الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

الفصل الأول

 

عندما يتقدم الأمير ..!

 

 

(1)

 

اليوم هو : 12/12/2001 ..

كان العام الأول في القرن الجديد ، و الأول في انتفاضة الأقصى ، يستعدّ للرحيل ليفسح المجال أمام عامٍ جديد ، سيكون من أكثر الأعوام دموية في تاريخ فلسطين الحديث .

و بينما كان العالم يتفرّج على جرائم المحتلين ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني ، في مشهدٍ غريبٍ و عجيبٍ و مفجعٍ ، ربما لم يشهده التاريخ البشريّ ، و إن كان مشهداً طبيعياً يتكرّر كلّ يومٍ في عالم الغابات حيث الغلبة للحيوانات الوحشية ، و يستعد لتوديع عامٍ و استقبال عامٍ آخر سعيداً ، كان أمر آخر يثقل طالباً جامعيّاً شابّاً و مقاوم اسمه عاصم ريحان .

اتصل عاصم بأفراد أسرته في صباح ذلك اليوم و تحدّث معهم واحداً واحداً ، و توقّف للحديث مع الطفل الصغير (مؤمن) و هو ابن شقيقه الشهيد محمد ، و لا بدّ أن عاصم بذل جهوداً استثنائية كي لا تنزل دموعه تأثّراً و هو يعلم بأنه سيستمع لصوت (مؤمن) ، الذي تربطه به علاقةٌ خاصةٌ و وثيقةٌ ، و باقي أفراد العائلة ، للمرة الأخيرة ، و مثلما يليق بمقاومٍ و كادرٍ مدرّب مثل عاصم فإن أيّاً من أفراد عائلته لم يعرف لماذا اتصل عاصم و حرص على الحديث مع الجميع ، و قال لهم إنه يستعد لامتحانٍ موعده غداً . و بعد أن أنهى عاصم مكالمته كان عليه التقدّم لامتحانه .. !

و قبل ذلك بثلاثة أيام وقف ، مثلما فعل كثيرون غيره في أشهر (انتفاضة الأقصى) ليقرأ وصيته و هو ممسكٌ بسلاحه و مرتديٌ لباساً عسكرياً و على رأسه خوذة حديدية .

و في تلك الأثناء ، عندما استعدّ عاصم ليتلو وصيته خلف إحدى صخور الريف الفلسطيني ، حضر شريط حياته و حضر الزعتر و العصافير و رائحة الأزهار البرية ، حضرت عيون الأطفال الذين يكبرون في غفلة عن بنادق المحتلين ، و حزن عشرات السنين المقيم ، و وجوه الآباء و الأجداد اللاجئين ، و آلاف الأطفال و الشيوخ و النساء و الشباب الذين قضوا في مجازر و لم يعرف العالم حروف أسمائهم ، أو كم منهم سيكون مشاريع كتّابٍ و فنانين و علماء و مهندسين و شعراء .

حضرت النسور و الصقور و الحيوانات البرية التي أحبّها عاصم ، و ربما حضرت مشاعر خاصة و حميمة ، ربما أستغفر الله عليها ، و ألحت الآن . ربما .. و ربما .. و ربما حضر كلّ شيء .

 و ربما الأهم ، حضر ، ما كان يسمّيهم عاصم (رفقاء الدرب) .

 

 

(2)

 

ولد عاصم يوسف ريحان في قرية (تل) قرب نابلس عام 1981م ، و عندما أنهى دراسته الثانوية التحق بقسم التسويق في كلية الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية ، و اختاره رفاقه (أميراً) للكتلة الإسلامية في كلية الاقتصاد ، و هذه الكتلة تضمّ نشطاء حماس و المتعاطفين معها في الكلية ، و لقب أمير محاكاة لتجارب حركات إسلامية في بلدان أخرى ، و إن كان لا يحمل هذا اللّقب في فلسطين نفس الدلالات عند تلك الحركات .

و انتخب في المؤتمر العام لمجلس الطلبة ، و كان هذا الصّعود في العمل الطلابيّ العلنيّ ، يرشّحه لصعود مستقبلي أكبر في العمل العام ، و لكنه اختار وجهة أخرى .

و في أجواء انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28/9/2000 ، بعد زيارةٍ لمجرم الحرب الصهيوني آرئيل شارون ، و كان حينها زعيماً للمعارضة اليمينية في الكيان الصهيوني ، سالت دماءٌ فلسطينية كثيرة ، في شهوة قتلٍ صهيونية كانت تتأجّج مع كلّ قطرة دم عربية فلسطينية تسيل و تطلب المزيد .

و تقدّم المقاومون الفلسطينيون بأشكالٍ مختلفةٍ ، و تميزت تلك الانتفاضة بالعمليات الاستشهادية و التي أصبح يطلق عليها وصف (ظاهرة) و كانت بالفعل كذلك ، و لم تقتصر تلك العمليات على فصائل العمل الوطني الإسلامية و لكن فصائل أخرى مارست ذلك الأسلوب الاستشهادي ، و من الإنصاف القول إن كتائب الشهيد عز الدين القسّام ، التي انتمى إليها عاصم ريحان ، دفعت بالنسبة الأكبر من الاستشهاديين ، و أصبح هذا الشكل النضالي الأسلوب الأبرز بالنسبة لتلك الكتائب.

و يظهر تسجيلٌ مصوّر نادر ، عاصم ريحان مع اثنين من كوادر كتائب القسام هما : ياسر عصيدة ، و شقيقه محمد ريحان، و ثلاثتهم من قرية (تِل) ، و يعتقد بأنهم نواة إحدى خلايا كتائب القسّام الصلبة ، و يعطي التسجيل فكرةً عن تلك الأجواء.

و لا يعرف تاريخ هذا الشريط المصوّر الذي يظهر في بدايته المقاوم ياسر عصيدة خلف ملصقات لشهداء كتائب القسّام و جناح حماس السياسي قضوا اغتيالاً أمثال صلاح دروزة (أبو النور) (اغتيل بتاريخ 25/7/2001) و أيمن أبو الحلاوة (اغتيل بتاريخ 22/10/2001) و جمال سليم و جمال منصور (كان حادث اغتيالهما بتاريخ 31/7/2001م مجزرة حقيقية) و كان للشهيد جمال منصور تأثير كبير على عاصم .

