|
الفصل الثاني
شعب فلسطين
تكوين شعب فلسطين:
تدل آثار الإنسان القديم في
حفريات شقبة في وادي النطوف أن سكان فلسطين في عصور ما قبل التاريخ هم من العرق
الذي يسمى عرق البحر المتوسط. ومنذ 3000 ق.م أخذت الهجرات السامية تتوالى على
فلسطين من الجزيرة العربية حتى غلب عليها العنصر السامي، فنـزل الكنعانيون فلسطين
حوالي 2500 ق.م. وفي 1500ق.م جاءت هجرة سامية من القبائل المآبية والإيدومية
والعمونية، واستقرت جنوبي سوريا في الإقليم الممتد بين البحر الميت وخليج العقبة،
ثم جاءت هجرة سامية ثالثة بالأنباط الذين استقروا في بلاد الشام نحو 500 ق.م[82].
ومن جهة أخرى هاجرت إلى فلسطين
نحو 1200 ق.م أقوام بحرية من غربي أسيا الصغرى وجزر بحر إيجة استقرت على ساحل
فلسطين، وعُرفت باسم "بلست PLST"وسرعان ما اندمجت وذابت
في الكنعانيين. أما بنو إسرائيل فقد حاولوا دخول فلسطين تحت قيادة موسى عليه السلام
أواخر القرن الثاني عشر (حوالي 1230ق.م)، ثم إنهم استقروا بعد ذلك في أجزاء من شمال
شرقي فلسطين، غير أن سقوط دولتهم إسرائيل سنة 721 ق.م أدى إلى هجرة عشرة من قبائلهم
الإثني عشر، كما أن السبي البابلي بعد ذلك سنة 597 ق.م وسنة 586 ق.م قد أخذ أعداداً
ضخمة من اليهود إلى العراق، حيث تضاءل شأن اليهود وعددهم في فلسطين. وقد كان لهم
بعض الازدهار بعد ذلك، عندما حققوا حكماً ذاتياً بزعامة الأسرة المكابية (164 ـ 37
ق.م)، وذلك تحت الهيمنة الإغريقية ثم الرومانية، ولكن لم يعد لهم شأن يذكر منذ
القرن الثاني للميلاد (بعد 135م)[83].
وكان لليمنيين من السبئيين
والمعينيين جاليات كبيرة في الواحات التي تمر بها الطرق التجارية في بلاد الشام منذ
الألف الأول قبل الميلاد. ومن القبائل العربية الأولى الشهيرة التي استقرت بأرض
الشام ومنها فلسطين قبيلة قضاعة التي تنصرت فيما بعد، وولاها ملوك الروم على عرب
بلاد الشام. ثم وردت قبيلة سليح فحلت مكانها. ثم إن بني غسان "الغساسنة" هاجروا من
اليمن أواخر القرن الثالث الميلادي، فاستقروا شمال الحجاز، ثم انتقلوا للشام،
واعترف لهم البيزنطيون بنوع من السيادة، وأقاموا دولة حاجزة بين الروم والفرس،
وامتدت سلطتهم على القبائل العربية في فلسطين، واستمر ملكهم حتى حوالي سنة 584 م
حيث بدأ انهيارهم عندما خاصموا الروم. وحين غزا الفرس الشام 613م قضوا على آخر نفوذ
للغساسنة، وكان هذا بُعيد نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، وبدء انتشار
الإسلام.
وقد شهدت بلاد الشام ثلاثة
كيانات عربية قبل الإسلام، فظهر الأنباط في الجنوب، وظهرت تدمر في الشمال،
والغساسنة بينهما. أما تدمر فلم يصل نفوذها إلى فلسطين، وأما الأنباط فقد تمركزوا
في البتراء شرق الأردن، وسرعان ما وسَّعوا نفوذهم، وأسسوا لأنفسهم مملكة رأسها
الحارث الأول منذ 169 ق.م. وفي أوج ازدهارهم شملت دولتهم الأقسام الشرقية والجنوبية
من فلسطين وحوران وإيدوم ومدين وسواحل البحر الأحمر، وباتت دولتهم تحيط بمنطقة
المكابيين (اليهود) من ثلاث جهات على عهد الحارث الثاني والثالث. غير أن دولتهم ما
لبثت أن سقطت في نهاية القرن الأول الميلادي على يد الرومان[84].
وبعد الفتح الإسلامي انتشرت
القبائل العربية في فلسطين، وامتزجت بمن سبقها من كنعانيين وغيرهم، وحدثت حركة
أسلمة وتعريب تدريجية وطبيعية تحت راية الحكم الإسلامي، حتى أصبح دين أهل فلسطين
الإسلام ولسانهم العربية. وبشكل عام، فإن غالبية من استقر من العرب في فلسطين هم من
القحطانية أي من العرب العاربة، أي من القبائل العربية التي ترجع إلى أصول يمنية،
فقد كانت معظم جيوش الفتح الإسلامي من هذه القبائل. فنـزل مثلاً قوم من الأشعريين
طبرية وغلبوا عليها، ونزل بعضُ أفخاذ جذام في بيت جبرين، وفيما يلي طبرية من أرض،
وسكن أقوام من بكر بن وائل جنين وآخرون من مضر بن نزار في نابلس. وفي منطقة الخليل
وما حولها كانت قد استقرت لخم، وبطن من بني عبد الدار وهم رهط تميم الداري رضي الله
عنه. ومن أهم قبائل العرب العاربة حِمْيَر التي ينسب جل أفرادها إلى قبيلة قضاعة،
والتي انتشرت بطونها في قرى البطاني (غزة)، وجماعين (نابلس)، ووادي حنين (يافا)،
وغيرها. ومن بطون قضاعة التي انتشرت في فلسطين، قبائل كلب وبلي وجهينة وجرم وقدامة
وبنو بهراء وبنو عذرة والقين و مسكة. ومن العرب العاربة قبائل بنو كهلان، ومن أهمها
طيء التي تعرف اليوم باسم "شمر"، ولخم وزُبيد والأوس والخزرج، وكلها انتشرت في
أماكن مختلفة من فلسطين. وهناك أعداد من عرب شمال الجزيرة العربية الذين يعرفون
ببني عدنان أو بني إسماعيل أو العرب المستعربة، وإليها تنسب قريش التي جاء العديد
من عائلاتها إلى فلسطين من نسل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وغيرهم من
الصحابة، وهناك كذلك قبيلة عَنْـزَة، وحرب وغيرها[85].
وظل شعب فلسطين مسلماً عربي
اللسان منذ الفتح الإسلامي وإلى وقتنا هذا. ولم تؤثر فترة الحروب الصليبية في
تركيبة السكان إلا قليلاً عندما غزاها صليبيو أوروبا، فسرعان ما استوعب المسلمون
هذه الهجمة وأعادوا للأرض هويتها المسلمة. وقد ظلت فلسطين منطقة جذب سكاني لمكانتها
المقدسة ولموقعها الجغرافي ولمناخها المعتدل وإمكانات الزراعة والتجارة وغيرها،
فاستقر بها بعض المسلمين من الأكراد والبربر والشيشان والبوسنة والأتراك حيث تعربوا
وامتزجوا بأهلها، وظلت في فلسطين أقلية نصرانية تعيش بسلام وطمأنينة في ظل حكم
المسلمين، وكان من نصارى فلسطين أولئك الذي ظلوا على دينهم من أهل البلد، ومن استقر
من النصارى فيما بعد ممن رغبوا في السكن في الأرض المقدسة، من أرمن ويونان وغيرهم.
كما اتسع التسامح الإسلامي لسكن اليهود واستقرارهم، بوصفهم أهل ذمة، فعاشت أقلية
ضئيلة منهم دون طموحات سياسية، وكانوا في بداية القرن التاسع عشر لا يتجاوزون
الخمسة آلاف. ووصل عددهم قبيل بداية البرنامج العملي النَّشِط للهجرة الصهيونية أي
حوالي 1880م إلى 23 ألفاً تقريباً[86].
وعندما احتل البريطانيون
فلسطين عام 1918 كان عدد سكان فلسطين نحواً من 665 ألف نسمة منهم حوالي 550 ألف
مسلم، والنصارى حوالي 60 ألفاً، واليهود 55 ألفاً. أي أن العرب كانوا نحو 91.73% من
السكان، بينما كان اليهود 8.27% وكانت غالبية هؤلاء اليهود من المهاجرين الغرباء
القادمين من روسيا وشرق أوروبا خلال السنوات الأربعين السابقة[87].
وتحت الاحتلال البريطاني، الذي
تعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، تم فتح أبواب الهجرة والاستيطان على
مصراعيها لليهود حيث هاجر في الفترة 1919 ـ 1948 نحو 483 ألف يهودي[88].
ولكن حتى صدور قرار تقسيم فلسطين من الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 فإن العرب ظلوا
أغلبية السكان. فحسب المعلومات التي ذكرتها لجنة الأمم المتحدة التي أوصت بالتقسيم
فإن عدد السكان العرب بلغ مليوناً و 237 ألفاً و 374 شخصاً (67.05%) وبلغ عدد
السكان اليهود 608 آلاف و 225 شخصاً (32.95%) وهي أرقام تستند إلى الإحصائيات
البريطانية لسنة 1946[89].
لقد حاول قرار الأمم المتحدة
الظالم بتقسيم فلسطين أن يضفي شرعية على إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين،
وكان من أبرز أوجه الظلم التي انبنت على هذا القرار تمزيق شعب فلسطين وتشريده. ففي
المنطقة التي قضى التقسيم إعطاءها لليهود (54% من الأرض) كان يعيش 498 ألف يهودي و
497 ألف عربي، وفي المنطقة التي قضى بإعطائها للعرب (45% من الأرض) كان يعيش 725
ألف عربي و 10 آلاف يهودي فقط، بينما تقرر وضع منطقة القدس (1% من الأرض) تحت إشراف
دولي حيث يسكنها 105 آلاف عربي، و 100 ألف يهودي[90].
وحسب دراسة إحصائية دقيقة قامت بها جانيت أبو لغد فإن عدد الفلسطينيين العرب في
نهاية سنة 1948 كان مليوناً و 398 ألفاً، أما تقديرات سلمان أبو ستة للسنة نفسها
فهي مليون و 441 ألفاً[91].
ولأن اليهود كانوا قد تجهزوا
تماماً للحرب بدعم من القوى الكبرى لفرض قرار التقسيم، بل وتوسيع كيانهم وطرد أبناء
فلسطين من الأرض التي يسكنون عليها، فقد تسببت حرب فلسطين 1948 بمأساة كبرى لشعب
فلسطين، فحسب إحصاءات الأمم المتحدة تم تشريد 726 ألف فلسطيني من أرضهم، وزادت
التقديرات بعد ذلك إلى نحو 900 ألف لاجئ، أي أن نحواً من ثلثي شعب فلسطين قد طردوا
من أرضهم، حيث قام اليهود الصهاينة بأحد أبشع حالات التطهير العرقي في التاريخ
الحديث. ثم قاموا بإحلال اليهود من شتى الأجناس والألوان مكان أبناء البلاد
الأصليين، وفي العام 1967 احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وغزة)
وشردوا 330 ألف فلسطيني آخرين[92].
ومنعت القوات الصهيونية ولا تزال تمنع الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم، وبذلك
ظلت أعداد هائلة من الفلسطينيين تزيد عن نصف العدد الكلي لاجئةً خارج فلسطين.
وهكذا توزع شعب فلسطين( الذي
بلغ عدده سنة 2002 حوالي 9 ملايين و 554 ألفاً) على ثلاث تقسيمات جغرافية، هي:
- أرض فلسطين المحتلة سنة 1948
(حوالي مليون و 239ألفاً في سنة 2002، أي نحو 12.97% من الفلسطينيين).
- أرض فلسطين المحتلة سنة
1967، بما فيها القدس الشرقية (حوالي ثلاثة ملايين و 485 ألفاً في سنة 2002، أي
36.48% من الفلسطينيين).
- الفلسطينيون خارج فلسطين
(حوالي أربعة ملايين و830 ألفاً في سنة 2002أي 50.55% من الفلسطينيين)[93].
ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين
من أصعب المشاكل الإنسانية في التاريخ الحديث، وأصحابها هم الأكثر عدداً والأطول
معاناة بين لاجئي العالم منذ سنة 1948. ومع ذلك حال التواطؤ الدولي للقوى الكبرى
وخصوصاً الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني دون عودتهم إلى أرضهم، رغم صدور
العشرات من قرارات الأمم المتحدة التي تؤكد حقهم في العودة.

هل ترك الفلسطينيون أرضهم بناء
على رغبتهم؟
تزعم الدعاية الصهيونية
ومؤيدوها أن الفلسطينيين رحلوا عن فلسطين في أثناء حرب 1948 بناء على رغبتهم
الخاصة، وبناء على حث الزعماء العرب لهم عبر برامج الإذاعات العربية، بينما كان
الصهاينة يطالبونهم بالبقاء!! لكنهم اختاروا الرحيل، وبذلك فقدوا حقهم في أرضهم،
وعليهم تحمل ما صنعت أيديهم!
من المثير للسخرية أن مناقشة
القضايا البديهية، ومماحكة الحقائق تكون أحياناً أكثر صعوبة من مناقشة القضايا
الصغيرة، المختلف في زاوية النظر حولها. ولو جربت أن تناقش شخصاً عنيداً يطالبك
بإثبات أن الشمس هي التي تشرق كل صباح على الكرة الأرضية لعرفت مدى الصعوبة التي
ستواجهها في مثل هذه الأمور. ومن المؤلم أيضاً أن تجد من إخوانك العرب والمسلمين من
التبس عليه الأمر فتأثر بالدعاية الصهيونية وجاء مجادلاً أو على الأقل متسائلاً
باحثاً عن الحقيقة.
أولاً: وقبل كل شيء فمن ينكر
أن السلوك الطبيعي للمدنيين في أثناء الحروب وخصوصاً إذا صاحبها مذابح وتطهير عرقي
هو الهجرة باتجاه مناطق أكثر أمناً بانتظار انتهاء الحرب حتى يعودوا بعد ذلك إلى
ديارهم؟ ألم يفعل ذلك اليهود أنفسهم؟ ألم يحدث هذا منذ وقت قريب في تيمور الشرقية
وغيرها من البلدان؟!.
ثانياً: إذا حدث ورحل السكان
عن منطقة ما أثناء الحرب لمصلحة يرونها، وبغض النظر عمن شجعهم على ذلك، فهل يحرمهم
ذلك من حقهم في العودة إلى أرضهم عند انتهاء الحرب. لماذا سمح للبوسنيين والأفغان
والشيشان والتيموريين الشرقيين وغيرهم بالعودة إلى أرضهم؟ بينما لم يسمح
للفلسطينيين؟.
لماذا ألزم المجتمع الدولي
الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان بإعادة اللاجئين إلى أراضيهم، ولم يلزم الكيان
الصهيوني بذلك؟.
ثالثاً: إذا كان الصهاينة
فعلاً قد دعوا الفلسطينيين إلى البقاء في أرضهم، فلماذا منعوهم من العودة إليها عند
انتهاء الحرب؟ بعد أن لم يعد هناك خطر يذكر من هؤلاء المدنيين؟ لماذا صادروا
الأراضي الفلسطينية وأحلوا مكانهم مستوطنين يهود من نحو تسعين بلداً من بلدان
العالم؟
وباختصار لماذا لم يثبتوا حسن
نواياهم إن كان لديهم أية نوايا حسنة؟!
رابعاً: يدعي اليهود الصهاينة
أن الفلسطينيين تركوا فلسطين بناء على رغبتهم الخاصة!! فهل تطوعوا فعلاً بسؤال
الفلسطينيين عن حقيقة رغبتهم؟ ولماذا يتحدثون باسمهم ورغماً عنهم؟ وهل لديهم
الاستعداد لفتح الباب لعودة الفلسطينيين إلى أرضهم؟ إذا ثبت أنهم تركوها كارهين،
ومستعدين للعودة إليها راغبين؟ ألم تكفهم عشرات من البيانات والتصريحات
والاستفتاءات؟ وأكثر من خمسين سنة في المخيمات رافضين للتوطين في أي مكان غير
فلسطين؟ والثورات والانتفاضات؟ وعشرات من قرارات الأمم المتحدة التي استصدروها... .
خامساً: إذا كان اليهود يدعون
لأنفسهم حق العودة إلى فلسطين بعد ألفي عام من تركها! فلماذا يحرمون أبناء فلسطين
من حق العودة إلى أرضهم بعد أشهر فقط أو سنوات من "تركها"؟.
وإذا كان اليهود أنفسهم لم
يظهروا نوايا جادة، ولم يقوموا بأية برامج عملية للعودة إلى فلسطين طوال 1800 سنة
وعلى مدى عشرات الأجيال، فهذا يعني وفق المنطق نفسه أن اليهود قد فقدوا حقهم في
العودة منذ أمد طويل.
وعلى أي حال، فإن حقائق الواقع
وأدلة التاريخ واعترافات اليهود أنفسهم تكذب ادعاءاتهم ومحاولات تزييفهم للتاريخ.
فلا الفلسطينيون خرجوا وفق رغبتهم، ولا الزعماء العرب أمروهم بالخروج، ولا الزعماء
الصهاينة خططوا لإبقائهم والتعايش معهم.
ففي سنة 1961 أمضى الصحفي
الإيرلندي أيرسكين تشايلدرز عدة أشهر يتقصى أسباب خروج الفلسطينيين وطالب الزعماء
الصهاينة بدليل واحد يثبت مزاعمهم لكنهم عجزوا، ولم يجد ما يثبت أن الإذاعات
العربية حضت العرب على الخروج، ولجأ تشايلدرز إلى محطات الإذاعة البريطانية
والأمريكية لتفحص تسجيلات البث الإذاعي التي سجلت طوال سنة 1948 وانتهى إلى القول:"
"ليس هناك أمر أو نداء أو اقتراح واحد يمكن أن تكون قد بثته إي إذاعة عربية داخل أو
خارج فلسطين خلال 1948 يتعلق بتشجيع الفلسطينيين على الرحيل. بل على العكس من ذلك
تم التقاط تسجيلات متكررة لنداءات وأوامر موجهة من إذاعات عربية إلى الفلسطينيين
تطلب منهم البقاء في فلسطين". ووجد تشايلدرز أدلة واضحة على أن الإذاعة الإسرائيلية
كانت تبث برامج بالعربية لحث الفلسطينيين على الرحيل[94].
ولم تصدر اللجنة العربية
العليا أوامرها للفلسطينيين بالنـزوح (لإفساح المجال للجيوش العربية)، كما تروج
الدعاية الصهيونية، بل على العكس فهناك أكثر من رسالة رسمية صادرة عن اللجنة،
وإحداها مؤرخة في 8مارس 1948 تطلب من الحكومات العربية التعاون لمنع نزوح
الفلسطينيين[95].
أما الحقيقة التي يجب تثبيتها
فإن النوايا الصهيونية منذ مرحلة مبكرة كانت تركز على فكرة الدولة اليهودية،
والتخلص من القوميات الأخرى من مناطقها، ومنذ البداية كتب ثيودور هرتزل T.
