|
بنية حماس التنظيمية وقيادتها:[335]
في 18 أغسطس
1988 أصدرت حماس ميثاقها، وبدأت عملياتها العسكرية باختطاف وقتل جندي
"إسرائيلي" في فبراير 1989. وشنَّت القوات "الإسرائيلية" حملة شاملة
ضدها في مايو 1989 أدت لاعتقال معظم قيادتها، وعلى رأسها الشيخ
المؤسس أحمد ياسين. وتوالت حملات الاعتقال، لكن حماس كانت قادرة على
تقديم قادة جدد وعلى الاستمرار في أصعب الظروف. وتطور عمل حماس
العسكري، فأنشأت كتائب "الشهيد عز الدين القسام" في 1992 التي مثَّلت
جناحها العسكري الضارب. وشكلت عملية إبعاد 415 شخصاً معظمهم من
قادتها ورموزها ورجالها (نحو 380) علامة فاصلة، حيث نجحت حماس في
المعركة الإعلامية، واضطر الكيان الصهيوني إلى إعادتهم.
ونجحت حماس في
تطوير عملها في 1993، لكنها ووجهت باتفاق أوسلو، مما حرمها من فرص
النمو والتوسع. ولاقت مصاعب جمة بسبب ممارسات السلطة ضدها 1994 ـ
2000، لكنها ظلَّت محافظة على شعبيتها وحضورها السياسي وعلى عملياتها
النوعية القاسية ضد العدو الصهيوني.
ويظهر من خلال
أدبيات حماس أن لها عملاً مؤسسياً مبنياً على الشورى، لكنها تحرص على
عدم الكشف عن آلياته لأسباب أمنية. ولحماس مكتب سياسي يترأسه خالد
مشعل منذ 1996 وقد سبقه إلى هذا المنصب موسى أبو مرزوق وهو يتولى
الشئون السياسية للحركة وتمثيلها. كما أن لها مكتباً إعلامياً، فضلاً
عن الجهاز العسكري الذي يعمل باستقلالية شبه تامة عن الخطين السياسي
والإعلامي. ومن أبرز رموز حماس في الداخل في قطاع غزة مؤسسها ومرشدها
الشيخ أحمد ياسين، ود. عبد العزيز الرنتيسي، ود. محمود الزهار، وفي
الضفة الغربية جمال منصور، وجمال سليم، وقد استشهدا في 31 يوليو
2001، وجمال النتشة وحسن يوسف، وفي الخارج خالد مشعل، وموسى أبو
مرزوق، ومحمد نزال، وإبراهيم غوشة وغيرهم.
التأييد الشعبي:[336]
تحظى حماس
بتأييد شعبي كبير في الأوساط الفلسطينية. وعادة ما تحصل في
الانتخابات الطلابية والنقابات المهنية التي تشارك بها في داخل
فلسطين على معدَّل عام بحدود 40 ـ 45% من الأصوات. كما أن التيارات
الإسلامية المؤيدة لحماس تحظى بالشعبية نفسها أو أكثر في انتخابات
الطلاب والنقابات والمخيمات في الأردن. وحسب استطلاعات الرأي العام
التي تقوم بها جهات محسوبة عادة على م.ت.ف فإن حماس تحصل على 14 ـ
19% من الأصوات. ومن الصعب الركون إلى النتائج السابقة بسبب تشتت
الشعب الفلسطيني، وبسبب أن الانتخابات التي شاركت بها تمثل شرائح
معينة من الشعب، كما أن هناك ملاحظات على دقة مراكز استطلاعات الرأي
العام من حيث توجهها وتمويلها.
حماس والعمل العسكري:[337]
ترى حركة حماس
أن العمل العسكري هو خيار استراتيجي دائم، وتتعامل مع المعركة
باعتبارها معركة طويلة الأمد، ربما تتداولها الأجيال. وهي في مثل
أجواء التسوية السلمية وحالة استضعاف الأمة تسعى لإبقاء جذوة الجهاد
مرفوعة تعبيراً عن عدم التفريط بالأرض المقدسة. ولكن الذي عقَّد
الأمر في وجه حماس أنها أقبلت على الخيار العسكري حين أدبر الآخرون،
وسارت عكس التيار، لكنها على أي حال تمكنت من إثبات نفسها.
