|
عصر
حماس
الحلقة الخامسة عشر
اشتراك بشروط
الحركة الإسلامية ومسألة الاشتراك السياسي
لقد طولب المفكرون الإسلاميون
بوضع نمط لأسلوب العمل للحركات الإسلامية المعاصرة وقد اختار هؤلاء أربع
استراتيجيات أساسية للعمل وهي :
الإصلاحيون:
والذين يعملون في التعليم الوعظ والإرشاد (سبيل الوعظ والإرشاد ) والجماهيريون:
الذين يعملون على التركيز في الخدمات الاجتماعية وخاصة مؤسسات الصدقة الإسلامية .
السياسية : والتي تعمل عن طريق
التجنيد والإقناع الجماهيري ودعوته الى تطبيق القانون الإسلامي (الشريعة) عمليا.
المقاتلة : والتي تعمل من خلال
القوة المسلحة ضد الصفوة الحاكمة (1) وعلىأرض
الواقع أظهرت هذه الحركات الإسلامية ليونة وقدرة على التكيف وتبنت قواعد متنوعة من
هذه المناهج ، بهدف الانسجام مع الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعملون بها (2)
إضافة إلى وجود جماعات إسلامية تعمل في نفس الدولة تختلف في استراتيجية العمل التي
تبنتها نتيجة التأثير في تشكيل استراتيجيتها لطبيعة الحرية والحركة التي منحها
النظام للتنظيمات في العمل السياسي .
وتشير التجربة السياسية للحركة
الإسلامية في عصرنا الى أن من توجهوا لأعمال
العنف كانت جماعات هامشية لم تمثل التيار المركزي ، أو
أنهم عملوا كرد فعل على الاضطهاد والعنف الذي مورس ضدهم
من جانب النظام ، مثلما هو حاصل في مصر على عهد ناصر وسوريا والجزائر, وفي مقابل
ذلك وعندما حصلت الحركة الإسلامية على نوع من التسامح والحرية مثلما هو حاصل في مصر
منذ بداية السبعينات والأردن (3) والسودان (4) واليمن (5) حيث فضلت هذه الحركات تقبل
قواعد اللعبة السياسية وتمتنع
عن ممارسة العنف .
إن النهج الإصلاحي الجماهيري –
حيث لا يمكن التفريق بينها – كان أساس نشاطات " الإخوان
المسلمين " منذ إنشاء الحركة في مصر منذ العشرينيات وانتشرت في جميع أنحاء العالم
العربي في حين كان الإسلام السياسي والحربي ظاهرة هامشية في معظم البلدان العربية
حتى نهاية السبعينات ومع مرور الثمانينات والتسعينات جاء التغيير السياسي في أسلوب
عمل الحركات الإسلامية متمثلا بميلهم
المتزايد للعمل التنظيمي من خلال الأحزاب والاشتراك في العمل السياسي وحتى في الحكم
على الرغم من القيود والمضايقات والمنع التي
فرضها عليهم النظام وقد اشتركت أحيانا الحركات الإسلامية في الانتخابات مثلما حصل
مع حزب النهضة في تونس والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر وحركة الإخوان
المسلمين في مصر (6) إن مدى ظاهرة الاشتراك السياسي للحركات الإسلامية منذ سنوات
الثمانين والمهمة المركزية التي قامت بها هذه الحركات الإسلامية على ضوء التأييد
الجماهيري الواسع الذي حصلت عليه مع تقدم مسيرة الديمقراطية في دول مثل مصر الأردن
اليمن المغرب وتونس، الجزائر والكويت , تعبر عن قوة الجدال بين باحثي الإسلام
السياسي ، فهؤلاء مختلفين فيما بينهم حول ما يتعلق بفائدة اشتراك الحركات الإسلامية
في المسيرة السياسية ومدى استعدادها لتطبيق مبادئها, وليس فقط من خلال مسيرة الصراع
على القوة ولكن بعد الوصول وتوطيد مكانتها في الحكم (7) .