Herzl - مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لها - في
مذكراته:"يجب أن تتم عمليتي طرد الفلسطينيين والتخلص منهم بحذر وسرية بالغة"، ونقل
عن زعيم الحركة الصهيونية في فلسطين ديفيد بن غوريون سنة 1937 قوله إن اليهود يجب
أن يطردوا العرب ويحلوا محلهم"[96].
أما يوسف ويتز Yosef
Weitz الإداري المسئول عن الاستيطان الصهيوني عام 1940 فقد كتب
يقول:" يجب أن يكون واضحاً في أذهاننا أنه ليس هناك مجال لأن يعيش الشعبان معاً في
هذا البلد، لذا فإن الحل الوحيد يكمن في أن تكون فلسطين خالية من العرب، وليس هناك
من طريقة لتنفيذ هذا المخطط سوى طردهم جميعاً إلى الدول المجاورة"[97].
وقد اعترف الصهاينة - فيما بعد
- أنهم نفذوا خطة كبيرة سموها "خطة داليت" لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وتبعاً لما
ورد في التاريخ الصهيوني الرسمي فإن القرى الفلسطينية التي قاومت هذه الخطة يجب
تدميرها وطرد سكانها خارج حدود الدولة اليهودية"، وتم تبني السياسة نفسها مع المدن
الفلسطينية. وكتب إسحاق رابين الذي كان أحد القيادات العسكرية اليهودية لحرب 1948
(وأصبح رئيساً للوزراء فيما بعد) أقوالاً تمكنت صحيفة نيويورك تايمز من نشرها في 23
أكتوبر 1979" مشينا إلى الخارج بمرافقة بن غوريون، وأعاد آلون سؤاله: ما الذي
سنفعله بالسكان الفلسطينيين؟ فأجابه بن غوريون بحركة من يده: اطردوهم"، وكشف باحث
يهودي يدعى بيني موريس عن وثيقة مؤرخة في 30 يونيو 1948 أعدها قسم الاستخبارات
اليهودية المباشرة في الجيش الإسرائيلي يوضح فيه أن الرحيل الجماعي للفلسطينيين كان
بسبب العمليات العدائية اليهودية المباشرة على التجمعات العربية، وانعكاسات هذه
العمليات على التجمعات العربية الأخرى، وبسبب ما قامت به المجموعات الصهيونية
الإرهابية الأخرى مثل عصابة الأرغون التابعة لمناحيم بيغن. وتذكر الوثيقة بأنه" مما
لا شك فيه أن العمليات العدائية التي قامت بها عصابة الهاغاناة كانت السبب الرئيسي
في رحيل الفلسطينيين"، وتعترف الوثيقة بأن المؤسسات والإذاعات العربية حاولت مجابهة
ترحيل الفلسطينيين والحد منها[98].
وكتب ديفيد بن غوريون أول رئيس
وزراء للكيان الصهيوني في يومياته 18 يوليو 1948 :" يجب أن نفعل أي شيء من أجل ضمان
أنهم (اللاجئون الفلسطينيون) لن يعودوا مرة أخرى"[99].
ومن جهة أخرى فقد استخدمت
القوات الصهيونية أسلوب المجازر البشعة لإثارة الرعب والفزع وتهجير السكان، وارتكبت
حوالي 34 مجزرة خلال حرب 1948 بمدنيين فلسطينيين أثناء عمليات التهجير، وكان من
أشهرها مذبحة دير ياسين التي اعترفت القوات الصهيونية فيها بمقتل 254 من الرجال
والنساء والأطفال[100].
وبعد، فإنه مما لا شك فيه أن
خروج الفلسطينيين من أرضهم كان عملية مبيتة ومخطط لها وتم تنفيذها بموافقة وإشراف
أعلى مستويات القيادة الصهيونية.
الشعب الفلسطيني في الأرض
المحتلة 1948
استطاع اليهود الصهاينة إنشاء
كيانهم عام 1948 على نحو 77% من أرض فلسطين، وبعد طرد ثلثي الشعب الفلسطيني من
أرضه، كما أشرنا سابقاً. وقد ظل عدد من الفلسطينيين في هذه الأرض ممن لم يتمكن
الصهاينة من طردهم، وقد بلغ عددهم حوالي 156 ألفاً، 17% من العدد الكلي لسكان
الكيان الصهيوني عند إنشائه[101].
وهؤلاء الذين بقوا هم الذين يعرفون بـ"فلسطينيي الـ 48"، أو عرب الـ 48، أو ما
يسميه الصهاينة بـ"عرب إسرائيل"، وهكذا ولأول مرة يجد أبناء فلسطين أنفسهم أقلية في
أرضهم بل وتعاملهم الدولة الصهيونية كغرباء أو مواطنين من الدرجة الثانية.
لقد كان حجم الدمار هائلاً
وكانت درجة تمزيق النسيج الاجتماعي والاقتصادي للفلسطينيين في الأرض المحتلة تفوق
التصور، فحسب د. إبراهيم أبو جابر فقد تم تدمير 478 قرية من أصل 585 قرية عربية
كانت قائمة في الأرض المحتلة 1948.[102]
وفي دراسة متأنية للدكتور وليد الخالدي وضع قائمة دقيقة بأسماء 418 قرية تم تهجير
سكانها سنة 1948، وقد تابع د.سلمان أبو سنة قائمة القرى هذه وأضاف عليها مجموعة
أخرى من القرى ومراكز استقرار البدو خصوصاً في بئر السبع، ليصبح العدد الكلي
للقائمة 531 قرية ومركزاً. وقد هجر بسبب ذلك 804 آلاف فلسطيني إلى خارج الأرض
المحتلة أو ما أصبح يدعى "إسرائيل"، بينما تم تهجير نحوا من 30 ألفاً آخرين من
أرضهم إلى مناطق أخرى داخل الأرض المحتلة نفسها أي حوالي خمس الفلسطينيين الـ156
ألفاً الذين ظلوا هناك[103].
ويحاول الكيان الصهيوني إثبات
شرعيته وفق شعار الصهاينة المعروف "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، ولذلك يسعى لطمس كل
الحقائق حول أبناء فلسطين الذي شردهم وحول قراهم ومراكزهم الحيوية التي دمرها. تقول
جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة:" لا يوجد شيء اسمه فلسطينيون"![104]
ويعرض د. إسرائيل شاحاك ـ أحد مفكري اليهود ـ هذا الأمر قائلاً:" إن الحقيقة
المتعلقة بالتجمعات السكانية العربية التي كانت موجودة داخل حدود دولة إسرائيل قبل
1948 تُعدُّ أحد أهم الأسرار التي يتكتم عليها في إسرائيل، فليست هناك أية منشورات
أو كتيبات تتحدث عن هذه التجمعات السكانية وأماكن وجودها. وهذا أمر تم تجاهله بشكل
متعمد حتى يمكن تدريس خرافة "البلاد الفارغة"، وكانت القرى المدمرة في غالب الأحوال
قد دمرت تدميراً كاملاً بمنازلها وأسوار حدائقها وحتى مقابرها وشواهد قبورها.. حتى
يتم إيهام الزائرين.. بأن جميع هذه المناطق كانت عبارة عن صحراء مقفرة". أما
الجنرال موشيه دايان أحد كبار الشخصيات الصهيونية في القرن العشرين والذي تدرج في
مناصب رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، وكان له
اهتمام خاص بالآثار، فيقول:" ليست هناك قرية يهودية واحدة في هذه البلاد لم يتم
بناؤها فوق موقع لقرية عربية"[105].
ومنذ البداية شرعت الدولة
الصهيونية الناشئة في التعامل مع من تبقى من أهل فلسطين في الأرض المحتلة عام 1948
وفق الخطوط التالية:
- تبني قوانين وسياسات تمييزية
ظالمة جعلتهم كالغرباء في أرضهم، ومواطنين من الدرجة الثانية.
- وضعهم تحت ظروف أمنية
واقتصادية صعبة تلجئهم إلى الهجرة وترك الأرض.
مصادرة أراضيهم، وأراضي الوقف
الإسلامي.
- محاولة محو هويتهم الدينية
والثقافية وسلخهم عن محيطهم الفلسطيني والعربي والإسلامي.
- وتنفيذا لهذه السياسات، فقد
وضع هؤلاء الفلسطينيون تحت الحكم العسكري وتم عزل القرى العربية عن بعضها وإعلان كل
قرية منطقة مغلقة لا يحق الدخول إليها والخروج منها إلا بإذن. حتى أن إميل حبيبي
الشيوعي الفلسطيني عضو الكنيست منع من مغادرة مدينته لحضور الكنيست إلا بعد حصوله
على تصريح خاص. وظل الفلسطينيون تحت الحكم العسكري حتى 1966 عندما توقف العمل به
رسمياً، غير أنه من الناحية العملية ظلوا تحت الرقابة المشددة، وما حدث هو مجرد
عملية انتقال سلطة متابعتهم إلى أيدي وحدة المهمات الخاصة في الشرطة الإسرائيلية.
لقد كانت القوانين المطبقة على الفلسطينيين في أرض 1948 جائرة إلى حد أن وزير العدل
الإسرائيلي السابق يعقوب شابيرا يقول: " حتى في ألمانيا النازية لم يكن هناك مثل
هذه القوانين، ولا يمكنك أن تجد نظاماً يشبه نظامنا إلا في البلاد المحتلة.. إن من
واجبنا أن نقول للعالم بأسره أن قوانين الدفاع تدمر البنية التحتية للعدالة في هذا
الكون"[106].
لقد كان التعامل منذ البداية
مع فلسطينيي الـ48 عدوانياً، وكأنهم وجدوا "خطأ" في "أرض إسرائيل"، ولذلك أعلن يوري
لوبراني مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي 1960 - 1963 أن الفلسطينيين في إسرائيل هم
الأعداء الأبديين لإسرائيل[107].
وفي الكيان الصهيوني لا يمكن أن توجد مساواة حقيقية لجميع المواطنين، لأن إسرائيل
أعلنت نفسها منذ البداية أنها دولة اليهود أينما يقيمون، ومهما كانت جنسياتهم،
وحالما تطأ أرجلهم الأرض المحتلة يصبحون مواطنين أصليين لهم الحقوق كافة، بما فيها
الوصول إلى أعلى مراتب الدولة. أما وجود العرب فيها ولو منذ آلاف السنين فلا يعني
ذلك أنها دولتهم، لأن إسرائيل ليست بالضرورة دولة للمواطنين الذين يعيشون فيها.
وقامت السلطات الصهيونية
بطريقة منهجية متدرجة ودون ضوضاء إعلامية بعملية اغتصاب الأراضي من أصحابها
الشرعيين سواء من طرد وشرد منها أو من ظل صامداً على أرضه. وقامت بسن 34 قانوناً
لإعطاء شرعية للظلم الذي تمارسه ومن هذه القوانين، قوانين أملاك الغائبين، وقانون
استملاك الأراضي، وقانون مصادرة الأراضي لمصلحة المجتمع.. وغيرها. وقد أدى ذلك إلى
مصادرة نحو 97% من الأرض التي يملكها الفلسطينيون مع نهاية القرن العشرين[108].
وكان معدل ملكية الفرد
الفلسطيني سنة 1945 هي 19 دونم، وقد هبطت سنة 1950 إلى 3.4 دونم وسنة 1981 إلى
0.84دونم، وهكذا[109].
وقد ثار أبناء فلسطين المحتلة 1948 في وجه هذه القوانين والمصادرات الظالمة، وكان
من أبرز هذه الانتفاضات ما يعرف بانتفاضة يوم الأرض في 30 مارس 1976 والتي استشهد
فيها ستة من الفلسطينيين.
ورغم القوانين الظالمة الجائرة
، فقد صمد أبناء فلسطين في أرضهم متشبثين بحقهم، وشجعهم على ذلك ما رأوه من معاناة
إخوانهم اللاجئين من ظروف أقسى وأصعب. وقد استمرت معدلات النمو السكاني الطبيعي
بينهم بمعدلات عالية غير أن نسبتهم إلى عدد اليهود في فلسطين لم تتحسن كثيراً بل
وشهدت انحساراً في الخمسينيات والستينيات بسبب هجرة أعداد هائلة من اليهود من بقاع
العالم شتى إلى فلسطين المحتلة، كما تأثرت بموجة الهجرة اليهودية الكبرى مع انحلال
الاتحاد السوفيتي وسقوطه أواخر الثمانينيات من القرن العشرين.
ويبين الجدول التالي تطور
أعداد الفلسطينيين ونسبتهم إلى العدد الكلي في الأرض المحتلة سنة 1948[110]:
|
السنة |
العدد بالألف |
النسبة إلى عدد
السكان |
|
1948 |
156 |
17% |
|
1958 |
221 |
10.9% |
|
1968 |
406 |
14.3% |
|
1978 |
569 |
15.9% |
|
1988 |
817 |
18.3% |
|
1990 |
875 |
18.2% |
ووفق نسب النمو الطبيعي نحو
3.4% سنوياً فإن عدد الفلسطينيين أصبح في سنة 2002 حوالي مليون و239 ألفاً. وهي
تشكل الآن نحو 19.5% من السكان.
ومن الناحية الدينية ينقسم
أبناء فلسطين إلى مسلمين من أهل السنة ونسبتهم 77%، ودروز 10%، ونصارى 13%. وكانت
نسبة النصارى في السنوات الأولى للاحتلال حوالي 20% إلا أنها انخفضت بسبب هجرة
أعداد منهم خصوصاً إلى أوروبا وأمريكا[111].
ويقدم الكيان الصهيوني نفسه
على أساس أنه واحة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وأن الفلسطينيين تحت حكمه
يتمتعون بحقوق المواطنة والحرية السياسية، وأن أحوالهم الاقتصادية تحسنت كثيراً.
وقبل مناقشة مثل هذه الادعاءات، فإن الإشكالية الأساسية يتم تجاهلها، وهي أن أرض
هؤلاء الفلسطينيين محتلة عنوة وقهراً، وأن معظم إخوانهم قد شردوا وطردوا ، وأنهم لا
يملكون حق إرجاعهم، بينما تُفتح أرض فلسطين لليهودي من أية جنسية وبلد كان ، يتجنس
ويمتلك ويحكم، بينما يعامل الفلسطيني على أنه غريب في أرضه، وعدو محتمل يمكن
محاربته أو تهجيره في أي لحظة. هذا هو محور القضية الذي يجب ألا يغيب عن الأنظار.
غير أن ما يشوش هذه الرؤية أحيانا أن الكيان الصهيوني يسعى جاهداً للظهور بوصفه
دولة ديمقراطية ليحصل على قبول وثناء دولي، وهذا يوفر هامشاً من الحرية السياسية
والدينية للفلسطينيين تحت حكمه. ثم يزيد الأمر تشويشاً ما يلقاه الفلسطينيون من
معاملة سيئة ومعاناة على أيدي أشقائهم العرب في بعض البلدان العربية، مما يوفر حجة
يستقوي بها الكيان الصهيوني ليحاول إظهار نفسه في وضع أفضل. كما أن مستوى المعيشة
في الكيان الصهيوني أعلى بكثير من مثيله في البلدان المجاورة، وهو ما يظهر
الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بمستوى معيشي أفضل، على الرغم من وجودهم في ذيل
القائمة، وسوء أحوالهم مقارنة باليهود داخل الكيان. إذ ليس من العدل مثلاً أن تقارن
وضع الفقير في أمريكا أو السويد مع فقير أخر يعيش في الهند أو تشاد أو موزمبيق، عند
ذلك يصبح الفقير الأمريكي غنياً مترفاً مقارنة بنظيره في تلك البلاد. والأصل أن تتم
المقارنة وفق الظروف نفسها والزمان والمكان وتكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة
الكريمة.
وعلى أي حال، فإن الدراسة
المتأنية لأوضاع الفلسطينيين في أرض 1948 تثبت الأوضاع المتردية التي يعيشونها
مقارنة باليهود، فمثلاً تتجاوز المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية
(البلديات)، خمسة أضعاف إسهام الحكومة في الميزانية المحلية للمجالس المحلية
العربية، ودعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون اليهود تناهز ما
تمنحه للعرب بمائة مرة، ويوجد 10 عرب من أساتذة الجامعات من بين خمسة آلاف أستاذ
جامعي يهودي، وهناك عربي واحد من مجموع 2400 يحتلون مراكز إدارة في الشركات التي
تمتلكها الحكومة، وليس هناك أي مدير عربي من بين 600 مدير من مدراء الصناعات التي
يمتلكها اتحاد العمال في الكيان الصهيوني "الهستدروت"، ومن بين جميع المسئولين الـ
1860 المسجلين في الوزارات الإسرائيلية هناك 26 فلسطيني فقط يعملون جميعاً في
إدارات تنحصر مسئوليتها في الشؤون الدينية والبلدية العربية. ومن مجموع 76 بلدة
سكانها بين خمسة آلاف إلى عشرين ألفاً، هناك عشرون بلدة تفتقر إلى الخدمات الصحية
منها 19 فلسطينية. وحتى سنة 1976 كان هناك قرية عربية واحدة مزودة بشبكة للمجاري من
بين 104 قرى عربية، وقد ربط الصهاينة بين تقديم الكثير من الخدمات وبين أداء الخدمة
العسكرية لكيانهم، مثل إعالة الأطفال وقروض الإسكان ونفقات الدراسة الجامعية
وغيرها، وهذا حرم الفلسطينيين الذين لا يؤدون هذه الخدمة(سواء برغبتهم أو برغبة
الصهاينة أيضاً) من الكثير من حقوق المواطنة[112].
وتشير أحوال الفلسطينيين في
الأرض المحتلة 1948 إلى إهمال صهيوني متعمد في خدمات البنية التحتية كالكهرباء
والصرف الصحي والمياه وقروض السكن، وإلى منع تراخيص البناء، وإلى النقل الإجباري
للسكان من قراهم إلى قرى أخرى، وفتح مكاتب لمساعدتهم على الهجرة إلى الغرب. وحسب
الإحصاءات الإسرائيلية نفسها فإن 48% من الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر ومعدل
البطالة بينهم 22%[113].
وقد كانت السنوات العشرون
الأولى لقيام الكيان الصهيوني 1948 ـ 1967 كابوساً كبيراً على صدور أبناء فلسطين
المحتلة 1948. فقد وضعوا تحت حكم عسكري عدواني بغيض، وغادر نتيجة الحرب معظم
المثقفين وقادة الأحزاب رجال الفكر الفلسطينيين، بينما كان غالب من تبقى من
الفلاحين البسطاء مما أوجد أزمة في القيادة والتوجيه، وخلت الساحة إلا من شراذم
الشيوعيين الفلسطينيين الذين أيدوا إنشاء الدولة الصهيونية. ولم يجد الفلسطينيون ما
يعبرون به عن توجهاتهم السياسية إلا من خلال الأحزاب "الإسرائيلية". كما ضُرب ستار
حديدي بين هؤلاء الفلسطينيين وإخوانهم الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بينما جرت
محاولات لغسل أدمغتهم ومحو هويتهم الوطنية والثقافية.
وقد عبر الشيخ رائد صلاح أحد
قادة الحركة الإسلامية - فيما بعد - في أرض الـ48 عن هذه الأحوال بقوله:" لقد كانت
الهوية غائبة، والثقافة الإسلامية أبوابها مسدودة"، وقال إبراهيم عبد الله رئيس
مجلس قرية كفر قاسم (فيما بعد) :" منذ عام 49 وحتى عام 67 لم نكن نعلم شيئاً عن
أصولنا وحضارتنا، لم نكن نعلم شيئاً عن الإسلام، لقد كان هناك بعض من نسخ القرآن
مبعثرة في بعض ما بقي من مساجد قديمة في القرى العربية، لقد غرقنا في ظلمة تامة من
الجهل والفساد"[114].
