|
الفصل الثالث
أيام
المطاردة و المقاومة
رغم أنه من الصعب التقليل من
أهمية غياب الشهداء ياسر عصيدة و فهمي أبو عيشة و محمد ريحان و عاصم ريحان و محمد
عزيز الحاج علي ، سواء بالاغتيال أو بالاشتباكات أو تنفيذ العمليات الاستشهادية ،
إلا أنه يمكن القول إن نواة صلبة أخرى لمجاهدي كتائب عز الدين القسام في قرية (تل)
و القرى و المدن المجاورة ، بقيت خارج قبضة المحتلين و من أبرز أسمائها المعروفة
نصر الدين عصيدة و عاصم عصيدة و سامي زيدان و نائل رمضان .
و عندما اقتحمت قوات الاحتلال
بلدة (تل) يوم 12/11/2001 ، في عملية عسكرية صهيونية واسعة ، و كانت حينها تخضع
لسيطرة السلطة الفلسطينية ، و كانت تلك إحدى أوائل ما عرف حينها باسم عمليات التوغل
، تم قتل الشهيد محمد ريحان كما سبق و ذكرنا ، و تركه ينزف حتى الموت ، و لم يكن
الشهيد محمد ريحان هو هدف العملية فقط ، بل كانت أجهزة الاحتلال العسكرية و
المخابراتية تبحث عن آخرين ، من بينهم نصر الدين عصيدة .
و برز من وحدات الاحتلال ما
يعرف باسم وحدات المستعربين ، التي أخذت في مداهمة منازل المواطنين لساعات طويلة
بعد تمكّنها في ساعات الحملة الأولى من قتل الشهيد محمد ريحان .
و دفعت قوات الاحتلال بقوات
كبيرة محمولة و من المشاة تساندها آلياتها ، و كأنها في حربٍ حقيقية ، بل كانت
فعلاً تخوض حرب من طرف واحد ضدّ السكان المدنيين .
و فرضت قوات الاحتلال طوقاً
على البلدة ، و اعتقلت العشرات من الشبان الذين جمعتهم في إحدى الساحات ، و ركّزت
في تفتيشها على منازل آل عصيدة ، و لكنها اضطرت بعد تلك العملية العسكرية الكبيرة
من الانهزام و الخروج بدون نصر الدين عصيدة : حياً أو ميتاً ..
و كان معظم هؤلاء مطاردين
لقوات الاحتلال منذ أمدٍ يعيد خاصة القائد نصر الدين عصيدة الذي ينسب له مشاركته في
عملية ضدّ مستوطني يتصهار عام 1998م و التي أسفرت عن مقتل عددٍ من المستوطنين و
اتهمت فيها خلية من كتائب القسّام ضمّت الشهيدين محمد ريحان و ياسر عصيدة ، و قامت
السلطة الفلسطينية باعتقال هؤلاء و مكثوا في السجن الفلسطيني نحو عامين ، و خرجوا
في ظروف انتفاضة الأقصى . و بعد عملية الشهيد عاصم المدويّة ضد مستوطني عمانوئيل
اتجهت أصابع الاتهام إليه مجدداً بالمشاركة في العملية .
و من الصعب معرفة الأساليب
التي اتبعها نصر الدين عصيدة و رفاقه في التخفّي و كيف أمضوا أيام التخفّي تلك ، و
لكنهم سجّلوا نصراً من نوعٍ ما على القوات الصهيونية المحتلة المجهّزة بالتكنولوجيا
و بنظام إداري استخباراتي و لهم الغلبة على الأرض من خلال القدرة على التوغل و
الاجتياح و الاحتلال و تجنيد عملاء .
و استمرت قوات الاحتلال بمختلف
أجهزتها في ملاحقة نصر الدين و رفاقه المطاردين ، و اعتقلت العديد من أقربائهم ،
خلال عمليات التوغّل و الاحتلال و القمع التي تعرّضت لها بلدة تل ، و التي استمرت
بوتيرةٍ عاليةٍ في محاولة لتحويل حياة سكانها إلى جحيم ، لخروج هذا العدد الكبير و
المميز من المقاومين منها ، و في محاولة لتطمين مستوطني عمانوئيل ، و الرأي العام
في الكيان الصهيوني ، الذي كان ملولاً من فشل شارون المتكرر في جلب الأمن ، رغم
الجرائم و القتل و الاغتيال و فتح سجون جديدة لاستقبال آلاف الفلسطينيين .