و يقف ياسر عصيدة حاملاً بيده اليمنى مصحفاً و باليد الأخرى رشاشاً ، بوجهٍ بشوشٍ و ابتسامة آسرة ، و أمامه على طاولة متواضعة قطع أسلحة أخرى ، ثم يظهر في الكادر محمد ريحان يتلو وصية قال فيها إنه تأثّر من قتل الأطفال و الشيوخ و قطع الأشجار و هدم المنازل و أن كلّ ذلك أدمى قلبه ، و أنه قرّر أن ينفّذ عملية استشهادية انتقاماً للمهندس أيمن حلاوة و الشهداء عبد الرحمن حماد و أحمد مرشود و عاطف عبيّات ، و جميعهم قضوا بعمليات اغتيال ، و كذلك انتقاماً لمجازر شارون في المدن الفلسطينية .

و يلاحظ هنا أن الشهداء الذين ذكرهم محمد بالإسم ينتمون لفصائل مقاومة مختلفة ، و هو ما يعكس وحدةً بين المقاومين ، لا يوازيها شيء لدى السياسيين .. !

و تمنى ، محمد ، أن تستحيل كلّ قطرة من دمه إلى (نار تحرق الصهاينة) .

و طلب من شعبه الاستمرار في المقاومة و الوفاء لدماء الشهداء و ختم وصيته بتوقيعه (الشهيد الحيّ محمد ريحان) من كتائب القسّام .

ثم يظهر عاصم ريحان في الشريط و هو يتلو آيات من القران الكريم ، تحيط برأسه عصبة خضراء مكتوب عليها (كتائب الشهيد عز الدين القسّام) و هو يرتجل وصية ودّع فيها أهله و أصدقاءه و أبناء قريته و وقّع بالشهيد الحي عاصم ريحان .

ثم يظهر ياسر عصيدة جالساً و هو يتلو آيات قرآنية و على جانبيه محمد و عاصم ، يقفان وقفة عسكرية و كلّ منهما قابض على سلاحه ثم يتحوّل المشهد الجادّ إلى مشاهد مرحة جداً لهم و هم يتبادلون النكات و يتقاسمون كسرات الخبز و يشربون الشاي ، و يتفاخر ياسر بلحيته و يطلب ، مازحاً ، رأيهما فيها .

و يقول له محمد ريحان مما حكا :

-سيقصونها لك .. !

و ربما لا تختلف هذه المشاهد عن أيّة مشاهد أخرى لشباب أصدقاء يمضون أوقاتاً ممتعةً مع بعضهم البعض . و يمكن الإشارة هنا إلى أن هذا ، ربما ، يحمل رداً على مزاعم تنطلق من هنا و هناك تنعت الاستشهاديين بأنهم مجموعة من المحبطين أو اليائسين .

و هذا النعت كان مع أمورٍ أخرى ، من نخب ثقافية و أكاديمية و وطنية عربية و إسلامية ، يشكّل موقفاً من هذه النخب فيه قصوراً شديداً عن فهم ظاهرة الاستشهاديين ، و فيه كثيرٌ من ظلم فادح لمجريات الصراع الفلسطيني و العربي مع الكيان الصهيوني .

و في نفس الجو المرح يقول ياسر عصيدة و الابتسامة لا تفارق شفتيه : (شعبنا يحب الحياة ، و لكن أيّة حياة ؟ ، الحياة الحقيقية و ليس حياة الذّل و المهانة ، و في سعينا للشهادة ، فنحن نسعى للحياة الحقيقية) .

و لم يكن ذلك غريباً من مقاومٍ مثل ياسر ، كان بشخصيته المرحة المحبة للحياة يجتهد ليجعل الحياة محتملة لعائلته و أبناء بلدته و رفاقه في السجن أثناء فترات اعتقاله لدى السّلطة الفلسطينية مع آخرين مثل محمد ريحان و نصر الدين عصيدة و جميعهم اتهموا بقتل اثنين من حراس مستوطنة (يتصهار) عام 1998م و تم اعتقالهم لدى تلك السلطة بناءاً على مطالب من الاحتلال .

 

 

 

(3)

 

كان من الطبيعي أن تكون الخلية التي انتمى إليها عاصم ، في دائرة ملاحقة و رصد أجهزة مخابرات الاحتلال لها ، التي تمكّنت من توجيه ضربة قوية لها بنجاحها باستهداف ياسر عصيدة يوم 1/11/2001م .

و قبل ذلك بيومٍ واحد ، كانت قوات الاحتلال تنجح باغتيال ستة من الفلسطينيين ، منهم الكادر في كتائب القسّام جميل جاد الله (22 عاماً) ، الذي اغتالته الطائرات الصهيونية بقصف منزل جدّته في مدينة الخليل بصاروخين حوّلا جسده إلى أشلاء، و في الوقت ذاته اغتالت قوات الاحتلال في طولكرم التاجر المحسوب على حركة حماس عبد الله الجاروشي (40 عاماً) بإطلاق النار عليه من الدبابات الاحتلالية ، و تمكّنت وحدة صهيونية خاصة من قتل الشابين محمد مروح تايه غنّام (24 عاماً) و ربيع محمد سعيد غنّام (21عاماً) و كلاهما من كتائب شهداء الأقصى في بلدة (جبع) قرب جنين .

و تسلّلت قوات صهيونية خاصة تحت قصفٍ مدفعيٍّ كثيفٍ إلى محيط حاجز للأمن الفلسطيني جنوب غرب (قلقيلية) و أطلقت الرصاص على أفراد الموقع مما أدّى إلى استشهاد النقيب محمد جميل و النقيب رائد الأخرس و أصيب زميل ثالث لهما هو محمد عبد الفتاح جابر بجروح متوسطة .

في مثل هذه الظروف ، و بعد أقل من 24 ساعة على اغتيال هؤلاء الستة كان الجنرال شارون الذي تولى رئاسة الوزراء خلفاً للجنرال باراك يعلن أمام منتقديه من أعضاء حزبه في "تل أبيب" الذين اتهموه بالتراخي في قمع الانتفاضة أن عمليات الاغتيال ستتواصل .

و كان شارون يفخر بأن مروحياته انتهت من تصفية اثنين من أخطر المطلوبين كان أحدهما الشهيد ياسر عصيدة و الثاني الشهيد فهمي أبو عيشة . كان الاثنان طلبا سيارة عمومي من أحد مكاتب التكسيات في طولكرم لتقلهما إلى نابلس ، حسب المصادر الفلسطينية ، أو إلى داخل الخط الأخضر لتنفيذ عملية استشهادية حسب المصادر الصهيونية .

