|
الفصل الثاني
لست
وحدك
(1)
و لم تنتهِ قصة عاصم ريحان عند
ذاك الحد ، و توالت ردود الفعل على عمليته من أطراف مختلفة ، و قدّر لهذا الاهتمام
أن يستمر طويلاً و يأخذ أشكالاً مختلفة . و كان من الطبيعي أن يكون لكتائب الشهيد
عز الدين القسام التي ينتمي لها "الشهيد (ردّ فعل) العظيم الاستشهادي القسامي البطل
الشهيد عاصم يوسف ريحان ، ابن قرية "تل" البطولة قضاء نابلس منفّذ عملية "عمانوئيل"
البطولية و التي تمكّن من خلالها من اختراق الحواجز الصهيونية الأمنية الهشة ، حيث
قام بتفجير عبوتين ناسفتين في قافلة صهيونية و فتح بعدها نيران رشاشاته باتجاههم
فأجهز على أحد عشر صهيونياً و ترك ما لا يقلّ عن ثلاثين منهم يصارعون الموت" .
و أشار البيان إلى أن هذه
العملية إعلان لكلّ مستوطن أنه "لن تنفعهم مجنزراتهم و دباباتهم و لن تستطيع أن تقف
أمام استشهاديّ باع نفسه رخيصة لله عز و جل" .
و تعهدت كتائب القسام
بالاستمرار في النضال في ظلّ العدوان الذي يُشنّ من قبل الاحتلال ضد أبناء الشعب
الفلسطيني من هدم للمنازل ، و اغتيالات و تشريد ، و قالت في البيان : "عهداً منا
لدموع الأطفال الذين قتل آباؤهم ، و عهداً لآهات الثكالى الذين هدمت منازلهم ، و
عهداً لكلّ أبناء شعبنا المجاهد بأننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الهجمات الشارونية
.. فمن هنا نرسلها من جديد إلى الجزار شارون و زمرته بأن كتائب القسام ستردّ الصاع
صاعين بإذن الله ، فالهدم بالدمار ، و الدم بالدماء ، و النار بالنيران ، و المجزرة
بالمجازر .. و الأيام بيننا" .
و يمكن تصوّر ردّ فعل العملية
في أجهزة الإعلام العبرية و في أوساط المستوطنين من التغطية الإعلامية لما حدث هناك
على مشارف تلك المستوطنة حيث لم تصمد سياسة مجرم الحرب الصهيوني آرييل شارون
القمعية الذي جاء إلى سدة الحكم على حصان الأمن .
و كان الوقع الأقوى للعملية في
أوساط مستوطني عمانوئيل نفسها ، و نشرت تقارير عن ذلك في عدة صحف من بينها صحيفة
الشرق الأوسط اللندنية التي نشرت يوم (15/12/2001م) تقريراً أشارت فيه إلى أن
مستوطنة عمانوئيل تشهد موجة هجرة معاكسة ، إذ بدأ المستوطنون يعودون إلى بيوتهم في
"إسرائيل" منذ العملية الاستشهاية التي نفّذها عاصم .
و قالت الصحيفة : "تثير هذه
الظاهرة قلقاً بارزاً لدى سلطات الاحتلال ، إذ إن مستوطني هذه المستعمرة هم من
اليهود المتدينين المتزمتين الذين يرتبطون دينياً و عاطفياً بهذه المنطقة و
عمانوئيل ، بالنسبة لهم ، هي المدينة اليهودية التاريخية ، المذكورة في التوراة عدة
مرات" .
و نوّهت إلى أن سلطات الاحتلال
"أقامت هذه المستوطنة سنة 1982 . و تقطنها اليوم 600 عائلة (حوالي 4000 نسمة) . و
هجرت المستوطنة خلال الانتفاضة 50 عائلة ، لكن إدارتها نظّمت حملة دعائية واسعة بين
اليهود المتدينين في مدينة بني باراك "الإسرائيلية" (قرب تل أبيب) ، و تمكنت من
إقناع عشرات العائلات بالانتقال إليها ، و التعويض عن العائلات التي هجرتها" .
