|
الفصل الخامس
حزن
الغزلان
(1)
و استمرت عمليات البحث و
التوغل و القمع و الاعتقال في قرية تِل و من عمليات التوغل المؤلمة التي تعرّضت لها
القرية ، تلك التي حدثت يوم الجمعة 8/11/2002م ، و كانت تصادف الجمعة الأولى في
رمضان .
كانت جموع المواطنين متوجّهة
ظهراً إلى مسجد القرية ، عندما فاجأتهم قوات الاحتلال التي تسلّلت إلى القرية و
فتحت النار على المواطنين المتوجّهين للتعبد ، فاستشهد الشاب أحمد عبد الفتاح رمضان
. و مثلما حدث مراتٍ كثيرة لم تستطع قوات الاحتلال القبض على أبرز اثنين من
المطلوبين لها الآن : نصر الدين عصيدة و سامي زيدان اشتية .
و بعد نحو أسبوعين ، و في سياق
متصل – منفصل عن قصتنا ، تمكّن الأسير نزار رمضان أحد رفاق نصر الدين عصيدة من
الفرار من سجن (هشيكما) في مدينة عسقلان ، و كان تم إلقاء القبض عليه من قبل سنوات
الاحتلال سابقاً و حكم بالسجن مدى الحياة مرتين لاتهامه بالمشاركة في قتل اثنين من
حرّاس مستوطنة يتصهار عام 1998م .
و هرب مع نزار رفيقه محمد حاج
صالح البالغ من العمر- 26 عاماً - من مدينة جنين و ينتمي إلى حركة حماس ، و كان قد
حكِم عليه بالسجن مدى الحياة إضافة إلى عشر سنوات أخرى ، و ذلك لاتهامه بأنه كان قد
وضع سيارة مفخّخة في سنة 1994م بالقرب من حافلة الركاب رقم 348 في مدينة العفولة .
و كان وقْع عملية الهروب
مؤثّراً على الرأي العام الفلسطيني و الصهيوني ، فالسجن يخضع لإجراءات أمنية مشدّدة
من كلاب حراسة و أبراج مراقبة و كاميرات و دوريات عسكرية على مدار الساعة و بدأت
وسائل الإعلام الصهيونية الرسمية تبث أوصافاً للهاربين من أجل المساعدة بالقبض
عليهم ، و حسب راديو الاحتلال فإن (محمد صلاح) طوله يبلغ 172 سم ، أسود الشعر ، و
عيناه بنيتان و له لحية قصيرة و يلبس نظارات طبية إطارها أسود ، أما نزار رمضان
فيبلغ طوله 158 سم ، متوسط البنية ، عيناه بنيتان و شعره أسود و له لحية قصيرة .
و تم تشكيل لجنة تحقيق تبحث في
كيفية تمكّن الأسيرين من الفرار بعد تسلّق جدار السجن الذي يبلغ ارتفاعه أكثر من
عشرين متراً و الوصول إلى سور السجن و تسلقه دون أن يكتشف عملية الهروب أحد . و قطع
الأسيران مسافة تزيد عن عشرين متراً قفزاً ، ما بين السطح الذي قفزا منه و الجدار
الذي تسلقاه .
و بذلت سلطات الاحتلال جهوداً
استثنائية حتى قبضت على الأسيرين في المنطقة الصناعية في مدينة عسقلان . و تبين أن
الأسيرين قطعا قضيباً في ممر أحد أقسام السجن ، و نجحا في الوصول إلى سقف السجن
المنخفض من سقف القسم نفسه ، و ألقى الإثنان حبلاً من السقف الذي وصلا إليه ليرتبط
في السور و في عملية تسلق عبر الحبل نجحا بالوصول إلى السور ، ثم قفزا عنه و لاذا
بالفرار .