و عندما وصلت المعلومات للمخابرات الصهيونية حول السيارة و راكبيها جهّزت (حملة عسكرية) للقضاء على من فيها ، و بالقرب من سهل عنبتا على طريق طولكرم- عنبتا ، أطلقت مروحيات صهيونية ثلاثة صواريخ باتجاه السيارة ، أصاب الأول مقدّمتها و الثاني مؤخرة السيارة و الثالث وسطها ، و تمكّن سائق السيارة و أحد راكبيها من الفرار فلاحقتهم المروحيات الصهيونية بإطلاق النار من العيارات الثقيلة باتجاههما فاستشهد أحدهم ، و أصيب السائق عبد الكريم الصبّاغ بينما كانت فرق الكوماندوز الصهيونية تحيط بالمنطقة .

و حسب المصادر الفلسطينية فإن خمس مروحيات صهيونية شاركت في العملية بالإضافة إلى وحدات أخرى من الدبابات استقدمت من مستوطنة (عناب) المقامة على أراضي قرية (رامين) و أيضاً من مستوطنة (بيت حيفر) المقامة على أراضي ضاحية شويكة و عزّز كلّ ذلك بوحدات من المشاة .

و كان الحشد العسكري الصهيوني مثاراً لتعليقات مختلفة ، منها ما قاله محافظ طولكرم الفلسطيني و هو رجلٌ عسكري سابق (العملية العسكرية مخزية ، و يمكن أن تخصّص لمواجهة جيش مدجج بالأسلحة و المدرعات) .

و كان هناك من الفلسطينيين من أكّد بأن قوات الاحتلال بالقوة التي حضرت إلى المنطقة كان بإمكانها اعتقال من في السيارة و لكنها فضّلت تصفيتهم ، و اعترفت قوات الاحتلال بالعملية و بإطلاق ثلاثة صواريخ على السيارة .

من الصعب الحديث عن وجهة ياسر عصيدة و رفيقه ، و لكن المؤكّد بأن وقوع الاثنين و هما من كوادر كتائب القسّام المطاردين ، تحت بصر مخابرات الاحتلال في عملية لا شك أن للعملاء كان لهم دور فيها ، شكّل صيداً ثميناً للمحتلين و لشارون الذي تفاخر أمام اجتماع حزبه في "تل أبيب" باستمرار عمليات الاغتيال .

و رغم أن العديد من كوادر كتائب القسّام كانوا خلال انتفاضة الأقصى قضوا اغتيالاً إلا أن اغتيال عصيدة و أبو عيشة و بتلك الطريقة الوحشية أشعل الغضب من جديد ، الذي لم يكن في الواقع قد هدأ .

و كان الكثيرون من أبناء الشعب الفلسطيني ، يدركون أن اغتيال ياسر عصيدة ، الذي نفّذ العديد من العمليات الفدائية خصوصاً ضد المستوطنين ، و رفيقه أبو عيشة ، هي خسارة .. و خسارة كبيرة لكادرٍ متعلمٍ و مخلص و جريء .

و أصدرت حركة حماس بياناً حول حادث الاغتيال لاحظت فيه أن "الصهاينة قتلة الأنبياء الذين كلما عاهدوا عهداً نقضه فريق منهم يعيثون في الأرض فساداً يقتلون الأطفال و يهدمون البيوت و يحرقون الفنادق و المزارع و يعيدون احتلال مدننا و قرانا و مخيماتنا و ذلك كله على مرأى و مسمع ما يسمى بالعالم الحر" .

و في إشارة إلى حادث 11 أيلول الشهير في أمريكا استأنف البيان : "… ذلك العالم الذي وقف باكياً مستنكراً مستهجناً ما جرى في الولايات المتحدة … و أما أطفال فلسطين فلا بواكي لهم و أمّهات شهدائنا فلا ناصر لهم ، فما حصل في الولايات المتحدة هو إرهاب أما ما ينفّذه الصهاينة من مذابح ضدّ أطفالنا و نسائنا فهو دفاع عن النفس … فحسبنا الله و نعم الوكيل".

و أضاف البيان عن معنى عدم التزام الكيان الصهيوني بالاتفاقيات يوماً بعد يوم يثبت أن عدوّنا الصهيوني عدوٌ لا يرحم و لا يحترم اتفاقاً و لا يلتزم بمعاهدات ، فعلى الرّغم مما يسمّى بوقف إطلاق النار فلا زالت الصهيونية طليقة تغتال المجاهدين فلا يكاد يمر يوم إلا و جريمة جديدة ينفّذها الصهاينة ابتداءً بترويع أطفالنا و مروراً بارتكاب المجازر كما حصل في قرية بيت ريما مروراً باغتيال المجاهدين و المقاومين و آخرهم الشهيدان المجاهدان القسّامي ياسر عصيدة و المجاهد فهمي أبو عيشة و كما حصل و يحصل في نابلس و الخليل و طولكرم و رفح و بيت لحم ظناً من الإرهابي شارون بأنه قادر على القضاء على انتفاضتنا المباركة بالقمع و الاغتيال و الهدم و التشريد و لكن أنّى له ذلك فضربات مجاهدينا ستبقى تلاحق الصهاينة أينما كانوا و لن ينعم الصهاينة بالأمن طالما لم ينعم به أطفالنا في نابلس و جنين و الخليل و طولكرم و قلقيلية و رفح و بيت لاهيا .

و أكّدت حماس أنها "عقدت العزم على المضيّ قدماً في طريق الجهاد و الاستشهاد ، طريق المقاومة حتى التحرير ، فما أخِذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة و طريق المقاومة هي التي وحّدت أبناء شعبنا بعد أن فرقتنا سنين المفاوضات .. و طريق المقاومة هي التي تصنع العزة للأمة و طريق المقاومة هي التي حرّرت الجنوب اللبناني" .

و طالب البيان "السلطة الفلسطينية بوقف المفاوضات و اللقاءات الأمنية مع الصهاينة لأن ذلك كلّه لا يجدي نفعاً مع عدوٍ لا يفهم سوى لغة القوة و قد أثبتت الأيام بأن المفاوضات مع هذا العدو ما هي إلا مضيعة للوقت و كما نطالب السلطة الفلسطينية بوقف حملة الاعتقالات و إطلاق سراح المعتقلين على خلفية مقاومة الاحتلال فوحدة صفنا الداخلي هي سر قوّتنا و صمودنا و حق المقاومة حق مشروع كفلته كلّ الأعراف و المواثيق الدولية ، كما و ندعو أبطالنا المجاهدين لأخذ أقصى درجات الحيطة و الحذر فعدوّنا ليس له عهد و ليس له أمان و لتبقى بنادقكم مشرّعة في وجه الاحتلال جاهزة للتصدّي لجيش الغزاة في كلّ حين" .