ومن المتحدثين البارزين لهذه
الثقافة الإسلامية (المدرسة الإسلامية ) داخل الحركات الإسلامية في العالم العربي
حسن الترابي زعيم " الجبهة القومية الإسلامية " في السودان ومحمد مأمون الهضيبي رجل
الإخوان المسلمين في مصر
وراشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس ، فهؤلاء طوروا منذ السبعينات النهج المؤيد
لاشتراك الحركات الاسلامية في المسيرة السياسية وتقبلهم مبدأ التعددية الحزبية ؟
وهذا النهج الذي يستمد من
التوجهات البراجماتية والتي
تطورت في حركة الإخوان
المسلمين على زمن حسن البنا
من حيث إعطاء الشرعية والاندماج في التحالف مع الحركات غير الاسلامية ، بهدف
استغلال الإمكانيات الكامنة بها من اجل التقدم لصالح الحركات الاسلامية ، والمقصود
هنا هو أولا تامين حرية العمل في مجال التعليم والتربية وإدخال الرسالة الاسلامية
على المستوى الاجتماعي والجماهيري وتأمين
عدم منعها والحظر عليها من جانب النظام، وحتى عندما لا يكون هناك أمل في الوصول الى
السلطة من أجل أسلمة المجتمع
من أعلى الهرم بواسطة المؤسسات الرسمية للدولة (8) ويعترف السياسيون بأهمية التوجيه
الفكري كمرحلة ضرورية من أجل
إنشاء قاعدة واسعة من الناشطين
في الحركة الاسلامية والدعوة لاتخاذ خطوات أكثر
حداثة لتجنيد الجماهير والخروج من الانعزالية الموجودة في فكر وتعاليم سيد قطب (9)
.
وحسب هذا الطرح فإن استخدام
العنف مسموح به فقط في حالة القمع من جانب النظام ولكن هذا التوجه غير مرغوب بسبب
الفارق في القوة الحاسم للدولة وبسبب الخطر الذي ربما يعطي للحكام الحجة لحرب
الحركة الاسلامية بلا هوادة ، مثلما حصل على يد جمال عبد الناصر في مصر والأسد في
سوريا (10) ومن هنا ينبع طرح الترابي والذي يسعى الى الاندماج التدريجي لأعضاء
الحركة الإسلامية بالقوات المسلحة وأجهزة القيادة وفي المقابل تجنيد اشتراك
الجماهير في المسيرة السياسية الأمر الذي يعبر عن محاولة الترابي في الوصول الى
السلطة في السودان ) (11) .
إن تطلع الحركات الاسلامية في
الاشتراك (المشاركة ) في السلطة الغير إسلامية والتي حققها عمليا الترابي – قوبلت
بالموافقة الشرعية من جانب راشد الغنوشي الذي كان بحاجة الى نموذجية لفقه الأجيال
(المشاركة لمبدأ المصلحة) .
واستنادا الى المهمة التي قام
بها (يوسف عليه السلام-المترجم ) مع فرعون وعلى الاتفاق الذي قام به النبي (عليه
السلام-المترجم ) مع عبدة
الأصنام في مكة وهذا ما استند عليه الغنوشي
، أما الائتلاف مع الحركات غير الاسلامية فهي تكتيك مسموح به من
أجل الوصول إلى أهداف الحركة
الإسلامية (12) وحول هذا الموضوع من المناسب الإشارة إلى
أنه على الرغم من أن حماس قاطعت الانتخابات لمجلس السلطة
الفلسطينية التي أجريت في 1996 فقد تمسكت حماس وبتناغم مع مبدأ التعايش مع السلطة
من أجل تأمين
مواصلة نشاطها التربوي والجماهيري إضافة إلى تعاونها مع حركات وأحزاب غير إسلامية .
وفي أكتوبر 1991 انضمت حماس
إلى مجموعة الائتلاف لمعارضة مسيرة السلام (الإسرائيلية)
الفلسطينية مع انعقاد مؤتمر السلام في مدريد ، وقد أنشأت جبهة الرفض هذه بتشجيع
ورعاية النظام السوري البعثي ، وقد شكلت منظمات اليسار المتطرفة الفلسطينية
الغالبية " جبهة العشرة " (13) .