و أضافت
الصحيفة : "لكن الهجوم العسكري الفلسطيني على حافلة الركاب العاملة على خط
بني باراك - عمانوئيل ، مساء يوم الأربعاء الماضي و الذي قتل فيه 10 مستوطنين على
الأقل و جرح أكثر من 30 آخرين ، يثير نقاشاً داخل المستوطنة حول الحكمة من البقاء
فيها خصوصاً أن بين القتلى في الهجوم المذكور عائلة قدمت إلى المستوطنة قبل شهر فقط
ضمن الحملة الدعائية الجديدة ، و مستوطنة قدمت إليها قبل أسبوع واحد" .
و ركز بعض الكتّاب في الصحافة
العبرية على مسألة (الثأر) في عملية عاصم ، و إنها كانت ثأراً لسقوط شقيقه الشهيد
محمد ، و قال أحدهم إن أهل قرية تل مثل البدو لا ينسون ثأرهم بسهولة .
(2)
و كان هناك من يتفق مع هذا
الرأي ، و لكن من الضفة الأخرى للنهر ، مثل الشيخ حامد البيتاوي رئيس رابطة علماء
فلسطين الذي ألقى خطبته في مسجد معزوز المصري في مدينة نابلس يوم 8/3/2002 ، مع
اشتداد الهجمة الاحتلالية الشارونية على المواطنين الفلسطينيين و قبل عملية (السور
الواقي) التي ارتكب فيها شارون مجازر عديدة في مدن الضفة بأقل من شهر .
كانت تلك الأيام مشحونة بالحزن
و الألم و الشهادة و هذا ما كان يدركه البيتاوي الذي قال في خطبته : "العدو
الصهيوني ها هو يشنّ حرباً برية و جوية و بحرية على شعبنا .. يشنّ عدواناً مستمراً
يستخدم فيه الطائرات و الدبابات و الصواريخ و يداهم القرى و المخيمات و المدن فيقتل
و يغتال و يضرب بدباباته طلاب المدارس كما حصل في مدرسة السيلة الحارثية في جنين و
الاعتداء بالمتفجرات كما حصل في مدرسة صور باهر في القدس ، و كما قتل و اغتال جيش
الاحتلال زوجة المجاهد حسين أبو كويك و أولادهما الصغار و أطفالاً آخرين ، كما
دمّروا قبل أيام مدرسة للمكفوفين في غزة هاشم .. ، و هذه المذابح التي يقترفها
العدو الصهيوني و التي تزداد يوماً بعد يوم ، فحصيلة شهداء شعبنا في هذا اليوم و
حتى هذه الساعة ثلاثون شهيداً نسأل الله تعالى أن يرحم شهداءنا و أن يشفي جرحانا و
أن يلطف بشعبنا و أن يردّ كيد الغزاة المحتلين إلى نحورهم يا رب العالمين" .
و أضاف
البيتاوي : "أيها الإخوة المرابطون .. ما هو ردّنا على هذه الجرائم و على
هذا العدوان الذي يرتكبه العدو الصهيوني ؟ أنشكو همنا إلى مجلس الأمن الذي لا يراعي
القوانين .. لا و الله .. أنتوسل إلى أمريكا و التي يسمونها ظلماً راعية للسلام ..
إن عداوة أمريكا لشعبنا و للإسلام و للمسلمين لا تقلّ عن عداوة اليهود .. اللهم خذ
بأمريكا و أعوانها .. اللهم عليك بهم يا خير الناصرين ..لمن نشكو أمرنا ؟؟ أنشكوه
لمن يملكون أمرهم و يطلقون التصريحات و المبادرات و الاقتراحات و التي هي خنجر في
صدر شعبنا ، و الذي يتنصل أحدهم من أنه ينتسب إلى الأمة العربية !!.." .