و في اليوم التالي لاغتيالهما شيّعت جماهيرٌ غفيرةٌ في مدينة نابلس الشهيدين في موكب كبير افترق عند نقطة معينة ، الشهيد أبو عيشة إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه في بلدة (عسكر) ، و الشهيد عصيدة إلى مثواه الأخير إلى قرية (تل) ، حيث وزّعت الحلوى على روحه كما طلب في وصيةٍ خطّها قبل أيام قليلةٍ من استشهاده ، لأنه كان يعرف ، على الأرجح ، بأنه سيستشهد قريباً ، و كان يردّد بأن زملاءه في قسم (5) سبقوه إلى الشهادة ، في إشارة إلى زملائه الذين رافقوه في رحلة السجن على يد السلطة الفلسطينية التي اعتقلته و آخرين استجابة لمطالب و شروط صهيونية ، في السنوات الحرجة قبل انتفاضة الأقصى .

(و كان أول هؤلاء الشهداء الذين تمكّنت المخابرات الصهيونية من الوصول إليه الشهيد إبراهيم بني عودة الذي اغتيل يوم الخميس 23/11/2000م بتفجير السيارة التي كان يستقلها قرب منتزه جمال عبد الناصر في مدينة نابلس ، و لمزيد من التفاصيل ، عن حوادث الاغتيال تلك يمكن الرجوع لكتابي (قصة اغتيالات قادة انتفاضة الأقصى) .

و حسب مصادر فلسطينية فإن الشهيد عصيدة المولود عام 1976م انضم لكتائب القسّام عام 1998م ، و خطّط لعدة عمليات ، و قضى في سجن جنيد الفلسطيني 30 شهراً و أفرج عنه بعد نحو ستة أشهر من اندلاع انتفاضة الأقصى مع آخر دفعة من معتقلي حماس .

و لم يكن من السهل معرفة ما خطّط له عصيدة و ما نفّذه إلا أنه حسب المصادر الصهيونية كان وراء عملية إطلاق نار على سيارة للمستوطنين قرب مستوطنة (يتصهار) قبل ثلاثة أعوام من استشهاده و قتل و أصاب من فيها ، بالإضافة إلى أنه تنسب إليه أعمال أخرى ضد المستوطنين و الجنود .

و خلال سنوات المطاردة الطويلة من قبل مخابرات الاحتلال لعصيدة ، فإنها تمكّنت من اعتقال العديد من أفراد مجموعته المقاومة ، و بقاء عصيدة بعيداً عن الاعتقال أو الاغتيال الذي حضر أخيراً ، و في ظروف الجغرافيا الفلسطينية و سيطرة المحتلين على الأرض و السماء ، يعتبر إنجازاً ليس فقط معنوياً ، و لكن (نصراً) جديداً لمخابرات الاحتلال .

و من المؤكّد بأن استشهاد ياسر عصيدة ، و إن كان متوقعاً (بالاغتيال كما حدث أو بالاستشهاد كما خطّط) ، أثّر بشكلٍ كبيرٍ على عاصم ريحان و على آخرين في كتائب القسّام ، و على مواطنيه و عارفيه الذين عرفوه بلحيته الطويلة المميزة التي كان يعتزّ بها و رفض كلّ الدعوات لحلقها أو تشذيبها …!

و يبدو أن حدس رفيقه محمد ريحان صدق عندما قال له :

- سيقصونها لك ..!

و تم ذلك بالصواريخ و بحملة عسكرية كبيرة ، كان من المقدر ، أن تجرد مثلها لمحمد ريحان نفسه .

 

 

(4)

 

و لم تمضِ أيام كثيرة حتى كانت قوات الاحتلال توجّه ضربتها الثانية لما يمكن أن نسمّيها (خليّة تل) ، و هذه المرة بشكلٍ لا يقلّ بشاعة عن عملية اغتيال ياسر عصيدة و رفيقه .

كان ذلك في فجر الإثنين 12/11/2001 بعد 12 يوماً من تصفية عصيدة عندما جرّدت حكومة الاحتلال قوة أخرى لمواجهة فردٍ هذه المرة ، و طوّقت قرية (تل) و احتلتها بالكامل و التي كانت تخضع حينها للسيطرة الأمنية الفلسطينية ، و يمكن الإشارة هنا ، و كما أثبتت الأحداث الدموية فيما بعد ، أن الحديث عن (سيطرة أمنية) هو مصطلح إعلامي أكثر منه حقيقة على الأرض .

فجر ذلك اليوم شنّت قوات الاحتلال حملة مداهمات لمنازل قرية (تل) و نفّذت عملية اعتقالات واسعة بين شبان القرية و اعتقلت نحو 40 منهم ، و داهمت أيضاً منزل الشهيد ياسر عصيدة و هدّدت أهله بهدم المنزل ، و بالتزامن مع ذلك كان الهدف الرئيس من الحملة ينفّذ في مكان آخر ، في أحد منازل القرية : منزل محمد ريحان .

كانت قوات الاحتلال طوّقت المنزل و اقتحمته بعد رفض محمد ريحان الاستسلام ، و قامت وحدة خاصة من المحتلين بإطلاق نارٍ كثيف عليه أمام زوجته و طفله (مؤمن) و تركت ريحان ينزف حتى الموت ، و منعت قوات الاحتلال التي تحاصر القرية سيارات الإسعاف من الدخول لنحو سبع ساعات كان محمد ريحان خلالها لحق برفيقه عصيدة ، و نال ما تمناه : الشهادة .

و حسب المصادر الصهيونية فإن محمد ريحان كان مشتركاًً مع عصيدة في (جريمة) قتل المستوطنين على طريق (يتصهار) قبل ثلاث سنوات . و باستشهاد محمد ريحان ، تمكّنت المخابرات الصهيونية من توجيه ضربة قوية لخلية (تل) ، و إن لم تكن قاصمة ، كما ستثبت الأحداث فيما بعد .

و مثلما حدث مع عملية اغتيال عصيدة ، فإن المؤكّد أن اغتيال محمد ريحان كان نتيجة لعمل استخباري صضيوني دؤوب مكّنهم من رأس ريحان . و في اليوم التالي : الثلاثاء ، انطلق موكب تشييع جثمان محمد ريحان من مستشفى ريفيديا في نابلس ، إلى ميدان الشهداء ، و سار الموكب على نفس درب موكب تشييع عصيدة و سلك نفس الطريق إلى قرية (تل) حيث ووري الثرى بجانب رفيقه الذي سبقه .

