الحلقة
العشرون
أوسلو ومستقبل العلاقات بين حماس والسلطة "الوطنية"
إن إنشاء السلطة الفلسطينية
في غزة وأريحا 1994 شكل تهديدا على مكانة حركة حماس في أوساط الفلسطينيين وبشكل
خاص فقد عرض للخطر مكانة وتأثير القيادة "الخارجية"!! في المناطق التي تقع تحت
سيطرة السلطة الفلسطينية.
ومع أن التغلغل المتصاعد
للسلطة الفلسطينية داخل الجماهير الفلسطينية في غزة قد عزز من التوتر بين قيادة
"الخارج"!! لحركة حماس والقيادة "المحلية" لما يتعلق بالاستراتيجية المطلوبة على
ضوء التسوية السياسية الجديدة.
ومن الواضح لكلا القيادتين
أن اتفاق (اوسلو) سيؤدي إلى زيادة قوة السلطة الفلسطينية لسوء حظ حماس، ونظرت
كلتا القيادتين بأهمية الحوار مع السلطة ، ومع ذلك جاءت النتائج مغايرة لكل من
قيادة "الخارج والداخل"!! فقد فضلت قيادة "الخارج"!! استراتيجية الامتناع أو عدم
إعطاء ردود فعل لما يتعلق بالمبادرات لدمج حماس في الأطر السلطوية الجديدة
والحصول من ذلك على تأويل العلاقة مع السلطة الفلسطينية.
حزب
للانتخابات
وخلافا لذلك فقد كانت
القيادة "الداخلية"!! مستعدة للنظر إلى هذه المبادرات من خلال التقليل من مغزاها
على المستوى الايدولوجيا ، وان الخلاف في الأداء حول ما يتعلق باستراتيجية حماس
التي اتخذتها اتجاه السلطة الفلسطينية والتي برزت بصورة كبيرة عندما نوقشت مسالة
إنشاء حماس لحزب من أجل الاشتراك في الانتخابات العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني
التي أجريت في يناير 1996 .
ففي حين أن قيادة " الخارج "
قد أظهرت ترددا أكبر فإن قيادة " الداخل "!! أظهرت الايجابية لفكرة إنشاء حزب
والاشتراك في الانتخابات ، وأوضح إبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حماس من مقره
في عمان حيث أوضح عن موقف زعماء "الخارج"!! عن عدة قضايا وآراء قد تم التصريح
عنها لوسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والدولية في مقابلة مع جريدة كويتية "
المجتمع " حيث أعلن غوشة " نحن نعلم مدى السرور الذي سيكون في الأوساط الصهيونية
والأمريكية ومن هم تحت تأثيرهم إلى خطر استبعاد حماس على المستوى السياسي وطي
لواء المعارضة والجهاد للحركة وتوريطه باتفاق اوسلو وهو ليس أملهم الكبير .
قبل ثلاث سنين وأكثر ناقشت
حماس إنشاء حزب وليس هذا سرا فإن هذه الفكرة قد تم نقاشها مع المبعدين في 1992
وقبل شهرين وافقت مجالس الشورى للحركة إنشاء الحزب على أن لا تكون مكان حركة حماس
وأن لا تخفي برنامجها السياسي وأهدافها الاستراتيجية ولم يبقى للحركة إلا اختيار
الموعد المناسب للإعلان عن إنشاء هذا الحزب .
وقد قررت مجالس الشورى
للحركة عدم الاشتراك في اتفاق (اوسلو) الذي ترفضه الحركة فهي ترى في الانتخابات
إحدى آليات تنفيذ اتفاق (اوسلو) ، فهذه الانتخابات لن تكون مفتوحة أمام الشعب
الفلسطيني في الداخل والخارج كما تريد الحركة ولكنها متعلقة ببرنامج التسوية (28)
وخلال مقابلة تم بثها في
الراديو بعد شهر من تحدث غوشة عن المزيد من التبريرات الإضافية ضد الاشتراك لحركة
حماس في الانتخابات .