إن السعي لاشتراك الحركة
الاسلامية في المسيرة السياسية والتعايش مع الأنظمة غير الإسلامية لم يضعفها على
الرغم من الانتقاد الذي وجهه إليها من الداخل وعلى الرغم من جهود السلطات المصرية
التي بدأت في الثمانينات والأردنية منذ بداية التسعينات في محاولتهم تقييد حضور
التيار الإسلامي السياسي في المؤسسات عن طريق التشريعات والعوائق أمام التنظيمات
الإسلامية الحزبية .
وهكذا وعلى الرغم من قرار "
الإخوان المسلمين إضافة إلى أحزاب معارضة أخرى في مصر مقاطعة انتخابات 1990 فلم
تسحب الحركة مساندتها من الاشتراك في النظام السياسي لمحاولة الحفاظ على قوتها
الجماهيرية ، ومع ذلك فإن واقع الاشتراك في المسيرة السياسية كانت
أكثر أهمية وذات إنجازات إيجابية
أكثر من سلبيتها إذا ما حكمنا
على التأثير الكبير الذي عرف على واقع النشاط الجماهيري " للإخوان المسلمين " على
تغيير منهاج التفكير السياسي والاجتماعي للنظام السياسي العام ،
وإن توغل الحركة الاسلامية في
المجتمع المصري تبرز بصورة خاصة من خلال المكانة البارزة التي حصل عليها مرشحوها في
المؤسسات المهنية والحركات الطلابية ومؤسسات جماهيرية أخرى (14) .
وفي الأردن قررت " جبهة العمل
الإسلامي " في يوليو 1997 مقاطعة الانتخابات العامة التي ستجري في شهر نوفمبر من
نفس السنة وجاء هذا القرار بعد جدال داخلي متواصل وعنيف قد أثير على خلفية الانخفاض
الحاد لقوة الحركة في البرلمان لانتخابات 1993 الأمر الذي ارجع سببه الى التغييرات
التي أدخلها النظام على قانون
الانتخابات، وقد نبع قرار المقاطعة في الشعور بالتهميش وغياب التأثير على النظام
السياسي .
وإن
الجدل بين المؤيدين لمواصلة الاشتراك وبين المعارضين له كشف عن الهوة بين الأردنيين
والفلسطينيين في الحركة الإسلامية
, فكلا الجانبين يتحدث عن موقفه المتعارض بمصطلحات إسلامية ولكنها على
أرض الواقع عبرت عن الحاجات المختلفة
وتضامنهم العرقي السياسي ، وادعى
المعارضون ومعظمهم من أصل
فلسطيني أن مواصلة الاشتراك
في الانتخابات البرلمانية يعبر عمليا عن تأييد اتفاق السلام بين الأردن و(إسرائيل)
الذي يتعارض ومبادئ الإسلام, وفي مقابل هؤلاء كان هناك أقلية براجماتية من الشخصيات
ذات الأصل الأردني بقيادة عبد الله العكايلة وبسام العموش الذي أبدى استعداده
للانضمام مع قوى وطنية يسارية ومع النظام أيضا على الرغم من التزامه بمعاهدة السلام
مع (إسرائيل)
بشرط أن يؤمن موقف تأثير اتجاه السلطة (15) .
إن التطلع للاشتراك الفعال في
المسيرة السياسية وتسويغها بمصطلحات ذات فائدة لجماعة المسلمين من خلال المرجعية
للتفاسير الدينية أصبحت ظاهرة واسعة وعلنية في كل من الدول العربية مثل السودان
الجزائر ، اليمن لبنان الأردن .
وحتى في
(إسرائيل)
والتي تعتبر دولة يهودية قررت مجموعة من داخل الحركة الاسلامية
ـ منقسمة
ـ الانضمام لحزب غير إسلامي (الحزب
الديمقراطي العربي ) والاشتراك في قائمة واحدة في الانتخابات العامة لسنة 1996 وفاز
الإسلاميون بمقعدين من مقاعد الكنيست (16) .