و في حين توقّفت عملية البحث
عن نزار رمضان و رفيقه فإن المطاردة و البحث عن نصر الدين عصيدة و رفاقه كانت
مستمرة و مكثّفة . و في مثل هذه الأجواء من المطاردة و القمع و القتل و عمليات
الاغتيال و اعتقال المزيد من عائلات المطاردين ، وقع حادث له دلالاته مع إقبال عامٍ
ميلادي جديد .
(2)
بتاريخ 1/1/2003م ، أعلنت
مصادر صهيونية بأن فلسطينياً قتل مساءاً قرب مستوطنة قدوميم ، و قال مصدر عسكري
صهيوني إن وحدة عسكرية رصدت فلسطينياً يحمل كيساً كبيراً و يقترب من المستوطنة ، و
أنه بعد "التحذير المستخدم لاعتقال مشبوه ، فتح الجنود النار مما أدّى إلى انفجارٍ
قويّ للقنبلة التي كانت مخبأة في الكيس و مقتل حاملها" . و كان هذا الإعلان
الصهيوني أكثر من مريب ، و لم يكن من المناسب أخذ الرواية الصهيونية على محمل
المصداقية .
و كان هناك اعتقاد بأن عملية
اغتيالٍ أو إعدامٍ ميداني نفّذت بحق الشهيد الذي لم تعرف هويته بعد ، و لم يكن من
السهل معرفة ذلك ، إلا أن آخرين من رفاقه كانوا بالطبع يعرفون هوية الشهيد ، و
لكنهم انتظروا لأسبابهم الخاصة و ظروفهم الصعبة مدة يومين ، قبل أن يتصل بعضهم
بوسائل الإعلام ، معرّفين عن أنفسهم بأنهم من كتائب الشهيد عز الدين القسام ، و بأن
الشهيد هو رفيقهم سامي سمير زيدان اشتية - 24 عاماً - من قرية تل .
و ربما كان من المتصلين نصر
الدين عصيدة و رفاقه الذي فقدوا واحداً منهم باستشهاد سامي زيدان ذلك المقاوم
العنيد و الشجاع ، الذي ولد في قرية تل يوم 11/10/1980م . و في ظروف بالغة التعقيد
تأخّر صدور بيانٍ عن كتائب القسام ينعي الشهيد ، و لكن بعد صدوره كان فيه رواية
أخرى لما حدث ، و أشار البيان إلى استشهاد الشهيد سامي "بعد معركة بطولية مع الجنود
الصهاينة في منطقة وادي قانا بالقرب من مغتصبة يتصهار الصهيونية جنوب مدينة نابلس"
.
و أوضح البيان "أن الشهيد كمن
لدورية صهيونية و اشتبك معها في حوالي الثامنة من مساء الثلاثاء 31/12/2002 و حقّق
إصابات مباشرة فيها ، ثم انطلق إلى كمين آخر ليذيق العدو ألوان العذاب ، و لقد
لاحقته قوات كبيرة من جيش الاحتلال مدعمة بطائرات مروحية صهيونية .. فاشتبك معهم
لأكثر من ثلاث ساعات في معركة بطولية إلى أن تمكّنت مروحية صهيونية من إصابته
بصاروخٍ مباشر أدّى إلى استشهاده .. و ذلك في فجر يوم الأربعاء 1/1/2003 م" .
و أضاف البيان : "من الجدير
ذكره أن الشهيد له أثر بارز في العمليات البطولية النوعية و التي سنذكر تفاصيلها في
بيانات قادمة" . و كان من المرجح أن من تلك العمليات عمليتي عمانوئيل المدويتين ..
!
و حسب تقريرٍ نشره المركز
الفلسطيني للإعلام ، في موقعه على الإنترنت عن حياته ، فإنه نشأ في بيت متديّن ، و
كان من رواد المساجد منذ صغره ، و بعد إنهائه للثانوية العامة ، عمل مع والده في
الأرض ..