" على ضوء الأحداث الأخيرة
في قطاع غزة حيث ألازمة والتوتر الخطيرين فإنه يجب وضع الأمور في مسارها الصحيح
من أجل التغلب على هذه ألازمة وبلسان آخر فإن مليون فلسطيني في قطاع غزة من حقهم
اختيار ممثليهم الحقيقيين من داخل أوساط الشعب وبإشراف جهة محايدة .
نحن نريد أن يعلم العالم من
يمثل الشعب الفلسطيني ، ومن أجل ذلك يجب إجراء انتخابات حرة ومعقولة ، خارج إطار
اتفاق (اوسلو) والقاهرة وبعد ذلك إجراء انتخابات في أوساط جميع الفلسطينيين في
الداخل والخارج ، (من المناطق المحتلة ) (29) .
وفي حين أن محمود الزهار وهو
طبيب أطفال في غزة وأحد الزعماء البارزين في غزة قد اتخذ موقفا مغايرا ، حول ما
يتعلق بالحزب السياسي وقال : " جاء الإسلام ليصارع الواقع على الأرض كجهة وكهيئة
تطلب تحقيق الإسلام في الواقع ، وأعلنت حماس منذ بداية (إنشاء السلطة ) أنها
مستعدة للاشتراك في مسيرة البناء ، ومع ذلك فإنه يوجد عدة مكابح تحدد الايدولوجية
السياسية لها ، المستندة إلى الدين .
إن الاشتراك في مسيرة البناء
لا يمكن تفسيره على أنه قبول لاتفاق (أسلو) ، ولا يمكن تفسيره بالضرورة على أنه
الرفض .
وإن التفسير هو : أنه يجب
علينا أن نسعى لإيجاد نص أو طرح مناسب يتماشى مع الواقع من أجل تمكين إيجاد لوازم
البناء والتغلب على الخلاف في الآراء الايدولوجية أو السياسية، وهذا الأمر يتطلب
إنشاء هيئة من أجل التقدم في بناء المؤسسات.
وهنا نمعن النظر في الأحداث
على الساحة من أجل توضيح الصورة ، كفلسطينيين بما فيهم المخيمات بغالبية فتح
وحماس علينا الآن قبول قانون الأحزاب والذي يلبي جميع المتطلبات ويوافق عليه من
قبل جميع الأطراف .
وبعد ذلك تنشأ الأحزاب
وسيكون لهذه الأحزاب برامج أيدلوجية تستطيع من خلالها الاشتراك في عملية البناء
من داخل السلطة الفلسطينية ومن خارجها عن طريق العمل التطوعي أو عن طريق العمل في
الخدمات الاجتماعية .
حماس حركة
جهادية
حماس كانت ولا زالت حركة
جهادية تعمل ضد الاحتلال فإذا أصبح هناك واقع جديدة يتطلب إنشاء أحزاب فحينها
ستشترك هذه الأحزاب, وحتى الآن ليس لنا قانون يحدد نظام أسلوب إنشاء الأحزاب
فالقانون ضروري لنا وهو يلقى موافقة من جميع الأطراف الفلسطينية والشعب الفلسطيني
، من أجل تمكينه من تحقيق فكرة التعددية وهذه الأحزاب التي يتم إنشاؤها سواء
أكانت تنظيمات سياسية أو فكرية، وسيستطيعون بعد ذلك من عرض رآهم واتخاذ القرار
بالاشتراك في الانتخابات، أو عدم الاشتراك (30).
وردا على ذلك رفض الناطق
باسم حماس إبراهيم غوشة ، بصورة واضحة موقف الزهار :
لم يطرأ أي تغيير في موقف
حماس ولأسباب كثيرة فإن الحركة ترفض الاشتراك في انتخابات الحكم الذاتي ، وهذه
الانتخابات جاءت لتجسد اتفاق (اوسلو) ، وهو اتفاق غير شرعي ، سيشترك فيها فقط
مليونا فلسطيني ولن يتمكن أربعة ملايين الموجودين في الخارج من الانتخابات وعلاوة
على ذلك سيكون للاحتلال الصهيوني المرجعية النهائية في المجلس الذي سينتخب ،
ولهذه الأسباب فإن حركة المقاومة الإسلامية لم تغير موقفها وهو عدم الاشتراك في
الانتخابات للحكم الذاتي وهي تدعو الشعب الفلسطيني لمقاطعة هذه الانتخابات وحسب
رأينا فهي لن تمكن عن التعبير بالحرية المعقولة لرغبة الشعب الفلسطيني .