بدأت حماس
عملياتها باختطاف الجندي آفي ساسبورتس في 3 فبراير 1989 وقتله، عن
طريق جناحها العسكري "المجاهدون" بقيادة الشيخ صلاح شحادة، لكن سرعان
ما ضُرب هذا الجناح العسكري في مايو 1989 إثر الحملة الشرسة التي
قادتها سلطات الاحتلال. وتعزى بدايات تشكيل جناحها العسكري الحالي
"كتائب عز الدين القسام" إلى مايو 1990 حيث أخذت عملياتها تتزايد
وتشتد قوة وتأثيراً. وحسب إحدى الإحصائيات نفذت حماس سنة 1993 ما
مجموعه 138 عملية خسر الكيان الإسرائيلي حسبما أعلن بنفسه 79 قتيلاً
و220 جريحاً. واستشهد في 24 نوفمبر 1993 عماد عقل وهو أحد أبرز
قادتها العسكريين.
ومنذ سنة 1994
زادت صعوبات العمل الجهادي إثر دخول السلطة الفلسطينية إلى مناطق
الضفة والقطاع، ومع ذلك فإن الفعالية النوعية لأدائها قد تزايدت.
وقامت حماس بتنفيذ خمس عمليات قاسية انتقاماً لمجزرة الحرم
الإبراهيمي التي ارتكبها الضابط الإسرائيلي باروخ جولدشتاين في
المسلمين في أثناء تأديتهم لصلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي مما أدى
لاستشهاد 29 مسلماً وجرح أكثر من 300 آخرين (استشهد وجرح الكثير إثر
المواجهات التي أعقبت المجزرة). وتمكنت حماس في العمليات الخمس ـ
وحسبما ذكرته المصادر الإسرائيلية ـ من قتل ما مجموعه 39 إسرائيلياً
وجرح 158. وقد برز نجم يحيى عياش في تلك الفترة، الذي اعتبر مسئولاً
عن العمليات الاستشهادية التي اشتهرت بها حماس، حتى إن المحللين
الإسرائيليين اعترفوا أن "حماس قد صكَّت نماذج جديدة للإنسان
الفلسطيني وهم الاستشهاديون الجدد".
وفي يوم 5 يناير
1996 استشهد يحيى عياش، وقد ردَّت حماس بقسوة على استشهاده في الفترة
25 فبراير ـ 3 مارس 1996 مما أسفر عن قتل 45 "إسرائيلياً" وجرح 113
آخرين حسب المصادر الإسرائيلية التي تجنح دائماً للتقليل من خسائرها.
وقد أدت هذه العمليات إلى حملة شرسة منسقة لاجتثاث حماس تولتها
السلطة الفلسطينية والسلطات الإسرائيلية، كما استدعت عقد مؤتمر دولي
لما أسموه "مكافحة الإرهاب" بحضور زعماء الدول الكبرى وعدد من زعماء
العرب والعالم. لكن حماس تمكنت من استيعاب الصدمة حيث عادت للعمليات
العسكرية التي ظهرت بشكل واضح سنة 1997 وبرز في القيادة العسكرية محي
الدين الشريف وعادل عوض الله وعماد عوض الله الذين استشهدوا سنة
1998. وعندما اندلعت انتفاضة الأقصى كانت حماس اللاعب الأكبر في
العمليات الجهادية الكبيرة وخصوصاً الاستشهادية التي هزت الكيان
الصهيوني وأحدثت توازن ردع حقيقي لأول مرة. وقد كانت عمليات كثيرة
يصعب حصرها ومن أبرزها عملية سعيد الحوتري التي أدت إلى مقتل نحو 20
إسرائيلياً وجرح مائة آخرين.
حركة الجهاد الإسلامي:
شهدت سنة 1980
إنشاء حركة "الجهاد الإسلامي" في فلسطين، والتي قام بتأسيسها عدد من
الشباب الفلسطيني الدارس في الجامعات المصرية برئاسة الدكتور فتحي
الشقاقي رحمه الله.