و قال والده لمراسل المركز :
"لقد فتح سامي عينيه و هو يرى الاحتلال الصهيوني .. و يرى منهم القهر و الظلم و نسف
البيوت و ما يتعرّض له أبناء الشعب الفلسطيني من إهانات و مآسي من الاحتلال .. فكان
من الطبيعي أن يكون هناك ردة فعلٍ ضد هذا الاحتلال .. و يكون هناك الشباب الذين
يقاومون الاحتلال و ظلمه و طغيانه .. و كان ولدي سامي من هؤلاء الشباب الذين
ترعرعوا على حب الوطن منذ صغرهم و عايشوا الانتفاضة الأولى و هم صغار في السن ، و
رأوا من الظلم و القتل فيها ما رأوا .. فلم أعجب من أن أرى ابني قد أصبح مقاوماً
للاحتلال كغيره من شبان المقاومة الفلسطينية الذين نعتز بهم .." .
و لا نعرف على وجه اليقين متى
انضم سامي إلى كتائب عز الدين القسام ، و لكننا نرجّح أنه مع انطلاق انتفاضة الأقصى
و مشاركته في فعالياتها الجماهيرية ، قرّر الانضمام إلى تلك الكتائب .
و من المفاصل التي كان لها أثر
في حياته بعد تمكّن قوات الاحتلال من اغتيال قائد كتائب القسام محمود أبو هنود ،
بعد عدة عمليات اغتيال فاشلة ، و كان من الطبيعي أن تردّ الكتائب على اغتيال قائدها
بعدة عمليات في العمق الصهيوني .
و من مفارقات تلك الأيام أن
قامت السلطة الفلسطينية بعد تلك العمليات باعتقالات في صفوف حركة حماس و شملت تلك
الاعتقالات سامي نفسه الذي وجد نفسه في شهر كانون ثاني سنة 2002م ، نزيل سجن نابلس
المركزي و هو نفس السجن الذي قصفته قوات الاحتلال قبل ذلك بعدة أشهر لوجود الشهيد
محمود أبو هنود فيه ، و في حين نجا أبو هنود استشهد نحو 15 من الحراس الفلسطينيين .
و من المفارقات الغريبة
العجيبة أيضاً أن قوات الاحتلال قصفت السجن و مباني أخرى في نابلس خلال تلك الشهور
العصيبة ، و عندما بدأت قوات الاحتلال تتوغّل في المدن الفلسطينية و توجّت ذلك
بعملية السور الواقي في شهر نيسان 2002م ، وجد الشهيد سامي نفسه ، في تلك الظروف مع
المقاومين من مختلف الفصائل يصدون العدوان عن نابلس ، بعد أن تركتهم السلطة
الفلسطينية يواجهون مصيرهم وحدهم . و بعد تلك المعركة وجد سامي طريقه إلى الجبال ،
و خطّط و شارك مع رفاقه في عملية عمانوئيل الثانية التي استشهد فيها رفيقه عاصم
عصيدة .
و جاء في تقرير المركز
الفلسطيني للإعلام وثيق الصلة بحركة حماس أن الشهيد سامي "مقاوم صلب عنيد .. هكذا
يوصف المجاهد سامي .. يتفوّق بعزيمته الجبارة على قسوة ظروف المقاومة .. ممتشق
بشكلٍ دائم لسلاحه الرشاش و مطارد للجنود الصهاينة الإرهابيين الذين يقتلون أطفالنا
و يشرّدون شعبنا .. مقاوم يعيش كلّ لحظة من حياته في الجهاد .. أبى أن يختبئ في
منزل أو سكن مترف ، بل كانت جميع أيام مطاردته يعيشها في الجبال يزرع العبوات
الناسفة و ينصب الكمائن في الطرق الالتفافية و قرب المستوطنات" ..