 

(5)

 

كان عاصم ريحان يحضّر لعمليته الاستشهادية ، مثلما فعل كثير من رفاقه و من بينهم زملاؤه في جامعة النجاح الوطنية أمثال : هاشم النجار ، حامد أبو حجلة ، جميل ناصر ، مؤيد صلاح الدين ، و غيرهم .

و لكلّ واحد من هؤلاء ، قصة نضالٍ و بطولة ، يجب أن تروى و أتوقّف هنا ، كمثلٍ و نموذج عند الشهيد حامد أبو حجلة ابن العائلة الميسورة و المتفوّق في دراسته و الناشط البارز في العمل الطلابي ، و الذي كان في سنته الخامسة في كلية الهندسة عندما أقدم بتاريخ 1/1/2001 لينفّذ عمليته الاستشهادية  في نتانيا المقامة على أراضي مدينة أم خالد العربية ، و أورد هنا وصيته التي كتبها لتعطي فكرة عن تلك الأجواء التي عاشها عاصم ريحان طالباً في جامعة النجاح :

 "(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة ، يُقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يُقتلون ، و عداً عليه حقاً) .

الحمد الله رب العالمين ، ناصر المجاهدين و مذلّ اليهود الملاعين ، و الصلاة و السلام على إمام المتقين و قائد المجاهدين، و على آله و صحبه و من سار على دربه و جاهد جهاده إلى يوم الدين و بعد :

أهلي الأحبة .. بشراكم

ها أنا قد حقّقت أمنيتي و أقبلت على الشهادة في سبيل الله بعزيمة المجاهدين و رحلت عن هذه الدنيا الفانية مسرعاً إلى الدار الباقية الخالدة في جنات النعيم ، لألقى المصطفى صلى الله عليه و سلم مع النبيين و الصّدّيقين و الشهداء و الصالحين و لتعلموا يا أهلي بأني لم أترككم ضيقاً و لا وحشة منكم ، و لكن الشهادة نادتني بعد أن تمنيتها منذ حين ، كيف لا ألبي هذا النداء و قد جاءني في رمضان شهر الخير شهر الجهاد و الاستشهاد و الأجر و الثواب العظيم .

أمي الغالية :

إن رضا رب العالمين عليّ مرهون برضاك ، و إن أمنيتي لن تتحقّق إلا بفكّ هذا الرهان ، و لن تكتمل أمنيتي دون صبرك و احتسابك لي عند الله شهيداً مجاهداً في سبيله و إعلاء كلمته أولاً ، و ثأراً لدماء شهداء فلسطين ، و لا تبكي عليّ و زغردي فهذا عرس ابنك الشهيد .

إخواني الأحبة :

كونوا عوناً لأمّكم و كونوا من الصّابرين المحتسبين ، و اثبتوا و ليشدد بعضكم أزر بعض ، و لتسامحوني إن كنت قد أخطأت في حقّ أحدكم ، و لتتمسكوا بدين الله و حبله المتين .

أختي العزيزة :

إقبلي ما طلبته منك قبل أن أغادر كم بأيام قليلة إرضاءً لوجه الله الكريم ، و كوني بجانب أمك ، و لتكوني من أخوات عائشة و الخنساء .

يا أبناء عائلتي الكرام :

سامحوني جميعاً ، فأنا إن قصّرت معكم في الدنيا ، فلن أكون من المقصّرين معكم يوم القيامة بإذن الله تعالى . فأبشروا من رسول الله صلى الله عليه و سلم بأن الشهيد يُشفّع في سبعين من أهله ، و أسأل الله لكم الهداية و الصّلاح" .

وصيتي : وصيتي لكم يا أهلي بأن لا ينوح أحدٌ في زفتي للجنة ، بل وزّعوا التمر و زغردوا في عرس الشهادة .

و ختاماً أقول لكم إلى اللقاء قريباً بإذن الله في جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين . و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

ابنكم و أخوكم الشهيد الحي : حامد فالح أبو حجلة"

 

و في مثل هذه الأجواء يثبت الشريط المصوّر أن عاصم مع الاثنين الآخرين : ياسر عصيدة و محمد ريحان ، كانوا مشاريع استشهاديين منذ وقت مبكر . و بعد استشهاد ياسر عصيدة كان كثيراً ما يجلس صامتاً متأملاً صورته ، و كذلك كان بعد استشهاد شقيقه محمد ، حيث اعتصم بالصمت و بالهدوء "الذي يسبق العاصفة" .

و إذا كان مقتل رفيقيه أثّر بشكلٍ كبيرٍ عليه ، إلا أنه من الصعب الحديث ، و في غياب مصادر مستقلة موثوقة ، معرفة مدى تأثير ذلك في اختياره لهدفه أو في تسريع تنفيذ عمليته الاستشهادية . و عندما وقف صباح يوم (9/12/2001) في أحد أيام رمضان ، صائماً ، بين الصخور ليقرأ وصيته كان يعرف بأنه لا يفصله الكثير من الوقت لينضم (لرفقاء الدرب) .

وقف مرتدياً لباساً عسكرياً و خوذة حديدية ًحاملاً وصيته في إحدى يديه ، بينما تدلى رشاشه من كتفه ، و خلفه كان رشاش آخر معلقاً بأحد الصخور ، و بدأ وصيته بآيات من القرآن الكريم تحض على الجهاد ، و حمد ربه الذي جعله من فلسطين و جنودها المجاهدين و من الاستشهاديين ، و حيا أهله و أصدقاءه و إخوته المجاهدين و أخواته المجاهدات و طمأنهم بأن النصر قريب .

و قال : إنه يقدّم نفسه (رخيصة في سبيل الله و دفاعاً عن أرض فلسطين الحبيبة و انتقاماً لأخيه المجاهد محمد أبو المؤمن و أخيه ياسر و القائد محمود أبو هنود) .

و خاطب (السّفاح) شارون كما وصفه و زمرته و حاشيته ، قائلاً : "إن ملاحقتهم للمجاهدين لن تجدي و أنها تزيد المقاومين إصراراً على المقاومة" .

و بعد أن أنهى عاصم آخر كلمات وصيته وقف ممسكاً سلاحه يتفحّصه ثم خطر له أن يقول أموراً أخرى ما دامت هذه فرصته الأخيرة ليتحدث مع من سيتركهم ، إلى الأبد ، فقال مرتجلاً (أيها الأخوة أوصيكم بتقوى الله .. أوصيكم بالجهاد في سبيله .. أوصيكم برفع راية الله عز و جل .. أوصيكم بأن تكونوا قابضين على الزناد .. قبضة المجاهد محمود أبو هنود .. و قبضة المجاهد يحي عياش .. أوصيكم بأن تحرسوا هذه الأرض و أن تدافعوا عنها و أن تبذلوا الرخيص و الغالي لأجلها .. في سبيل الله عز و جل .. أوصيكم إخوتي بأن تكونوا مجاهدين لا من المتخاذلين الراكعين) .

