|
الفصل الرابع
من
يلدغ من نفس الجحر
(1)
إذا كان من غير الممكن الإلمام
بظروف نصر الدين عصيدة و رفاقه المختلفة في رحلة المطاردة الطويلة ، دون وجود رواية
من جانبهم ، فإنه يمكن تصوّر ما كانوا يفكرون به من البصمات التي كانوا يتركونها
موقعة خسائر كبيرة في جيش الاحتلال و مستوطنيه ، و هذه المرة كانت بصمتهم واضحة
بأكثر من أي وقت مضى و في نفس الوقت تركوها في المكان الذي لم يتوقّعه أحد سواء من
الفلسطينيين أو من سلطات الاحتلال و مخابراتها .
كانت هذه المرة ، و للمرة
الثانية ، و بشكلٍ مدوّي ، و في "عز الظهر" في عمانوئيل ..!
كان ذلك يوم 16/7/2002م ، في
نحو الساعة الثانية و النصف ، لا أحد يعرف كيف خرج المقاومون ليعترضوا حافلة ركاب
تقل المستوطنين إلى مستوطنة عمانوئيل ، مثلما حدث في المرة الأولى ، و يبدأون
عمليتهم بحصد ركاب الحافلة القادمة من مدينة بني براك قرب تل أبيب إلى عمانوئيل .
و كانت المفاجأة أكثر مما
تحتمل بالنسبة لحكومة الاحتلال و لكن ظروف وقوع العملية و مكانها جعلها لا تستطيع
إنكار ما حدث فأعلنت عن وقوعها و مقتل ثمانية من المستوطنين و جرح أكثر من عشرين
منهم ، وصفت جراح عشرة منهم بالخطيرة .
عمانوئيل … نعم عمانوئيل و
للمرة الثانية ، و في ظروف المطاردة الصعبة .. !
و تردّد أن نفس سيناريو
العملية الأولى التي كان بطلها عاصم ريحان قد نفّذ : انفجار عبوة وضعت في طريق
الحافلة ، فتتوقّف ، ثم يشنّ الهجوم ..!
و لدغ شارون و حكومته و
مستوطنيه من نفس الجحر مرتين ..!
و أصدرت كتائب الشهيد عز الدين
القسّام ما أسمته ببياناً عسكرياً تبنّت فيه بثقة و فخر عملية عمانوئيل الجديدة ، و
أشارت إلى تبنّي بعض الأطراف الفلسطينية لها ، و أورد هنا نص البيان كاملاً :
"الثلاثاء 6 جماد الأول 1423
هـ الموافق 16/7/2002
(وَ ظَنُّوا
أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ
لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم
بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
لن يمنعنا الحصار و منع
التجوّل من ضرب الصهاينة في كل مكان
يا جماهير شعبنا الفلسطيني
المجاهد ……… يا أمتنا العربية و الإسلامية :
بقوة الله و حفظه تعلن كتائب
الشهيد عز الدين القسّام مسئوليتها التامة و المطلقة عن العملية البطولية التي
نفّذت ظهر اليوم الثلاثاء 6 جمادى الأول 1423 هـ الموافق 16/7/2002 حيث تقدّمت إحدى
مجموعاتنا المجاهدة في تمام الساعة 14:40دقيقة بتوقيت القدس المحتلة باتجاه مستوطنة
عمانوئيل المقامة على صدر أرضنا المحتلة حيث كان المجاهدون قد زرعوا عدة عبوات
ناسفة على بوابة المستوطنة و عندما وصلت حافلة المستوطنين التابعة لشركة دان
"الإسرائيلية" فجّر المجاهدون العبوات الناسفة ثم ألقوا ما بحوزتهم من قنابل بدوية
ثم أمطروا الحافلة بوابل من الرصاص القسّامي المنهمر و بحمد الله و توفيقه عادت
المجموعة إلى قواعدها سالمة تحفّها رعاية الرحمن .
إن كتائب القسّام تؤكّد أن نفس
المجموعة التي نفّذت عملية عمانوئيل في شهر ديسمبر الماضي و في نفس المكان و قتل
فيها 11 صهيونياً و أصيب العشرات هي نفس المجموعة التي نفّذت عملية اليوم .