و في فجر يوم 4/1/2002م ، كانت
قرية تِل على موعد مع عملية عسكرية صهيونية جديدة ، و يومٍ حزين آخر في حياتها . في
ذلك الفجر ، بدأت عملية عسكرية صهيونية أخرى واسعة ، و يبدو أنها كانت تستند إلى
معلومات استخبارية ، و كان قادة أجهزة أمن الاحتلال موقنين أنهم أخيراً سيقبضون على
نصر الدين عصيدة و رفاقه .
تقدّمت الدبابات و قوات
المستعربين على الأرض و مروحيات الأباتشي في الجو ، و أعلن حظر التجوال في البلدة ،
و تم محاصرة منازل القرية و تشديد الحصار على منازل عائلات المقاومين .
و حسب سكان من القرية فإن
عملية الاحتلال بدأت في نحو الثانية بعد منتصف الليل ، و بعد عمليات التمشيط
الواسعة وقع اشتباكٌ في نحو الساعة الخامسة فجراً ، كان من نتيجته استشهاد المقاوم
نائل تحسين محمد الصيفي رمضان - 20 عاماً - .
و فيما بعد أكّدت مصادر موثوقة
بأن الاشتباك وقع في منطقة يعتقد أن نصر الدين عصيدة موجودٌ بها مع عددٍ من رفاقه
مثل عاصم عصيدة و سامي زيدان و غيرهم ، فتمّ اتخاذ القرار بسرعة ، و قام المقاوم
نائل رمضان بالتغطية على انسحاب البقية و استشهد . و مع ذلك اعتبرت تلك الأوساط ،
أنه رغم استشهاد رمضان فإن العملية فشلت لعدم القبض على القائد نصر الدين عصيدة . و
في ردِّ فعلٍ (عصبيٍّ) أقدمت جرّافات الاحتلال التي شاركت في الحملة العسكرية بهدم
أجزاء من منزل الشهيد ياسر عصيدة .
و حاصرت قوات الاحتلال منزل
عاصم عصيدة ، و هو ابن شقيقة الشهيد ياسر عصيدة ، و سيبرز اسم عاصم بقوة فيما بعد ،
و اعتقلت والده و شقيقه حازم . و بسقوط الشهيد رمضان كان عدد شهداء القرية خلال
انتفاضة الأقصى ، حتى ذلك الحين ارتفع إلى سبعة شهداء ، هم بالإضافة إلى نائل :
محمد لطفي قاسم ، عبد المعين حسن حمد ، مصطفى حلمي رمضان ، ياسر أحمد عصيدة ، محمد
يوسف ريحان ، و عاصم يوسف ريحان . و تراجعت قوات الاحتلال بعد نحو 15 ساعة من
الاحتلال و التنكيل و قتل الشهيد رمضان .
و ودّعت القرية ، في اليوم
التالي 5/1/2002 بكثيرٍ من الحزن و الفخر ، كما يحدث عادة لدى الفلسطينيين ، الشهيد
نائل ، الذي نوّه الكثيرون بخصاله و خصال عائلته و والده الذي اعتقل من قبل قوات
الاحتلال و صدر بحقّه حكمٌ أكثر من عشرين عاماً ، و أفرج عنه ، بعد عدة أعوام في
عملية تبادل الأسرى الشهيرة عام 1985م .
و انطلق موكب الجنازة من
مستشفى رفيديا في نابلس إلى ميدان الشهداء وسط المدينة للصلاة علية في موكب جنائزي
مهيب . و رفعت الأعلام الفلسطينية و ردّدت الهتافات المندّدة بالجريمة و الداعية
لاستمرار الانتفاضة و المقاومة و الردّ على جرائم الاحتلال ، و ألقيت كلمات تأبينية
وداعية للشهيد و أطلق الرصاص تحيةً و وداعاً له.
و أدّى الشيخ ماهر الخرّاز
صلاة الجنازة على الشهيد و من ثم انطلق الموكب الجنائزي إلى مسقط رأسه في بلدة تل ،
سالكاً نفس الطريق التي سلكتها مواكب رفاق دربه : ياسر عصيدة ، محمد ريحان ، عاصم
ريحان . و تمّ مواراة جثمانه الثرى في قريته ، في مسيرة حاشدة ، و أصدرت كتائب
الشهيد عز الدين القسّام التي ينتمي إليها الشهيد بياناً أورِد هنا نصه :
"بسم الله
الرحمن الرحيم
(من المؤمنين
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا
تبديلاً)
دماء أبناء القسّام غالية
علينا و سيدفع الصهاينة الثمن غالياً و نقول للعدو إن الذي يهدّد هو من القسّام و
ستعلمون من هم أبناء القسّام
بيان عسكري صادر عن كتائب
الشهيد عز الدين القسّام
في الوقت الذي يتهم فيه من
يدافع عن نفسه بأنه إرهابي … و طالب المجاهدون بوضع السلاح من أجل كسب ما يسمّى
بالموقف الدولي … يتبيّن للقاصي و الداني أن هذا الدّعم الدولي لا يبكي إلا على
دماء الصهاينة فكلما قام أبناء شعبنا برد العدوان عن أرضهم و الانتقام لشهدائهم
تباكى العالم المتحضّر الزائف على الصهاينة و سارع إلى إرسال مبعوثيهم لممارسة
الضغوط من أجل اعتقال من يدافع عن نفسه و لا يرضى بأن يسلّم رأسه للاحتلال … و
يتبيّن للعالم أجمع أن وقف العمليات و المقاومة تعني الضوء الأخضر للصهاينة في
ارتكاب مزيد من المجازر الوحشية و عمليات الاغتيال ضد أبناء شعبنا و مجاهديه
الأبطال .