و بدا عليه التأثر الشديد و ربما ، خنق دمعه كادت تفرّ من عينيه و هو يتابع بثقة مستحضراً المخزون الديني (إخوتي .. أحبتي .. إخوتي .. أحبتي : أوصيكم بتقوى الله عز و جل فإن هذه الدنيا فانية و أن البقاء عند الله عز و جل في جنة عرضها السماوات و الأرض أعدها للمؤمنين) .

و تابع بتأثرٍ أيضاً و هو قابض على سلاحه (يا إخوتي و يا أحبتي يا أهل قريتي .. تل ، الكرام : دافعوا بكلّ ما أوتيتم من قوة عن دينكم و شرفكم و عن عرضكم و عن أرضكم فإن أرضكم هي عرضكم و إن تصونوها ، تصنكم ، و أن تحرصوا عليها … ، و السلام عليكم و رحمته الله و بركاته) .

و كانت تلك آخر كلمات (الأمير) الذي ترك مقاعد الدراسة من أجل هدف أكبر و أغلى .

و بعد ذلك يظهره الشريط المصوّر من الخلف و هو يتقدّم نحو هدفه بمشية سريعة رياضية قابضاً على رشاشه و ظهرت حافلة ركاب صهيونية كانت في طريقها إلى مستوطنة عمانوئيل .

و ما لم يظهره الشريط المسجل ، عرفه العالم أجمع بعد ساعات ، فعاصم ، يوم (12/12/2001م) ، بعد ثلاثة أيام من تقديمه لوصيته وضع مع رفاق آخرين ، عبوات ناسفة في طريق الحافلة الصهيونية التي تسير على خط رقم (198) المتجّهة إلى مستوطنة (عمانوئيل) ، و فجّرها عن بعد ، و عندما توقفت الحافلة و بدأ المستوطنون بالنزول ، فوجِئوا بالرصاص ينهمر عليهم من الكمين الذي نصبه عاصم لهم ، فقتل منهم 11 و أصيب نحو 40 ، قبل أن ينضم عاصم شهيداً ، إلى من سبقوه من (رفقاء الدرب) .

و حسب رواية صهيونية غير رسمية تم تناقلها بعد عملية عاصم أن القتلى زادوا عن العشرين و عزّز ذلك وجود أكثر من عشر مخازن سلاح وجدت بجانب جثمان عاصم بعد استشهاده ، و كذلك ما روِي عن أن عاصم استمر في إطلاق النار حتى بعد وصول سيارات الإسعاف و تعزيزات جنود الاحتلال بعد الكمين الأول ، و لم يتمكّن جنود الاحتلال من النيل من عاصم إلا بدهسه ، و لم يحاول عاصم أن يتراجع ، و ربما كان يغطّي على انسحاب رفاق له شاركوه في العملية .

 

(6)

 

كانت عملية عاصم الاستشهادية التي عرفت إعلامياً باسم (عملية عمانوئيل) واحدة من أهم عمليات المقاومة الفلسطينية التي نفّذت خلال انتفاضة الأقصى ، و كانت حافزاً لعملية أخرى هامة هي الأخرى نفّذها بعد شهور مقاومون آخرون من كتائب القسّام ، ضد حافلة مستوطنة عمانوئيل ، التي أقيمت على أراضي الفلاّحين الفلسطينيين عام 1982م بعد عامٍ واحد من ولادة عاصم .

و كانت حكومة الليكود اليمينية الصهيونية اتخذت قرار إقامتها بتاريخ 13/5/1981 ، و تكون وزارة البناء و الإسكان مسؤولة عن إقامتها ، و حسب الباحث خالد عايد في كتابه (الاستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المحتلة) فإن قرار إقامتها استند إلى قرارات الحكومة بشأن الاستيطان في كتلة (كرني شمرون) الاستيطانية و في إطار تكثيف الاستيطان و توسيعه في تلك المنطقة .

و تم اختيار الموقع على (جبل الدير) التابع لقرية (جينصافوت) على بعد نحو 14 كلم شرق خط الهدنة عام 1948 ، و تمهيداً لإقامتها قلع المحتلون نحو 2000 شجرة زيتون في شهر أيار 1982م .

و خطّط لها لتكون (أكبر مدينة يهودية في السامرة) ، و حسب الصحف العبرية آنذاك فإنها ستكون (أكبر مدينة بنيت في "إسرائيل" في العقود الأخيرة) تتسع لنحو 50 ألف مستوطن ، و لهذا الغرض خطّط لها لتبنى وفق مقاييس المدن الحديثة في الغرب و تركيب حاسبٍ إلكتروني لتشغيل شبكتيّ الكهرباء و الماء و وضع حاسبٍ في كل منزل و تشغيل عربات تعمل بالكهرباء لنقل سكانها مجاناً داخلها .

و رغم هذه الواجهة (الحداثية) للمستوطنة التي قصد بها ، باعتقادنا لتكون عامل جذب للمستوطنين ، فإنه تم الاتفاق أن تكون (مدينة دينية) تتبع حزب (إغودات "إسرائيل") ، و للمواءمة بين (الحداثة) و (التدين) تقرّر أن تجتذب المتدينين المهاجرين من الدول الغربية .

و للقيام بمهمة بناء هذه المستوطنة تأسّست شركة بناء برأس مال 35 مليون دولار يملكها يهود أثرياء من دول مختلفة من أبرزهم المليونير اليهودي (زلمان مارغليوت) ، و بدأ العمل على حساب أراضي الفلاحين العرب و افتتح مكتباً للشركة في نيويورك لاجتذاب المهاجرين اليهود و للقيام بأعمال أخرى تخصّ بناء المستوطنة .

و بتاريخ 31/8/1982م دشّن الطريق الرئيس لها في حفلٍ شارك فيه وزير البناء و الإسكان الصهيوني المتشدّد (دافيد ليفي) و رجال دينٍ يهود و شخصيات كبيرة داخل الكيان الصهيوني .

و بعد نحو عام بتاريخ 26/9/1983م ، احتفل رسمياً بافتتاح المستوطنة بمشاركة ليفي أيضاً و جمهور زاد عن خمسين ألف شخص ، جاءوا ليحضروا افتتاح المستوطنة التي ضمّت آنذاك ثماني مدارس منها ست مدارس دينية و 12 روضة أطفال و قاعتين للرياضة واحدة للذكور و الثانية للإناث ، و بركة مياه خاصة بالطقوس الدينية و مركز تجاري كبير و مركز طبي .