وكان الدكتور
الشقاقي قد انضم لجماعة الإخوان المسلمين في القطاع بزعامة الشيخ
أحمد ياسين سنة 1968 واستمر في أطر الإخوان إلى أواخر السبعينيات.[338]
ويذكر الشقاقي
الذي ولد في غزة سنة 1951 (عائلته تنتمي أصلاً إلى قرية زرنوقة قضاء
الرملة) والذي درس الطب في جامعة الزقازيق بمصر 1974 ـ 1981، أن فكرة
إنشاء حركة الجهاد الإسلامي نشأت أيام الدراسة الجامعية، وأنه كان
هناك خلافات بينه وبين الإخوان في المنهج وطُرق التغيير وقضية فلسطين
والموقف من الأنظمة ومن العالم والواقع والأدب والفن. وأضاف أنه كان
يشعر أنه "ليس للإخوان منهج وأن هناك فوضى في المفاهيم في إطار
الحركة ...".[339]
وانتقد الشقاقي
ما عدَّه سكونية مناهج التكوين لدى حركة الإخوان، والتخبط في طرائق
العمل، وإهمال جانب التخطيط وطغيان مبدأ السلامة والمبالغة فيها.[340]
غير أن الشقاقي
يرى أن حركة الإخوان المسلمين حركة أمّ للتيار الإسلامي في المنطقة،
وأن البنا كان رائداً كبيراً، وقال إنه وحركته يكنّون "كل احترام
وتقدير لهذه الحركة على دورها التربوي وحفظها للإسلام في المنطقة".[341]
وقال الشقاقي
أنه مع مجيء سنة 1978 كان التمايز واضحاً بينه وعدد من زملائه وبين
الإخوان. وتابع الشقاقي الثورة الإيرانية باهتمام وانتهى من إعداد
كتابه "الخميني: الحل الإسلامي والبديل" في يناير 1979 قبيل نجاح
الثورة، والذي صدر بعد نجاحها بأيام، ولم يلتق بأي مسؤول إيراني قبل
ذلك، وقد اعتقل ليلة صدور الكتاب مدة أربعة أيام بسبب نشاطه الإسلامي
في الجامعة، ثم أعيد اعتقاله في يوم 20 يوليو 1979 لأربعة أشهر، وبعد
خروجه من السجن انقطعت صلته التنظيمية بالإخوان، حيث شعر أن فكرة
"التأثير والتوافق لم تعد قائمة" بينه وبين الإخوان، فبدأ بتشكيل
نواة حركة الجهاد الإسلامي في بداية 1980.[342]
وقبل أن يعود
الشقاقي إلى فلسطين سنة 1981، كان قد سبقه عدد من إخوانه الذين
تخرجوا سنة 1980 من الجامعات المصرية وبدأوا نشاطهم داخل الأرض
المحتلة. وقد التحق الشقاقي بمستشفى فكتوريا بالقدس لمدة سنتين إلى
أن اعتقل سنة 1983 لمدة عام لإصداره مجلة الطليعة، ثم أعيد اعتقاله
سنة 1986 وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة تشكيل تنظيم سري عسكري،
ثم أبعد سنة 1988 إلى لبنان حيث عاش سنة واحدة ثم انتقل إلى دمشق.[343]
وحسب فكر حركة
الجهاد الإسلامي فإنها جاءت لتعبر عن "الإسلام كمنطق، والجهاد
كوسيلة، وفلسطين كهدف للتحرير" وأنها عندما قامت "كانت قوة تجديد
داخل الفكر الإسلامي وداخل الحركة الإسلامية على مستوى الفكرة
والمنهج والتنظيم وعلى مستوى الأداء داخل فلسطين".[344]
وبشكل عام فإن
الحركة ركزت على المعاني الجهادية وتحرير الوطن وتنظيم العناصر
للقيام بالعمليات العسكرية، وتأثرت بتجربة الجهاد الإسلامي في مصر
والتجربة الإيرانية والتجربة القسامية. وحافظت على علاقات متينة
بإيران منذ إنشائها وحتى الآن.
ويظهر أن
المجموعة التي أنشأها فتحي الشقاقي كانت إحدى المجموعات الثلاث التي
اجتمعت لتشكل حركة الجهاد الإسلامي، والتي كان لها تقريباً نفس
التوجهات السياسية والجهادية. وكانت المجموعة الثانية هي "سرايا
الجهاد الإسلامي" وهي مجموعة يعود أصل تكوينها إلى عناصر من حركة
فتح، تمركزت أساساً في قلعة الشقيف في لبنان وتميزت بخبرتها وتكوينها
العسكري. وقد أدت النقاشات داخلها إلى التحول من الخط اليساري
الاشتراكي إلى تبني الخط الإسلامي، وبرز في توجيهها المفكر الفلسطيني
المعروف منير شفيق، وفي قيادتها العسكرية أبو حسن قاسم "محمد محمد
بحيص"، وحمدي "محمد باسم سلطان التميمي". وهي التي يعتقد أنها نفذت
أشهر عمليات الجهاد الإسلامي في الثمانينيات، وهي عملية باب المغاربة
في 16 أكتوبر 1986 والتي أدت إلى إيقاع ثمانين إصابة بين قتيل وجريح
من لواء "غفعاتي" العسكري الإسرائيلي. وقد تأثرت هذه المجموعة كثيراً
باستشهاد أبو حسن قاسم وحمدي في قبرص في عملية نفذتها المخابرات
الإسرائيلية في 14 فبراير 1988، حيث فقدت العديد من خيوطها المرتبطة
بالقائدين، كما أن عناصر أخرى انضمت لجسم المجموعة الأكبر (الشقاقي)
بينما جمدت عناصر أخرى عملها.