وفي مثل هذه الأوضاع خلت
الأجواء للشيوعيين الذين استطاعوا في البداية الانتشار وسط قطاعات المجتمع
الفلسطيني، وكذلك للزعامات التقليدية والعشائرية التي كانت تخشى فقدان نفوذها إذا
ما عارضت الصهاينة بقوة وفعالية. وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي اعترف بالكيان
الصهيوني ودولته ومؤسساته إلا أنه حمل عدداً من الأطروحات التي تخدم مصالح
الفلسطينيين في أرض 48، مقارنة بالأحزاب الصهيونية الأخرى، كدعوته للمساواة وإقامة
دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. وتراوحت قوة هذا الحزب في الوسط العربي بين 11% من
أصوات الناخبين سنة 1959 و 50% سنة 1977، إلا أنه عاد إلى الضمور في الثمانينيات
لتنخفض نسبته سنة 1992 إلى 23%. وحصل اليساريون ضمن "الجبهة الديمقراطية للسلام
والمساواة" على ثلاثة مقاعد في انتخابات الكنيست لسنة 1999. أما القوى التقليدية
فقد كانت تنـزل في قوائم مرتبطة بأحزاب صهيونية وخصوصاً حزب العمل وقد بلغت ذروة
نفوذها سنة 1955 عندما حصلت على 55% من أصوات الوسط العربي، وفي سنة 1969حصلت على
41%، ثم في 1977 حصلت على 16% لكنها فقدت نفوذها بعد ذلك، ولم تتمكن من اجتياز نسبة
الحسم اللازمة للتمثيل في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وهناك قوة يسارية أخرى
ظهرت منذ 1981 تدعى "الحركة التقدمية للسلام"، غير أنها تركز على الهوية الفلسطينية
وليس الأممية كالشيوعيين وفازت بمقعدين في الكنيست سنة 1984 ومقعد واحد سنة 1988.
أما الحزب العربي الديمقراطي الذي تأسس سنة 1988 فهو أول حزب قام على أساس عربي
صرف، إذ إن الشيوعيين والحركة التقدمية ضمتا أعضاء يهود، وحصل في انتخابات سنة 1988
على مقعد واحد في الكنيست، ثم سنة 1992 على مقعدين[115].
ومن الجدير بالملاحظة أن نسب
الشعبية السابقة في الوسط العربي لا تعبر بالضرورة عن حقيقة نفوذ تلك الأحزاب، إذ
إن هناك أعداداً كبيرة من العرب ترفض المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا تسجل
أسماءها في قوائم الناخبين، كما أن هناك أعداداً أخرى ممن يسجلون أسماءهم لا
يستخدمون حقهم في الانتخابات.
ومن جهة أخرى، فإن هناك حركات
سياسية غير برلمانية (لا تشارك في البرلمان)، مثل حركة أبناء البلد، والحركة
الإسلامية. أما حركة أبناء البلد فتعد استمراراً طبيعياً لحركة الأرض التي ظهرت سنة
1959 وحملت ميولاً قومية ناصرية، ثم ما لبثت السلطات الإسرائيلية أن حظرت نشاطها
سنة 1965 لأنها ترى أن فلسطين واحدة غير قابلة للتجزئة وأن أي حل عادل يجب أن يتم
وفق إرادة الشعب الفلسطيني. وقد ظهرت حركة أبناء البلد سنة 1973، وحققت بعض
النجاحات في الانتخابات البلدية، وعدَّت نفسها من روافد الحركة الوطنية الفلسطينية
المنضوية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية[116].
وقد أخذت بوادر انتشار التيار
الإسلامي في مناطق فلسطين الـ 48 إثر حرب 1967، عندما أصبحت كل فلسطين تحت الاحتلال
الصهيوني، وأمكن لفلسطينيي الضفة والقطاع من الاتصال بإخوانهم في أرض الـ48، ونشر
التيار الإسلامي بينهم وقد كان لأمثال الشيوخ أحمد ياسين، وحامد البيتاوي، ومحمد
فؤاد أبو زيد، وأحمد الحاج علي، وسعيد بلال، فضل كبير في ذلك. كما درس الكثير من
فلسطينيي الـ48 في كليات وجامعات الضفة والقطاع فضلاً عن أوروبا وأمريكا حيث كان
التيار الإسلامي الفلسطيني ينمو ويتزايد، وعادوا إلى مناطقهم لينشروا الدعوة
الإسلامية، ويقيموا الهيئات الخيرية والعيادات الطبية وقاعات المطالعة والأندية
الرياضية. وتبنى التيار الإسلامي بشكل عام أفكار ومناهج "الإخوان المسلمون"، ودعوا
إلى أن الإسلام هو الحل لمشكلات الجماعات والأفراد وطمحوا على المدى البعيد إلى
إقامة الدولة الإسلامية على كامل أرض فلسطين. غير أنهم تعاملوا بحذر وواقعية مع
الظروف والأحوال السياسية التي يعيشونها وفق إمكاناتهم المتاحة. وكان هؤلاء الشباب
قد تحمسوا للعمل الجهادي المسلح ضد العدو الصهيوني فأنشئوا تنظيم "أسرة الجهاد"،
سنة 1979 وقاموا بعدد من العمليات لكنهم سرعان ما اكتشف أمرهم سنة 1980 وقبض على
زعيمهم عبد الله نمر درويش، وعلى القائد العسكري للتنظيم فريد أبو مخ، وعلى باقي
أفراده وحكموا بالسجن مدداً مختلفة.
وفي الثمانينيات انتشرت الحركة
الإسلامية بشكل واسع في قطاعات المجتمع ونجحت في تقديم خدمات اجتماعية واسعة
لفسطينيي 48، وكسب أفرادها سمعة كبيرة، وشاركت الحركة الإسلامية في انتخابات
البلدية، وكان أول مجلس سيطروا عليه هو مجلس "كفر برا" سنة 1984، وحققوا نجاحاً
واسعاً سنة 1989 ففازوا في بلديات أم الفحم وكفر قاسم وكفر برا وجلجولية وراهط.
وكسبت الحركة الإسلامية 42 مقعداً من أصل 146 تم التنافس عليها أي 28.6% من المقاعد[117].
وفي انتخابات 1994 فازت بالبلديات نفسها عدا راهط.كما فازت ببلديات كفر قرع وكابول
وكفر كنا، وحصلت على العديد من المقاعد في الناصرة وفراديس والطيبة وعكا واللد وتل
السبع و غيرها.
وقدرت بعض الدراسات شعبية
الحركة الإسلامية في أوساط فلسطينيي الـ48 بنحو 30%، وتكاد هذه النسبة تصل إلى نحو
40% مع نهاية التسعينيات، وأصبحت القوة الأكثر شعبية وسط فلسطينيي 1948. وظلت
الحركة ترفض المشاركة في انتخابات البرلمان "الإسرائيلي" حتى لا تعطي الشرعية
للكيان الصهيوني، وإن كانت لم تمانع من قيام الأفراد بانتخاب أشخاص أكثر كفاءة
وأهلية لخدمة المناطق العربية. غير أن النقاش الطويل في الموضوع بين كوادر الحركة
أفرز خطين متعارضين أحدهما يمثل الأغلبية ويرفض المشاركة في الانتخابات، ويرأسه
الشيخ رائد صلاح والشيخ كمال الخطيب، وآخر يرى تحقيق مصلحة من خلال المشاركة ورأسه
الشيخ عبد الله نمر درويش. وقد تحالف الشيخ درويش مع الحزب العربي الديمقراطي في
انتخابات 1996 وفاز بأربعة مقاعد اثنان منها للحركة الإسلامية، وقد توسع هذا
التحالف سنة 1999 واستطاع الفوز بخمسة مقاعد[118].
ويرى الكيان الصهيوني في
الحركة الإسلامية خطراً محتملاُ وقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، وهو يتربص لأية
أخطاء في نظره أو هفوات ليقوم بضرب الحركة والتضييق عليها. وتعمل الحركة من جهتها
بحذر وضمن الدائرة التي يسمح بها القانون، وتحرص على ألا تعطي أي مبرر للصهاينة
للاستعجال بضربها.
وحذرت جهات عديدة من ظاهرة نمو
الاتجاه الإسلامي، وقالت صحيفة هآرتس في 13 يوليو/تموز 1979 إن هذه الظاهرة أصبحت
مصدر قلق أكيد لكل يهودي، وأن السلطات الرسمية تنظر إليها بريبة وخوف. وعلق رئيس
الوزراء إسحاق شامير على نتائج الانتخابات البلدية سنة 1989 قائلاً إن نهوض هذه
الحركة، يُظهر أن هناك دورة للإرهاب مثيرة للقلق. وعلق بعض الخبراء والمعلقين مثل
رفائيل إسرائيلي قائلاً:" إنهم يستغلون النظام والديمقراطية لمنفعتهم الخاصة،
وهدفهم هو اجتياح المجتمع من الداخل، ثم في مرحلة ثانية أسلمة مجمل فلسطين والشرق
الأوسط"، كما طالب بعضهم بإلغاء شرعيتها القانونية باعتبارها خارجة عن القانون ودعا
للعمل على استئصالها[119].
الشعب الفلسطيني في الضفة
الغربية وقطاع غزة
(فلسطين المحتلة 1967)
ذكرنا أن ما تبقى من فلسطين
تحت السيطرة العربية إثر حرب 1948 كان يساوي نحو 23% من أرضها، وقد انقسمت هذه
الأرض إلى جزأين، الأول: يطلق عليه الضفة الغربية ومساحتها 5878 كم2 (21.77% من أرض
فلسطين)، والثاني: قطاع غزة ومساحته 363كم2 (1.33%). وقد كان من المفترض أن تقوم
دولة فلسطينية في هاتين المنطقتين وفق قرارات الجامعة العربية والأمم المتحدة. لكن
الأردن قام بضم الضفة الغربية إليه سنة 1950، بينما قامت مصر بوضع قطاع غزة تحت
إدارتها المباشرة دون أن تضمه رسمياً. وقد ظل الوضع كذلك إلى أن قامت القوات
الصهيونية باحتلال الضفة والقطاع في يونيو/حزيران 1967.
قُدر عدد سكان الضفة الغربية
سنة 1948 بحوالي 400 ألف نسمة، وبسبب تهجير الصهاينة للفلسطينيين في حرب 1948 فقد
لجأ إلى الضفة نحو 280 ألفاً استقروا في 21 مخيماً للاجئين، كما توزع آخرون على مدن
الضفة الغربية وقراها. ومن جهة أخرى فقد كان عدد سكان قطاع غزة حوالي 75 ألفاً،
قبيل نكبة 1948، وإثر هذه النكبة أصبح سكان القطاع 200 ألف سنة 1949 وفي سنة 1950
حوالي 288 ألفاً، وقد استقر لاجئو الـ48 في 8 مخيمات في قطاع غزة فضلاً عن مدن
القطاع وقراه، وشكلوا نحو 69% من سكانه، غير أن نسبتهم انخفضت بسبب هجرة الكثيرين
للخارج، وفي 1967 كانت نسبة اللاجئين في القطاع حوالي 59% من سكانه[120].
ولم تكن الموارد الاقتصادية في
الضفة والقطاع تتحمل هذا العدد المفاجئ من الزيادة السكانية كما لم تكن الأوضاع
الاقتصادية للأردن ومصر تمكنهما من توفير بنية تحتية مناسبة تستطيع استيعاب طاقات
الناس العاملة وإمكاناتهم. وقد عاش مئات الألوف من اللاجئين أوضاعاً بائسة، ومعاناة
لا توصف، وسكنوا الخيام سنوات عديدة وسكن بعضهم الكهوف والمغائر، يجمع العشرة في
الخيمة الواحدة حرارة الصيف وزمهرير الشتاء، فأمطاره وأوحاله وآلام التشرد وفقدان
أسباب العمل والمعيشة.
ومع ذلك فقد رفض اللاجئون بعزة
وإصرار خطط التوطين والاستقرار كافة في أي مكان، وظلت قلوبهم - ولمّا تزال - معلقة
بعودتهم الكريمة إلى أرضهم المغتصبة. وعلى الرغم من قسوة الظروف فقد أظهر
الفلسطينيون رغبة هائلة في التعلم والارتقاء الأكاديمي، وخلال سنوات كانت نسبة
المتعلمين الفلسطينيين قد أصبحت هي الأفضل في الوطن العربي وتضاهي مستويات التعليم
في البلدان الأوروبية.
وتحت ضغط هذه الأوضاع وحاجة
بلدان الخليج للكوادر المتعلمة والأيدي العاملة مع ظهور النفط، والانتعاش الاقتصادي
فيها، فقد انتقل الكثير من الفلسطينيين إلى هناك ليحسنوا من أوضاعهم ويسهموا في نمو
تلك البلدان، دون أن ينسيهم ذلك العمل من أجل قضيتهم حيثما حطت رحالهم، ولذلك فإن
أعداد السكان في الضفة وغزة في الخمسينيات والستينيات لا تعكس النمو الطبيعي
للفلسطينيين بسبب هجرة عشرات الآلاف إلى شرق الأردن وبلدان الخليج.
وفي سنة 1966 (قبيل حرب 1967)،
كان عدد الفلسطينيين في الضفة 830 ألفاً، وفي القطاع 455 ألفاً، وإثر الاحتلال
الصهيوني للضفة والقطاع (يونيو/حزيران 1967)، كان عدد الفلسطينيين (حسب التعداد
الذي أجراه الصهاينة) 665 ألفاً في الضفة (بينهم 66 ألفاً من سكان القدس الشرقية)،
و354 ألفاً في القطاع. وهذا يعني أنه إذا ما روعيت الزيادة الطبيعية للسكان خلال
عام (حوالي 40ألفاً)، فإن عدد الفلسطينيين الذين شردوا أو نزحوا عن الضفة والقطاع
نتيجة حرب 1967 يبلغ أكثر من 300 ألف. وقد حرم هؤلاء من العودة إلى فلسطين، وانضموا
مع إخوانهم الذين كانوا يعملون في الخليج أو الأردن وغيرها إلى أعداد اللاجئين
الموجودين خارج فلسطين[121]،
وتظهر الخريطتان التاليتان مخيمات اللاجئين في الضفة والقطاع.


وتحت الاحتلال الصهيوني عمدت
السلطات إلى تنفيذ خطط ترمي إلى تفريغ الضفة والقطاع من السكان بشكل مبرمج ومتدرج
من خلال وضع الناس تحت ظروف أمنية واقتصادية وحياتية لا تحتمل، وقد تبنت السياسات
التالية لتحقيق أهدافها:
1. الإرهاب وبث
روح الخوف و الفزع وسط السكان من خلال الحواجز العسكرية والمداهمات الليلية،
والإعتقالات والتعذيب.
2. تضييق الخناق
اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً.
3. تعمد إذلال
الناس وإهانتهم وتحقيرهم ونشر روح اليأس بينهم، واشتهر أن يطلب الجندي الصهيوني من
الشخص من العامة في الشارع ربط حذاء الجندي أو تقليد صوت الحيوانات كالكلاب أو حتى
أن يُقبِّل أحياناً دبر الحمار.. إلخ.
4. نشر الفساد
والمخدرات بين الناس، وخصوصاً الشباب، وتيسير سبل الزنا والفجور والخلاعة.
5. مصادرة
الأراضي الصالحة للزراعة، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في الماء لري مزروعاتهم،
وإغراق السوق بمنتجات زراعية وصناعية إسرائيلية رخيصة لضرب الاقتصاد الفلسطيني
المحلي، لمنع الفلسطينيين من الإنتاج والاعتماد على النفس، وتحويلهم إلى شعب يعتمد
على العمل الثانوي الهامشي الذي يوفره الصهاينة، بحيث تصبح حياة العامل الفلسطيني
"تحت رحمة" القرار الصهيوني، ويكون أداة رخيصة لإنجاح المشروعات والمؤسسات
الصهيونية.
6. بناء
المستوطنات اليهودية، وإحضار عشرات الآلاف من المستوطنين وتسليحهم، وتقطيع أوصال
الضفة والقطاع وتمزيقها.
7. تبني سياسة
التجهيل بمحاربة الجامعات الفلسطينية وإغلاقها، وتقليص فرص عمل الخريجين لتصبح
الدراسة غير ذات جدوى عملية.
ولتنفيذ هذه السياسات أصدر
الصهاينة الأمر العسكري رقم 2 في 7 يونيو 1967 والذي ركّز جميع السلطات بيد الحاكم
العسكري. وجاء في مادة 3 أ منه "تناط كل سلطات الحكم والتشريع والتعيين والإدارة
المتعلقة بالمنطقة أو سكانها، من الآن فصاعداً، بي وحدي شخصياً، أو بكل من أُعيِّنه
لهذا الغرض، أو من يعمل بالنيابة عني". ولم يأبه الصهاينة بالقوانين الدولية التي
تمنع إحداث تغييرات في المناطق المحتلة، ومضوا حثيثاً في سياسة التهويد[122].
وقد كتب مايكل آدامز مراسل صحيفة الجارديان البريطانية عن فلسطينيي الضفة والقطاع
بأنهم "لم يتمتعوا منذ عام 1967 بأية حقوق، ولا بأية مؤسسات نيابية، ولا توجد سلطة
يمكنهم الشكوى إليها، ولا توجد جهة تحميهم. وكل حركة وفعل لهم يخضع للسلطة التعسفية
للحاكم العسكري الإسرائيلي. ومن الممكن احتجازهم وحبسهم وترحيلهم دون تدخُّلٍ من
جانب أية محكمة، ويجوز تدمير بيوتهم وممتلكاتهم ومصادرة أراضيهم وحرق محاصيلهم
الزراعية واقتلاع أشجارهم"[123].
إن هذه السياسات لم تنجح بشكل
عام في إثناء الشعب عن المطالبة بحقه أو الثبات على أرضه، بل العكس فإن عشرين عاماً
من المعاناة فد فجرت الانتفاضة الكبرى في الضفة والقطاع في ديسمبر/كانون أول 1987،
لتبرز أحد أنبل ظواهر الصمود والمقاومة في التاريخ الحديث. ومع ذلك فقد حقق
الصهاينة بعض النجاحات الجزئية، فقد خرج من الضفة والقطاع - طلباً للعلم أو الرزق
أو الحياة الكريمة - نحو 220 ألف شخص خلال الفترة 1967 ـ 1985 معظمهم من الشباب.
كما يضطر نحو 20 ألف شاب للمغادرة سنوياً للبحث عن عمل[124].
وتمكن الصهاينة من تجنيد مئات العملاء ممن أفسدوهم بالفجور والمخدرات، وظهرت أشكال
من التسيب والفساد، خصوصاً في النصف الأول من السبعينيات، لكن ظهور الصحوة
الإسلامية وانتشارها مكن من الوقوف في وجه هذه الظاهرة وحصرها، ثم ضربها خلال
الانتفاضة.