و كان البيتاوي يريد أن يصل
بعد مقدمته تلك إلى ما يراه بديلاً لجرائم الاحتلال "لن نشكو (إسرائيل) إلى مجلس
الأمن و لا إلى أمريكا و لا إلى غيرهم من الطواغيت إنما نشكو همنا إلى الله عز و جل
– إنما أشكو بثي و حزني إلى الله – و نقول حسبنا الله و نعم الوكيل .. حسبنا الله و
نعم الوكيل .. نعم هذا ردّنا على الجرائم التي يرتكبها الاحتلال في طول البلاد و
عرضها هي المقاومة بما نملك من أسلحة بالرشاشات و القنابل اليدوية و العبوات
الناسفة و بعمليات جهادية استشهادية .. نعم فإذا كان الاحتلال يملك أسلحة متطوّرة
كالدبابات و الطائرات و الصواريخ و نحن حقيقةً لا نملك مثل هذه الأسلحة إلا أننا
نملك سلاحاً أقوى من أسلحة الاحتلال ، إنه حقّنا في وطننا و إيماننا بالله عز و جلّ
.. ثم إننا نمتلك القنابل البشرية و التي لا يقدر الاحتلال أن يقف أمامها أبداً" .
و كان كثير من أبناء الشعب
الفلسطيني يوافقون البيتاوي على رأيه "أنتم تملكون سلاحاً فعالاً قوياً إنها
القنابل البشرية .. إنهم المجاهدون الاستشهاديون الذين يتمنطقون بالعبوات الناسفة و
يقتحمون مراكز الجيش الصهيوني و المستوطنات و المدن الصهيونية و إليكم بعض الأمثلة
على هذه العمليات البطولية و التي جرت في بحر هذا الأسبوع :
العملية الجهادية الاستشهادية
التي نفّذها ابن بيت لحم في بيت المقدس فقتل و جرح العشرات من الصهاينة حيث اخترق
حواجز الأمن الصهيونية و زرع الرعب في قلوبهم و فتت أجسادهم و هذه العملية قام بها
نفر من كتائب شهداء الأقصى فألف تحية لهذا المجاهد الاستشهادي البطل .. و عملية
ثانية في بحر الأسبوع يوم أن تقدم مجاهد ببندقية قديمة و بـ 25 طلقة فقط قتل عشرة
من الجنود و المستوطنين الصهاينة و جرح الباقين ، فكلّ رصاصة كانت تصيب صهيونياً (و
ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى) ، و لقد اعترف العدو بأن هذه العملية أثبتت فشل
الجيش "الإسرائيلي" .. و عملية أخرى نفّذها مجاهد من غزة في وسط "تل أبيب" في
الساعة الثانية فجراً فقتل و جرح العشرات و استشهد ، و بالأمس كانت عملية نفّذها
ابن كتائب أبو علي مصطفى في مستوطنة آرائيل فجرح و قتل العشرات إلا أن العدو يُخفي
خسائره ، و في الليلة الماضية تقدّم أحد أبناء كتائب القسام بعملية نوعية فقتل خمسة
و جرح العشرات من جنود مستوطني الصهاينة .." ..
و كانت تلك الأيام التي ترسّخت
فيها وحدة الدم الفلسطيني وجدت تعبيراً عنها في كلمات البيتاوي في ذلك اليوم و هو
يعتلي منبر مسجد معزوز المصري في نابلس محرضاً : "نحمدك يا رب على هذه العمليات ..