وفي حالة الجزائر فقد توجهت
عدة جماعات إسلامية نحو العنف (لكن ليس التيار المركزي " جبهة الإنقاذ الإسلامية")
بعد الفوز في الانتخابات في نهاية 1991 والذي سلب منهم من قبل السلطة ، و "حزب الله
" اللبناني الذي تمسك بالكفاح المسلح ضد (إسرائيل)
بالتساوي مع اشتراكه مرتين في الانتخابات البرلمانية (في
1992 وفي 1996 ) (17) إن ميل الحركات الاسلامية الى الانخراط بالساحة السياسية تعبر
عن التوجهات الجديدة في الاشتراك السياسي الذي بدأ في معظم الدول العربية خلال
سنوات الثمانين التسعين ، وهذا يعبر عن تصاعد في القوة الجماهيرية ونظرة زعمائهم في
اختصار مسيرة أسلمة المجتمع
عن طريق الانتقال من الاستراتيجية الإصلاحية إلى الاستراتيجية السياسية وهذه
الاستراتيجية تؤدي الى الوصول للسلطة حيث مركز التأثير على المجتمع من داخل المركز
السياسي ، وان وجود هذا التوجه على الرغم من الطابع الديمقراطي المحدود للنظام
السياسي الذي يعملون من خلاله والمراقبة الصارمة من جانب السلطات على مسيرة
الديمقراطية ,تشير إلى إخلاص رجال الإسلام في هذا المجال بهدف الوصول إلى أهدافهم
إذا ما عملوا من خلال القانون القائم.
تطور مشابه للتكيف في الواقع
السياسي والميل الى الإمكانيات القائمة للعمل القانوني والقبول التكتيكي للقيود من
جانب النظام غير الإسلامي ازدهرت في أوساط الأحزاب الشيوعية في أوروبا بعد الحرب
العالمية الثانية ، فقد تم تبني هذا الطابع في العمل من قبل الأحزاب الشيوعية في
الشرق الأوسط خلال الخمسينات .
وحينها رفض الشيوعيون التعاون
مع " البرجوازية " وتحدثوا عن إمكانية إحداث انقلاب عن طريق قوة الطبقة العاملة فقط
، وفي الخمسينيات وبداية الستينات وفي أعقاب التجربة الأوروبية وإدراك عدم التوافق
بين النظرية الماركسية والهيكل الاجتماعي السياسي في العالم العربي ، منحت الأحزاب
الشيوعية الصلاحية لإنشاء اتفاقات تكتيكية مع جماعات ذات خلفية برجوازية وطنية ،
وبروح هذا التعاون أنشأت الأحزاب الشيوعية في العالم العربي تعاونا
مؤقتا في نطاق " الجبهة
الوطنية " مع حزب البعث " الحركات الوطنية العربية " وهيئات ناصرية في سوريا
والعراق ولبنان والأردن وأيضا مع " الحزب الوطني الاشتراكي في الأردن والذين يمثلون
طبقة اجتماعية دنيا .
وإن
العمل المشترك مع القوى البرجوازية كان من المحتمل أن يؤدي إلى إسقاط الصفوة
الحاكمة " الرجعية " المعتمدة على الغرب وإنشاء حكم وطني " محايد " مكانها .وكان
الاعتقاد في أوساط الشيوعيين أنه
بعد تغيير السلطة سيستطيعون السيطرة على مراكز القوة في الدولة ، وبواسطتها سيغيرون
الهيكل الاجتماعي الاقتصادي من الأعلى (18) .
ومن خلال دراسة دقيقة في
استراتيجية العمل لحركة حماس تكشف عن التشابه بينها وبين إخوانها من الحركات
الاسلامية في الدول العربية وأيضا بينها وبين الأحزاب الشيوعية حول ما يتعلق بمسألة
الاشتراك السياسي والاندماج في أجهزة السلطة الفلسطينية وأسلوب تسويغها بمصطلح
نموذجي .
إن الحاجة لدى حركة حماس
لتأمين استمرار عملها ونموها أجبرها
الحصول والاقتراب لمواقف التأثير والمصادر المادية على أساس التعايش مع السلطة, ومن
جانب آخر فإن حماس مجبرة لتقليل الضرر وتحويله إلى شهرة سياسية بعد سياسة المصالحة
مع السلطة الفلسطينية واستعدادها للاندماج بصورة فعالة في مؤسساتها مع أن هذا الأمر
ربما يتم تفسيره على انه انحراف عن مبادئها الدينية .