و أعلن المحتفلون آنذاك أن عدد الكُنس سيصل ، في مرحلة البناء الأولى إلى 32 كنيساً و عدد المدارس الدينية إلى 12 مدرسة . و لم يخطر ببال المحتفلين أولئك بأن طفلاً عمره آنذاك نحو عامين سينفّذ عملية بطولية ضدّ ساكني هذه المستوطنة في إثباتٍ جديد لعروبة الأرض التي أقيمت عليها تلك المستوطنة الدينية الحداثية ..!

 

(7)

 

و لم يكن ذلك الطفل سوى عاصم الذي نشأ في بلدة (تِل) في ظروف وطنية و دينية حافزة ، و في منزلٍ عرف الكثير من أبنائه السجون الصهيونية ، و يمكن الإشارة إلى أنه كان من جيلٍ شهد الانتفاضة الفلسطينية الكبرى مع انطلاقها عام 1987م ، و التي كان من أبرز ميّزاتها حضور عنصرٍ هام في العمل الوطني و هو حركة حماس ، التي ولدت قوية ، و كان من نتيجة وجودها القوي المعمّد بالدماء ميلاد أجيال تأثّرت بعنفوانها و منهم عاصم الذي ما إن دخل الجامعة حتى كان من مؤيّدي حماس في الحركة الطلابية الفلسطينية في الجامعات و المعاهد ذو وجودٍ قويّ و مؤثر .

و من الذين تأثّر بهم في الجامعة شاب اسمه مؤيّد صلاح الدين الذي عمل عاصم تحت قيادته ، و الملفت للانتباه بأن مؤيد المسؤول في الكتلة الإسلامية ، ذراع حماس الطلابي العلني نفّذ عملية استشهادية قبل عملية عاصم بفترة قصيرة ، و ربما كان ذلك عاملاً هاماً و مفصلاً آخر في حياة عاصم .

و حسب سيرة نشرها المركز الفلسطيني للإعلام في موقعه على الإنترنت ، فإن مؤيّد صلاح الدين ينحدر من قرية حزما قضاء رام الله ، ولد في مدينة طولكرم عام 1977م حيث قدمت عائلته للسكن فيها ، و هو واحد من بين خمسة أشقّاء و ست شقيقات ، التزم منذ نعومة أظفاره في المساجد و كان أحد روّادها المداومين على الصلاة و حلقات العلم ، برزت مواهبه القيادية منذ صغره فكان يدير حلقات الأشبال في المساجد و كان مدرّساً لكتاب الله تجويداً و حفظاً و كان يحفظ ما يقارب العشرين جزءًا ، التحق بصفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس مع بداية انطلاقة التوأمين حماس و الانتفاضة و كان قائداً ميدانياً و أميراً للأشبال في منطقته ، تلقّى تعليمه الابتدائي و الثانوي في مدينة طولكرم و كان من أبرز قيادات الحركة الطلابية الإسلامية في مدارس المدينة .

و الملفت في سيرة مؤيّد أنه كان من المتفوّقين في دراسته الأكاديمية و كان حريصاً على تنمية ثقافته و مهاراته ، و تم اعتقاله في المرة الأولى و هو في الثانوية العامة الأمر الذي حرمه من تقديم الامتحانات إلا أنه تابع بعد خروجه من السجن و حصل على معدل 93 % بتفوق .

و بعد ذلك التحق مؤيد بجامعة بيرزيت قسم الهندسة و تم اعتقاله للمرة الثانية بتهمة إيواء و مساعدة المطارد القسّامي حسن سلامة و قضى عشرة شهور داخل سجون الاحتلال ، و بعد خروجه من السجن التحق بجامعة النجاح الوطنية قسم الهندسة المعمارية و كان أحد قياديي الكتلة الإسلامية في الجامعة و كان متفوّقاً في دراسته "رغم هموم العمل الدعوي و الطلابي الذي كان يحمله" .

و كان حريصاً على متابعة أمور الأسرى و عائلاتهم و متابعاً لقضاياهم بشكلٍ مستمر حتى يوم استشهاده ، و عرف (بحسن أخلاقه و روحانيته و التزامه صلاة الفجر خاصة مع الجماعة و حبّه و حرصه الشديد على دعوته و إخوانه) .

و بتاريخ 8/11/2001م ، تقدّم مؤيد ، مثلما سيفعل بعده بفترة قصيرة عاصم ، و نفّذ عملية استشهادية على أرض بلدة باقة الشرقية بقيامه بتفجير حزامه الناسف بمجموعة من القوات الخاصة الصهيونية .

و بعد تلك العملية أصدرت كتائب عز الدين القسّام بياناً نعت فيه الشهيد و أوضحت ما اعتبر في حينه التباساً رافق العملية ، و أورده هنا كاملاً ، مثلما فعلت ببيانات لاحقة ، و ذلك لوضع القارئ في صورة تلك الأجواء ، و عدم فرض استنتاجات معيّنة من قبلي على القارئ :

 

بيان عسكري صادر عن كتائب الشهيد عز الدين القسام

 

(قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم و يخزهم و ينصركم عليهم)

 

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على قائد المجاهدين و على آله و صحبه أجمعين و بعد :

بفضل الله عز وجل و منّته نفّذ مجاهدونا الأبطال هجوماً جديداً رداً على جرائم الصهاينة الذين تجبّروا في أرضنا و عاثوا فيها فساداً و دمّروا مدننا و استأسدوا على العزّل ، فبالرغم من الاحتياطات الأمنية الصهيونية … ترجّل فارسنا الجديد و تمكّن من اختراق كافة حواجزهم الهشة حاملاً حزامه الناسف قاطعاً عشرات الكيلومترات مشياً على الأقدام متحدّياً ظلمة الليل و برده القارص ، مكث عدة ليالي في العراء و في عقر دارهم حتى حان موعد اللقاء المرتقب لقاء الحبيب بأحبائه الشهداء لقاء الشهيد بربه ، فاستلّ سلاحه معلناً بدء جولةٍ جديدةٍ من جولات معارك الانتقام ، هذه المعارك التي لن تنتهي إلا بزوال الاحتلال الظالم بإذن الله و الانتقام لكلّ الشهداء (الشهيد المهندس أيمن حلاوة ، و الشهيد مرشود ، و حمّاد ، و عبيدات ، و ملوح ، و أبو حجلة ، و الخطيب ، و عكرمة ، و جرادات و من قبلهم القادة منصور ، و سليم ، و صلاح الدين ، و ثابت ، و أبو علي مصطفى و كافّة شهداء الشعب الفلسطيني) .

