنه لا يعرِف أن الذي يشغّله اهتم بأن يعود المغلّف إليه بعد إيداعه في الحانوت .

و يكفي فحص سطحيّ للمغلف للوقوف على ماهية العميل ، فإذا ما فتح المغلف و ألصقه مجدّداً من الواضح أنه يجب عدم الوثوق به دون قيود .

لم أحاول إطلاقاً خلال مسار تجنيد عملاء و مصادر أن "أهوّدهم" ، و بكلمات أخرى لم أسعَ إلى تحويلهم إلى محبّين لـ (إسرائيل) و اعتمدت دائماً طريقة إقناع الند للند . و قلت لهم إنني أفهم الدوافع الأيديولوجية للفلسطينيين و لنا نحن (الإسرائيليين) أيضاً هناك دوافع كهذه مرتبطة بأرض (إسرائيل) و طالما أننا نحارب كجنودٍ مقابل جنود فإن ذلك صراع شرعيّ و لكن لا أحد يمتلك حقّ قتل نساء و أطفالٍ باسم أي أيديولوجيا . و أكّدت دائماً أنني موجود هناك لمنع قتلٍ كهذا و أنهم يستطيعون مساعدتنا – و مساعدة أنفسهم – بأن يضعوا حداً لقتل الأبرياء .

 أحد العملاء البارزين الذين جنّدتهم في تلك الفترة كان شيخاً محترماً في أحد مخيمات اللاجئين الكبرى ، قدّم طلباً للحكم العسكري للسماح لزوجته بالحصول على علاج لدى طبيبٍ نسائي في مستشفى هداسا بالقدس ، و لم يكن مثل هذا العلاج ممكناً في نابلس و لا في الأردن .

استدعيته إليّ بدعوى مناقشة موضوعه ، و حاولت استيضاح ما إذا كان مستعداً للعمل من أجلنا . و قد بهّر جوابه السلبيّ بآياتٍ من القرآن و قال بغضبٍ إن مساعدة الكفار تتناقض مع قوانين الإسلام و لذلك فإنه لا ينوي بأي شكلٍ الاستجابة لاقتراحي ، و دون أن ينتظر ردّي نهض و ترك الغرفة .

و مع ذلك أمرت بمنحِ زوجته تصريح خروج إلى مستشفى هداسا و لم أره لوقتٍ طويل . و في أحد الأيّام وصل فجأة إلى مكتبي و طلب أن يتحدّث معي ، فاستقبلته فوراً . أكثر من الثناء على الأطباء (الإسرائيليين) و طلب أن أنقل لهم الشكر منه و من زوجته . سألته إذا ما فكّر مجدّداً باقتراحي . أجابني قائلاً : "فكّرت كثيراً بذلك .. أوافق على مساعدتكم بشرط أن تضمن لي أمراً ما" . كنت مستعداً أن أضمن له كلّ شيء تقريباً .

فقال : "أريد ضماناً واضحاً بأن تستخدم المعلومات التي أحضرها لك فقط إذا كانت تساعد في إنقاذ حياة أطفال و نساء" . و تعهّدت له بأن أستخدم فقط المعلومات التي تمنع مباشرة استهداف المدنيين .

ساعدناه على شراء شاحنة قديمة كان يسافر بها من قرية إلى أخرى و من مخيم لاجئين إلى آخر لبيع ملابس و تقديم عونٍ روحيّ و جمع معلومات لنا . و اعتدنا على الالتقاء في أماكن سرية مختلفة في المنطقة أو في شققِ لقاءٍ استأجرها "الشاباك" من أجل تشغيل عملاء و مصادر معلومات . و عندما استخدمنا المعلومات التي أحضرها كلّفنا أنفسنا بأن نوضّح له أننا بهذه الطريقة نجحنا في منع قتل أبرياء و قد وفّيت بتعهّدي و لم نتجاوز الحقيقة بذلك .