فمن قتل الأطفال في غزة و
التنكيل بجثثهم إلى مواصلة الاقتحامات و هدم البيوت و تشريد النساء و الأطفال و
حملات الاعتقال و الحصار و الإذلال لشعبنا جاءت جريمة اليوم ضد أهلنا في قرية تل
الصمود حيث قامت دبابات العدو و مجنزراته و طائرات الأباتشي باحتلال القرية و تصفية
المجاهد (نائل تحسين رمضان) أحد مجاهدي كتائب القسّام الأبطال و تركه ينزف أمام
أهله لساعات طويلة حتى فاضت روحه الطاهرة إلى ربها و اعتقال العشرات من أبناء
القرية و ترويع النساء و الأطفال و الشيوخ و تدمير محتويات كثيرٍ من المنازل و
محاصرة الأهالي داخل منازلهم لساعات طويلة .
و إننا في كتائب الشهيد عز
الدين القسّام إذ نزفّ لشعبنا أحد مجاهدينا الأبطال … نقول للصهاينة إن الكتائب
قادمة لتحوّل حياتكم إلى جحيم و ليدفع كلّ الصهاينة ثمن سياسة زعيم الأمن شارون
الذي لن يجلب للصهاينة إلا القتل و الدمار ، و الكتائب إذا قالت فعلت و إذا وعدت
وفت .
و الله أكبر
.. و لله الحمد
كتائب الشهيد
عز الدين القسّام
4/1/2002م"
و عاش نصر الدين عصيدة و رفاقه
ظروفاً غاية في الصعوبة في الأشهر التالية لاستشهاد رفيقهم نائل رمضان ، و كذلك كان
الحال بالنسبة لعائلاتهم ، التي اعتقل العديد من أفرادها .
و من مخابئهم في الجبال كانوا
يتابعون عمليات الاحتلال بعد احتلال المدن الفلسطينية خلال الأشهر التالية و التي
وصلت ذروتها ، في شهر نيسان عام 2002م في العملية الاحتلالية التي عرفت باسم (السور
الواقي) و التي تم خلالها ارتكاب مجزرة مخيم جنين الشهيرة و مجزرة لا تقلّ بشاعة في
البلدة القديمة في نابلس حيث سقط أكثر من ثمانين شهيداً ، منهم من كان من رفاق
دربهم ، و ارتكبت مجازر بشعة أخرى في مدنية رام الله ، و تمّ دفن الشهداء هناك بعد
أيام في قبر جماعي ، و تمّ محاصرة كنيسة المهد في بيت لحم بعد سقوط العديد من
الشهداء .
و في هذه الأثناء و بعدها كانت
قرية (تل) و محيطها عرضة لاقتحامات قوات الاحتلال بحثاً عن المقاومين ، مثلما حدث
في 2/5/2002م ، حيث تقدّمت الدبابات و المروحيات كالعادة بعد منتصف الليل ، و
حاصروا منازل المطلوبين و أطلقوا النار على منازلهم و أخرجوا أطفالهم و عائلاتهم و
نكّلوا بهم . و أجبروا أمل - 12 عاماً - شقيقة عاصم عصيدة من خلع معطفها بعد
إخراجها و عائلتها إلى خارج المنزل .
و عاشت المدن الفلسطينية
ظروفاً قاسيةً حتى بعد أن خفّت قبضة قوات الاحتلال عنها نسبياً ، و في هذه الأثناء
كانت النواة الصلبة لخلية تل تعاهد شهداءها و شعبها ، و تستعد لوضع بصمتها القوية ،
هذه المرة أيضاً ، على بقرة الاحتلال المقدّسة المسماة الأمن ..!
|