و أورد مركز الإعلام رواية
أخرى مختلفة ، عن الرواية الصهيونية لاستشهاد سامي تعزّز رواية كتائب القسام و ربما
معتمدة عليها .. "في ليلة من ليالي المقاومة التي يحييها مجاهدنا سامي بلقائه مع
الله عز و جل بدعائه و صلاته و جهاده للعدو الصهيوني عبر طلقات رشاشه و عبواته
المتفجرة ، انطلق مجاهدنا في الساعة الثامنة من مساء يوم الأربعاء 1/1/2003 ليكمن
لدورية صهيونية على الطريق بين مستوطنتي عمانوئيل و يتصهار قرب منطقة وادي قانا ، و
بعد أن أحكم الكمين و أصبح جاهزاً ينتظر ، فإذا بالفريسة تقترب .. دورية لحرس
الحدود الصهاينة مليئة بالجنود المدجّجين بالسلاح .. و مجاهد واحد بانتظارهم .. و
في اللحظة المناسبة انقضّ الأسد القسامي عليهم ضارباً عبواته الناسفة و مطلقاً
صليات الرصاص من رشاش الكلاشنكوف الذي كان بحوزته حتى أصاب جميع من في الدورية
الصهيونية بين قتيل و جريح .
و أضاف تقرير المركز "وبعد أن
تأكد مجاهدنا القسّامي من تحقيق إصابات مباشرة في تلك الدورية انطلق من مكانه إلى
كمين آخر ، فقد قرّر أن لا يعود هذه المرة إلا شهيداً إلى جنات النعيم .. حيث وصلت
للمكان قوات معزّزة من الجنود الصهاينة ترافقهم طائرة عمودية من نوع أباتشي حيث لم
يستطع الجنود الصهاينة على مواجهة ذلك الأسد القسامي الذي إن زأر يزلزل الأرض تحت
أقدامهم و يشعلها لهيباً" .
و حسب رواية المركز أيضاً فإنه
"دارت اشتباكات عنيفة استمرت أكثر من ساعتين بين مجاهدنا الأبيّ و الجنود الصهاينة
الجبناء الذين تراجعوا خوفاً و جبناً من لقائه ، حيث لاحقته طائرة الأباتشي
الهجومية و التي تستخدم في الحروب القاسية حتى أصابه الجبن الصهيوني و غدره بصاروخٍ
في جنبه الأيمن بشكلٍ مباشر ، كما تم إصابته بطلقات من العيار الثقيل الذي اخترق
جسده الطاهر .. فلقي سامي ربه شهيداً مقبلاً غير مدبر .." ..
و ما حدث بعد استشهاد سامي ،
تتفق عليه مختلف الروايات ، فبعد استشهاده لم يقم جنود الاحتلال بأخذ جثمانه ،
لأسباب غير معروفة ، و لكن من المؤكد أنهم تعرفوا على هويته و عرفوا أنه المطارد
الذي يبحثون عنه منذ أشهر ، و ربما تركوه لتتشوّه جثته أو تأكله الحيوانات البرية ،
أو تركوه ليكون كميناً لرفاقه الذين توقع المحتلون أن يخرجوا من مخابئهم في الجبال
ليأخذوه .
و بعد عشرة أيام من استشهاده
مرّ به أحد رعاة الأغنام من قرية عوريف في المنطقة التي حصل فيها الحادث ، و تذكر
أنباءاً عن الاشتباك المسلح ، فاتصل بوالد الشهيد في قرية تل الذي يتذكر تلك الأيام
"بعد عشرة أيام من العملية تفاجأنا بشكلٍ كبير في العائلة عندما اتصل بنا راعي
الأغنام من أهل قرية عوريف و أخبرنا بأنه وجد جثمان منفّذ العملية في وادي قانا ..
و لم نكن نصدّق الخبر حيث ظننا أن الجيش قد أخذ الجثمان معهم كما يفعل دائماً .. و
أن الذي يتحدّث عنه راعي الأغنام إنما هو شهيد آخر .. و لكنه أكد أنه لم يحصل شيء
خلال الأيام السابقة بعد معركة سامي مع الجنود الصهاينة .." ، و يتابع والد سامي
قائلاً للمركز الفلسطيني للإعلام : "فأخذنا نسأل عن أوصاف الشهيد الذي رآه راعي
الأغنام حتى دهشنا عندما أخذ يذكر أوصاف ولدي سامي عندها بدأنا نشكّ في إمكانية أن
الجثمان هو جثمان سامي .. لقد كان وقع الخبر علينا كبيراً و لكن الله عز و جلّ
صبّرنا و احتسبنا ذلك أيضاً عند الله عز و جل .." .