إن كتائب الشهيد عز الدين
القسّام إذ تهدي هذه العملية لكافة أبناء شعبنا المجاهد و تؤكّد على ما يلي :
1. إن كتائب القسّام أقسمت أن
تسدّد ضرباتها في كلّ مكان يطاله المجاهدون حتى يرحل الصهاينة عن أرضنا صاغرين .
2. كتائب القسّام تؤكّد على أن
مسيرة الجهاد و المقاومة ستستمر بإذن الله تعالى .
3. ندعو الفصائل التي تبنّت
هذه العملية إلى سرعة نفي التبني لأن كتائب القسام تمتلك الأدلة الكافية لذلك ، و
سنقوم بنشر تفاصيل العملية في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله تعالى .
إنه لجهاد ..
نصرٌ أو استشهاد
كتائب الشهيد
عز الدين القسّام
الثلاثاء 6 جماد الأول 1423 هـ
الموافق
16/7/2002"
و بدأت الأوساط الصهيونية
تحاول إيجاد المبررات لذلك الاختراق ، فتمّ الحديث عن أن المهاجمين ارتدوا ملابس
جيش الاحتلال لدى تنفيذهم العملية ، و هو ما اعتبره المراقبون إحدى ميزات المقاومين
الذين يتحلّون ليس فقط بشجاعة بل أيضاً بتخطيط و ذكاء .
و من السهل توقّع ماذا ستكون
ردة جيش الاحتلال "المقهور" ، فبدأت وحداته المنتقاة عمليات تمشيط واسعة بحثاً عن
المهاجمين ، و وحدات أخرى استباحت قرية تل و مساكنها و سكانها ، في عملية هي الأوسع
التي تتعرّض لها القرية ، و نفّذت حملة اعتقالات واسعة طالت أهالي المطاردين و
المطلوبين .
و حاصرت قوات الاحتلال منزل
نصر الدين عصيدة و أجبرت السكان على الخروج منها تحت الضرب و قامت بنسفه بالديناميت
مما أدّى إلى تدميره بالكامل و تطاير الحجارة إلى مسافات كبيرة و تضرّر عشرات
المنازل .
و حاصرت عدداً من المنازل منها
منزلي المطاردين عاصم عصيدة و سامي زيدان اشتية و اعتقلت قوات الاحتلال مصطفى عصيدة
والد نصر الدين و أربعة من أبنائه ، و والد المطارد سامي زيدان و عمره أكثر من ستين
عاماً و خمسة من أبنائه ، و اعتقل سميح عصيدة والد المطارد عاصم و شقيقه حازم .
و تزامن ذلك مع حملة أخرى في
مخيم عسكر الجديد شرق مدينة نابلس ، حيث تم مداهمة منزل محمد أحمد العجوري والد
المطارد علي العجوري أحد قادة كتائب شهداء الأقصى ، و تم نسف المنزل المكوّن من
ثلاثة طوابق و تدمير 10 منازل محيطة بها بينها أربعة منازل بشكلٍ كامل .
و نفّذت حملة اعتقالات لعائلات
المطلوبين في نابلس كان من بينهم كفاح العجّوري شقيق علي العجّوري ، و كانت قوات
الاحتلال اعتقلت سابقاً شقيقتهما انتصار و حوّلتها للاعتقال الإداري بدون محاكمة .
و بدأ الحديث عن نية سلطات الاحتلال إبعاد المطلوبين إلى قطاع غزة ، و في هذه
الأثناء كانت عمليات التمشيط الصهيونية جارية .
(2)
بعد وقوع العملية و اتهام نصر
الدين عصيدة بالوقوف وراءها و بالتوازي مع هدم منزله و اعتقال والده و أشقّائه و
أفراد عائلتيّ سامي زيدان و عاصم عصيدة ، شنت قوات الاحتلال حملة تمشيط واسعة
لملاحقة نصر الدين و رفاقه ، في منطقة وادي قانا و محيط مستوطنة عمانوئيل ، و أعلن
جيش الاحتلال أن هناك اعتقاداً بأن مقاوماً أو اثنين من منفّذي الهجوم ما زالا
مختبئين في تلك المنطقة .
و وقع صباح اليوم الثاني
لتنفيذ العملية ، حادث آخر ، بعد وقوع اشتباك بين قوات "التمشيط" الصهيونية و أحد
المقاومين الذي تمكّن من قتل أحد ضبّاط جيش الاحتلال و إصابة ثلاثة من الجنود .