أما الانتخابات المحلية
البلدية فإننا قد دعونا منذ اليوم الأول السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات بلدية
حرة ، وللأسف فقد عينت السلطة أعضاء المجالس البلدية في غزة ونابلس والخليل
وأماكن أخرى ورفضت إجراء انتخابات ديمقراطية(31)
وفي أساس الخلاف بين زعماء
"الداخل " و"الخارج" !!، أصبحت مسألتين أساسيتين الأولى: قيادة "الخارج"!! التي
تطلعت إلى الإيحاء بتصورها لإنقاذ التطورات لهذا المعسكر ، وسعت إلى التغيير من
الأعلى , وفي مقابلها فإن القيادة "المحلية" فضلت التركيز على المصالح اليومية
للشعب وعلى خطوات إصلاحية من الداخل .
ثانيا : الأحداث السياسية
المحيطة والخارجية ، حيث أصبحت (إسرائيل) ومنظمة التحرير في مركزها ، وقد عزز
الخشية داخل زعامة حماس في "الخارج"!! من تهميشهم من قبل قيادة "الداخل"!!.
إن الخلاف في الآراء بين تلك
القيادتين قد دفع قيادة حماس في "الخارج"!! إلى التشديد لفرض سيطرتها على زعامة
"الداخل"!! .
وهنا يمكن الحديث عن أن
السيطرة السياسية المتزايدة للسلطة الفلسطينية والخلاف في الآراء بين القيادة
"الداخلية والخارجية"!! لحركة حماس كان لا بد منها من أجل تعزيز الجهود التي
تبذلها القيادة "الخارجية"!! من أجل تعزيز تأثيرها داخل الحركة عن طريق التصعيد
في الجهود العسكرية ، ومن خلال دق إسفين بين الجناح العسكري الذي يقع تحت سيطرتها
وبين القيادة السياسية .
ولكن الضغوط الكبيرة التي
مارسنها (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية على حماس وخاصة على الجهاز العسكري لها
أضعف سيطرة "الخارج"!! على الزعامات "المحلية" ، ولهذه الأسباب فإن محاولات
قيادات "الخارج"!! وضع برنامج عمل متصلب ربما يؤثر سلبا على الوحدة التنظيمية
لحركة حماس وبذلك تعريض التعايش للخطر بين كلا التيارين ، وفي مثل هذا الوضع ربما
تؤدي مثل هذه التطورات إلى التأثير على قدرة حماس في تبني استراتيجية عمل معقولة
من خلال التكييف في ظروف الواقع السياسي الجديد .
منع التمزق
وفي أساس نجاح حماس لمنع
تمزق تنظيمي والاستفادة من حالة الفوضى الفلسطينية ، كانت هناك ثلاث أسباب
أساسية:
الأولى : سياسة السلطة الفلسطينية التي ولأسباب تكتيكية فضلت الحوار
والتعايش على المواجهة العسكرية مع حماس.
ثانيا
: حقيقة أن (إسرائيل) تراجعت عن طلب السلطة الفلسطينية بتفكيك حركة حماس ،
وكانت مستعدة بالاكتفاء باتخاذ خطوات وقائية وهي التي اتخذتها السلطة ضد الإرهاب
الإسلامي .
ثالثا
: الطابع الزمني لاتفاق (اوسلو) الذي منع من نقاش مسائل مستقبلية مثل
المستوطنات خارج حدود "67" والقدس والوضع السياسي الدائم للسلطة الفلسطينية ورسم
خطوط الأراضي الفلسطينية, وإضافة لذلك ساعد الالتزام المتكرر لعرفات بإنشاء دولة
فلسطينية مستقلة وعاصمتها شرقي القدس في جسر قليلا على الفجوة بين حماس والسلطة
الفلسطينية حول الأهداف النهائية لمسير السلام .
إن الضعف الداخلي لحركة حماس
وتصورات السلطة الفلسطينية و(إسرائيل) لمسيرة (اوسلو) هي التي دفعت قيادة حماس
سواء في "الداخل" أو في "الخارج"!! إلى تبني سياسات التكييف مع الواقع الجديد بدل
أي خيار آخر .