وتشير الإحصاءات التي قامت بها
دائرة الإحصاءات المركزية في السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أن النتائج الأولية في
1997 لعدد السكان في الضفة الغربية (بما فيها القدس)، هو مليون و 870 ألفاً. وفي
قطاع غزة مليون و 21 ألفاً. وحسب معدلات النمو الطبيعية فإن عدد سكان الضفة والقطاع
سنة 2001 هو ثلاثة ملايين و371 ألف نسمة. وبسبب المعدل العالي للتزايد السكاني فإن
المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع يعد مجتمعاً فتياً، إذ أن نسبة الأطفال (دون 15
سنة)، 50% من مجموع السكان، وهذا على الرغم من أنه يفشل مشاريع التهجير والتفريغ
الصهيونية، ويفسد عليها تقريباً تهويد الأرض المقدسة، إلا أنه يلقي أعباء اقتصادية
كبيرة على كاهل معيلي الأسر الذين يعانون أصلاً من مصاعب جمة[125].
ويقدم الجدول التالي إحصائية
تقريبية لأعداد السكان في الضفة والقطاع بناء على آخر إحصاء للسلطة الفلسطينية سنة
1997، مع إضافة نسبة النمو الطبيعي للسكان الفلسطينيين وهي بحدود 3.4% سنوياً، مع
توقعات الأعداد حتى سنة 2005:[126]

كان من أوائل الإجراءات
الصهيونية أن ضمت القدس الشرقية إلى كيانها، فأصبح أهل القدس رسمياً جزءاً من
الكيان الصهيوني، كما تم توسيع منطقة القدس الجغرافية لتشمل نحو 20% من أرض الضفة
الغربية. وقد تابعت السلطات الصهيونية وفق خطة استراتيجية مبرمجة الاستيلاء على
أراضي الضفة والقطاع، بحيث تمكنت مع نهاية 1999 من السيطرة على نحو 62.7% من أراضي
الضفة، و 43% من أراضي القطاع، وبَنَتْ في الضفة أكثر من 160 مستوطنة يسكنها نحو
200 ألف مستوطن يهودي، كما أنشأت في غزة 16 مستوطنة يسكنها نحو خمسة آلاف مستوطن.
وقد هدفت هذه السياسات إلى التهويد التدريجي للأرض والسكان، والاستيلاء على كل
المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والأمنية لإحكام السيطرة العسكرية على الضفة
والقطاع، وتطويق المدن والقرى الفلسطينية بأحزمة من المستوطنات، بحيث تتحول إلى جزر
معزولة تفقد وحدتها وهويتها المشتركة، فضلاً عن تثبيت حقائق جديدة على الأرض يستحيل
تغييرها في أي تسوية سياسية قادمة. وهكذا، ففي الوقت الذي كانت أعداد السكان في
الضفة والقطاع تنمو وتتضاعف، وتتزايد حاجاتهم، كانت السلطات الصهيونية تنـزع منهم
أراضيهم وأملاكهم لتضاعف معاناتهم وآلامهم.
ومن جهة أخرى، فقد سيطر الحاكم
العسكري الصهيوني على جميع مصادر المياه في الضفة الغربية، ومنع حفر آبار جديدة، أو
تعميق الآبار القديمة، وحدد سقفاً أعلى لحصص المياه للفلسطينيين، ففي عام 1990
مثلاً (وهو نموذج لغيره من السنوات)، خُصّص للفلسطينيين 17% فقط من المياه الجوفية
في أرضهم في الضفة الغربية، بينما خصص 83% للاستخدام داخل الكيان الصهيوني أو في
المستوطنات اليهودية في الضفة. ويمنع الفلسطينيون من أن تزيد أرضهم المروية بالماء
عن 6% من أرضهم الزراعية، بينما يتمكن المستوطنون من ري 69% من الأراضي التي
استولوا عليها. وبينما يخصص لكل فلسطيني نحو 127 متراً مكعباً في السنة، فإنه يخصص
للمستوطن 1600 متراً مكعباً، أي أكثر من 12 ضعفاً.[127]
وعلى الرغم من اتفاقات التسوية السلمية (أوسلو 1993)، ووجود السلطة الفلسطينية في
عديد من مناطق الضفة والقطاع، إلا أن الصهاينة احتفظوا "بحقهم" في منع حفر أية آبار
دون إذنهم، واعترف وزير الري الفلسطيني نبيل الشريف بأنه جلس ثلاث سنوات مع المفاوض
الإسرائيلي لحفر بئر واحدة قرب جنين، ولم يستطع الحصول على تصريح منه بذلك!![128].
وهكذا أصبح من المستحيل على
الفلسطينيين استثمار أراضيهم الزراعية تطويرها بشكل واسع، وفي الوقت نفسه أغرقت
السلطات الصهيونية الأراضي الفلسطينية بمنتجات زراعية رخيصة، ومنعت الفلسطينيين من
تصدير منتجاتهم، وفرضت على زراعتهم ضرائب باهظة، وبذلك أصبحت تكاليف الإنتاج
الزراعي الفلسطيني عالية وغير مجدية اقتصادياً، وفتحت المؤسسات الصهيونية وخصوصاً
قطاعات البناء المجال للعمال الفلسطينيين، فاضطر عشرات الآلاف إلى ترك الزراعة
والعمل كأيد عاملة رخيصة في الاقتصاد الصهيوني.
ويعمل ما معدله 100 ـ 120 ألف
عامل فلسطيني في الأرض المحتلة 1948 فيما يسمى "إسرائيل"، ويتقاضون رواتب تساوي ثلث
إلى خمس ما يتقاضاه العامل اليهودي، إذا ما احتسبت المزايا التي يحصل عليها
اليهودي. وكثيراً ما يغري السماسرة اليهود النساء والصغار بترك بيوتهم ومدارسهم
للحصول على عمالة أرخص، مما يكون له آثار اجتماعية سلبية كبيرة. ويعمل معظم هؤلاء
بالمياومة (راتب يومي)، ويمكن أن يطردوا من العمل في أي لحظة، وليس لهم أية ضمانات
اجتماعية أو صحية، ويفقد هؤلاء وظائفهم إذا ما أغلقت الأراضي المحتلة عام 48،
بذرائع أمنية أو بسبب العمليات الفدائية أو المناسبات الوطنية.. ، إلى أن تفتح لهم
مرة أخرى. وهكذا استحوذ السوق "الإسرائيلي" على نحو 39% من الأيدي العاملة في الضفة
والقطاع، وهذا جعل حياة الآلاف وخلفهم مئات الآلاف ممن يعيلونهم من زوجات وأبناء
رهينة لدى الصهاينة.[129]
وعلى الرغم من أن هذه النسبة قلّّت في أثناء الانتفاضة 1987 ـ 1993 إلى نحو 12.3%،
إلا أنها عادت للزيادة مرة أخرى بعد اتفاقات أوسلو (1993). ومن جهة أخرى يعاني
أبناء الضفة الغربية والقطاع من نسب بطالة عالية كان معدلها في معظم سنوات الاحتلال
يزيد عن 20%، وفي سنة 1997 كانت نسبة البطالة 21.5% منها 18.2% في الضفة، و 31.6%
في قطاع غزة، وحتى نهاية 1998 كان لا يزال يوجد 20% من الأسر في الضفة والقطاع تعيش
تحت خط الفقر[130].
وظل الاحتلال الصهيوني يتحكم
بالاقتصاد الفلسطيني حتى جعله هامشياً وتابعاً لاقتصاده، ولم تنفع اتفاقات التسوية
السلمية كثيراً في فك هذا الحصار إذ لا تزال 90% من التجارة الخارجية تحت رغبات
وشروط وقيود الصهاينة فضلاً عن أكثر من 80% من مصادر المياه، فهم يتحكمون بما يدخل
للموانئ والمطارات والحدود وما يخرج منها.
منذ الاحتلال الصهيوني وضعت
المؤسسات التعليمية تحت إدارة الحاكم العسكري، على الرغم من إبقاء نظام التعليم
الأردني (في الضفة الغربية)، والمصري (في قطاع غزة) شكلاً. وصار من سلطات الحاكم
العسكري تعيين المدرسين وفصلهم، ووضع المناهج واختيار الكتب المدرسية ووضع برامج
جديدة أو إلغاء برامج قائمة وبناء مدارس جديدة. وتعرض قطاع إلى إهمال متعمد فلم
يوظف أمين مكتبة ولا فني مختبر بدوام كامل منذ 1967، وألغيت مقررات التربية البدنية
والفنون والتدبير المنـزلي في كثير من المدارس، وانخفض عدد المدارس الحكومية من 884
مدرسة 1967 إلى 790 مدرسة عام 1979، رغم التزايد الكبير في السكان. ووضعت قائمة
كبيرة بالكتب الممنوعة وصل عددها سنة 1986 إلى 1600 كتاب ، خصوصاً ما يشير إلى
تاريخ فلسطين أو الثقافة الفلسطينية، كما منع تدريس عدد من كتب المناهج المقررة في
المدارس، فمثلاً منع استخدام تسعة كتب من 27 كتاباً في المرحلة الابتدائية وثمانية
كتب من أصل عشرين للمرحلة الإعدادية في مدارس الأونروا. وأعطي الأمر العسكري رقم
854 الصادر في 6 يوليو/تموز 1980 للضابط الصهيوني حق التدخل في الجامعات ومؤسسات
التعليم العالي، سواء في مناهجها أو إدارة جهازها التعليمي، فأصبحت من ناحية
الإشراف والمراقبة العسكرية لا فرق بينها وبين المدارس الابتدائية[131].
ومن الملاحظ أن كل الإجراءات
الصهيونية لم تثن أبناء فلسطين عن شغفهم بالدراسة والتعليم وقد أدى إلى إصرارهم على
التعلم وما رافقه من نضال سياسي وجهادي وإضرابات ومظاهرات إلى استمرار العملية
التعليمية، بل ونموها رغماً عن الاحتلال. فبلغ عدد المدارس الحكومية 1175 والأونروا
265 والخاصة171 للعام الدراسي 97/1998، فضلاً عن 789 روضة أطفال. كما تمكن
الفلسطينيون في الضفة والقطاع من إنشاء ثمانية جامعات (6 في الضفة و2 في القطاع)،
يدرس فيها في العام الدراسي 92/1993 نحو 20500 طالب، وقد عانت هذه الجامعات من
أوامر الإغلاق، فاغلقت جامعة بير زيت مثلاً خمسة أشهر سنة 1982، وأغلقت جامعة
النجاح أربعة أشهر سنة 1983، وأربعة أشهر أخرى سنة 1984، وشهرين سنة 1985، وتزايدت
الإغلاقات في فترة الانتفاضة بشكل كبير. كما استمر التضييق على الطلاب والأساتذة
واعتقالهم والمراقبة الصارمة على الميزانية ومصادر التمويل، وعدم السماح للكفاءات
الأكاديمية في الخارج بالتدريس فيها إلا وفق قيود تجعل الأمر شبه مستحيل، وفي سنة
1985 رفضت السلطات الصهيونية السماح باستمرار 39 أستاذاً جامعياً فلسطينياً في
الجامعة الإسلامية بغزة، بحجة أنهم من فلسطيني الخارج، مما أدى إلى طردهم وإبعادهم،
ومن بينهم مدير الجامعة بالإنابة د. محمد صيام. فضلاً عن هذه الجامعات كان هناك 16
كلية جامعية متوسطة (كليات مجتمع)، بينها 14 في الضفة الغربية، واثنتان في القطاع[132].
كما تعرضت قطاعات الصحة
للإهمال تحت الاحتلال الصهيوني، فرغم تضاعف عدد السكان، انخفضت المستشفيات الحكومية
من14 مستشفى سنة 1967 إلى 10 مستشفيات سنة 1993، وبلغت الميزانية المقررة للخدمات
الصحية أقل من 2% من ميزانية الخدمات الصحية في الكيان الصهيوني، وكان على هذه
الميزانية أن تتضاعف 15 مرة حتى تصل بالخدمات الصحية إلى أدنى مستوى مقبول. وقد
كانت ميزانية القطاع الصحي سنة 1990 في الضفة الغربية 10 ملايين دولار، وهو يوازي
15% من ميزانية أحد مستشفيات تل أبيب[133].
وقد تعمدت سلطات الحكم العسكري
الصهيوني عدم إحداث أي تطور في المعدات والأجهزة الطبية أو التدريب وإدخال
الكفاءات، ووصفت مصادر منظمة الصحة العالمية التجهيزات الموجودة بأنها لا تصلح
للتشخيص الحديث، ولا يمكن أن يقال فيها أكثر من أنها أثرية[134].
وقد حدث بعض التحسن في الخدمات
الصحية إثر تولي السلطة الفلسطينية الحكم الذاتي في عدد من مناطق الضفة والقطاع.
الشعب الفلسطيني في الخارج
هناك لبس أو سوء فهم يقع فيه
بعض من يكتب عن الفلسطينيين في الخارج، فبعض الباحثين يظن أنهم اللاجئون
الفلسطينيون نتيجة حرب 1948 وهذا خطأ، فكثير من لاجئي الـ48 لا يزالون يعيشون داخل
فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبعضهم الآخر يضيف إلى لاجئي الـ48 أولئك الذين
تشردوا نتيجة حرب الـ67 من الضفة الغربية وغزة (أطلق عليهم لقب نازحين)، وهذا أيضاً
لا يكفي لتحقيق الدقة المطلوبة وذلك لأن أعداداً كبيرة من الفلسطينيين خرجت من
الضفة الغربية وقطاع غزة لأسباب مختلفة خلال الفترة 1948 ـ 1967، وخصوصاً من انتقل
منهم للضفة الشرقية من الأردن أو ذهب إلى بلدان الخليج العربي والمهجر طلباً للرزق،
وهؤلاء محرومون أيضاً من حق العودة إلى الأرض المحتلة، وهناك أيضاً أعداد كبيرة من
الشباب خرجت للدراسة أو للعمل من الضفة والقطاع منذ 1967 وحتى الآن، وحرمتهم
السلطات الصهيونية من حق العودة بحجج مختلفة، مثل انتهاء تصريح الخروج وغيره، فضلاً
عمن أبعدوا قسراً عن فلسطين بسبب مقاومتهم للاحتلال.
وعلى هذا فإن قدراً كبيراً من
اللاجئين الفلسطينيين هم مشردون ولكن لا يزالون في الحدود الجغرافية لفلسطين، وهناك
قدر كبير آخر من الفلسطينيين خارج فلسطين ليس بالضرورة من اللاجئين بسبب حرب 1948،
وحديثنا هنا ينصب على الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين سواء من لاجئي 48 أو
مشردي 67 أو لأية أسباب أخرى.
وتواجهنا بعد ذلك مشكلتان
فنيتان في التعرف على أعداد فلسطينيي الخارج وأوضاعهم، أولاهما أن بعضاً يظن أن
أعدادهم هي تلك المسجلة لدى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)،
وهذا خطأ لأن هناك مئات الألوف لم يسجلوا أسماءهم لأنهم لم يسكنوا مخيمات اللاجئين
ابتداء، أو لأنهم لم يحتاجوا إلى خدماتها، أو لأنهم سكنوا في مناطق لا تقدم فيها
الوكالة خدماتها مثل مناطق الخليج العربي وأوروبا وأمريكا. وثاني هذه المشكلات هي
حالة التشتت التي يعانيها أبناء فلسطين في كل بقاع العالم، وموقف كل نظام من
الأنظمة السياسية التي يعيشون تحت ظلها من قضيتهم، وقدرتهم على التعبير عن أنفسهم
في مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية، بحيث أن معرفة أحوالهم وأعدادهم تعتمد إلى
حد كبير على الرؤية السياسية للنظام ومصالحه. ولا أود أن أشغل القارئ الكريم
بدراسات رقمية وإحصائية كثيرة، ومتضاربة قدمها باحثون ومؤسسات مختلفة، فهذا ليس
منهجنا في هذا البحث، ولكننا نختار إحدى الإحصاءات الأقرب إلى الموضوعية والتي
قدمها أحد الباحثين إلى مؤتمر علمي في بوسطن في الولايات المتحدة حول عدد
الفلسطينيين سنة 1998[135]،
ونستطيع أن نستخلص منها ما يلي:
|
المنطقة |
عدد
الفلسطينيين |
|
الأردن |
2.328.803 |
|
لبنان |
430.188 |
|
سوريا |
456.662 |
|
مصر |
48.784 |
|
السعودية |
274.762 |
|
الكويت |
37.696 |
|
بلدان الخليج
العربي الأخرى |
105.578 |
|
العرق وليبيا |
74.284 |
|
بلدان عربية
أخرى |
5.544 |
|
أمريكا
الشمالية والجنوبية |
203.588 |
|
بقية أنحاء
العالم |
259.248 |
|
مجموع
الفلسطينيين في الخارج |
4.225.642 |
وبتطبيق نسبة الزيادة الطبيعية
للفلسطينيين (3.4%) يصبح عدد فلسطينيي الخارج أربعة ملايين و 671 ألفاً و 487 شخصاً
في سنة 2001، ويصبح أربعة ملايين و 830 ألفاً و 308 شخصاً سنة 2002.
|
السنة |
العدد |
|
2001 |
4.671.487 |
|
2002 |
4.830.308 |
أما عدد الفلسطينيين داخل
فلسطين فقد قدرهم الباحث نفسه للعام نفسه (1998)، بنحو (3.914.549)، ومن بين هؤلاء
الذين يعيشون داخل فلسطين هناك (1.529.089)، هم لاجئون ومشردون من مساكنهم وأرضهم
لكن لا يزالون يعيشون داخل الإطار الجغرافي لفلسطين[136].
وهكذا فإن تقدير عدد
الفلسطينيين لسنة 1998 (حسب تقدير هذا الباحث) هو ثمانية ملايين و 139 ألفاُ و 191
شخصاً، ونسبة الفلسطينيين المقيمين خارج فلسطين إلى العدد الكلي للفلسطينيين هي
51.9%، أما نسبة اللاجئين والمشردين الفلسطينيين ممن حرموا حق العودة إلى أرضهم
وقراهم الأصلية (سواء أقاموا داخل فلسطين أو خارجها) هي 70.69% (أي خمسة ملايين
و753 ألفاً و 731 شخصاً). ووفق تقديرات سنة 2002 ـ في ضوء الزيادة الطبيعية
للفلسطينيين ـ يصبح المجموع الكلي للاجئين ستة ملايين و577 ألفاً و58 شخصاً.
ولابد من الإشارة إلى أن هناك
نسبة ضئيلة من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة يقيمون في الخارج بقصد الدراسة والعمل
ولديهم في الوقت نفسه هوية "مواطنة" تمكنهم من العودة والإقامة في الضفة أو القطاع،
غير أن هذه النسبة لا تؤثر بشكل جدي على التقديرات المشار إليها أعلاه وربما لا
تتجاوز 2 ـ 3 % من عدد الفلسطينيين.
وما يهمنا هنا هو إدراك حجم
المأساة التي يعيشها الفلسطينيون عندما نعلم أن أكثر من ثلثيهم أجبروا على ترك
مدنهم وقراهم الأصلية، وأن أكثر من نصفهم لا يعيشون ضمن الحدود الجغرافية لفلسطين.