و بعد تلك المعركة استشهد
المقاوم و الذي اتضح فيما بعد أنه عاصم عصيدة ، أحد الذين تم مداهمة منزل عائلته في
قرية تل و اعتقال والده و شقيقه حازم .
و حسب تقرير أعدّه الصحافي
نصير الريماوي رصد فيه عدداً من "المفارقات" في حياة عاصم ، فإنه استشهد بتاريخ
17/7/2002م في ذكرى زواج والده ، و تاريخ ميلاده (2/11) يصادف اليوم التالي
لاستشهاد خاله ياسر عصيدة ، و عندما ولد عام 1979م كان والده معتقلاً في سجن نابلس
و استشهد و والده في المعتقل . و هو يحمل نفس اسم الشهيد عاصم ريحان زميله في نفس
المدرسة و في نفس الصف و استشهدا في نفس المنطقة و في ظروف مشابهة .
قال والد عاصم للصحافي
الريماوي : "إنه عندما ولد ابني عاصم لم أعلم بمولده لأنني كنت في قسم التحقيق في
سجن نابلس و لم أعرف بمولده إلا بعد خروجي من السجن و عرفت بالأمر عندما التقيت في
مدينة نابلس مع بعض الناس و أبلغوني بولادته ، و عندما وصلت المنزل في قريتي تل كان
سؤالي الأول عن طفلي الثاني و أخذته و حضنته و قبّلته بحرارة باكياً و سألت عن اسمه
فقال والدي سميته عاصم ليعصم عنا الشر" .
و لم يعرف والد عاصم باستشهاده
لأنه كان في السجن مهدّداً بالإبعاد ، و لم يعرف باستشهاد ابنه إلا بعد عشرة أيام ،
و في داخل المعتقل كتب والد عاصم قصيدة رثاء بغياب الورق و القلم و حفظها في قلبه .
و خارج المعتقل لم يتأكّد أهل
قرية تل و عائلة الشهيد من استشهاد عاصم إلا بعد سبعة أيام من استشهاده ، و في ظلّ
غياب والده و شقيقه حازم في المعتقل ، استقبلت عائلته المعزين باستشهاده و الذين
توافدوا بالمئات من مختلف المناطق .
و كشف عن وصيةٍ تركها عاصم طلب
فيها بعدم البكاء عليه و أن تتحوّل أيام عزائه إلى أيام فرح يتم فيها توزيع الحلوى
، و أن تستمر الأسرة في إجراءات زواج شقيقه حازم دون أي تأخير .
و كتب : "العين بالعين و السن
بالسن و البادئ أظلم ، و اقتحام القرى باقتحام المستوطنات" و كان ذلك أكثر من وصية
، إنها بيانه السياسي و مجموعته المقاومة . و برأيي إنه يتوجّب التوقّف قليلاً عند
ما خطّه والد عاصم من رثاء له .
(3)
كتب الأستاذ سميح والد الشهيد
عاصم مقدمة لقصيدة الرّثاء التي كتبها لابنه قائلاً : "الحمد لله رب العالمين و
الصلاة و السلام على سيّد المرسلين و على آله و صحبه أجمعين و بعد :
هذه كلمة رثاء لولدي الحبيب
الشهيد البطل "عاصم سميح عصيدة"بطل عملية عمانويل الثانية ، و الذي استشهد خلال
اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال الصهيوني إثر تنفيذه العملية البطولية المذكورة فجر
يوم الأربعاء الموافق للسابع عشر من تموز عام ألفين و اثنين للميلاد ، و لدي الحبيب
عاصم ، أستهلّ كلامي بقول الله تعالى "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلاً" صدق الله العظيم .
حبيبي عاصم ،
قبّلت جبينك
يا ولدي
قبّلت سلاحك
يا ولدي
قبّلت حذاءك
يا ولدي
قبّلت النور
الساطع في عينيك
قرأت في
محيّاك الشهامة و العنفوان
و لمحت في
عينيك صدق البيان
و شهدتك فجراً
تقرأ القرآن
فأيقنت في
صدرك عهداً و إيمان
و يمكن تصوّر اللواعج التي
تنتاب الأب - أيّ أب - عندما يأتيه خبر استشهاد ابنه ، و هنا يفخر الأستاذ سميح
بابنه أمام العالم "يا لها من معادلة مذهلة يا ولدي ، أحد طرفيها فردٌ واحدٌ
ببندقية و رصاصات متبقية قليلة ، بينما الطرف الآخر آلاف الجند المزوّدين بالطائرات
و الدبابات و المدافع و القنابل .