فهذه المعضلة أصبحت أساس العمل
الاستراتيجي لحركة حماس وعبرت عن استعداد حماس للحوار والتعاون مع السلطة ، وطوال
الوقت فإن هذه السياسة عبرت عن الغموض لطبيعة التزام حماس لمسيرة أوسلو والى هدفها
الديني والوطني . وامتثالا لهذا المبدأ فإن حماس اختارت بين الاشتراك عن طريق
الحضور المباشر والرسمي وبين الاشتراك عن طريق التدخل الغير رسمي في العمل
المؤسساتي ومسيرة اتخاذ القرارات للسلطة الفلسطينية ، وإن
رفض حركة حماس الاعتراف بالسلطة الفلسطينية لم يمنعها من التدخل بأجهزة السلطة دون
حضور رسمي أو تمثيل مباشر ، أملت حماس من أن تدخلها هذا سيساعدها استخلاص المنفعة
للواقع والسياسي لما بعد اتفاق أوسلو وذلك دون أن يطلب منها دفع الثمن المطلوب لذا
وعلاوة على ذلك فإن هذا
التدخل المعقول يمكّن حماس من
استخدامه كصمام أمان من
أجل تقليل الخطر بمواصلة
نشاطها وأعمالها والتأييد
الجماهيري الذي حصلت عليه .
ومع ذلك فإن تبني استراتيجية
التدخل وعدم الحضور فإنها مرتبطة بشكوك كبيرة وإن مثل هذه الاستراتيجية ربما تمنح
الأمن السياسي للمدى القصير ولكن ومن واقع ميزتها فإنها مرتبطة بعدم الاستقرار على
المدى الطويل ومن جانب آخر فإن استراتيجية الحضور في أجهزة السلطة ومؤسساتها ربما
تمنح حماس الأمن والاستمرارية والنهوض على المدى الطويل ، ولكن هذا السلوك تفسيره
هو تقليص أو التقليل للرفض العلني لأوسلو من قبل حماس واعطاء الأهلية للمكانة
السياسية والقضائية للسلطة الفلسطينية .
وكلما تعزز الترابط بين
الفلسطينيين و(الإسرائيليين)
على حد سواء لمرحلة لا يمكن التراجع عنها وكلما تعمقت سيطرة السلطة الفلسطينية في
الضفة الغربية وقطاع غزة, كلما ازداد الجدل داخل حماس على طابع الاشتراك في مؤسسات
وأجهزة السلطة الفلسطينية .
بدائل وطرق عمل مفضلة.
إن عقد مؤتمر السلام في مدريد
بنهاية أكتوبر 1991 كان بمثابة إشارة لزعامة حماس وإن
هذه المسيرة الجديدة يلزمها التقدير الجديد لمواقفها نحو إمكانية التوصل إلى تسوية
بين (إسرائيل)
وبين الوفد الفلسطيني الذي عمل انطلاقا ودعما من دعم
منظمة التحرير وحتى بين (إسرائيل)
والأردن .
لقد جاء المأزق
!! لحركة حماس عن طريق الجدل الداخلي
النشط على الاستراتيجية السياسية وعلى السلوك الذي من المناسب تبنيه على ضوء
الإنشاء المتوقع للسلطة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومن
المسلم به أن هذه السلطة سوف تستند على منظمة التحرير من خلال الاتفاق مع
(إسرائيل)،
وأن المحادثات التي أجرتها
الدولة الأمريكية مع موسى أبو مرزوق في الولايات المتحدة وعمان بدءا في خريف
عام 1991 بهدف تجنيد التأييد للحركة باشتراك مندوبيها في
مؤتمر مدريد ساهمت أيضا في زيادة الوعي لقيادة حماس
لإمكانية التوصل إلى حل نهائي فلسطيني
ـ (إسرائيلي).
وحتى قبل انعقاد مؤتمر مدريد
تمسكت حماس بالإدانة المنطقية لاشتراك مندوبين فلسطينيين
في المحادثات مع (إسرائيل)،
وطالبت بمواصلة وتصعيد الانتفاضة من خلال المعارضة لتحويل إنجازاتها مثلما حاولت
منظمة التحرير فعله (19) .