وما يزيد حجم المأساة وآلامها أن قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أقدم قضايا اللاجئين
في التاريخ الحديث والتي واجهها المجتمع الدولي دون اكتراث حقيقي. لقد اتخذت قرارات
دولية بشأن لاجئي الحرب الأهلية مثلاً في تيمور الشرقية وغيرها، وجرى إلزام الأطراف
المعنية بتنفيذها خلال سنة أو بضع سنوات. أما بشأن الفلسطينيين فقد مضى على تهجيرهم
نحو (54) عاماً، وقد اتخذت الأمم المتحدة قرار (194) الذي يطالب الكيان الصهيوني
"إسرائيل" بإعادة اللاجئين، وتم تأكيد هذا القرار منذ سنة 1949 أكثر من (110) مرات
في الدورات المتعاقبة للأمم المتحدة وبشبه إجماع من المجتمع الدولي، وظلت الولايات
المتحدة نفسها توافق على هذا القرار حتى سنة 1993 ( عندما حول الأمر إلى اتفاق
أوسلو). ومع ذلك فإن الكيان الصهيوني رفض الانصياع لهذا القرار، لأن الولايات
المتحدة والقوى الكبرى لم تكن لديها الجدية الكافية لإجبار الكيان الإسرائيلي على
تنفيذه.
لقد عانى الفلسطينيون من أوضاع
مأساوية نتيجة تشردهم عن أرضهم، فقد تمزق كيانهم الاجتماعي السياسي، وفقدوا مصادر
رزقهم من أراضٍ كان يزرعونها، أو أعمال يقومون بها، أو بيوت يسكنونها، أو ثروات
منقولة يملكونها. ووجدوا أنفسهم فجأة في مخيمات للاجئين، يسكنون الخيام أو الكهوف
والمغائر لا يجدون ما يسدون به أدنى متطلبات حياتهم اليومية سواء كان ذلك طعاماً أو
علاجاً أو تعليماً أو عملاً كريماً، ودون خدمات مياه. ولا تزال مخيمات اللاجئين في
لبنان وسوريا والأردن بل وفي الضفة والقطاع وأوضاعها المأساوية التي مضى عليها أكثر
من خمسين عاماً شاهداً حياً على مدى الظلم التي تعرض له أبناء هذا الشعب ومدى تجاهل
المجتمع الدولي لقضيتهم.
وقد أنشأت الأمم المتحدة وكالة
لغوث اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" سنة 1950 لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين،
وقامت هذه الوكالة ـ ولا تزال ـ بتوفير جانب حاجات اللاجئين من تموين بالمواد
الرئيسية للطعام ومن مدراس للتعليم وبعض الخدمات الصحية.. ويبلغ عدد الفلسطينيين
المسجلين رسمياً لديها سنة (1999) نحو ثلاثة ملايين و 600 ألف لاجئ[137].
ورغم أن اللاجئين يستفيدون من خدماتها إلا أنهم يتعاملون بحذر ورفض عنيف لأية
محاولات تستهدف توطينهم في أماكن لجوئهم الحالي، ولا يرضون عن العودة إلى أرضهم في
فلسطين بديلاً.
وتعاني وكالة الأونروا من
مشاكل مزمنة في التمويل ومن عجز متواصل في ميزانيتها مما أدى إلى تناقص كبير في
خدماتها، ومن أمثلة ذلك أنه منذ عام (1993) وحتى نهاية عام (1999) تقلصت خدمات
الأونروا إلى المخيمات بنسبة (30 ـ 35%) حسبما ذكر وزير شؤون اللاجئين الفلسطينيين
في السلطة الفلسطينية أسعد عبد الرحمن[138].
ولأن الفلسطينيين شعب يتميز
بالنشاط والقدرة على المبادرة، فقد أخذ اللاجئون يتكيفون مع ظروف حياتهم الصعبة،
فأصبحت المخيمات مراكز عمل وطني وتعبئة سياسية ومعنوية، وكان أبناؤها روحاً أساسية
في حركات المقاومة والتحرير، واهتم الفلسطينيون بالتعليم ودرس الكثيرون ليلاً في
ضوء القمر أو على فتائل الكاز.. وبعد سنوات من المصابرة والكفاح أصبحت نسبة
المتعلمين الفلسطينيين أفضل النسب في العالم العربي بل ومن أفضل النسب في العالم
أجمع. وبدأ اللاجئون يستبدلون بالخيام أبنية من الطين أو الطوب في نفس مواقعهم، غير
أن السلطات ـ خصوصاً في لبنان ـ تمنعهم رسمياً من سقف بيوتهم المتواضعة بالإسمنت،
ويكتفون لذلك بألواح الزينكو. وتفتقد المخيمات إلى الآن إلى أدنى مواصفات التنظيم
البلدي وخدمات توصيل شبكات المياه والصرف الصحي. ومن الطبيعي ـ في ظروف تمنع فيه
السلطات المخيمات من التوسع والامتداد ـ أن يضطر الكثيرون للبحث عن العمل أو السكن
خارج المخيمات أو الهجرة إلى بلدان الخليج العربي وأوروبا وأمريكا حيث تتوفر فرص
العمل. وعلى ذلك فإن إحصاءات اللاجئين في المخيمات لا تعكس بالضرورة الأعداد
الحقيقية للاجئين. فنسبة المقيمين داخل المخيمات في الأردن وسوريا ولبنان لا تتجاوز
بعد خمسين عاماً من اللجوء (سنة 1999) الـ 25% حسب إحصاءات الأونروا نفسها، بينما
تسكن معظم الأعداد الأخرى في مدن وقرى هذه البلاد[139].
الفلسطينيون في دول الطوق
كما لاحظنا في الجدول السابق
فإن أغلب فلسطينيي الخارج يقيمون في بلدان لها حدودها المباشرة بفلسطين، وخصوصاً
الأردن وسوريا ولبنان، حيث يتشابه الفلسطينيون مع سكان هذه البلاد بشكل عام في
خصائصهم السكانية والاجتماعية باعتبار أن الجميع ينتمون إلى ما يعرف جغرافياً
وتاريخياً بلاد الشام. وأن الحدود الحالية بينهم جاءت نتيجة المؤامرات الاستعمارية
الدولية وخصوصاً اتفاقية سايكس بيكو 1916 بين بريطانيا وفرنسا. ويقيم في هذه
البلدان الثلاثة نحو ثلاثة ملايين و 215 ألفاً و158 شخصاً أي نحو 76.1% من
الفلسطينيين خارج فلسطين حسب إحصاءات 1998. وهذه النسبة العالية تعكس رغبة
الفلسطينيين الكبرى في البقاء بجوار أرضهم التي حرموا بالقوة من العودة إليها،
والسعي للعودة متى سنحت الظروف.
وفي الأردن نجد أن الفلسطينيين
قد منحوا رسمياً الجنسية الأردنية وكافة حقوق المواطنة، من إقامة وعمل وشراء أراضٍ
وبناء، وانتخاب وترشيح للبرلمان ومشاركة في الحكم وكان ذلك إثر توحيد الضفة الغربية
مع الضفة الشرقية للأردن في دولة واحدة سنة 1950، تحت حكم الملك عبد الله بن
الحسين. وتسلَّم عدد من الفلسطينيين رئاسة الوزراء من أمثال سمير الرفاعي، وسليمان
النابلسي، وطاهر المصري. غير أن علاقة النظام الحاكم مع الفلسطينيين أو من يمثلهم
تعرضت إلى بعض المنعطفات كان من أبرزها إشكالية التمثيل الرسمي للفلسطينيين خصوصاً
منذ إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، التي أصبحت رسمياً الممثل الشرعي
الوحيد للشعب الفلسطيني حسب قرارات القمة العربية في الرباط سنة 1974، مما جعل هناك
نوعاً من ازدواجية التمثيل. وكان من الأحداث الجسام احتلال الكيان الصهيوني للضفة
الغربية في يونيو 1967، وخسارة الأردن من الناحية الفعلية سيادته وسيطرته عليها.
وظل الأردن يَعُدُّ الضفة الغربية جزءاً من كيانه الجغرافي إلى أن أصدر الملك حسين
بن طلال في صيف 1988 قراره بفك العلاقة مع الضفة الغربية، ليخلي الساحة لمنظمة
التحرير لمحاولة تمثيلها، وكانت لا تزال عملياً تحت الاحتلال الصهيوني.
وقد أوجدت أحداث
سبتمبر/أيلول 1970 شرخاً كبيراً بين الحكم الأردني وفصائل منظمة التحرير
الفلسطينية، إذ إن المعارك الكبيرة التي اندلعت بين الطرفين أدت لقيام الجيش
الأردني بسحق حركات المقاومة الفلسطينية وخسارتها لنفوذها في الأردن. وقد انعكس ذلك
سلباً بشكل أو بآخر على طريقة تعامل النظام مع الفلسطينيين بشكل عام، حيث تقلص
أثرهم في مؤسسات الحكم والدولة، رغم أن حقوقهم الدستورية بقيت كما هي من الناحية
الرسمية. ويتحدث بعض المحللين أن تحسناً إيجابياً أخذ يظهر مؤخراً كان أحد معالمه
تشكيل حكومة أبو الراغب في يونيو 2000، والتي شارك فيها عشر وزراء من أصول فلسطينية
أي ثلث أعضاء الحكومة. ولا توجد إحصاءات دقيقة في الأردن عن الفلسطينيين من حملة
الجنسية الأردنية غير أن التقديرات تحوم حول معدل 60% من مجموع الشعب الأردني، وهو
ما تؤيده مصادر أوروبية وأمريكية. غير أن طريقة توزيع الدوائر الانتخابية لا تسمح
لهم مطلقاً بتشكيل أغلبية برلمانية، وفي انتخابات سنة 1997 كان عدد الفلسطينيين 13
نائباً من أصل 80 نائباً أي نحو 16.25%. وقد انتقدت مصادر أوروبية وأمريكية هذا
الأمر، ودعت إلى انتخابات تعبر بشكل أفضل عن حقيقة التركيبة السكانية. ولكننا لا
يمكن أن نسلم بحسن نوايا هذه المصادر، لأنها تريد أن يكون ذلك جزءاً من خطة
التوطين، والوطن البديل للاجئين في الأردن، مع أننا في الوقت نفسه نؤمن أن
الفلسطينيين والأردنيين شعب واحد وجسد واحد، وأن تحقيق العدالة للجميع حق طبيعي،
ولا يعني التنازل عن الحقوق الأخرى.
وفي الأردن عشرة مخيمات
للاجئين هي:
1 ـ الحسين 2
ـ البقعة 3 ـ الوحدات
4 ـ الطالبية
5 ـ الزرقاء 6 ـ ماركة (حطين)
7 ـ إربد 8
ـ الحصن (عزمي المفتي) 9 ـ جرش
10 ـ سوف

وأكبر هذه المخيمات هو مخيم
البقعة يليه مخيم الوحدات، ولا تزيد نسبة من يقيمون داخل المخيمات عن 18.2% (أي
247816) من عدد اللاجئين الفلسطينيين في الأردن المسجلين لدى الأونروا سنة 1999
والبالغ عددهم مليوناً واحداً و 612 ألفاً و 742 شخصاً[140]،
وتظهر الخريطة التالية مخيمات اللاجئين في الأردن:
وتعد حالة اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان الأشد صعوبة ومعاناة، إذ أجبر على الخروج من شمال فلسطين إلى
لبنان في أثناء حرب 1948 حوالي مائة ألف فلسطيني وأنشئ لهم 15 مخيماً رسمياً. ولم
تكن الأحوال السياسية وطبيعة التركيبة السكانية تسمح باستيعاب اللاجئين على الشكل
الذي تم في الأردن. فالنظام السياسي في لبنان مبني على أساس نسب وتوازنات طائفية
محددة بين المسيحيين وخصوصاً الموارنة، والسنة و الشيعة والدروز. ولم يكن دخول
الفلسطينيين، وهم من أهل السنة في التركيبة اللبنانية مُرحباً به، خصوصاً من
الطائفة المارونية، التي تتمتع بنفوذ سياسي مميز يخولها رئاسة الدولة وعدداً من
المناصب الحساسة. وعلى أي حال، لم يكن الفلسطينيون يرغبون في الاندماج والتوطين،
لكنهم كانوا يرغبون في الحياة الكريمة وظروف عمل ومعيشة معقولة تمكنهم من الوقوف
على أقدامهم، وتركيز جهودهم لتحرير أرضهم المغتصبة، غير أن السلطات اللبنانية ظلت
أمداً طويلاً تتبنى سياسة ترى أن حالة المعاناة والمعيشة المزرية للاجئين تصب في
منع سياسة التوطين في الخارج، وفي أن تظل أعين اللاجئين متجهة نحو العودة إلى
فلسطين لحل مشاكلهم. ولذلك منح الفلسطينيون وثائق سفر لبنانية تخولهم حق الإقامة،
لكنها تمنعهم من أية حقوق سياسية.
كما منعوا من حق التجنس بالجنسية اللبنانية مهما
طالت المدة وحتى لمن يولد هناك، وقد قامت الحكومة اللبنانية بإعطاء الجنسية لنحو
خمسين ألف لاجئ في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين لكونهم أساساً من
المسيحيين، أو لوجود صلة نسب سابقة لهم بعائلات لبنانية، كما وحرم الفلسطينيون من
سبعين نوعاً من الوظائف والمهن في لبنان شملت كل الوظائف الحكومية تقريباً فضلاً عن
الوظائف الطبية والتمريض والصيدلة والهندسة والمحاماة وغيرها. ووصلت معدلات البطالة
بين الفلسطينيين في لبنان إلى ما يزيد 40%، ولا يحق للفلسطينيين التمتع بخدمات
الحكومة الصحية والتأمين الاجتماعي، كما أن نسبة ضئيلة جداً منهم تُقبل في المدارس
الحكومية. ويمنع الفلسطينيون من سقف منازلهم المتواضعة بغير ألواح الزينكو كما
يمنعون من بناء طابق ثانٍ لبيوتهم، مما أوجد حالة من الاكتظاظ الرهيب في المخيمات
مع الزمن، أدت لنـزوح الكثيرين خارجها. وحتى سنة 1971 كانت أغلبية البيوت غير مزودة
بشبكة مياه، وحتى سنة 1980 كان لا يزال نصفها دون شبكة التصريف الصحي (مجاري)، وتصل
نسبة الفلسطينيين تحت خط الفقر في لبنان إلى 79% وسط العائلات التي يكون عددها 3
أفراد أو أقل، وترتفع إلى 96% ـ 98% في العائلات الأكبر من ذلك[141].
إن مثل هذه السياسات لم تثمر
سوى المرارة في نفوس اللاجئين، الذين توقعوا من إخوانهم العرب على الأقل معاملة
إنسانية كالتي يعامل بها أي مقيم في أي بلد أجنبي. ولذلك، ازدادت معدلات الهجرة بين
اللاجئين إلى أوربا الغربية وأستراليا وأمريكا، مما عرضهم لتحديات التذويب وفقدان
الهوية بشكل أكبر، وتظهر الخريطة التالية مخيمات اللاجئين في لبنان.

وبعد حرب 1967 وسقوط الضفة
الغربية وقطاع غزة في يد الاحتلال الصهيوني نشطت حركة المقاومة الفلسطينية في أوساط
اللاجئين في لبنان، وتمكنت الفصائل الفلسطينية من السيطرة الفعلية على المخيمات،
وبدأت عملياتها العسكرية من جنوب لبنان ضد الكيان الصهيوني، واستطاعت فرض نفسها
فرضاً على السلطات اللبنانية بعد العديد من الاشتباكات والصدامات المسلحة. ورغم أن
"اتفاق القاهرة" في نوفمبر 1969 أعطى الفلسطينيين حق التسلح ومهاجمة الكيان
الصهيوني من الحدود اللبنانية، إلا أن حالة التوتر ظلت السمة الرئيسية في العلاقة
بين الطرفين. وحاول الكيان الصهيوني تأزيم هذه العلاقة دائماً عبر هجمات الطيران
وقصف المنشآت اللبنانية وقتل المدنيين، وعبر الحملات العسكرية المنظمة واحتلال
أجزاء من لبنان سنة 1978 لإقامة حزام أمني، وكذلك 1982 لتدمير البنية التحتية
لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، وعبر دعم القوات المعادية للفلسطينيين وخصوصاً
حزب الكتائب الماروني، وجيش لبنان الجنوبي العميل للصهاينة بقيادة سعد حداد ثم
انطوان لحد. وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) لتزيد من تأزيم الوضع
وتعقيده، فدخل الفلسطينيون في حروب متواصلة منهكة مع أطراف الصراع كافة، حيث كانت
تزداد درجة العداء أو تتبدل التحالفات مع جهة أو أخرى حسب تطور الأحداث.
وكان من أمثلة معاناة اللاجئين
أن الكيان الإسرائيلي قام بأكثر من ثلاثة آلاف غارة على الفلسطينيين واللبنانيين
خلال الفترة (1968 ـ 1974)، وفي سنة 1974 دمَّرت الطائرات الحربية الإسرائيلية مخيم
النبطية للاجئين بالكامل، وفي سنة 1976 حاصرت قوات الكتائب وحلفاؤها مخيم تل الزعتر
53 يوماً حتى انتهى الأمر بتدميره وإخلاء سكانه بعد مقتل ثلاثة آلاف شخص معظمهم من
المدنيين. وفي الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في مارس 1978 قتل أكثر من ألفي
فلسطيني ولبناني معظمهم من المدنيين، أما الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 فقد
أدى لمقتل 19 ألف مدني فلسطيني ولبناني. وخلال ثلاثة أسابيع من هذا الهجوم تم تدمير
70% من مخيم الرشيدية، وتم تدمير مخيم عين الحلوة (أكبر مخيم فلسطيني) بالكامل، وما
تبقى من منازل تولت البلدوزرات الصهيونية مسحه عن الأرض. وحاولت القوات الصهيونية
منع الفلسطينيين من إعادة بناء منازلهم لقرب مخيماتهم من فلسطين، وسعت إلى دفعهم
شمالاً، لكن محاولاتها فشلت، وأعاد الفلسطينيون البناء في المواقع نفسها. ومنذ 1982
اضطرت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وآلاف من الفدائيين الفلسطينيين للانسحاب من
لبنان تحت ضغط الغزو الصهيوني، وتسبب رفع حمايتهم عن المخيمات إلى وقوع مجازر صبرا
وشاتيلا الشهيرة، حيث تعرض فلسطينيون ولبنانيون أبرياء عزل لعملية ذبح منظمة قتل
فيها على مدى يومين 16 ـ 17 سبتمبر 1982 أكثر من 3000 شخص. وفي حرب المخيمات التي
شنتها حركة أمل على مخيمات اللاجئين في مناطق بيروت وجنوب لبنان، وقامت بمحاصرتها
مدة سنتين مايو 1985 ـ إبريل 1987 تم تدمير 80% من المنازل في مخيم شاتيلا و50% من
مخيم برج البراجنة وقتل نحو 2500 شخص. وكانت معاناة هائلة اضطرت اللاجئين لأكل
الحشائش والقطط، ومات عديدون بسبب نقص الأدوية، ومع ذلك فشلت أمل في السيطرة على
المخيمات[142].