لله درّك يا ولدي ما أعظم
إيمانك ، و سبحان الذي منحك هذه الجرأة النادرة و العزيمة الأسطورية ، يا ليتني يا
ولدي كنت إلى جانبك ، أشاطرك هول الموقف ، و أقاسمك قسوة اللقاء . يا ليتني يا ولدي
كنت أقف أمامك ، أحميك بصدري ، و أفديك بدمي ، لكن إرادة الله حالت دون ذلك" ..
و يستمر في مخاطبة ابنه راسماً
و متخيلاً المشهد الفصل الذي عاشه فلذة كبده ، في اليوم الثاني للعملية و بعد
مطاردة جنود الاحتلال لمنفّذي العملية : "أعددت سلاحك يا ولدي ، و صلّيت خاشعاً لله
، و قبّلت تراب وطنك ، و قبّلت رصاصاتك الباقية ، و انتظرت بزوغ الفجر بفارغ الصبر
، و ما إن لاحت تباشير الصباح ، صباح الأربعاء الموافق للسابع عشر من تموز عام
ألفين و اثنين للميلاد ، حتى وقفت شامخاً بصدرٍ يعمره الإيمان ، تجول بعينيك كعيون
الصقر المتأهب للانقضاض ، فما إن لمحت مجموعة من الجند في موقعٍ قريب منك ، حتى
وثبت نحوهم كبرقٍ من السماء تمطرهم برصاصاتك الغالية ، هاتفاً الله أكبر ، فأرديت
قائدهم قتيلاً ، و سقط عدد من جنوده يتخبطون بدمائهم ، و استمر رصاصك يا ولدي
مدوّياً حتى عزّ الرصاص ، فجنّ جنون جند الشر و الطاغوت ، و انهالت عليك قذائفهم
لتطال المارد المغوار ، فاستجاب رب العزة لرغبتك و دعاك و منحك الشهادة التي أبليت
في طلبها ، فهويت مقبلاً سلاحك و مكبراً لله ، و سال دمك الطاهر يا ولدي مدراراً ،
ليروي أشجار الزيتون التي أحببت ، و ليطهر تراب الوطن من دنس الأشرار ، لتنبت
الزنبقة الطيبة الطاهرة نقية" ..
و بكلماتٍ مؤثّرة يستمر
مخاطباً ابنه واثقاً أنه يسمعه : "طارت روحك يا ولدي عبر جراحك ، تحف بها ملائكة
الرحمة ، لتبدأ رحلتها الأبدية عبر الزمان و المكان ، نحو ملكوت الله في الأعالي ،
لتنعم أرواح من سبقك من الشهداء من أمثال خالك ياسر ، و صديقك نائل و صحبك من أمثال
مصطفى إلى الأخوين سميك عاصم و أخيه محمد و غيرهم من أبناء قريتنا الميامين الذين
جادوا بدمائهم في سبيل الله" .
و يطمئن ابنه قائلاً : "أصبحت
الآن يا ولدي جزءاً من الماضي في مفهومنا البشري ، لكنك الحاضر و المستقبل في ملكوت
خالق الكون ، و يا للصدفة و الغرابة مرة أخرى ، فتاريخ استشهادك يا ولدي يصادف
تاريخ زواجي من أمك الغالية ، حبيبي عاصم : بلغني نبأ استشهادك داخل زنزانة
الاعتقال ، فامتزجت في صدري عواطف متناقضة ، فمن جانب عاطفة اللوعة للفراق الأبدي ،
في هذه الدنيا الفانية ، و من جانب آخر عاطفة السعادة لأن الله تعالى لبى لك طلب
الشهادة التي قصدت ، فحبست الدمع في عيني ، و كتمت الحرقة في صدري أمام ولدي أخيك
حازم ، و توجّهت لله تعالى أن يكون في عون أمك ، التي جاءها خبر استشهادك و أنا و
ابننا حازم بعيدين عنها ، دعوته سبحانه بقلب صادق يغمره الإيمان و الرضى بما أراد ،
فاستجاب و أنزل سكينته عليها ، و منحها الصبر و قوة الاحتمال ، فالحمد لله ربي على
ما أراد ، نعم الإرادة إرادتك .