إن إدراك حركة حماس لضرورة
تصعيد الانتفاضة والكفاح المسلح ضد (إسرائيل)
كبديل للمفاوضات مع منظمة التحرير قد ازداد في أعقاب
اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية بقيادة " القيادة الموجودة في تونس " (20)
وفي نفس الوقت أصبحت فترة المفاوضات (الإسرائيلية)
الفلسطينية في مرحلة حساب النفس لقيادة حماس واختيار طرق العمل
وأن الهدف من اختيار طرق العمل هو من
أجل تقليل الضرر قدر الإمكان
على الحركة وتمكينها من مواصلة عملها الجماهيري والسياسي وذلك دون الوصول الى
مواجهة مع السلطة الفلسطينية .
وإن
مسألة الاشتراك في المسيرة السياسية في نطاق السلطة الفلسطينية المستقبلية ومسألة
الاشتراك في انتخابات المجلس الوطني للسلطة قد أشغل
حركة حماس منذ صيف 1992 من خلال الحوار العلني في هذه المسألة مع نشطاء الحركة
والجماهير الفلسطينية بشكل عام ، وإن
موقف حماس من هذا النقاش هو التأكيد على رفضها للاتفاق مع إسرائيل وعلى أساس تقدير
وتحديد المرجعية الذي وجهه
في كتاب الدعوة لمؤتمر مدريد والإصرار على مواصلة الكفاح المسلح ضد
(إسرائيل)
إلى جانب مسألة إنشاء حزب إسلامي كخطوة إلزامية شكلتها
الظروف التي نشأت مع إنشاء السلطة الوطنية .
ولكن النقاش الداخلي في حركة
حماس أكد على الاختلاف بينها وبين الحركات الاسلامية في الدول العربية المجاورة،
لكونها حركة ذات أيدلوجية وطنية مقاتلة كالتزام
لتحرير فلسطين وبالتساوي مع كونها حركة إصلاحية دينية ، وعلى الرغم من الأصوات التي
سمعت أكثر من مرة من داخل
الحركة منذ صيف 1992 لوقف الكفاح المسلح والانتقال إلى العمل السياسي والاجتماعي
وقد تمسكت قيادة الحركة بوجهه نظرها العقائدية وبالجهاد ضد
(إسرائيل)
وعدم الاعتراف بوجودها بأي ظرف، ومع ذلك فقد
أظهر المتحدثون باسم الحركة انطباعا
نحو الانفتاح والليونة والاستعداد لتبني طرق عمل مختلفة حسب الظروف السياسية
المحيطة وخاصة الفلسطينية وإن
النقاش المتواصل في هذه المسألة الواضحة أظهر أن
على قائمة الأولويات للحركة تقف مسألة كيفية تأمين وجود الحركة
ومستقبلها كحركة اجتماعية وسياسية في نطاق الحكم الفلسطيني المستقل ، فاستمرار
الكفاح ضد (إسرائيل)
يوجد عمل تكتيكي خاضع للأهداف واحتياطات الحركة على
الساحة الفلسطينية الداخلية .
وفي إبريل 1992 حدد إعلان
داخلي في الحركة أن قيادة الحركة قررت معارضة الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية
"كما هو مقترح " وأعربت حماس
عن تخوفها من هذه الخطة لأنها كانت جزءا
من مؤتمر مدريد وهذه المسيرة رفضتها الحركة بتبريرات سياسية واقعية وتركيزها على
الادعاء بأن موافقة منظمة
التحرير والأردن الاشتراك في المؤتمر شكلت خضوعا للشروط التي وضعتها
(إسرائيل).
وفي نفس هذا الإعلان عرض
لأول مرة موقف الحركة
لإمكانية وجود انتخابات للمؤسسات
التمثيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة وقالت حماس إنها
لا تعارض الانتخابات غير السياسية وأنها ستشترك في الانتخابات ضمن الشروط التالية :
إذا ما توفرت الحماية والصدق ، وإذا لم تتم تحت سلطة الاحتلال
(الإسرائيلي)
، وإذا ما تمت تحت المراقبة الدولية المناسبة وأن
لا تكون ناتجة بالالتزام السياسي للمرشحين للاشتراك في المسيرة السلمية (21) وفي
شهر يوليو 1992 وفي ذروة المواجهة العنيفة بين نشطاء حماس وفتح وعندما هاجمت بيانات
حماس بغضب عارم المحادثات التي أجراها الفلسطينيون مع (إسرائيل)
بدعم سياسي من منظمة التحرير وقد نشرت على مستوى النشطاء
الكبار لحركة حماس وثيقة سرية تتعرض لمجموعة من الخيارات بدءا بالمقاطعة الكاملة
للسلطة الفلسطينية وانتهاءً
بالاشتراك العلني الكامل والرسمي في الانتخابات لمؤسسات السلطة (22) .