فقي صباح يوم الخميس ضغط المجاهد القسامي البطل :

 

(مؤيد صلاح الدين - 22 عاماً - من طولكرم)

 

على زرّ التفجير عندما وصل إلى هدفه المنشود لجنود الاحتلال و ليس كما ادعى جيش الاحتلال ، محوّلاً كلّ قطرة من دمه قذيفة تحرق الصهاينة و قد أسفرت هذه العملية عن مقتل و إصابة العديد منهم كما أكّد المجاهدون الذين كانوا على مقربة من المكان ، و تمّت العملية بنجاح فيما عاد بقية المجاهدين إلى قواعدهم سالمين و لله الحمد .

و من هنا نعلنها إلى الجزّار شارون بأن كتائب القسّام قد أخذت على عاتقها عهداً بالإجهاز على مائة صهيوني بإذن الله كدفعه أولى رداً على جرائمهم المتواصلة مهما كلّف هذا الأمر فقد كانت البداية قتل ضابطٍ في تل و اليوم الأسد القسّامي مؤيّد للأعداء بالمرصاد و القافلة مستمرة بإذن الله .

فأول الغيث قطرة ثم ينهمر .

و الله أكبر .. و لله الحمد

كتائب الشهيد عز الدين القسّام

الخميس 22 شعبان 1422هـ

الموافق 8/11/2001م فلسطين"

 

 و من المفيد الإشارة إلى أن البيان يشير إلى أن العملية جاءت انتقاماً لجرائم المحتلّّّّين باغتيال عددٍ من كوادر حماس مثل جمال منصور و جمال سليم و صلاح الدين دروزة ، و الدكتور ثابت ثابت أمين سر حركة فتح في طولكرم و أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية و غيرهم ، و ذكر البيان أسماءهم مختزلة لأنه كان يخاطب حينها جمهوراً يعرف هؤلاء و ما حدث معهم جيداً .

و كشف رفاق الشهيد مؤيّد عن وصيتين كان تركهما قبل استشهاده ، و هو ما يذكر بما فعله عاصم ريحان ، بوصيّتيه التي وثّقهما التسجيل بالصوت و الصورة .

الوصية الأولى نشرها رفاق الشهيد باسم "وصية الشهيد الوطنية الأولى" و جاء فيه :

 

"بسم الله الرحمن الرحيم

و بالله نستعين ..

الحمد لله الذي شرّفنا بالجهاد و جعلنا من المجاهدين الذين يدافعون عن حرمة الوطن السليب .

الحمد لله الذي وعدنا بالجنة و بنعيمٍ دائمٍ …….

إخوتي الأحبة أبناء الإسلام …… أبناء و أحفاد خير البشرية محمد صلى الله عليه و سلم .

بعد أن طفح الكيل و استشرى ظلم اليهود و تقاعس العرب و المسلمون عن نصرة شعبٍ مسلم يذبح أطفاله و نساؤه و شيوخه و يغتال قادته و علماؤه و تستباح مقدساته صار لزاماً على كلّ مسلم أن يقف مع ذاته يقرّر أن الحقّ أحقّ أن يتبع ، فما هذه الحياة إلا لحظة فلتكن في طاعة الله و الجهاد في سبيله ، لتكن كلمة الله هي العليا و كلمة الكفر هي السفلى … فالله أكبر و النصر لله .

أماه لا تبكي عليّ إذا سقطت ممدّدا            فالموت ليس يخيفني و مُناي أن أستشهدَ

ابن كتائب القسام

إياد أ.مصعب 31/10

 

و لا أعرف الظروف التي جعلت الشهيد مؤيّد يعيد كتابة وصيته مرة ثانية و التي جاء فيها :

 

"بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و كفى و الصلاة و السلام على الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه .

إلى شبان الإسلام إلى جند الله ... سلام من الله عليكم و رحمة الله و بركاته ..

أودّعكم على أمل اللقاء في الجنان لأنني أدركت أن الدنيا دار مفرّ و الآخرة دار المقر و علمت أن الجهاد له حلاوة الانتصار و الشهادة ، لذلك أقدمت على قدري و أنا أحمل لديني محبتي لأنه الدين الذي ضحى من أجل نصرته رجالٌ كثيرون منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ليلحق بركب المجاهدين في سبيل الله .

أوصيكم إخواني الأحبة أن لا تتطلعوا لدنيا و امضوا للجنان ..." ..

و من الذين استجابوا لدعوة مؤيّد بعدم "التطلع لدنيا" كان عاصم ريحان الذي نفّذ عملية بطولية بكلّ المقاييس ، و رغم أن العملية التي نفّذها تقع ضمن الأراضي المحتلة في حزيران 1967م و ضد مستوطنين اغتصبوا أرضاً تعترف (الشرعية الدولية) بأنها فلسطينية ، فإن السلطة الفلسطينية سارعت لاستنكار العملية ، مع عملية أخرى نفّذها استشهاديان قرب مستوطنة غوش قطيف بغزة أسفرت عن استشهادهما و سقوط جرحى من المستوطنين .

و أكّدَت (بأنها تعمل بشكلٍ متواصل و حثيث على استتباب الأمن و التهدئة ، رغم التصعيد "الإسرائيلي" و عمليات القصف و الاغتيال في الخليل و عنبتا و طولكرم و خانيونس ..) ..

و ردّ ناطق رسمي فلسطيني على ما اعتبره (مزاعم) "إسرائيلية" بأن عاصم ريحان كان معتقلاً لدى السلطة و تم الإفراج عنه ، بأنه لم يكن أبداً معتقلاً و لم يدرج اسمه ضمن أية قائمة "إسرائيلية" من المطلوب اعتقالهم من قبل السلطة .

كان الرسميون يريدون غسل أيديهم من العملية ، بالنسبة للرأي العام الفلسطيني شجاعة و بطولة ، و كان الموقف الرسمي هذا يشكّل مفارقة غريبة عن مقاومين يقدّمون حياتهم من أجل الوطن و آخرين يقدّمون اعتذاراً عن هذه المقاومة الشرعية .

و الأمر ، بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ، لا يتعلّق بمفارقة ، بل أيضًا بظلمٍ معنوي فادح ، و لكن ماذا سيهم عاصم من كلّ ذلك : عاش بطلاً و صعد بطلاً تجلّله أكاليل الغار .