و يتوجّه إلى الله داعياً :
"اللهم لا تحرمني رؤياه و لقاءه يوم الحساب ، لأقبّل جبينه و أضمه إلى صدري ، اللهم
امنحني ما منحته ، و اكتب لي نهايةً كنهايته ، أتوجّه لك ربي بهذا الدعاء ، بقلبٍ
خالص لك و بنية أنت أعلم بها ، إنك على كلّ شيء قدير ، و في الختام يا ولدي ، و إلى
أن نلحق بك و ننعم بلقائك ، استودعك الله و أختم كلامي بقوله تعالى : (يا أيتها
النفس المطمئنة ، إرجعي إلى ربك راضية مرضية و أدخلي في عبادي و أدخلي جنتي) صدق
الله العظيم ..
و يختم حديثه لابنه : "بقي يا
ولدي أن أهدي روحك الطاهرة هذه الأبيات الشعرية التي نظّمتها في زنزانة الاعتقال ،
بعد سماعي نبأ استشهادك ، و حفظتها عن ظهر قلبٍ ، و دوّنتها بعد إطلاق سراحي" ..
و مما كتبه الأستاذ سميح لابنه
شعراً هذه المرة :
"قالت يا بني
فداك عمري
فداك الروح يا ولدي و مالي
حضنتك يا بني
و في فؤادي
حنان الدهر باقٍ لا أغالي
أتتك الأخت يا
ولدي بزادٍ
هتفت مرحباً أختي تعالي
لثمت جبينها
شوقاً فكانت
آخر مشهد يحكي الوصال
فلما دق ناقوس
المنايا
و حام العوم في بحر النزال
هتفت مزمجراً
الله أكبر
لعمرك يا أخي هذا احتفالي
صليت مراكب
الأعداء ناراً
مغيراً بالرصاص إلى التوالي
فجنّ جنونهم
سحق المطايا
و راحوا يجمعوا فرق الثمالي
و رحت تراقب
الأمر ملياً
و ترصد سيرهم عبر الظلال
سهرت الليل
مقداماً عنيداً
كصقرٍ رابض في برج عالي
و لما لاح في
الفجر ضياء قفزت
كصرصر تذرو الرمال
أذقت كبيرهم
كأس المنايا
و أرهبت الجحافل و الموالي
فصبّوا نار
غيظهم جحيماً
فطالت فارساً صعب المنال
لثمت سلاحك
المعطاء حتى
رشفت المجد من نبع زلال
هويت متمتماً
الله ربي
لرب الكون أولى أن توالي
مهرت على أديم
الأرض وشماً
نشيداً خالداً عذب المقال
نشقت رواية
بدمٍ طاهر
تخال لروعها قصص الخيال
صعدت مراتب
الأبطال حتى
غدوت معانقاً سطح الهلال
أروني رسمت
الوضاء ليلاً لعل
الرسم ينبؤهم بحالي
معاذ الله أن
أبدي مهاناً
فليس الوهن من شيم
الرجال
معاذ الله أن
أدلي بحرفٍ
و لو بتروا يميني عن شمالي
لأنت الأم تاج
فوق رأسي
حملت العبء أثناء اعتقالي
نطرت الفارس
المغوار دهراً سهرت
الليل ساعات طوال
كفاك الفخر
بالمغوار تاجاً
كما الأزهار تكتنف التلال
حبست الدمع يا
ولدي لكن
ضروب الدهر فوق الاحتمال
سألت الله أن
يرعاك عني و
يكرمك المكانة ذو الجلال
لعمري يا بنيّ
أراك تزهو بروض
المصطفى خير الأهالي
فطب يا صاح
باللقيا مكاناً
و حلق في الجنان و في المعالي
كتب والد عاصم هذه الكلمات في
السجن و حفظها غيباً ، و في الخارج كان عدد ضحايا عملية عمانوئيل يزداد ، و الصحف
العبرية تنشر المزيد من المعلومات عن العملية و ذكرت إحداها بأن المقاومين بلباس
جيش الاحتلال دخلوا إلى الحافلة بشجاعة و رباطة جأش و عندما قدم أحد حراس مستوطنة
عمانوئيل إلى داخل الحافلة يسألهم عما حدث أمطروه بالرصاص .