وإن استراتيجية المواجهة
الشاملة بين زعامة "الخارج"!! بهدف تقويض مسيرة (أسلو) ، ربما كان سينتج عنها
ثمنا كبيرا .
وعلى المدى القصير فإن العنف
غير المسيطر عليه ضد (إسرائيل) والسلطة الفلسطينية سيؤدي إلى تدمير مسيرة (اوسلو)
.
الحصار
وسيطرة حماس
ولكن انهيار المسيرة كان
نهايتها سيؤدي إلى ردود فعل موجعة من جانب (إسرائيل) ، وهو على الأغلب تشديد
إضافي للطوق على مناطق الحكم الذاتي ونحو السلطة الفلسطينية الأمر الذي سيعزز
سيطرة حماس الجماهيرية وأيضا التحفظات من جانب القيادة "الداخلية"!! الغير عسكرية
، ومن المواجهة المباشرة .
وإن سياسة المواجهة الشاملة
من جانب قيادة "الخارج"!! لحركة حماس ربما كانت ستؤدي للعمل العسكري والمساهمة في
تعزيز قوة السلطة الفلسطينية على حساب زعامة حماس في "الداخل"!!.
وهذا المنطق تمشى بدل الخيار
الذي وقف أمام زعماء " الداخل "!! بالاندماج بصورة أكبر بأجهزة السلطة ، أما فيما
يتعلق بالقيادة "الداخلية"!! فإن التعاون مع السلطة الفلسطينية وبالتجاهل لرأي
القيادة "الخارجية"!! فإنه سيمنح المصلحة الشخصية للزعامة " الداخلية "!! لكن هذا
الأمر واجه معارضة واسعة من داخل رجال الحركة وهذا ما يعرض للخطر التأييد الشعبي
والشرعي والذي حصلت عليه القيادة "الداخلية"!! ، وإن فقدان القاعدة الشعبية سيجعل
من قيادة "الداخل"!! أداة ولعبة بيد السلطة .
وإن الفراغ الذي نتج في
أعقاب التآكل لمكانة القيادة "الداخلية"!! سيعمل بالتأكيد لصالح حماس في
"الخارج"!! وهذا ما سيمكنها من تعزيز قوتها في أوساط الجماهير على حساب القيادة
"الداخلية"!! ، وهنا من الممكن القول أنه طالما يوجد عدم وضوح في العلاقات بين
حماس " "الداخل " و حماس " الخارج "!! ، سيعزز من وجود عناصر خارجية مثلما هو
عليه عدم الوضوح والضبابية حول الحل النهائي ، وإن سياسة التسامح من قبل السلطة
الفلسطينية في علاقاتها اتجاه حماس سيعزز من دور حماس في "الداخل والخارج"!! على
حد سواء من تبني استراتيجية عملية للتكيف والتأقلم مع الواقع .
استراتيجية
التأقلم
وإلى جانب العوامل الدافعة
كانت هناك أيضا عوامل جذب شجعت حماس إلى تبني استراتيجية التأقلم والاعتدال على
أي بديل آخر ، وإن استراتيجية العمل التي تعمل من خلال العنف الموجه والتعايش في
ظل المفاوضات والاشتراك المشروط لم يمنع حركة حماس من مواصلة تعزيز تصورها
الايدولوجيا الرسمي والذي يدعو إلى إقامة الدولة الإسلامية على جميع الأراضي
الانتدابية ، وهذه الاستراتيجية مكنت حماس من إقامة نوع من المزج وتأمين وجودها
في مجالات واسعة في العمل الجماهيري من خلال جمعيات الرفاه الاجتماعي والخدمات
الاجتماعية وهي في مقابل السلطة الفلسطينية .
إن سياسة التأقلم قد مكنت
حماس النظر إلى علاقاتها مع السلطة بحالة مليئة بالتوترات والمتناقضات حيث من
الأفضل معالجته بواسطة التسويات المؤسساتية بآلية نموذجية تؤدي إلى تخفيف العداء
، ومن هذا المنطلق امتنعت حماس عن تبني مذهب سياسي واضح نحو علاقتها مع منظمة
التحرير ومن بعدها السلطة الفلسطينية وفضلت نوعا من التسويات الآنية والحلول
الوسط لظروف الساعة.