و يكمل والد الشهيد سامي القصة
: "و لم نستطع أن نذهب في نفس الوقت الذي علمنا به عن وجود جثمان سامي في الجبال و
ذلك لبعد المنطقة و خطورتها .. و في صباح اليوم التالي خرجنا للمنطقة و التي هي من
أصعب المناطق و أكثرها وعورة ، و كان أهالي قرية عوريف قد سبقونا إليها و وجدناهم
بانتظارنا ، حيث كانت المفاجأة الكبرى .. الأمر الأول أن الرجال الذين وصلوا
للمكان أقسموا لنا أنهم رأوا غزالاً بالقرب من جثمان الشهيد واقفاً إلى جانبه و لم
يتركه إلا عندما لم يكن بيننا و بينه سوى أمتار قليلة ، حيث كان يقف كالحارس على
الجثمان .. ، و الأمر الأكثر مفاجأة هو أن جثمان الشهيد لم يتغير فيه شيء فدمائه
كما هي و جراحه كما هي ورائحته الطيبة كما هي .. حتى أننا رأينا بأم أعيننا أن بعض
جراحه لا زالت تنزف كأنه استشهد منذ ساعتين .. حتى لون بشرته لم يتغير .. كان كأنه
نائمٌ .. !! فحمدت الله عز و جل على هذه الكرامة التي كرّمني بها بعد كرامة استشهاد
ولدي سامي .." ..
نقل جثمان الشهيد إلى قرية
عوريف التي شارك أهلها في جنازة رمزية للبطل سامي و طافوا بجثمانه القرية بعد أن
لفّوها بالأعلام الخضراء ، ثم تم نقل الجثمان إلى قرية تل ، و كان أهل القرية في
انتظار ابنهم الذي خرج ذات يوم مقاوماً و عاد شهيداً .
و مثلما يليق بشهيد مقاوم بطل
، تم مواراة الشهيد سامي الثرى في وداع كبير . و غاب سامي أحد "مجاهدي كتائب القسام
السرييّن في كتيبة الاقتحام و الرصد الاستخباري .." كما ذكر رفاقه ، الذين بقوا في
الجبال ينتظرون النزول لإكمال المسيرة و منهم القائد نصر الدين عصيدة ، الذي تحوّل
إلى أسطورة حقيقية .
نوع من
الخاتمة :
لم يكن ما فعله هؤلاء
المقاومون ، في الواقع ، سوى ما فعله أي شعب أخر وقع تحت نير الاحتلال من قبل ، أو
ما يفترض أن يفعله أي شعب يقع تحت نير الاحتلال ، أي احتلال .
و لم يكن ما فعله هؤلاء ،
أيضاً ، سوى ما فعلته من قبلهم أجيال متلاحقة من الفلسطينيين ، لم تنقصهم الشجاعة و
الإقدام ، و إن افتقدوا لقيادات ليست فقط يجب أن تكون شجاعة و مقدامة و لكن أيضاً
لم تكن على قدر مسئوليتها التاريخية ، في قضية شديدة التعقيد و عدو قوي و خطر يشكّل
قاعدة متقدمة للغرب الاستعماري .
و ربما يعترض أحد على هذا
التعميم ، و هو ما يمكن قبوله في ظروف أخرى ، غير الظرف الفلسطيني ، فالأمور - كما
يقول أهل السياسة - بخواتيمها .