لقد كان ثمناً بالغاً ذلك الذي
يدفعه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تمسكاً بكرامتهم وإنسانيتهم وحقهم في الدفاع
عن أنفسهم والسعي لتحرير أرضهم. لقد أعطى انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1990
فرصة للفلسطينيين لالتقاط أنفاسهم، كما شكلت الانتفاضة الفلسطينية المباركة 1987 ـ
1993 عنصراً مشجعاً ودفعة معنوية كبيرة، وفتحت الساحة بشكل أكبر لانتشار التيار
الإسلامي بينهم خصوصاً بعد التجربة السلبية للكثيرين مع فصائل المقاومة العلمانية
واليسارية. غير أن اتفاقات أوسلو في سبتمبر 1993 بين م.ت.ف والكيان الصهيوني زادت
من مخاوف الفلسطينيين من أن تنسى قضيتهم أو يتم توطينهم في لبنان أو الأردن أو
العراق وغيرها، ولا زال التعلق بفلسطين والعودة إليها هو القاسم المشترك لكل
الفلسطينيين في لبنان على اختلاف توجهاتهم.
ويبلغ عدد اللاجئين
الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا في لبنان 370.144 سنة 1999، ووفق الزيادة
الطبيعية للفلسطينيين فإن عددهم سنة 2001 هو 395.742 شخصاً، وسنة 2002 هو 409.197
شخصاً. وقد تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الهجرة بين فلسطينيي لبنان إلى أوربا
الغربية وخصوصاً الدول الإسكندنافية وإلى كندا وأستراليا إثر تسهيل هذه الدول
لهؤلاء سبل الهجرة بقصد تذويبهم وتوطينهم.
ويقيم الفلسطينيون في لبنان
الآن في 12 مخيماً رسمياً، فضلاً عن وجودهم في تجمعات لا تعدّها الأونروا رسمية أو
في مدن وقرى لبنان المختلفة، ويقيم 54.4% من اللاجئين المسجلين لدى الأونروا في
المخيمات، وهذه المخيمات هي: الرشيدية، البرج الشمالي، البص في منطقة صور، وعين
الحلوة، والمية ومية في منطقة صيدا، أما في منطقة بيروت والجبل فهي برج البراجنة،
وشاتيلا، ومار إلياس، وضبية، وويفل (الجليل)، وفي منطقة الشمال البداوي، و نهر
البارد.
وأكبر هذه المخيمات مخيم عين
الحلوة حيث يسكنه نحو 70 ألفاً يليه مخيم نهر البارد 30 ألفاً[143].
ويختلف الوضع في سوريا عنه في
الأردن و لبنان إذ إن السلطات السورية منحت اللاجئين الفلسطينيين فيها حقوق
المواطنة العادية كافة، سوى الحقوق السياسية، كما لم تمنحهم الجنسية السورية واكتفت
بمنحهم وثائق سفر. فللفلسطينيين في سوريا حق العمل والتملك والتجنيد الإجباري،
ويعيشون بشكل عام في ظروف حياتية مشابهة لتلك التي يعيشها السوريون.
على الرغم من أن علاقات
السلطات السورية مع منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها اتسمت بالتذبذب، وشهدت درجات
من الصعود والهبوط طوال المدة الماضية، إلا أن السلطات السورية وخصوصاً تحت حكم
حافظ الأسد، وحزب البعث ظلت ممسكة بزمام الأمور، ولم تخرج المخيمات في سوريا عن
دائرة السيطرة، كما أن العمل النضالي الفلسطيني عبر الحدود السورية ضد الصهاينة كان
يرجع بشكل أساسي إلى مدى رغبة السلطات السورية وسماحها بذلك.
وهناك في سوريا عشرة مخيمات
رسمية للاجئين الفلسطينيين:
1 ـ خان الشيخ 2 ـ
ذا النون 3 ـ سبينة
4 ـ حندرات 5 ـ
جرمانا 6 ـ النيرب
7 ـ مخيم العائدين (حمص) 8 ـ
مخيم العائدين (حماة) 9 ـ مخيم العائدين(درعا)
10 ـ مخيم العائدين
(اللاذقية).

ولا يقيم في هذه المخيمات سوى
29.2% من اللاجئين الفلسطينيين، ورغم أن أكبر تجمع فلسطيني موجود في مخيم اليرموك
حيث يقيم نحو 120 ألفاً إلا أن الأونروا لا تعده مخيماً رسمياً، رغم أنها تقدم
خدماتها له![144]،
وتظهر الخريطة التالية مخيمات اللاجئين في سوريا.
وتعد مصر من دول الطوق، غير أن
أعداد الفلسطينيين فيها محدودة مقارنة مع سوريا ولبنان والأردن، إذ يقيم على أرضها
نحو 49 ألف فلسطيني ، وكانت مصر قد وضعت قطاع غزة الفلسطيني تحت إدارتها منذ 1948
وحتى 1967، لكنها لم تقم بضمه رسمياً إليها، ولم تمنح الفلسطينيين الجنسية المصرية،
وإنما منحتهم وثائق سفر مصرية لا تعطيهم حق الإقامة في مصر، وعليهم الحصول على
تأشيرة دخول إلى مصر إذا رغبوا في ذلك، وهي أحياناً ما تستغرق شهوراً. ويحمل كل
مواطني غزة هذه الوثائق، خصوصاً قبل إصدار السلطة الفلسطينية لجوازاتها، ولعل عدد
حاملي هذه الوثائق يزيد عن مليون ونصف من المقيمين في غزة والخارج، وبسبب هذه
الإجراءات وبسبب الأوضاع الاقتصادية في مصر معظم الفترة الماضية، فإن أعداد
الفلسطينيين فيها ظلت محدودة.
وفي خارج دول الطوق كانت
الكويت حتى عام 1990 تضم أحد أكبر التجمعات الفلسطينية في العالم إذ وصلت تقديرات
الأعداد فيها إلى نحو 430 ألف نسمة. وقد فتحت الكويت صدرها لأبناء فلسطين خصوصاً في
الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وتزايدت أعدادهم بشكل كبير من 37 ألفاً
سنة 1961 إلى 204 آلاف سنة 1975. وأسهم الفلسطينيون بشكل فعال في نهضة الكويت
وازدهارها في كافة القطاعات الإدارية الحكومية والقطاع الخاص، وقد جذب الفلسطينيين
إلى الكويت ما وجدوه من تفهم وحسن عشرة لأهلها، ومن هامش حريات واسعة، ومجلس أمة
منتخب وصحافة نشطة، ومن فرص العمل الشريف، ومن أمن واستقرار قلّما وجدوه في غيرها.
وتمتعت التيارات الفلسطينية المختلفة بهامش تحرك جيد وسط الفلسطينيين دونما تدخل
حكومي يذكر، إلا فيما يحفظ أمن البلد واستقراره. لذلك، لم يكن غريباً أن تنشأ حركة
فتح وتترعرع في الكويت، وأن تبرز العديد من قيادات حماس في الخارج من الكويت نفسها،
وفتح وحماس هما أقوى حركتين فلسطينيتين. ولم يعش الفلسطينيون في مخيمات في الكويت،
ولكن كان هناك مراكز تجمع سكاني قوي مثلوا فيه الأغلبية الساحقة مثل النقرة وحولي
وخيطان والفروانية. ولا يعني هذا أن كل الفلسطينيين عاشوا مستويات حياة مرتفعة كما
يظن البعض، غير أن أوضاعهم كانت بشكل عام أفضل من أوضاع إخوانهم في لبنان وسوريا
وقطاع غزة. ومع ذلك، فإن أغلبية الفلسطينيين كانت تعمل في الأنشطة الخدمية والوظائف
الوسطى وتحصل إجمالاً على كفايتها الشهرية. وكانت معظم الأسر تعيش في شقق في بنايات
سكنية ويسكن في الشقة الواحدة المكونة من غرفتين وصالون عادة عائلة من حوالي 8 ـ 10
أفراد.
وقد بدأت أحوال الفلسطينيين
منذ مطلع الثمانينيات في التراجع، نتيجة تراجع الأوضاع الاقتصادية في الكويت بسبب
انخفاض أسعار النفط، ونتيجة لتبني سياسة التكويت، ومحاولة ضبط العمالة الوافدة،
وعانت العائلات الفلسطينية خصوصاً من مشاكل تعليم الأبناء، بعد أن لم يعد يسمح لهم
بدخول المدارس الحكومية الكويتية إلا لمن ولد في الكويت، ومن التكاليف الكبيرة
المترتبة على إرسال أبنائهم إلى الخارج للحصول على التعليم الجامعي، بعد أن وصل
الحد الأدنى لقبول الطلبة غير الكويتيين في أواخر الثمانينيات في الجامعة الوحيدة
في الكويت إلى نحو 94% في شهادة الثانوية العامة. كما لم يسمح لمن جاوز الـ21 من
عمره بالإقامة في الكويت إلا لمن يملك إقامة عمل ، مما عرض آلاف الطلبة الدارسين في
الخارج إلى إنهاء إقامتهم في الكويت وتشتت عائلاتهم. وعانت العائلات الفلسطينية
(وعائلات الوافدين بشكل عام) من ارتفاع الإيجارات السكنية، التي كانت تقتطع في
أحيان كثيرة أكثر من نصف رواتبهم الشهرية، خصوصاً لمن تزوج وحاول الحصول على سكن
خلال الثمانينيات.
وقد كان الاجتياح العراقي
للكويت في أغسطس 1990 نقطة تحول كبرى بالنسبة للجالية الفلسطينية هناك، حيث اضطر
نحو 200 ألف للنـزوح في أثناء الاحتلال العراقي للكويت كما اضطر نحو 200 ألف آخرون
للنـزوح بعد عودة الحكم إلى يد الكويتيين، ولم يبق في الكويت إلا 37 ألفاً، (حسب
إحصاءات 1998)، وهناك تقديرات كويتية بأن أعدادهم هي بحدود 60 ألفاً في سنة 1999[145]،
ويبدو أن تحسن العلاقات مع الأردن سيفتح الباب من جديد لقدوم الذين يحمل أغلبهم
جوازات سفر أردنية، فضلاً عن الأجواء الإيجابية التي أوجدتها انتفاضة الأقصى منذ
سبتمبر 2000 حيث تفاعل الكويتيون معها بشكل كبير.
بين التوطين والعودة
يصر فلسطينيو الشتات أجمعهم
على حقهم في العودة إلى فلسطين ولم تثنهم عشرات السنوات من اللجوء والبعد عن الوطن
وظروف القهر والمعاناة ومحاولات التذويب والتوطين.. لم تثنهم عن تعلق قلوبهم بالأرض
المقدسة، فلا زال لاجئو 1948 يربون أحفادهم وأبناء أحفادهم على هذا الأمل ويعلمونهم
أنهم أبناء تلك القرية أو المدينة من أرض فلسطين، ولازال الكثير منهم يحتفظون
بمفاتيح بيوتهم القديمة وشهادات امتلاك الأرض و"القواشين". ولا تزال المخيمات نفسها
تقسم إلى أجزاء حسب قرى ومدن أولئك الذين استقروا فيها. ووصل الأمر بنسبة غير قليلة
من أبناء المخيمات رفض تحسين الخدمات في مخيماتهم خوفاً من أن يكون ذلك جزءاً من
عملية توطينهم، والشعب الفلسطيني مسيس بطب يعته ولمعظم الفلسطينيين انتماءات
وميول لاتجاهات سياسية وحركية فلسطينية، وقد كان دور فلسطينيي الشتات قيادياً
بارزاً في إنشاء المنظمات الفدائية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقيادة التحرك
السياسي الفلسطيني طوال العقود الماضية الأربعة.
وحتى الآن أفشل الفلسطينيون
243 مشروعاً للتوطين خارج فلسطين[146].
ومن المشاريع التي أسقطها
الفلسطينيون مشاريع التوطين في العراق وسوريا ولبنان، ومشروع جونسون ومشروع
الرمدان، ومشروع سميث ـ بروتي، ومشروع باروخ، ومشروع سيناء، ومشروع كين، ومشروع
همفري، ومشروع روجرز وغيرها[147].
وفي استطلاع الرأي للاجئين في
سوريا مثلاً رفض 99% من حيث المبدأ أي مشروع للتوطين أو التهجير أو التجنيس، وطالب
98% بالعودة إلى قريته أو مدينته الأصلية في فلسطين، ولم يمانع سوى 1% من العودة
إلى مناطق محررة في الضفة الغربية وغزة[148].
ويصر الصهاينة في مفاوضات الحل
النهائي مع السلطة الفلسطينية على رفض حق العودة للاجئي 1948 وعدم تحمل أي مسؤولية
تجاههم، ويماطلون بشأن نازحي الضفة الغربية وقطاع غزة. ويهدد ذلك بفشل أي تسوية
سلمية مستقبلية، حتى وإن قبلتها السلطة الفلسطينية، فإنها ستحمل عناصر فشلها في
ذاتها، بسبب الظلم الذي ستلحقه بالملايين الذين سيقلبون الطاولة على أي تسوية من
هذا النوع.
وقد زاد الحديث مؤخراً عن
الفلسطينيين في لبنان حيث تُعدّ حالتهم أصعب العقبات في طريق التسوية، وأشير إلى
استعدادات أوروبية وكندية لاستقبال 150 ألف لاجئ فلسطيني من لبنان، ويبدو أن
تسهيلات الهجرة لتلك البلدان تزايدت في السنوات الماضية بهدوء، ودون صخب حيث هاجر
الكثيرون وخصوصاً من الشباب، كما أشارت تقارير إلى تسهيلات بدأ تنفيذها في مخيمات
اللاجئين في الأردن[149].
المجازر التي تعرض لها الشعب
الفلسطيني
كان الإرهاب ـ ولا يزال ـ
جزءاً أساسياً من الفكر الصهيوني المستند إلى جذور عقائدية. فإن توراة اليهود
المحرّفة والتلمود يمجدّان استخدام القوة والعنف وسحق غير اليهود. وتصور التوراة
المحرفة كيف أن بني إسرائيل عندما دخلوا أريحا قتلوا كل من فيها من ذكر وأنثى وطفل
وامرأة وشيخ بحد السيف. ويتعلم اليهود الصهاينة هذه النماذج الآن ويعدُّونها مثالاً
يحتذى، حيث تتضاءل القيمة الإنسانية لغير اليهود الذين خُلقوا ـ حسب عقائد اليهود
المحرفة ـ لخدمة اليهود.
ولم يكن بالإمكان إنشاء كيان
يهودي خالص على أرض فلسطيني دون ارتكاب مذابح وحملات تهجير قسري لأغلبية السكان
العرب الذين يقيمون في البلاد منذ آلاف السنين. وقد تكررت الإشارة إلى التخلص من
العرب بأشكال مختلفة في كتابات ومذكرات كبار زعماء الصهيونية وقادة الكيان الصهيوني
أمثال هرتزل، ووايزمن، وبن جوريون، وبيجن، وإسحق رابين ... وغيرهم[150].
وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين كان من المفترض أن يعيش على أرض
الدولة اليهودية المقترحة 498 ألف يهودي و497 ألف عربي أي أنها ستكون دولة ثنائية
القومية مناصفة تقريباً بين الطرفين. وكان من المتوقع بسبب الزيادة الطبيعية للسكان
العرب التي تفوق كثيراً الزيادة الطبيعية لليهود أن يصبح العرب أغلبية واضحة خلال
بضع سنوات، مما يفقد المشروع الصهيوني جوهر الفكرة التي قام لأجلها. ولذلك سعى
الصهاينة منذ البداية إلى تجاوز العقبة عبر وسيلتين الأولى: إرهاب العرب وإجبارهم
على الرحيل، والثانية: تشجيع الهجرة اليهودية إلى الكيان "الإسرائيلي" حتى لو
اضطروا لإرهاب اليهود في البلاد العربية، بارتكاب جرائم يظهر أن العرب قد نفذوها،
لإشعار اليهود أنه لم يعد لهم مكان هناك.
وفي أثناء حرب 1948 ارتكب
اليهود الصهاينة 34 مجزرة لتنفيذ مخططهم في فلسطين. وكانت أبرز المجازر وأشهرها
مجزرة "دير ياسين"[151]
وقد نفذت هذه المجزرة عصابتا الأرغون (التي يتزعمها مناحيم بيجن) وشتيرن بالتنسيق
مع الهاجاناه في ليلة وصباح 10 إبريل 1948. وتقع قرية دير ياسين على الطريق المؤدية
إلى القدس، وقد قام الصهاينة بذبح وقتل 254 رجلاً وامرأة وطفلاً (وفي بعض التقديرات
360) بأسلوب وحشي.
ونستطرد قليلاً في ذكر قصص من
مذبحة دير ياسين كأحد نماذج الإرهاب الصهيوني. ففي ذلك اليوم بقي عند "حياة
البلبيسي" في المدرسة 15 طفلاً وطفلة، فقامت بتحويل المدرسة إلى مركز إسعاف لأنها
مسئولة الصليب الأحمر (لم يكن هناك هلال أحمر لأن فلسطين كانت تحت الاحتلال
البريطاني) في دير ياسين. وظنّت أنها تحمي نفسها والأطفال بذلك. وأخذ الجرحى
بالتوافد عندها. وعند الظهيرة جاء اليهود الصهاينة وأجهزوا على الجرحى، وقتلوا جميع
الأطفال وقتلوها. ثم وضعوا الجميع على شكل كومة جثث فوقها جُثتها. وأسرعت فتاة
يهودية وخلعت علم الصليب الأحمر عن باب المدرسة وغرسته عميقاً في كومة الجثث
والجميع يصفق لها إعجاباً بما تفعل.
أما "الحاج إسماعيل عطية" وهو
عجوز في الـ 95 من عمره، فبعد أن قتلوه جرُّوه من رجليه وسط الشارع وأخذوا يرقصون
حوله ويصيحون. وكانت زوجته تحمل حفيدها الوحيد عند البيت فجاءت فتاة يهودية تحمل
بيدها بلطة فضربت الطفل على رأسه، فتطاير نخاعه، والتصق بالجدار، ثم قتلت الجدة،
وأخذت ترقص فوق الجسدين القتيلين.
وأخذوا "صالحية" وهي شابة،
فقتلوا طفلها ذو السنتين أمام عينيها، ثم وضعوها في حلقة، وأخذوا يرقصون حولها،
ويمزقون ثيابها قطعة قطعة. وفي النهاية عاجلتها إحدى الفتيات اليهوديات بعدة طعنات
في وجهها وصدرها وبطنها، وكانت حاملاً في الشهر السابع.
وقد قبضوا على شيخ في التسعين،
ورموه من فوق بيته، واستخدموه هدفاً متحركاً يحاولون اقتناصه في الهواء. وحينما وقع
على الأرض، قضوا عليه بأحذيتهم. وقتلوا امرأة اسمها "خالدية" كانت توشك على
الولادة، وشقوا بطنها بسكين، ولما حاولت إحدى نساء القرية إخراج الطفل من أحشاء أمه
قتلوها أيضاً[152].
وقد فاخر مناحيم بيجن (الذي
أصبح رئيساً لوزراء الكيان الإسرائيلي 1977 ـ 1983، والذي حاز على جائزة نوبل
للسلام!!) بهذه المذبحة، وعدَّها سبباً مهماً في إنشاء الدولة اليهودية وتهجير
العرب، فقال: "... أصيب العرب بهلع قوي لا حدود له بعد أخبار دير ياسين، فأخذوا
يفرون للنجاة بأرواحهم ...، فمن أصل 800 ألف عربي كانوا يعيشون على أرض إسرائيل
الحالية لم يتبق سوى 165 ألفاً" ... "ما وقع في دير ياسين وما أذيع عنها ساعدا على
تعبيد الطريق لنا لكسب الظفر في معارك حاسمة في ساحة القتال. وقد ساعدتنا أسطورة
دير ياسين بصورة خاصة على إنقاذ طبرية وغزو حيفا" ... "كان لمذبحة دير ياسين أثر
بالغ في نفوس العرب يساوي ستة أفواج من الجنود"[153].