اللهم اجعل مثل هذه العمليات كثيرة يا رب العالمين .. نعم ألف تحية لكتائب القسام و
كتائب شهداء الأقصى و كتائب أبو علي مصطفى و سرايا القدس .. (و في ذلك فليتنافس
المتنافسون) .. يا أبناء الكتائب تقدّموا و استمروا في جهادكم و في عملياتكم فالعدو
لا يفهم إلا لغة القوة .. نسأل الله عز و جل أن يحفظكم و أن يُثبت أقدامكم و أن
يلقي الرعب في قلوب أعدائكم و أن يُعمي الأبصار عنكم يا رب العالمين .. نعم هذا
سلاحنا القويّ قنابل بشرية لا يقدر عليها الصهاينة ، فلا تستهينوا بأنفسكم و لا
بقوتكم فهناك مواكب الاستشهاديين بالانتظار فنسأل الله تبارك و تعالى أن يكتب لنا
الشهادة في سبيله يا رب العالمين .. أجل أيها المسلمون لن تخيفنا جرائم الصهاينة و
لا عدوانهم و لا تهديدهم ، فقد أثبتم يا أبناء شعبنا و أكدتم أن ما يسمونه جيش
"إسرائيل" الذي لا يُهزم ، ها هو شعبنا يُمرغ أنوف جنرالات العدو في التراب و يقتل
جنوده و يجرحهم و يلقي الرعب في قلوبهم و ها هو الجيش "الإسرائيلي" يقرّر اليوم
إزالة الحواجز خاصة حاجز عيون الحرامية الذي قتل فيه مجاهد واحد عشرة من جنود العدو
و جرح أكثر من هذا العدد و سنرغمه بإذن الله على أن يفكّك مستوطناته و يرحل في
الأيام القادمة بإذن الله" .
و قصدت أن اقتبس هذه الفقرات
الطويلة من خطبة الشيخ البيتاوي ، لأنها تعكس بشكلٍ أو بآخر الأجواء في تلك الأيام
من انتفاضة الأقصى التي كانت فيها دماء الاستشهاديين و من بينها دماء عاصم ريحان
حاضرة بقوة فاستشهد الشيخ البيتاوي به "أرواح الشهداء و دماء الجرحى ستتحوّل إلى
نار تحرق الغزاة المحتلين ، و يوم أن توغل الاحتلال في قرية تل قبل أشهر فقتلوا
المجاهد محمد ريحان الذي منع الصهاينة إسعافه حتى تصفّى دمه و عندما دفن هذا الشهيد
أقسم شقيقه عاصم على ساعة الدفن أقسم بالله ليثأرنّ لدماء شقيقه و لدماء شهداء
شعبنا فوفى بقسمه و حمل رشاشة و قام بعملية قتل فيها و جرح العشرات من الصهاينة
بالقرب من مدينة نابلس .." .
و عزّز من بروز مسألة الثأر ما
نقلته بعض وسائل الإعلام عن والدة الشهيد عاصم ، من إنها طلبت منه بعد استشهاد
ابنها محمد الانتقام لدمائه . و في الواقع فأنني لا أرغب كثيراً في تصنيف عملية
الشهيد عاصم البطولية بكل المقاييس ، في خانة رد الفعل أو الثأر فقط ، فعاصم كان
يعدّ نفسه منذ وقتٍ هو و شقيقه الشهيد محمد و ياسر عصيدة لتنفيذ عمليات استشهادية
ضد المحتلين ، كما سبق و بينت بعد مشاهدة أشرطة الفيديو التي تبينهم و هم يعدّون
لتلك العمليات .
و ربما بسبب هذا الإعداد جاءت
عملية الشهيد عاصم بهذه القوة و العنفوان و التي شارك زملاؤه في كتائب القسام في
مساعدته فيها و عملوا كفريقٍ واحد ، و أصبح لأهل بعض هؤلاء المشاركين في الأعداد
لتلك العملية فخراً و شرفاً كبيراً مثل عائلة الشهيد محمد عزيز حاج علي من قرية
جماعين .