و أثناء ذلك كانت سلطات
الاحتلال مستمرة في خطة الانتقام من أقرباء المقاومين .
(4)
و بعد تلك الاعتقالات الواسعة
لأهالي المتهمين بتنفيذ و تخطيط عمليات فدائية ، بدأت حكومة الاحتلال تفكّر باتخاذ
قرارات إبعاد بحق هؤلاء إلى قطاع غزة ، كنوع من العقاب "و ردع" آخرين من أن يقوموا
بتقديم الحماية لأقاربهم المتهمين .. ! .
و هدّدت كتائب شهداء الأقصى
بضرب عائلات مسؤولين صهاينة في حال قامت سلطات الاحتلال بإبعاد منفّذي العمليات
الفدائية أو الذين يقفون وراءها إلى غزة .
و أكدت في بيانٍ أصدرته بتاريخ
21/7/2002م حمل توقيع كتائب شهداء الأقصى- الجيش الشعبي : "نحذّر المحتلين بأننا
سنضرب و نهاجم عائلات المسؤولين الصهاينة إذا نفّذ قرار الترحيل بحق عائلات
الاستشهاديين" ..
و بالمناسبة ، أو بدونها ، دعا
البيان الدول العربية إلى قطع كلّ اتصال مع الكيان الصهيوني متهماً بعضها دون أن
يسمّيها "بتخريب المقاومة الفلسطينية" ..
و كانت بالفعل قضية الإبعاد
تشغل الرأي العام ، الذي كان صدِم في السابق و في شهر نيسان الماضي من عملية إبعاد
كبيرة تمت إلى الخارج و إلى غزة شملت نحو خمسين من الذين حوصروا في كنيسة المهد
أثناء عملية الاحتلال العسكرية المسماة "السور الواقي" .
و تزامناً مع صدور بيان كتائب
شهداء الأقصى تقدّم نحو 21 أسيراً من الذين تتهم حكومة الاحتلال أقرباءهم بتنفيذ أو
الوقوف وراء العمليات الفدائية بالتماس إلى محكمة العدل العليا الصهيونية عن طريق
مؤسسات حقوقية ، لاتخاذ قرار بحظر إبعادهم إلى غزة .
و لكن المحكمة لم تستجب لذلك ،
و اكتفت سلطات الاحتلال بالتعهد أمام المحكمة بإعطاء من تريد إبعاده إلى غزة
إشعاراً قبل الإبعاد بـ 12 ساعة ..! و بدا ذلك في تلك الظروف "قراراً مهماً" حسب
تعبير المحامية ليئا تسيمل لسبب بسيط "أنه لم يسبق أن كان هناك إشعار في الماضي
للذين ينفّذ بحقّهم الإبعاد" ..
و في تلك الفترة تردّدت أسماء
كثيرة كانت مرشحة للإبعاد إلى غزة ، و لكن برز من تلك الأسماء في فترة لاحقة أسماء
عبد الناصر عصيدة (34 عاماً - شقيق نصر الدين عصيدة و انتصار العجوري (34 عاماً) و
كفاح العجوري (28 عاماً) ، شقيقا المسئول في كتائب شهداء الأقصى علي العجوري الذي
اتهمته سلطات الاحتلال بالوقوف خلف عملية استشهادية مزدوجة نفّذت في مدينة تل أبيب
بتاريخ 17/7/2002م . و اتهمت سلطات الاحتلال شقيقته انتصار بحياكة الحزام الناسف و
وفّرت مع شقيقها كفاح مخبئاً لشقيقهما علي .
و خاضت سلطات الاحتلال حرب
أعصاب ضد المعتقلين من أهالي المطلوبين ، ملوّحة بقضية الإبعاد ، و أصدر المستشار
القضائي لحكومة الاحتلال "إلياكيم روبينشتاين" في ساعات مساء يوم الخميس 1/8/2002م
، قراراً سمح بموجبه لجهاز الأمن العام (الشاباك) بإبعاد عددٍ من أفراد عائلات
منفّذي العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر ، و المقاومين الفلسطينيين الذين
شاركوا في أعمال مقاومة مسلحة ضد قوات الاحتلال و المستوطنين داخل الأراضي المحتلة
، من الضفة الغربية إلى قطاع غزة . و سمح المستشار القضائي أيضاً بتدمير منازل ذوي
عددٍ منهم .