موقف حماس نتج من الاعتقاد أن
المفاوضات (الإسرائيلية)
الفلسطينية سيؤدي الى التوصل لإنشاء سلطة مستقلة فلسطينية للمرحلة الحالية وبعد
إنشائها ستتم الانتخابات العامة في المناطق، وهذه الوثيقة استندت على مشاورات سابقة
بين شخصيات مركزية لحركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة والخارج ، وحاولت توقع
الواقع الجديد الذي سينشأ مع التوصل لاتفاق بين (إسرائيل)
ومنظمة التحرير ، وعرض في هذه الوثيقة مجموعة من
السيناريوهات الممكنة من خلال التحليل للمتفوقات والاخفاقات للحركة حسب ردود الفعل
الممكنة للسلطة الفلسطينية وخاصة الجماهير الفلسطينية حول إمكانية أي خطوة تتخذها
حماس .
وطولب نشطاء حماس دراسة
البدائل المقترحة على ضوء أهدافها ونظرتها ، من أجل
تمكين قيادتها التوصل إلى
قرار الاشتراك في الانتخابات ، وحددت الوثيقة العاشر من
أوغست 1992 موعدا نهائيا لاتخاذ القرار وطولب من نشطاء
الحركة تسليم موقفهم من خلال الحفاظ على سرية كاملة ، ولم تنسب الوثيقة بشكل واضح
لحركة حماس على الرغم من أن النقاش خصص للعمل الذي سيتخذ في هذه
المسألة التي يتم نقاشها، وقبل
الإجابة طولب من النشطاء تبادل الآراء مع أصدقائهم المقربين من
أجل تأمين أن يكون القرار النهائي
ناتج عن التأييد الواسع قدر الإمكان داخل حماس وفي نفس الوقت نحافظ على إنجازات
الحركة ومبادئها .
ووضع النص بلهجة تخلو منها
المصطلحات الأيدلوجية ما مكن عدم تشخيصه وكأنه من قبل حماس ولم تظهر به أيضا
التعبيرات الإسلامية أو المصطلحات التي تتعرض لليهود وسميت
(إسرائيل)
بإسمها وغابت عنها المصطلحات مثل "الصهيونية" " اليهود "
أو " أعداء الله " خلافا للبيانات والتصريحات الأخرى، ولم تحتو الوثيقة على آيات من
القرآن ، أو مصطلحات وأسماء
إسلامية مثل " الشريعة ,القرآن ، محمد – عليه السلام" .
وإن
موعد نشر هذه الوثيقة يشير
إلى الأسلوب الذي تحدثت به قيادة الحركة لمجيء حكومة رابين للحكومة سنة 1992
والآمال الكبيرة التي أثارتها هذه الحكومة في التقدم نحو مسيرة السلام .
وهكذا فإن تحديد مواقف حماس
تجاه الحكم الفلسطيني المستقل والانتخابات العامة يحدد المصير للحركة ويشير إلى
التطورات الأكثر مصيرية منذ نشأتها .
وإن
هذه الوثيقة التي ستستخدم كطريقة للتفكير السياسي لحركة حماس تشير الى نهجها العقلي
والهادف للحركة نحو المشاكل القائمة على جدول الأعمال، وعن قدرتها في تشخيص الواقع
المتغير وتكيفها معه، وبسبب أهمية هذه الوثيقة سيتم الحديث عنها كاملة فيما يلي .
1. يوسف القرضاوي – الحل
الإسلامي – فريضة وضرورة الحل الإسلامي (القاهرة ، مكتبة وهبة 1993 الطبعة الخامسة
) ص 155-192 ، فتحي يكن نحو حركة إسلامية عالمية واحدة . بيروت مؤسسة الرسالة 1977
الطبعة الثالثة ) ص8-21.