(3)
ولد الشهيد محمد عزيز حاج علي
(أبو عاصم) بمدينة نابلس في 7/8/1975م و تزوج عام 1998م و له طفلتان ... منال - 3
سنوات- ، و آية - 10 شهور – ، و استشهد بتاريخ 13/4/2002م في قرية جماعين ، بعد أن
تمكن جنود الاحتلال من الوصول إلى مخبئه .
و بين هذه التواريخ الثلاثة
عاش (أبو عاصم) مناضلاً و قائداً ضمن صفوف كتائب عز الدين القسام ، تاركاً خلفه كما
قالت عائلته في تقرير أعدته عنه "أسوداً لا تلين للصعاب .. سهر عليهم في ظلمة الليل
متحدياً جبالاً و ودياناً ليصبحوا أشباه عمر و خالد و صلاح ليتسلحوا بقوة الرياح
العاتية .. محطمين كيان عدوهم .. مزلزلين أسطورة الجيش الذي لا يقهر .. ليثبتوا
للعالم أن أحفاد القردة و الخنازير أوهن من بيت العنكبوت" .
و حسب عائلته فإنه : "كان منذ
نعومة أظافره بطلاً .. فقد طلب من جنديّ صهيوني سلاحه أثناء عبوره إلى الضفة
الغربية .. كانت إجابته عندما سأله الجندي عن السبب أنه يريد قتله لأنه غاصب محتل و
كان عمره حينئذٍ 5 سنوات .. كما أنه خرج من بيته أثناء سكنه في الأردن إلى وطنه و
أرضه الحبيبة في عام 1993 .. إلى ربوع فلسطين و جبالها .. حيث كان ابن 18 ربيعاً ..
و بدأ فيها المشوار .. فكانت انطلاقته الأولى من سجن نابلس المركزي الذي دخله عند
أول زيارة لجبل النار ثائراً على جنودٍ صهاينة .. فلم يحتمل قلبه المجاهد أن يتغافل
عن وجود محتلٍ على أرضه و ما كان بيده إلا الحجر و بقايا زجاجاتٍ فارغة .. اعتقل
على إثرها لمدة 47 يوماً" ..
و في السجن "تعرّف هناك على
أحد كوادر حركة المقاومة الإسلامية حماس .. ساعده للوصول إلى معسكرات التدريب في
جنوب لبنان .. حيث خضع للتدريب من قبل مجاهدي حزب الله فتعلّم الرماية مجسّداً حديث
الرسول صلى الله عليه و سلم : (ألا إن القوة الرمي) فاستحق بذلك لقب قنّاص الكتائب
و تعلم صنع العبوات الناسفة و إلقاء القنابل اليدوية" .
و لا توجد مصادر أخرى ، كحركة
حماس أو حزب الله أو أية مصادر مستقلة تؤكّد التعاون بين الجانبين كما تذكر عائلة
الشهيد محمد عزيز حاج علي ، و إن كان وجب التسجيل هنا إلى ما شكّله حزب الله من قوة
دفع معنوي لا توصف للمقاومين في فلسطين ، و تحوّلت محطته الفضائية (المنار) إلى صوت
لانتفاضة الأقصى .
و مع اندلاع هذه الانتفاضة شكل
(أبو عاصم) مجموعة سرية "تتكوّن من خيرة الشباب و أفضلهم .. و عقدوا العزم على
الثأر لدين الله و الأرض المقدسة .. فكانت أول تجاربهم بالزجاجات الحارقة .... ثم
تطوّر النضال لسلاحٍ أوتوماتيكي اشتراه على نفقته الخاصة .. و ذهب إلى الشارع
الرئيسي ليفرغ حقده الدفين في أول مستوطنٍ رآه .. و أرداه قتيلاً يوم 7/8 /2001م ..