و في أعقاب صدور هذا القرار ،
أقرّ المجلس الوزاري الصهيوني الخاص بالشؤون السياسية و الأمنية ، خطة لإبعاد
أفرادٍ من عائلات المشاركين في تنفيذ العمليات الاستشهادية و هدم منازلهم . و على
الفور ، نفّذت قوات الاحتلال سلسة من عمليات الهدم و التجريف طالت 14 منزلاً سكنياً
في عدة محافظات من الضفة الغربية ،
و في اليوم التالي 2/8/2002م
وقّع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال قرارات إبعاد بحق عبد الناصر عصيدة و
كفاح و انتصار العجوري ، و مثلما "تعهّدت" حكومته لمحكمة العدل العليا الصهيونية
أعطيَ المشمولين بالقرار مهلة 12 ساعة للاعتراض على قرار الإبعاد ، و هو ما تولّته
إحدى المؤسسات الحقوقية ، و شهدت تلك الأيام عمليات نسفٍ و هدمٍ لمنازل
الاستشهاديين و المطلوبين بقرار من المستشار القضائي لحكومة الاحتلال .
و خلال ذلك كانت تكثف البحث عن
المطلوبين ، و بتاريخ 5/8/2002م تمكّنت قوات الاحتلال من الوصول إلى مخبأ علي
العجوري في قرية جبع - قرب جنين ، و اغتياله .
و تم ذلك وفقاً لروايات مستقلة
على النحو التالي : "في حوالي الساعة 12:30 من منتصف ليلة الإثنين الموافق 5/8/2002
، أطلقت طائرتان مروحيتان (إسرائيليتان) صاروخي جو - أرض باتجاه منطقة حرجية تقع
شرقي بلدة جبع ، إلى الجنوب من مدينة جنين ، ثم قامتا بتمشيط المنطقة ، و قصفها
بالرشاشات الثقيلة . و بعد مغادرة الطائرتين سماء المنطقة ، هرع عددٌ من أهالي
البلدة إلى المنطقة بحثاً عن ضحايا محتملين . و استمرت عمليات البحث حتى ساعات
الفجر ، حيث عثر الأهالي على جثماني شابين مضرجين بدمائهما . و على الفور أبلغوا
إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني ، و قام طاقم الإسعاف الذي حضر إلى المكان بنقل
الجثمانين إلى مستشفى د. خليل سليمان في مدينة جنين . و في وقتٍ لاحقٍ تم التعرف
على هوية الشهيدين بصعوبة بالغة ، و تبين أنهما :
1)
الشهيد علي محمد أحمد العجوري - 23 عاماً - من مخيم عسكر الجديد ، و أصيب
بشظايا صاروخٍ في الجزء العلوي من الجسم ، أدّى إلى خروج جميع أحشائه .
2)
الشهيد مراد سليمان زهدي مرشود - 21 عاماً - من مخيم بلاطة . أصيب بشظايا
صاروخ في الجهة اليمنى من الوجه و الرقبة و الساق اليسرى ، و أربعة أعيرة نارية من
النوع الثقيل في كتفيه" .
و لم تنجح جهود الاحتلال
بالوصول إلى نصر الدين عصيدة ، بينما كان الثلاثة المهدّدين بالإبعاد : ناصر الدين
و كفاح و انتصار يخوضون الإجراءات الشكلية لمنع إبعادهم و كانت تطوّرات الأسابيع
التالية في قضيتهم على النحو التالي :
*13/8/2002 .. محكمة صهيونية عسكرية في مستوطنة بيت آيل قرب رام الله ، تردّ
الاعتراض بمنع الإبعاد و تقرر إبعاد الثلاثة إلى غزة . و كان هناك ردود فعل مختلفة
على تلك القضية من بنيها ما صرّح به مصدر مسؤول في حركة حماس ، معتبراً قرار
الإبعاد (يمثّل اعتداءً صارخاً على حقوق الإنسان في العيش على أي بقعة من وطنه ، و
تنفيذاً لسياسة العقاب الجماعي الذي تتعامل فيه سلطات الاحتلال ضد أبناء الشعب
الفلسطيني . و إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إذ تُدين هذا القرار الجائر ،
فإنها تدعو المجتمع الدولي بكافة مستوياته الرسمية و الشعبية إلى العمل على وقف هذه
الممارسات اللاإنسانية . و تؤكّد أن هذه الأساليب – رغم قسوتها و شدّتها - لن تمنع
الشعب الفلسطيني من الاستمرار في انتفاضته و مقاومته للاحتلال . و ستكون هذه
السياسة الظالمة وبالاً على الاحتلال بإذن الله" ..