2. مثال " الإخوان المسلمين "
في مصر حيث تبنوا تحت إرشاد حسن ألبنا نهجا إصلاحيا ولكنهم جهزوا لانفسهم خيار
العنف عن طريق إنشاء قوة مسلحة خاصة بهم .
3. انظر على سبيل المثال
المقابلة مع إبراهيم خريسات الناطق باسم الحركة الإسلامية في البرلمان الأردني الذي
يشرح قلة الوعي في استعمال العنف في الظروف التي تمكن العمل السياسي والبرلماني
،فلسطين المسلمة نوفمبر 1992 ص 29 .
4. Time Nniblock , (Islamic Movments and
Sudans Political Coherence ), in :H.Bleuchot,C.Delmet ,D . Hopewood (eds.),Sudan
:History ,Identity ,Ideology(Reading :Ithaca Press,
5. طه نصار مصطفى " الحركة
الإسلامية اليمنية : عشرون عاما من المشاركة السياسية ) عزام التميمي (محرر) مشاركة
الإسلاميين في السلطة ) ص140-171.
6. عن المصدر المصري انظر
Sana Abed_Kotob , (The Accommodationnist Speak : Goals and Strategies of
the Muslim Brotherhood of Egypt ),International Journal of Middle East Studies ,
Vol .27(1995),pp.321-339.
7. انظر على سبيل المثال .
8. انظر على سبيل المثال
المقابلة مع الترابي للقراءة السياسية (فلوريدا ) رقم 3 (صيف 1992) ص 20 .
9. أقوال حسن الترابي ، إسلام
ديمقراطية الدولة والغرب ص18 ، راشد الغنوشي ، محاولة إسلامية (القاهرة بيت المعرفة
1992) ص142-144. القرضاوي أولويات الحركة الإسلامية ص16-17.
10. أيضا في أوساط " الإخوان
المسلمين " في سوريا وجد توجه للمصالحة مع النظام في مقابل الانفتاح السياسي
والاقتصادي : ابال زيسار "حركة الإخوان المسلمين في سوريا : بين المصالحة والصراع "
من خلال : مئير ليتبق (محرر ) الإسلام والديمقراطية في العالم العربي ص118-199 .
11. الوسط 8 نوفمبر 1994 :
فلسطين المسلمة نوفمبر 1992 ص34.
12. راشد الغنوش " حكم مشاركة
الإسلام في النظام غير الإسلامي " لدى عزام التميمي (محرر ) الإسلاميين في السلطة ص
13-24 ، عبد قطب ص328 329.
13. بيان موقع من قبل عشرة
منظمات ( وتظهر حماس في الأول ) (فلتسكت مؤامرة التصفية ولتستمر الانتفاضة المباركة
) 24 أكتوبر 1991 فلسطين المسلمة نوفمبر 1991 ص31.
14. يدلين ص82-93 ، عبد قطب
ص 328-332.
15. عبد الله العكايلة "
أين نحن وماذا نريد " العمل الإسلامي (الأردن) سبتمبر نوفمبر 1996 ،ص 19-23.
16. انظر فلسطين المسلمة
أوجست 1991 ص 21-23 يونيو 1992 ، ص15-17.
17. تلخيص إيجابي للتجربة
البرلمانية لحزب الله – انظر المقابلة نائب سكرتير حزب الله الشيخ نعيم قاسم –
فلسطين المسلمة أكتوبر 1994 ص25 .
18. A. Benningsen,(The National Front in
Communist Strategy in the middle East ),in:Walter Laqueur (ed.), The Middle East
in Transition (London :Routledge & Kegan Paul ,1958).pp 160-351.
19. مقابلات مع زعماء حماس في
الخارج : إبراهيم غوشة – فلسطين المسلمة مايو 1991 ص24-25 أكتوبر 1992 ص10-11 ،
عماد غلمة إبريل 1992 ص33، محمد نزال مارس 1992 ص19 سبتمبر 1992 ص13 .
20. تعبير " قيادة تونس "
ظهرت في بيان حماس ضد القيادة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية 4 يونيو 1994 .
21. الراصد – تقرير داخلي
رقم 2-15 إبريل 1992 ص1.
22. وثيقة داخلية لحماس
أرسل بالفاكس في 27 يوليو 1992 .
|