و بعد هذه العملية تم اعتقال رفاق دربه ليصبح مطارداً . و توالت العملية تلو
العملية ليسقط في صفوفهم عددٌ من القتلى و الجرحى و يصبح الأسطورة .. و الرعب .. و
الخوف .. و شبح الليل .. على الطريق المسمى عابر السامرة و طريق وادي قانا .. فيغدو
فتى الجبال يقاتل طالباً إحدى الحسنيين .. نصراً أو شهادةً" .
و في هذه الظروف التقى (أبو
عاصم) مع الشهيد عاصم ريحان و جهّز معه العبوات الناسفة التي استخدمت في عملية
عمانوئيل ، و حسب عائلته فإنه شارك "رفيق السلاح و الجبال عاصم ريحان بطل عملية
عمانوئيل .. و ينفّذاها سوية و تكتب له الحياة .. و يستشهد الريحاني" .
و يستمر في مقاومته .. يجهّز
استشهاديين ، و يحاول إطلاق أول جيل من صواريخ قسام 2 ، و يعيش مطارداً ، و يبدو أن
قوات الاحتلال استدلت على مكانه في الجبال نتيجة معلومات استخبارية ، فحاصروه في
إحدى المغارات "فما كان منه إلا أن يتحصّن في مكانٍ منيع .. مع رشاشه القديم .. و
ذخيرته القليلة ..جنودٌ في كلّ مكان .. طائرات الأباتشي تحلق في سمائه تُنـزل
المظليين .. ينقض عليهم كالليث .. و بلا هوادة .. يتبادلون إطلاق النار .. و تبدأ
الذخيرة بالنفاد .. و لا مفرّ من قدر الله إلا إلى قدر الله .. و يطلق الجنود كلّ
ما معهم في رعب .. الرعب الذي طالما سيطر عليهم من مجرد ذكر اسم هذا البطل .. و
قاوم ببسالةٍ و استماتة .. ليوقعهم في ساحة الوغى بين قتيلٍ و جريح .. و يطلقون
الغازات السامة .. مما اضطره إلى مغادرة موقعه الحصين .. إلى العرا .. بلا حائل ..
و تضرب الطائرة ضربتها .. و تقصف .. و يصاب الأسد الـهصور .. و ينقض الثعلب على
ضحيته .. و ينشب مخالبه في جسم طريدته .." .
و بعد استشهاده أفرغ جنود
الاحتلال عشرات الطلقات في جسده و مثلوا فيه معلنين ما اعتبروه انتصاراً على أحد
رفاق عاصم ريحان ، و كان لافتاً أن الملصق الذي أصدرته حركة حماس للشهيد تضمن صور
الشهيد عاصم ريحان و شقيقه الشهيد محمد ريحان في إشارة واضحة إلى انتماء محمد عزيز
حاج علي لنفس الخلية .
و كان استشهاد محمد عزيز
مؤثراً على كل من عرفه ، و بعبارات عفوية وصفت عائلته جنازته و معنى غيابه "نال
الشهادة و برغم الاستشهاد أفرغوا نار حقدهم من أسلحتهم في الجسد المسجى .. رحل
بشموخ المنتصر.. وما زال الركب يسير..يعلو صوت التكبير..في عرس الأمير.. تزفه
الحشود ..ورائحة المسك تعانق صوت البارود..دمعٌ ينساب فوق الخدود..صوتٌ يزلزل كل
الوجود وبعد شهادته لم يصدقوا أنفسهم وداهموا منزل والد الشهيد مرتين وانزلوا رايات
الفرح وسرقوا صور الشهيد.. ...، ذهب محمدٌ بجسده..لكن روحه لم تغادر .. فكانت هي
الأمل .. في استرجاع ما ذهب مع الزمن .. لنعيد الوطن السليب بأي ثمن .." ..
و لكن المعركة لم تنتهِ عند
ذاك الحد ، فبقي رفاقٌ آخرون لعاصم تلوح لهم مستوطنة عمانوئيل ، في تلك البقعة
العربية ، فيتحدّون من جديد الجيش الذي قال عن نفسه إنه لا يقهر .
|