كان الشيخ يكتب تقاريره بخطّ يدويّ رائع ، و هذه التقارير أتاحت لي فرصة الإطلاع على صورِ تعبير مختلفة عن تلك التي اعتدت عليها . و كانت هذه صور تعبير مصدرها القرآن و مستويات مختلفة من اللغة العربية . فمثلاً لم يكتب الشيخ إطلاقا أن فلانا أو مجهولاً مشتبه بالانتماء لمنظمةٍ غير قانونية ، و كانت الصيغة الضبابية  الخاصة به على هذا النحو تقريباً : "هناك مجال للاستغراب حول كنه الصداقة بين فلان و علان اللذين اعتادا على الالتقاء تحت شجرة التين في مشارف القرية ..." .

كانت معلومات الشيخ على غرار معلومات رجال دين آخرين تعاونوا معنا مليئة بالرموز و رموز الرموز المخفيّة وراء السطور . و فقط الخبرة الطويلة على مدى سنوات في الاتصال مع المسلمين المتديّنين هي التي مكّنتني من فهم ما يقصِدون قوله بالسرعة المطلوبة .

و على غرارِ عملاء آخرين جازف الشيخ بحياته يومياً و كلّ لحظة . و كانت منظمات (الإرهاب) تسارع في  الضغط على الزناد عندما تنجح في اكتشاف عميل "للشاباك" ، و مصير كهذا كان متوقّعاً للشيخ لو اكتشف أنه يعمل لصالحنا . و كان هو نفسه يدرك ذلك بالطبع و لكنني لم أرَ الخوف في عينيه أبداً .

جاء شقيق زوجة عميلٍ ناجح آخر في أعقاب نشر خبرٍ في صحيفة تحدّث عن سائق سيارة عمومية في قرية في السامرة كان شاهداً على حادث طرق بين سيارتين (إسرائيليتين) ، جمع الجرحى في سيارته و نقلهم إلى المستشفى . و قد منحه الحكم العسكري شهادة تقدير و سلّطنا نحن الأنظار عليه . و كان عضواً في الحزب الشيوعيّ و وافق على العمل لصالحنا .

في بداية عملي في نابلس جنّدت طالباً ثانوياً للعمل لصالحنا و كان فتى مهذّباً جداً و ليس واضحاً لي حتى هذا اليوم دوافعه للتعاون معنا . و بعد وقتٍ قصير من بدء عمله شعر بندمٍ كبيرٍ و توجّه إلى أحد نشطاء "فتح" و اعترف أمامه رغم أن ما طرحه لم ينسجم تماماً مع الواقع .

ادعى أن "الشاباك" يحاول تجنيده و سأل عما يجب أن يفعله . لم يصدّق رجل "فتح" قصته و تم أخذ الفتى إلى مكان معزولٍ حيث عذّبوه هناك إلى أن كشَف كلّ الحقيقة ، و عندها صفّوه بعيارٍ ناري .

لم تقم منظمات (الإرهاب) دوماً بتصفية العملاء الذين كانت تكتشفهم ، و بلغتنا المهنية ندعو ذلك ازدواجية ، و أكثر من مرة عندما كنا نكتشف ذلك كنا نقنِع العميل المزدوج أن يتحوّل إلى عميل ثلاثيّ .

كنا نقول له : "سيقول لك (المخرّبون) ما الذي ستبلّغنا إياه و سنقول لك ما ستبلّغه لهم" . و ليس عبثاً أن تنتشر في أوساط استخبارات العالم مقولة إن جهاز الأمن يفشل عندما يصل عميله إلى حبل المشنقة ، و يكون ناجحاً بالمقابل عندما يستطيع تحويل العميل إلى عميلٍ مزدوج أو ثلاثيّ .

يجب على جهاز الأمن أن يفعل كلّ ما بوسعه حتى لا "يحترق" عملاؤه الجيدون . و قد كنّا نضطر أحياناً إلى التنازل عن عمليّة معيّنة خوفاً من أن تؤدّي إلى كشف العميل الذي زوّدنا بالمعلومات ، و يشبه الأمر إلى حدٍّ ما صحافياً يطلب الحفاظ على سرية مصادره و هو يعرِف أنه إذا ما نشر تفاصيل محدّدة فإنه سيكشف المصدر و لن يستطيع استخدامه ثانية ، و لهذا و بعد تردّد كبير قد يفضّل في نهاية الأمر استمرار العلاقة مع المصدر على النشر .