أما المجموعة
الثالثة فقد شكلها إبراهيم سربل الذي أعطى هو ومن معه البيعة للشيخ
أسعد بيوض التميمي، وعرفت بالجهاد الإسلامي وقد فضلت هذه المجموعة
فيما بعد الانسحاب من الوحدة مع الشقاقي ورفاقه. كما حدث داخل هذه
المجموعة خلاف أدى لانقسامها إلى مجموعتين واحدة تتبع الشيخ أسعد
(الجهاد الإسلامي "بيت المقدس") وأخرى تتبع إبراهيم سربل (الجهاد
الإسلامي "كتائب الأقصى"). وقد انفصلتا فيما بعد عن مجموعة الشقاقي
التي تعتبر الآن الجهة الأقوى تنظيمياً وعسكرياً وشعبياً بين مجموعات
الجهاد الإسلامي. وحسب إبراهيم سربل فإن أولى عمليات مجموعته
الجهادية تعود إلى شهر مارس 1982 لكنها أمرها كُشف واعتقل أفرادها في
نوفمبر 1983، ثم خرجوا في عملية تبادل الأسرى سنة 1985، حيث عادوا
لممارسة العمل العسكري.[345]
وتعدُّ حركة
الجهاد الإسلامي اليوم الأول لاشتعال الانتفاضة المباركة هو 6 أكتوبر
1987 عندما استشهد أربعة من رجالها في مواجهة عسكرية مع الجيش
"الإسرائيلي".
وقد قامت الجهاد
الإسلامي بعمليات نوعية جريئة، وقدَّمت نماذج استشهادية متميزة وهي
لا تزال تقف إلى جانب حماس في رفض مشاريع التسوية السلمية وتبنّي
العمل الجهادي المقاوم.
ومن العمليات
المميزة التي قامت بها عملية نتساريم في 11 نوفمبر 1994، وعملية بيت
ليد في 22 يناير 1995، التي هزت الكيان الإسرائيلي إذ قُتل 21 جندياً
وجرح 66 آخرين. ونفذت في 4 مارس 1996 عملية تل أبيب التي أدت لمقتل
14 إسرائيلياً وجرح 125 آخرين.[346]
وعندما اندلعت انتفاضة الأقصى قامت الجهاد الإسلامي بتنفيذ عدد من
العمليات الاستشهادية التي أحدثت أثراً كبيراً.
وقد استشهد في
26 أكتوبر 1995 فتحي الشقاقي زعيم الحركة إثر حادث اغتيال قام به
الموساد الإسرائيلي. وقد تولى القيادة بعده د. رمضان عبد الله شلَّح
الذي لا يزال أميناً عاماً للحركة.[347]
هوامش الكتاب
[335]
انظر مثلاً: عبد الستار قاسم وأسامة أبو أرشيد، "التمهيد"، في
دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية، ص 43 ـ 48،
ومحسن صالح، الطريق إلى القدس، ص 187 ـ 188.
[336]
انظر مثلاً: محسن صالح، الطريق إلى القدس، ص 184 ـ 187، وجواد
الحمد وهاني سليمان (محرران)، انتخابات الحكم الذاتي الفلسطيني
(عمّان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 1994)، ص 15 ـ 42، 121 ـ 149.
[337]
حول عمليات حماس 1989 ـ 1996، انظر: محسن صالح، الطريق إلى
القدس، ص 189 ـ 205، وغسان دوعر، موعد مع الشاباك: دراسة في
النشاط العسكري لحركة حماس وكتائب عز الدين القسام خلال عام 1993
(لندن: فلسطين المسلمة، 1995)، وغسان دوعر، المهندس: الشهيد يحيى
عياش رمز الجهاد وقائد المقاومة في فلسطين (لندن: فلسطين
المسلمة، 1997).
[338]
انظر: مقابلة لفتحي الشقاقي مع مجلة الوسط، لندن، 6 نوفمبر 1995.
[340]
محمد سعيد الموعد، "المصادر الفكرية لحركة الجهاد الإسلامي في
فلسطين"، جريدة الحياة، 27 يناير 1995.
[341]
الوسط، 30 يناير 1995.
[342]
الوسط، 6 نوفمبر 1995.
[343]
الوسط، 6 نوفمبر 1995، وانظر: جريدة الأسواق، عمَّان (الأردن)،
30 أكتوبر 1995.
[344]
الوسط، 30 يناير 1995.
[345]
انظر: إبراهيم سربل، حركة الجهاد الإسلامي والانتفاضة (عمان: دار
النسر، 1990).
[346]
انظر حول هذه العمليات في: فلسطين المسلمة، ديسمبر 1994، والرأي،
23 ـ 25 يناير 1995، والرأي، 5 مارس 1996، والحياة، 9 مارس 1996.
[347]
الحياة، 30 أكتوبر 1995، والوسط، 6 نوفمبر 1995.
|