ولإدراك العلاقات مع السلطة
المستندة على التسويات المؤقتة يوجد نظرتان فمن جانب عبرت الأولى عن التقديرات
التي انتعشت داخل حماس وهي المندمجة في الصراع الذي لم ينتهي وأن مغزاه هو عدم
قبول التسوية السياسية القائمة والذي تمثله السلطة الفلسطينية كحل يؤدي إلى
التسوية الدائمة مع (إسرائيل) ، ومن جانب آخر : فإن تصور منظومة العلاقات مع
السلطة يستند على التسوية المؤقتة مما ساعد المجموعات والتيارات داخل حماس
للتسليم مع الوضع القائم للمدى القصير حتى يحكم الله ويحقق أهدافهم النهائية .
وإن الفهم الذي تعود له
التسوية السياسية التي نتجت عن اتفاق اوسلو ليس إلا شيئا مؤقتا مما حمل في طياته
احتمال التغيير وإمكانية تطبيق التسوية السياسية على أراض الحكم الذاتي الفلسطيني
، مما دفع مجموعات داخل حماس والتي رأت بوجودهم السياسي في ظل السلطة الفلسطينية
مسألة مؤقتة, دفعهم إلى تأجيل المواجهة لموعد غير محدود في المسائل الايدولوجية
مع السلطة الفلسطينية وإن مثل هذه العلاقات التي سيطرت بين حماس وبين السلطة هي
عبارة عن إثبات للحذر المطلوب في العلاقة للقواعد العامة... حيث لا يعترف هؤلاء
بالحلول الوسط وأنهم ماضون في أفكارهم المستحيلة (32) .
مقارنة مع
الحركات الإسلامية
وبالمقارنة إلى بقية الحركات
الإسلامية في الدول العربية فإن حماس تعمل في وسط سياسي يفتقد الاستقلالية التي
تميز السلطة ذات الحكم الذاتي المحدود وحضور وتدخل (إسرائيلي) بارز .
ومن الممكن الادعاء أن
التغييرات البعيدة المدى في الواقع الذي تم الحديث عنه سابقا تضع علامة سؤال
للمكاسب والفائدة من مواصلة سياسة التأقلم والتكيف لحركة حماس، وترجيحها على
استراتيجيات عملية أخرى .
وإن التقدم السريع في
المحادثات بين (إسرائيل) والفلسطينيين نحو التسوية الدائمة مصحوبة بالإنجازات
للسيطرة على مزيد من الأرض والمؤسسات والاقتصاد للجانب الفلسطيني سيعزز من الآمال
للسلطة من توسيع قاعدة التأييد لها في التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة
الغربية وقطاع غزة.
وفي مثل هذا السيناريو فإنه
بالإمكان توقع ضعف قدرة حماس بالاستناد على تسويات نموذجية لمواصلة التعايش مع
السلطة الفلسطينية إضافة إلى اضمحلال القدرة على القيام بنشاطات اجتماعية في
الأوساط الجماهيرية ومن خلال اشتداد الخلاف في الآراء الداخلية والخارجية مع
السلطة الفلسطينية وإن مثل هذه التطورات ربما تؤدي إلى المواجهة المباشرة بين
حماس والسلطة الفلسطينية أو إلى شرخ داخل حماس سواء أكان في مناطق الحكم الذاتي
أو داخل القيادة " الداخلية " أو " الخارجية "!! ومن الممكن أيضا أن يؤدي تحقيق
كلا الاحتمالين.
ومن جانب آخر وفي حالة
الجمود للمسيرة السلمية (الإسرائيلية) السلمية سيعزز من خيبة الأمل في الرأي
العام الفلسطيني وحينها من الممكن أن تضطر السلطة الوطنية من الاتحاد مع حماس
وبقية حركات المعارضة المتطرفة .