وقد تكرر نموذج دير ياسين في
القرى العربية الأخرى في أثناء حرب 1948، حيث وقعت مذابح عديدة بنفس البشاعة كما في
الطنطورة، وناصر الدين، وبيت داراس وغيرها. وقد اعترف المؤرخ "الإسرائيلي" أرييه
يتسحافي، وهو باحث في الجيش الإسرائيلي بذلك قائلاً: "إذا أجملنا الحقائق ندرك أن
مجزرة دير ياسين كانت إلى حد بعيد طابعاً مألوفاً لاحتلال قرية عربية، ونسف أكثر
عدد من المنازل فيها، وقد قُتل في هذه العمليات الكثير من النساء والأطفال والشيوخ"[154].
وتوالت المذابح الصهيونية بعد
ذلك بين حين وآخر، ففي ليلة 14 ـ 15 أكتوبر 1953 حدثت مذبحة "قبية"، وهي قرية عربية
في الضفة الغربية هاجمها نحو 600 جندي صهيوني بقيادة الإرهابي أريل شارون (الذي
أصبح رئيساً للوزراء فيما بعد). وقد أدى الهجوم الليلي إلى استشهاد 67 من سكان
القرية المدنيين ووقوع أعداد كبيرة من الجرحى. كما أدى إلى تدمير 56 منـزلاً ومسجد
القرية ومدرستها وخزان مياهها. وتعمد الصهاينة تدمير البيوت على السكان، حتى إن
امرأة شوهدت تجلس بجانب كومة من أنقاض منـزلها الذي برز من بين ركامه أيدٍ وأرجل
صغيرة هي أشلاء أولادها الستة، بينما كانت جثة زوجها الممزقة بالرصاص ملقاة في
الطريق المواجه للبيت[155].
وفي 10 أكتوبر 1956 نفذ
الصهاينة مذبحة "قلقيلية" حيث قتلوا نحو سبعين من سكان هذه البلدة وأوقعوا خسائر
مادية كبيرة.
وفي 29 أكتوبر 1956 وقعت مذبحة
"كفر قاسم" وهي قرية عربية في فلسطين المحتلة سنة 1948. إذ أعلن الصهاينة حظر
التجول في ذلك اليوم على القرية اعتباراً من الساعة الخامسة مساء دون أن يعلم
فلاحوها العاملون في الحقول بذلك. وعندما بدأ الفلاحون بالعودة كانت الأوامر قد
صدرت بإطلاق النار بقصد القتل، مما أدى لاستشهاد 49 فلسطينياً بينهم 15 طفلاً فضلاً
عن عشرات الجرحى. وقد حاول الصهاينة التستر على جريمتهم فقاموا بمحاكمة الفاعلين
حيث سُجن عدد منهم لفترات قصيرة. أما العقيد سيخار شدمي الذي أصدر الأوامر فقد
قُدِّم للمحاكمة سنة 1959، وكانت عقوبته التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش "إسرائيلي"
واحد!![156]
وكأن روح كل فلسطيني لا تساوي أكثر من جزء ضئيل من القرش وفق القضاء "الإسرائيلي".
وفي مجزرة مخيم خان يونس في 3
نوفمبر 1956 قتل الصهاينة 250 من سكانه المدنيين، ثم عادوا فقتلوا 275 مدنياً آخرين
من المخيم نفسه في 12 نوفمبر 1956، كما قتلوا في اليوم نفسه أكثر من مائة مدني من
سكان مخيم رفح للاجئين[157].
ونفذ الصهاينة مجزرة "السموع"
في 13 نوفمبر 1966 حيث استشهد نحو 18 شخصاً وجرح 134 آخرين[158].
وعندما احتل الصهاينة في حرب
1967 الضفة الغربية وقطاع غزة قاموا بتشريد 330 ألف فلسطيني، واعترف أحد الجنود
الصهاينة الذين رابطوا على نهر الأردن أنه قد صدرت لهم أوامر واضحة وصريحة بقتل
المدنيين الذين يحاولون العودة إلى الضفة الغربية وقال "كنا نقتل الأحياء إذا
وجدناهم، ونقتل الجرحى حتى لو كانوا نساءً أو أطفالاً. وأثناء خدمتي العسكرية، وبعد
انتهاء الحرب بمدة طويلة كنا نطلق النار دائماً في منطقتنا، وفي كل ليلة كان يسقط
قتلى، وفي صباح كل يوم كنا نجد بينهم جرحى ما نلبث أن نقضي عليهم".
وقد ذكر الضابط الصهيوني إيلي
ليفي وهو برتبة نقيب قصة تشير إلى طريقة تفكير وعمل القيادة "الإسرائيلية"، فذكر
أنه في أثناء حرب 1973 اقتحم وعدد من جنوده قرية في هضبة الجولان جنوبي القنيطرة،
وجمعوا سكانها القلائل في ساحة كبيرة. وفجأة جاء الجنرالين رفائيل إيتان وأبيغدور
بنغال، وسأل إيتانُ مندهشاً الرائدَ غوري ماذا ستفعلون بهم؟ فقال الرائد: أعتقد
أننا سنطلب منهم العودة إلى منازلهم. فصرخ إيتان: ماذا؟ ألن تطلقوا النار عليهم؟!
إنهم جميعاً جنود سوريون يتخفون بزيٍّ مدني، وأُقسم على ذلك. فتدخل النقيب إيلي
ليفي وقال: ولكن بينهم نساء وأطفالاً. فردّ عليه إيتان: يُخيّل إليك ذلك!! عليكم أن
تطلقوا النار عليهم، وتقتلوهم جميعاً. فقال إيلي: أهذا أمر يا سيدي؟ قال إيتان: نعم
هو كذلك. فقال إيلي: أريد أمراً خطياً بذلك!! فقال إيتان بسخرية: إنك لا تريد أن
تقاتل، لقد خاب ظني فيك أيها الشاب!![159]
وقد كان رفائيل إيتان هذا يشغل قائد فرقة مدرعات في الجولان في حرب 1973، ثم أصبح
قائد المنطقة الشمالية 1974 ـ 1977، ثم أصبح رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي 1978 ـ
1983 حيث تولى قيادة الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982. وهو صاحب عبارة شهيرة
يذكر فيها أن الفلسطينيين في الأرض المحتلة هم "صراصير مخدَّرة في قنينة"!![160]
وفي أثناء الاجتياح
"الإسرائيلي" للبنان في صيف 1982، وبعد أقل من أربعة أسابيع على بدايته (5 ـ 30
يونيو 1982) استشهد نحو 15 ألف مدني وقال أحد الأطباء الكنديين العاملين في صيدا إن
50% من الشهداء هم من الأطفال دون سن 13 سنة. وأشارت تقديرات أخرى إلى أنه مع منتصف
أغسطس 1982 كان قد استشهد نحو 19 ألفاً، بينما جرح حوالي 80 ألفاً آخرين[161].
وقد ذكر المقدم الإسرائيلي إيتان كليبنوت في شهادته التي نشرتها جريدة هعولام هزيه
في 7 يوليو 1982 بأن هناك ضابطاً وجنوداً تعمدوا قتل مدنيين عزلاً وأبرياء داخل
المخيمات الفلسطينية وقال إنه يذكر جيداً بأن الجنود أطلقوا النار بأمر من ضباطهم
الكبار على عجزة فلسطينيين ونساء وأطفال داخل الملاجئ في مخيم عين الحلوة. وقال
"لقد شاهدت أطفالاً فلسطينيين يبكون ويصرخون بعد أن قتل الجنود أمهاتهم على مرأى
منهم. كما أن بعض الجنود ألقوا قنابل حارقة داخل ملاجئ عين الحلوة، وكان فيها عشرات
السكان المدنيين الذين لم يخرج منهم أحد"[162].
وفي 16 ـ 18 سبتمبر 1982 نظم
الصهاينة بقيادة أريل شارون ورفائيل إيتان وأمير دوري مذابح صبرا وشاتيلا وأوكلوا
مهمة التنفيذ لمليشيات الكتائب، ومليشيات النمور التابعة لكميل شمعون، وحراس الأرز
التابعة لإيتان صقر، ورجال جيش لبنان الجنوبي العميل التابعين لسعد حداد، وكلها
مليشيات مارونية. فقد احتل الصهاينة بيروت الغربية في 15 سبتمبر، وفي السادسة مساء
من اليوم التالي بدأ تنفيذ المجزرة التي استمرت نحو 40 ساعة. وزود الصهاينة ـ الذين
حاصروا المكان ـ المليشيات المجرمة بوسائل الإنارة، وراقبوا عمليات الذبح كمن يجلس
في الصف الأول من المسرح. وقد أدت هذه المذابح إلى استشهاد 3297 معظمهم من النساء
والأطفال والشيوخ واستخدمت الفؤوس والبلطات والسواطير والسكاكين لتهشيم الرؤوس
وقطعها، والتمثيل بالأجساد، فضلاً عن اغتصاب النساء والفتيات. وتلذذ المجرمون
خصوصاً بقتل الأطفال والتمثيل بهم. ووجدت في أحد البيوت جثة طفلٍ رضيع قطعوا
أعضاءه، ثم صفّوها بعناية على شكل دائرة ووضعوا الرأس في الوسط[163].
لقد كانت مذابح مخيمي صبرا
وشاتيلا من المذابح المروعة التي اهتز لها الضمير الإنساني، والتي لم تستطع القوات
الصهيونية والكتائبية التستر على أهوالها. وسارع الكيان الصهيوني كعادته بتشكيل
لجنة تحقيق في محاولة لتلميع صورته إعلامياً وتبرئة ساحته وساحة قادته. وقد اكتفت
اللجنة بتوجيه اللوم لشارون. لكنه سرعان ما عاد وزيراً للإسكان، ثم انتخب رئيساً
لوزراء الكيان الصهيوني في فبراير 2001.
وكان اندلاع الانتفاضة
المباركة في الضفة الغربية وقطاع غزة فرصة للكيان الصهيوني لقتل المدنيين، فاستشهد
في سنواتها الست 1987 ـ 1993 ما مجموعه 1540، وجرح 130 ألف، واعتقل 116 ألفاً
آخرين. وقد شملت قائمة الشهداء 268 طفلاً و127 امرأة حسب تقدير مؤسسة التضامن
الدولي لحقوق الإنسان[164].
وفي أثناء هذه الانتفاضة ارتكبت القوات الصهيونية ـ ضمن ما ارتكبت ـ مذبحة المسجد
الأقصى في 8 أكتوبر 1990 إذ هبَّ المسلمون للدفاع عن المسجد الأقصى عندما حاولت
جماعة يهودية تسمى "أمناء جبل الهيكل" وضع حجر الأساس للهيكل اليهودي الثالث في
ساحة الحرم. وتدخل الجنود الصهاينة وأخذوا بإطلاق النار على المصلّين. دون تمييز
مما أدى إلى استشهاد 21 وجرح 150 آخرين[165].
وفي صلاة فجر الخامس عشر من
رمضان 1414هـ الموافق 25 فبراير 1994 قام ضابط الاحتياط الصهيوني باروخ جولدشتاين
باقتحام مسجد الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، حيث بدأ بحصد المصلين الساجدين
بأسلحته الرشاشة، بينما ساعده عدد من المستوطنين في تعبئة الذخيرة. وكان يحاصر
الحرم الإبراهيمي عدد كبير من الجنود وحرس الحدود الصهاينة يقدرون بـ300، وقد قام
هؤلاء الجنود بإطلاق النار على المسلمين الذين هاجموا جولدشتاين بأجسادهم وقتلوه،
كما قاموا بإطلاق الرصاص على المسلمين الخارجين من المسجد وعلى الناس الذين حضروا
لإسعاف إخوانهم، ولحقوا بالمصابين والمسعفين إلى أبواب المستشفيات، وقتلوا المزيد.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى استشهاد 29 فلسطينياً وجرح أكثر من 300 آخرين.
وجولدشتاين هو ضابط (طبيب!!) احتياط برتبة نقيب، وهو مهاجر من نيويورك في الولايات
المتحدة. وكان يَعدُّ العرب مثل "الوباء ... إنهم الجراثيم التي تنقل إلينا
الأمراض"، وكان متديناً، يَعدُّ مثل هذا العمل "تقرباً إلى الله". وقد عدّه اليهود
المتدينون "قديساً"، ولا زال قبره مزاراً ومحجاً لهؤلاء اليهود[166].
وعندما أعلنت السلطات
الصهيونية في 24 سبتمبر 1996 عن افتتاح نفق تحت المسجد الأقصى (موازٍ لأساسات
الجدار الغربي للمسجد) هبّ المسلمون من جديد في موجات احتجاج عارمة، بينما بالغ
الصهاينة في القمع والتنكيل واستخدموا الطائرات المروحية. وقد استشهد 62 فلسطينياً
وجرح نحو 1500، وكان بين الشهداء نحو 15 من الشرطة الفلسطينية الذين اضطروا للرد،
بسبب هجمات الصهاينة على مناطق السلطة الفلسطينية[167].
وتمثل انتفاضة الأقصى التي
اندلعت منذ 28 سبتمبر 2000 نموذجاً للتضحية الفلسطينية وللإرهاب الصهيوني. فقد
استخدم الصهاينة كل ما في أيديهم من وسائل البطش والدمار من الأسلحة الرشاشة
والصواريخ والطائرات المروحية وطائرات الـ إف16 الحربية والرصاص المحرم دولياً ...
في مواجهة شعب أعزل مصمم على الحرية والتحرير. واضطر الفلسطينيون إلى اللجوء إلى
تفجير أنفسهم في عمليات استشهادية في التجمعات الصهيونية أحدثت نوعاً من توازن
الردع مع الصهاينة.
وتشير تقديرات مركز المعلومات
الفلسطيني إلى أنه بعد مضي عام على انتفاضة الأقصى فقد استشهد (حتى 31 يناير 2003)
نحو 2272 فلسطينياً وأصيب نحو 35 ألفاً بجراح[168].
أما تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية فترتفع تقديراتها للفترة نفسها إلى نحو 2800
شهيد، بينهم حوالي 530 طفلاً ويافعاً دون الثماني عشرة سنة[169].
وقد ازدادت شراسة الحملة
الصهيونية لسحق الانتفاضة، في شهري مارس وإبريل 2002، وقامت بتنفيذ مجازر بشعة، كان
أبرزها مذبحة مخيم جنين التي ذكرت العديد من التقديرات الفلسطينية أنه قد استشهد
فيها حوالي 500 فلسطيني، خلال النصف الأول من شهر إبريل 2002، غير أنه لم تظهر
أرقام دقيقة حتى لحظة كتابة هذه السطور، ولم يكشف حتى الآن إلا عن نحو 57 شهيداً،
كما أشير إلى وجود نحو 250 مفقوداً.
وقامت بتدمير مباني المخيم على ساكنيها، في
الوقت الذي منعت فيه السلطات الصهيونية وسائل الإعلام من الاقتراب، حتى لا يطلع
العالم على حقيقة ما يجري. وقد جرت في الوقت نفسه مذبحة مماثلة في نابلس استشهد
فيها نحو سبعين فلسطينياً. وفي أثناء حملتها على مدن وقرى الضفة الغربية، في تلك
الفترة، قامت بتدمير معظم البنية التحتية الفلسطينية بما فيها مؤسسات السلطة
الفلسطينية التعليمية والصحية والأمنية، وبمصادرة وسرقة الكثير من محتوياتها. كما
احتلت رام الله وسيطرت على مقر ياسر عرفات، الذي حوصر مع عدد من مساعديه في بعض غرف
المقر. وقام الصهاينة بتدمير سيارات الإسعاف، بل وباستخدامها في "اصطياد"
الفلسطينيين، ومنعت فرق الإسعاف من الوصول إلى المصابين، الذين نزفت دماؤهم حتى
استشهدوا، كما منعت لأيام عديدة دفن جثث الموتى، وقد انتقد تيري رود لارسن مبعوث
الأمم المتحدة الخاص إلى الأراضي الفلسطينية بحدة الحكومة الإسرائيلية، ووصف الدمار
الذي ألحقته بمخيم جنين (بعد أن تجول بنفسه فيه يوم 18 إبريل 2002) بأنه "أبشع من
أن يُصدَّق"، ووصف المخيم بأنه "دُمِّر تماماً، كما لو أن زلزالاً قد ضرب المنطقة"،
كما انتقد الحكومة الصهيونية لمنعها دخول فرق الإغاثة إلى جنين طوال أحد عشر يوماً[170].
وهكذا، فإن الإرهاب هو جزء
طبيعي من الأيديولوجية الصهيونية، وعقلية التجمع الاستيطاني والقيادة الحاكمة في
الكيان الإسرائيلي.
هوامش الكتاب
[1] انظر الموسوعة الفلسطينية، إشراف أحمد المرعشلي (دمشق: هيئة
الموسوعة الفلسطينية، 1984)، ج3، ص474-475.
[2]
حول التقسيمات الإدارية لفلسطين في العهد الإسلامي، انظر: المرجع نفسه، ج1،
ص119-124.
[3]
عجاج نويهض، رجال من فلسطين (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1980)، ص314-315.
[4]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص124، ومصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق1، ط2
(بيروت: دار الطليعة، 1973)، 15-21.
[5]
حول جغرافية فلسطين، انظر: صلاح الدين البحيري، "جغرافية فلسطين"، في المدخل
إلى القضية الفلسطينية، تحرير جواد الحمد، سلسلة دراسات، رقم 21 (عمان: مركز
دراسات الشرق الأوسط، 1997)، ص15-24.
[6]
رواه البخاري ومسلم وابن ماجة وأبو داود.
[7]
حديث حسن رواه الطبراني.
[9]
محمد بن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
(القاهرة: دار المعارف، 1969)، ج1، ص265.
[10]
رواه البخاري ومسلم والنسائي.
[11]
رواه أبو داود وابن ماجة بسند صالح.
[15]
إسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1969)،
ج3، ص184-185.
[17]
ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص187.
[19]
ابن كثير، مرجع سابق، ج3، ص533.
[21]
مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج1، ق1، ص343.
[22]
كما في الحديث الذي رواه أحمد على شرط البخاري.
[23]
انظر مثلاً: مصطفى مراد الدباغ، القبائل العربية وسلائلها في بلادنا فلسطين
(بيروت: دار الطليعة، 1979)، ص21-22، وص30-32.
[26]
فضائل الشام ودمشق للربعي، تخريج محمد ناصر الدين الألباني (دمشق: المكتب
الإسلامي، د.ت)، ص5.
[27]
حديث صحيح، رواه أحمد وابن ماجة.
[28]
حديث صحيح، رواه الطبراني.
[29]
حديث صحيح، أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الحلية.
[30]
رواه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه أرطاة بن المنذر، وبقية رجاله ثقات.
[31]
رواه أحمد بهذا النص، ورجاله ثقات إلا مهدي بن جعفر الرملي، فقد وثقه ابن حبان
ويحيى بن معين وضعفه البخاري.