*3/9/2002م .. بدأ شهر أيلول في ذلك العام بمجزرة صهيونية في بلدة طوباس راح
ضحيتها خمسة شهداء من بينهم طفلان و كان الهدف منها اغتيال أحد المطلوبين لقوات
الاحتلال ، و في اليوم التالي لتلك المجزرة أعدم جنود الاحتلال أربعة من العمال
الفلسطينيين بعد اقتيادهم من محجر شرق الخليل . و في اليوم الثالث من أيلول أصدرت
محكمة العدل العليا الصهيونية قراراً نهائياً ، هذه المرة ، بعد وصول الإجراءات
الشكلية إلى منتهاها ، بطرد كفاح و انتصار العجوري مدة عامين إلى غزة ، و في نفس
الوقت ، و لأسباب شكليّة على الأرجح ، منعت إبعاد عبد الناصر عصيدة شقيق نصر الدين
عصيدة ، و إعادته إلى السجن . و نظر في القضية تسعة قضاة بعد الالتماس الذي قدّمته
عدة جمعيات حقوقية . و هذه المرة أعلنت السلطة الفلسطينية احتجاجها على قرار
الإبعاد و قال صائب عريقات وزير الحكم المحلي إن القرار خطير جداً و سابقة خطيرة و
تثبيت للعقوبات الجماعية ، و سندرس التوجّه إلى أكثر من محفلٍ دولي قد تكون محكمة
العدل الدولية أو مجلس الأمن" .. و بالطبع لم يحدث أي شيء من ذلك .
*4/9/2002م .. في هذا اليوم تم جلب انتصار العجوري من سجن نفي ترتسيا للنساء
قرب "تل أبيب" إلى معسكر الجيش الصهيوني في بيت آيل حيث كان شقيقها كفاح قضى ليلته
في إحدى زنازينه ، و سمح لهمها بوداع بعض أفراد عائلتهما لعدة دقائق ، ثم تمّ تقييد
أيديهما و أعينهما و وضعا في سيارات عسكرية و تم الاعتداء عليهما في الطريق ، ثم
تمّ رميهما قرب مستوطنة نيتساريم في قطاع غزة ، و بدءا بالسير حتى التقيا مع أحد
المزارعين الذي أخبرهم أن المنطقة التي يوجدان بها خطيرة للغاية و كانت سلطات
الاحتلال ارتبكت فيها مجزرة قبل أيام ، و ساعدهما بالوصول إلى مكانٍ أكثر "أمناً"
في وطن كان مستباحاً من قوات الاحتلال .
و في الأسابيع التالية اعتصم
كفاح و انتصار أمام مكاتب الصليب الأحمر في مدينة غزة ، و أصبح ذلك الموقع (مقرهما)
شبه الدائم ، و كان مقدّراً لهما أن يستقبلا فيه في أوائل شباط 2003م المعزّين
بوفاة والدتهما ، التي توفيت في نابلس و لم يسمح لهما بالتوجّه لإلقاء النظرة
الأخيرة عليها و العودة إلى غزة كما طلبا . و وقف كفاح في خيمةٍ أمام مكاتب الصليب
الأحمر يستقبل الرجال من المعزين ، بينما وقفت شقيقته انتصار في الحديقة الخلفية
لمكاتب الصليب تستقبل المعزيات" .
بعد عمليات الإبعاد تلك ، و
احتجاز الأهالي في المعتقلات ، و تكثيف المطاردة كان المقاومون و رغم ظروفهم الصعبة
مصمّمين على إسماع صوتهم ، و جاء هذه المرة من أحد رفاق نصر الدين عصيدة .
|