و جاء هؤلاء ، في ظرفٍ أراد له
أن يكون (خاتمة) القضية ، فحملوا السلاح و خرجوا للجبال في أوضاع لم تكن فيها هذه
الجبال لوجستياً قادرة على الصمود أمام التكنولوجيا المتقدّمة ، و عربياً و
إسلامياً كانت فيه مدنها نائمة أو خائنة ، و مستعدة أن تقدّم نفسها طواعية
للصهيونية في ظلّ تسيّد الإمبريالية الأمريكية و سعيها الحثيث لتسلّم زمام مقادير
العالم .
و في مثل هذا الظرف الحرج قال
هؤلاء : لا ، و هم يعرفون معنى أن يقولوا تلك الكلمة و تبعاتها ، التي تخلّت عنها
دول و قوى و جماعات و منها جماعات فلسطينية ، باعت نفسها و سارت في ركب الإمبريالية
الأمريكية .
و في ظلّ هذا المشهد الدرامي
حيث عادة ما يصفّق النظارة للبطل الذي يستطيع أن يفعل ما لا يستطيعون و يقول ما
يخافون قوله ، كان الأمر مختلفاً خصوصاً في أوساط النخب السياسية و الثقافية ، التي
كانت تسارع لاستنكار ما يقوم به هؤلاء ، و ما كان يؤلم أن من بين أفراد هذه النخب
فلسطينيين و عرب و مثقفين أجانب ساندوا ثورات مختلفة لشعوب العالم أما عندما يتعلّق
الأمر بالشعب الفلسطيني فالأمر مختلف .
و أصبحت المقاومة لدى هؤلاء
تهوّراً و النضال إحباطاً و الاستشهاد انتحاراً ، و غاب عن بالهم ما يقوم به هؤلاء
في التصدّي لأكبر قوتين (تحالف الإمبريالية و الصهيونية) تهدّدان السلم ليس فقط في
هذه البقعة من الكرة الأرضية المسماة فلسطين أو العالم العربي ، بل السلم في العالم
أجمع .
في مثل هذا الظرف عرفت معنى أن
يأتي يوم ينسى فيه من حاول أن يقول لا ، أو يأتي يوم تدرّج فيه أسماء هؤلاء في
قوائم الإرهابيين ، فلذلك كتبت ما اعتبره قليلاً ، و لا يساوي ، حقيقة ، قطرة دم
سقطت من أي منهم . و آمل أن يكون ما كتبته تكفيراً عن عجز القلم ، و هو السلاح
الوحيد الذي أتقن حمله ، عن القول كم كان هؤلاء أكثر من رائعين ..!
و تبقى ملاحظات لا بدّ من
الإشارة إليها :
*قصة خلية المناضلين التي
أطلقت عليها مجازاً اسم خلية (تل) على اسم القرية الواقعة جنوب غرب نابلس و التي
خرج منها معظمهم ، لا يمكن فصلها عن مشاهد الكفاح و الدم المسفوح في الأرض المقدسة
في انتفاضة الأقصى و قبلها خلال السنوات التي أعقبت اتفاق أوسلو عام 1993م و إن لم
أكن تطرّقت إلى تلك الأحداث أو الأجواء بالتفصيل فلأنني افترضت معايشة القاريّ لها
أو على الأقل وجود فكرة لديه عنها ، و لكي لا أخرج عن سياق قصة واحدة محدّدة من قصص
البطولة في الأرض المقدسة ، و على كلّ أدرجت اقتباسات كاملة كبعض البيانات لوضع
القارئ في تلك الأجواء" .
*تبقى هذه القصة ناقصة في غياب
أية رواية من أصحابها ، الذي قضوا شهداء أو ما زالوا مطاردين عن أعين سلطات
الاحتلال".
*لا بد من الإشارة ، بامتنان ،
إلى موقع المركز الفلسطيني للإعلام على شبكة الإنترنت الذي كان له دوره المقاوم
بطريقته، و وفّر مراسلوه معلومات و صوراً و تقارير عن انتفاضة الأقصى ، و في قصتنا
هذه كانت خير معين لي ، و اعتمدت في نشر الصور التي يتضمّنها الكتاب على أرشيف
المركز من الصور" .
|