[32]
سفر التكوين 12/1، نقلاً عن سمير أيوب، وثائق أساسية في الصراع العربي الصهيوني
(بيروت: دار الحداثة للطباعة النشر، 1984)، ج1، ص29.
[33]
سفر التكوين، 13/14، نقلاً عن المرجع نفسه، ج1، ص31-32.
[34]
سفر التكوين، 5/15، نقلاً عن المرجع نفسه، ج1، ص32.
[35]
سورة آل عمران: 67-68.
[42]
انظر: عمر سليمان الأشقر، العقيدة في الله، ط5 (الكويت: مكتبة الفلاح، 1984)،
ص256-261.
[46]
انظر: محمد علي الزعبي، دقائق النفسية اليهودية (بيروت: د.ن، 1968)، وانظر
أيضاً: بولس حنا سعد، همجية التعاليم الصهيونية (بيروت: دار الكتاب العربي،
1969)، وتوفيق الواعي، اليهود: تاريخ إفساد وانحلال ودمار (بيروت: دار ابن حزم،
1995).
[47]
مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، ج9، ق2(1)، ص41-50.
[49]
محمد الزعبي، مرجع سابق، ص75.
[50]
ظفر الإسلام خان، تاريخ فلسطين القديم 1220ق.م-1359م: منذ أول غزو يهودي حتى
آخر غزو صليبي، ط4 (بيروت: دار النفائس، 1984)، ص59.
[52]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص13-19، وص361-362، وج3، ص271-281.
[53]
حول تاريخ فلسطين القديم وبني إسرائيل في فلسطين، انظر مثلاً: ظفر الإسلام خان،
مرجع سابق، ص35-124، والموسوعة الفلسطينية، ج1، ص37، وص238، وج3، ص184-186،
وص271-281، وج4، ص174.
[54]
انظر عبد الوهاب المسيري "يهود العالم" في دليل إسرائيل العام، تحرير صبري حريس
وأحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996)، ص477-489.
[55]
حول يهود الخزر، انظر مثلاً: أسماء فاعور، فلسطين والمزاعم اليهودية (بيروت:
دار الأمة، 1995)، ص235-241.
[56]
ظفر الإسلام خان، مرجع سابق، ص98.
[57]
انظر المرجع نفسه، ص117-134.
[58]
حسان حلاق، موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897-1909، ط2 (بيروت:
الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1980)، ص82-84.
[59]
انظر: هند أمين البديري، أراضي فلسطين: بين مزاعم الصهيونية وحقائق التاريخ
(القاهرة: جامعة الدول العربية، 1998)، ص260-163؛ ومحمد عزة دروزة، فلسطين
وجهاد الفلسطينيين، (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1959)، ص11؛ وعبد العزيز محمد
عوض، مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث: 1831-1914 (بيروت: مكتبة المحتسب-المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، 1983)، ص62؛ ومحمد النحال، سياسة الانتداب البريطاني
حول أراضي فلسطين العربية، ط2 (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة، 1981)، ص87.
[60]
حول تفصيلات استيلاء اليهود على الأراضي في فلسطين 1917-1948 انظر: هند
البديري، مرجع سابق، خصوصاً الفصل الثالث ص143-277، والموسوعة الفلسطينية، ج1،
ص557-563، وج4، ص662.
[61]
انظر: غازي السعدي، من ملفات الإرهاب الصهيوني في فلسطين (2): مجازر وممارسات
1936-1983 (عمان: دار الجليل، 1984)، وإبراهيم أبو جابر "المجتمع العربي في
إسرائيل" في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص427، وص457-459. والمركز الفلسطيني
للإعلام، أخبار يوم 29 مارس 2000 www.palestine-info.org.
[62]
استفاد الباحث من عدد من المراجع والتقارير المنشورة في الصحف للوصول إلى
الأرقام المشار إليها في الفقرة. انظر مثلاً: خالد عايد "الوجود الاستيطاني في
الأراضي المحتلة"، في دليل إسرائيل العام، ص351-404، والموسوعة الفلسطينية، ج1،
ص222-227.
[63]
انظر: خالد عايد "الوجود الاستيطاني في الأراضي المحتلة"، في دليل إسرائيل
العام، ص376-377.
[64]
عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ط9 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، 1985)، ص41-42.
[65]
المرجع نفسه، ص43-67.
[67]
انظر" الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص180، وهند البديري، مرجع سابق، ص187-237.
[68]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص561-562، وهند البديري، مرجع سابق، ص239-248،
وصالح أبو يصير، مرجع سابق، ص465-485.
[69]
انظر: هند البديري، مرجع سابق، ص249-259، ومحمد عرابي نخلة، تطور المجتمع في
فلسطين في عهد الانتداب البريطاني 1920-1948 (الكويت: ذات السلاسل، 1983)،
ص144.
[70]
انظر نص الفتوى في: وثائق الحركة الفلسطينية 1918-1939: من أوراق أكرم زعيتر،
أعدتها للنشر بيان نويهض الحوت (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1984)،
ص381-391.
[71]
انظر: بيان الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948 (بيروت:
مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981)، ص294-296، وعيسى السفري، فلسطين العربية بين
الانتداب والصهيونية، ط2 (القدس: منشورات صلاح الدين، 1981)، ص230، ومحمد عزة
دروزة، فلسطين وجهاد الفلسطينيين، ص34-35، والموسوعة الفلسطينية، ج3، ص562.
[72]
تنشر الدراسات والصحف الكثير عن ممارسات الصهاينة ضد الأوقاف الإسلامية. وما
ذكر هنا، على سبيل المثال، نشر في جريدة الرأي العام، الكويت، 22 إبريل 1986،
والوطن، الكويت، 16 ديسمبر 1985، واللواء، الأردن، 10 إبريل 1986. ولمزيد من
التفصيلات حول الأوقاف الإسلامية في الأراضي المحتلة سنة 1948 يمكن الرجوع إلى
دراسة هامة باللغة الإنجليزية، وهي:
Michael Dumper, Islam and Israel: Muslim
Endowments and the Jewish State (Washington: Institute for Palestine
Studies, 1994).
[73]
الرأي العام، 22 ديسمبر 1985.
[74]
انظر: رفيق النشتة، وإسماعيل ياغي، تاريخ مدينة القدس (عمان: دار الكرمل،
1984)، ص94، وهنري كتن، فلسطين في ضوء الحق والعدل (بيروت: 1970)، ص45.
[75]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص522.
[76]
النتشة، مرجع سابق، ص157.
[77]
حول هذه الفترة عن تهويد القدس، انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص521-527،
وإبراهيم أبو جابر وآخرون "قضية القدس ومستقبلها، "في المدخل إلى القضية
الفلسطينية (عمان: مركز دارسات الشرق الأوسط، 1997)، ص544-568. وجريدة الدستور،
18 يونيو 1997.
[78]
حول نسب الملكية في القدس، انظر: إبراهيم أبو جابر وآخرون، مرجع سابق، ص541،
وص557. ورفيق النتشة، مرجع سابق، ص98.
[79]
هناك الكثير من المصادر التي تحدثت عن عمليات تهويد منطقة الأقصى والحفريات
تحته والاعتداءات عليه، انظر حول الفقرتين السابقتين مثلاً في: إبراهيم أبو
جابر، مرجع سابق، ص564-568، والموسوعة الفلسطينية، ج3، ص522-523، والأخبار
اليومية، مثلاً في: جريدة الخليج 13 فبراير 2000، و 27 يوليو 2000، و 9 سبتمبر
2000، و 8 و 17 يناير 2001، والمركز الإعلامي الفلسطيني (http:/www.palsetine-info.org)
بتواريخ 23 مارس 2000، و 2، 6 إبريل 2000.
[80]
غطت الجرائد اليومية تلك الأحداث، انظر الأخبار في الأيام التالية للأحداث،
مثلاً في: جريدتي الرأي والدستور.
[81]
حول القدس في الأمم المتحدة، انظر مثلاً: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص548-553.
[82] الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص362.
[83]
انظر بالتفصيل في المرجع نفسه، ج1، ص37، وج23، ص273-279، وج4، ص174، كما سبقت
الإشارة إلى كتاب تاريخ فلسطين القديم لظفر الإسلام خان، والذي ينصح بقراءته
حول هذا الموضوع.
[84]
الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص218-219، وص401-402.
[85]
المرجع نفسه، ج1، ص362-366، وج3، ص253. وحول تفصيلات القبائل العربية في فلسطين
انظر كتاب: مصطفى مراد الدباغ، القبائل العربية وسلائلها في بلادنا فلسطين.
[86]
حسان حلاق، مرجع سابق، ص82-84.
[87]
لا تتفق معظم المصادر على أرقام دقيقة محددة حول أعداد السكان سنة 1918، وإن
كانت الفروقات بينها بسيطة وغير ذات أهمية، وتقديرات أعداد اليهود في مصادر
تتراوح بين 7% إلى 10% من السكان، والأرقام المشار إليها هي ما يراه الباحث
أقرب إلى الصحة بناء على دراسة مقارنة للعديد من المصادر.
انظر مثلاً: النحال، مرجع
سابق، ص87، ومحمد عزة دروزة، فلسطين وجهاد الفلسطينيين، ص11. وانظر أيضاً:
تقرير لجنة بالين P.C. Palin التي شكلتها السلطات
البريطانية للتحقيق في انتفاضة موسم النبي موسى التي اندلعت 4-10 إبريل 1920
والمحفوظ في: F.O.371/5121، ص3.
[88]
انظر: محمود ميعاري "التركيب السكاني"، في دليل إسرائيل العام، ص42.
[89]
الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص558.
[90]
المرجع نفسه، ج1، ص559-560.
[91]
Salman Abu Sitta, Palestinian Right to Return (London: The Palestine
Return Centre, 1999), p.16.
[92]
انظر: نشرة العودة، ع65، يوليو 1999، وكليفورد رايت، حقائق وأباطيل في الصراع
العربي الإسرائيلي، ترجمة عبد الله عريقات وعبد الله عيَّاد، (عمان: دار
الناصر، 1992)، ص36، وجريدة الأنباء (الكويت)، 3 فبراير 1986.
[93]
تخضع أعداد الفلسطينيين عادة لتقديرات، وليس للإحصائيات الدقيقة. وهناك
إحصائيات وتقديرات سنوية محددة للفلسطينيين في الكيان الإسرائيلي مع ملاحظة
أنهم يضمّون إليهم فلسطينيي منطقة القدس الشرقية (لأن الكيان أعلن ضمها رسمياً
إليه) وهم يقدرون بنحو 200 ألف، وقامت السلطة الفلسطينية بعمل إحصاء للسكان في
الضفة والقطاع سنة 1997 وهي عادة ما تضم سكان القدس الشرقية.
أما إحصاءات فلسطينيي
الخارج فأرقامها تقديرية بحسب اجتهادات الباحثين، ويمكن الوصول إلى معرفة
الأرقام التقديرية للفلسطينيين لكل عام من خلال احتساب الزيادة السنوية
لأعدادهم والتي يبلغ معدها 3.4% تقريباً. انظر التفصيلات في الصفحات التالية.
[94]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص23-24.
[96]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص24، وص31.
[97]
المرجع نفسه، ص26، وانظر النص نفسه ونصوص أخرى لويتز في:
Nur Masalha, The Expulsion of the
Palestinians (U.S.A.: Institute for Palestine Studies, 1993), pp.131-2.
[98]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص26-29. وانظر: الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص585.
[100]
Abu Sitta, op.cit, p.27.
[101]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص429.
[103]
Abu Sitta, op.cit., p.16-24.
[104]
كليفورد رايت، مرجع سابق، ص15 نقلاً عن صحيفة صنداي تايمز اللندنية، 15 يونيو
1967.
[105]
المرجع نفسه، ص85، نصّا شاحاك ودايان ذُكرا نقلاً عن جريدة الجارديان
(مانشستر)، 14 نوفمبر 1973.
[108]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص427، وص459.
[109]
انظر: إيليا زريق، "أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل" في دليل إسرائيل العام،
ص338.
[110]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص429.
[112]
انظر :إيليا زريق، "أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل" في دليل إسرائيل العام،
ص317-347. وكليفورد رايت، مرجع سابق، ص88.
[113]
إبراهيم أبو جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية
الفلسطينية، ص427.
[114]
أحمد يوسف، الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر: فلسطينيو 1948 (الولايات
المتحدة: المؤسسة المتحدة للنشر والتوزيع)، ص8-9.
[115]
أحمد خليفة "الأحزاب السياسية" في دليل إسرائيل العام، ص172-174، وإبراهيم أبو
جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص442-447.
[116]
أحمد خليفة "الأحزاب السياسية" في دليل إسرائيل العام، ص174-176، وإبراهيم أبو
جابر، "المجتمع العربي في إسرائيل" في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص448-449.
[117]
أحمد يوسف، مرجع سابق، ص24-25.
[118]
حول نتائج الانتخابات "الإسرائيلية" لسنة 1999 انظر مثلاً: إبراهيم أبو جابر
"الانتخابات الإسرائيلية: قراءة في اتجاهات التصويت وعوامل النصر والخسارة"،
مجلة فلسطين المسلمة، يوليو 1999.
[119]
أحمد يوسف، مرجع سابق، ص27-28.
[120]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص559-560، وجورج قصيفي، الرهان الديمغرافي في
فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1990)، ص13.
[121]
انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص559.
[122]
Don Peretz, The West Bank: History, Politics, Society and Economy
(Boulder: West View, 1986), p.80.
[123]
ديفيد جليمور، المطرودون، ترجمة شاكر إبراهيم (القاهرة: مدبولي، 1993)، ص141.
[124]
جريدة الأنباء، 3 فبراير 1986.
[125]
جريدة الاتحاد، الإمارات العربية المتحدة، 8 نوفمبر 1999. وتقديرات السكان لسنة
2001 متوافقة تقريباً مع ما أعلنه حسن أبو لبدة رئيس الجهاز المركزي للإحصاء
الفلسطيني، أنه في نهاية سبتمبر 2001 كان عدد سكان الضفة مليونين و210 آلاف،
وسكان القطاع مليوناً و120 ألفاً، انظر جريدة الخليج، 29 سبتمبر 2001.
[126]
تعد نسبة 3.4% هي نسبة الزيادة العامة المعتادة للشعب الفلسطيني، وهي على أية
حال نسبة تقريبية لعلها الأقرب للصواب ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه
الأرقام تعد أرقاماً متحفظة بالنسبة إلى قطاع غزة بالذات والذي يعد من أكثر
المناطق تزايداً للسكان في العالم حيث ترتفع النسبة إلى نحو 4% سنوياً، ووفق
تقديرات الزيادة بـ 4% فإن عدد سكان القطاع في سنة 2001 هو 1.194.426، وفي 2003
يكون 1.291.891، وفي 2005 يكون 1.397.309، والله أعلم.
[127]
مها عبد الهادي، الأوضاع الاقتصادية والفرص المتاحة: الأوضاع الاقتصادية
والإنسانية في الضفة الغربية وقطاع غزة (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط،
1999)، ص14-16.
[128]
جريدة الخليج، 3 مارس 2000.
[129]
انظر: نبيل السهلي، "سكان الضفة والقطاع" في جريدة الشرق الأوسط، 14 أغسطس
1996.
[130]
انظر: جريدة الخليج، 10 مارس 2001، ومقال عبد الغني الشامي "تقرير إحصائي
فلسطيني رسمي" في العودة، سبتمبر 1998.
[131]
حول الأوضاع التعليمية في الضفة والقطاع، انظر: محمد حلاج، التربية والتعليم
الفلسطينيان في الأراضي المحتلة، وعبد الفتاح الجيوسي، فلسطين المحتلة: الصمود
والتحدي (عمان: دار الكرمل، 1988)، ص84-88، وص103-106. وجريدة الرأي العام،
الكويت، 14 يوليو 1986.
[132]
انظر: العودة، سبتمبر 1998، وجريدة الرأي العام، 15 يوليو 1986.
[133]
سمير يوسف، "الوضع الصحي في الضفة الغربية والقطاع كارثة حقيقية"، في جريدة
الدستور، 31 أكتوبر 1993.
[134]
الجيوسي، مرجع سابق، ص112-113.
[135]
جريدة الخليج، 17مايو 1998.
[137]
انظر مجلة المجتمع، ع1378، 30 نوفمبر 1999.
[138]
جريدة الخليج، 4 إبريل 2000.
[139]
مجلة المجتمع، ع1378، 3 نوفمبر 1999.
[141]
انظر مثلاً حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان: الكتيب الذي أعدته مؤسسة
الدراسات الفلسطينية:
The Institute for Palestine Studies,
Palestinian Refugees in Lebanon (Beirut: IPS, 1999)
[144]
انظر مقال نبيل السهلي "اللاجئون الفلسطينيون في سوريا: حقائق ديموغرافية"، في
جريدة الاتحاد، 8 يناير 2000، ومجلة المجتمع، ع1378، 30 نوفمبر 1999. وانظر حول
اللاجئين: تيسير عمرو "مشكلة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين"، في المدخل إلى
القضية الفلسطينية، ص593-614.
[145]
حول التقديرات الكويتية للعدد، انظر: المجتمع، ع1378، 30 نوفمبر 1999.
[146]
انظر: مقابلة أسعد عبد الرحمن مع جريدة الخليج، 4 إبريل 2000.
[147]
انظر: العودة، 1 فبراير 1999، و 15 ديسمبر 1999، وجريدة الخليج، 9 ديسمبر 1999.
[148]
جريدة الخليج، 9 يناير 2000.
[149]
انظر مثلاً: السبيل (الأردن) 16 مايو 2000.
[150]
انظر مثلاً حول الإرهاب الصهيوني والتخلص من العرب في: الموسوعة الفلسطينية،
ج1، ص113-115، وص185-192.
[151]
انظر حول مذبحة دير ياسين في: المرجع نفسه، ج2، ص432-435.
[152]
حول قصص حياة البلبيسي والحاج إسماعيل وصالحية وغيرهم، انظر كتاب: عاصم الجندي،
دير ياسين.
[153]
الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص435.
[154]
انظر: جواد الحمد، المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني 1948-2000، ط3 (عمان:
مركز دراسات الشرق الأوسط، 2000)، ص17.
[156]
المرجع نفسه، ص27-31
[159]
غازي السعدي، أحاديث الغزاة، ص63.
[160]
دليل إسرائيل العام، ص526.
[161]
www.passia.org/index-pfacts
[162]
غازي السعدي، أحاديث الغزاة، ص87.
[163]
جواد الحمد، المجازر الصهيونية، ص35-47.
[164]
انظر: صوت الشعب، 8 ديسمبر 1993، والأسواق (الأردن)، 25 مارس 1996.
[165]
جواد الحمد، المجازر الصهيونية، ص54.
[166]
المرجع نفسه، ص63-75.
[167]
انظر: صحف الرأي، والقدس العربي، والخليج، 25-29 سبتمبر 1999،
www.passia.org/index-pfacts
[169]
الخليج، 16 فبراير 2003.
[170]
تحدثت جميع وسائل الإعلام عما حدث في جنين ومخيمها، ونقلت تصريحات لارسن، انظر
مثلاً: الخليج، 19 إبريل 2002.
|