حماس حركة
إصلاحية
ومع ذلك وعلى ضوء التركية
السياسية الفلسطينية فإنه بالا مكان الادعاء أن التقدم المسرع للحل الدائم لن
يدفع الحركة بالضرورة إلى الإنجرار نحو المواجهة مع السلطة الفلسطينية ، فحماس هي
عبارة عن حركة إصلاحية أكثر منها ثورية : سياسية أكثر منها عسكرية وجماهيرية أكثر
منها عالمية .
وتعتبر حماس حركة يقظة إلى
الربح والخسارة واحتوائها بحذر وبرأي راجح من خلال الاهتمام الأول بالحفاظ على
إنجازاتها في مجال العمل الجماهيري ، فهي مهتمة بالحفاظ على الوحدة الوطنية
الفلسطينية – وخاصة على ضوء المسيرة الدبلوماسية المتقلبة بين السلطة الفلسطينية
و(إسرائيل) .
وهنا يمكن القول إنه حتى في
ظروف ألازمة في العلاقة بين السلطة وحماس فإن كلا الطرفين سيكون من الصعب عليهم
تجاهل القواعد العامة الانجرار إلى المواجهة الشاملة وستكون الخشية من الانجراف
في العلاقات بينهم إلى نقطة لا يمكن الرجوع منها .
وهناك جهات بناءة تكوينية
وثقافية تساهم في مواصلة التعايش بين حماس والسلطة الفلسطينية ، وخلافا للأنظمة
العربية الثورية مثل سوريا العراق الجزائر ، فقد هيأت السلطة الفلسطينية لها رؤيا
أكثر تقليدية وأكثر تسامحية اتجاه المبادئ الإسلامية .
وليس مثلما هو عليه في سوريا
والعراق حيث الأقلية الدينية تسيطر على السلطة مثل العلويين في سوريا والعرب
السنة في العراق – ويشكل السنة الأغلبية الحاسمة في المجتمع الفلسطيني، وتبين من
ذلك خلافا للسياسات التي تتبناها سوريا والعراق بملاحقة وعزل المعارضة الإسلامية
وفي الحقيقة فان الحوار وسياسة التعايش والتعاون بين المتنافسين ميزت السلطة
الفلسطينية في علاقتها مع حركات المعارضة العاملة تحت إطار سيطرتها، وبمعنى آخر
فإن سياسة السلطة الفلسطينية في علاقتها مع المعارضة الإسلامية يشبه إلى حد كبير
التعامل والتعايش الذي تنتهجه الأردن اتجاه المعارضة الإسلامية ، ويشير تاريخ
الأحداث بين حماس ومنظمة التحرير وأيضا من السلطة الفلسطينية يشير إلى أن
المتنافسين الأعداء يستطيعون إيجاد سبل للتعايش والمواصلة حتى ولو تراكمت بينهم
النزاعات .
حماس
و(إسرائيل) : حوار بواسطة رسول
إن منظومة العلاقات للتعايش
المتواصل بين حماس والسلطة الفلسطينية إضافة إلى التقدم ذات المغزى في المفاوضات
للسلام بين (إسرائيل) والفلسطينيون قد مكن من تعزيز التوجهات داخل حماس للحوار
السياسي مع (إسرائيل) والتعايش المنظور إليه على أنه من ضرورات الساعة .
ومن الضروري معرفة أن حماس
كانت بعيدة عن التمسك الذي لا يقبل التنازل للأهداف القصوى مثل " الكل أو لا شيء
" وعلى الرغم من أن حماس اعتبرت في نظر الأوساط (الإسرائيلية) وغيرها عبر العالم
على أنها حركة مقاتلة غامضة ومتطرفة ولا تعرف لغة المفاوضات والحلول الوسط ، ولكن
وعلى أرض الواقع أثبتت وعيا متزايدا للظروف السياسية المتغيرة واستعداداها لدارسة
أعمالها بخطوات ذات فائدة, واكتشفت حماس على أنها تنظيم يختلف في تصوره عن ما عرف
عنه : فهو ليس التنظيم الذي يسعى إلى مصالحة الأصولية المشبعة بالتصورات المتعنتة
والعقيدة المتصلبة .
ولو أن حماس اتخذت هذا النهج
المتصلب والغير واقعي ، لعزز هذا الأمر الخطر نحو انعزال الحركة عن الساحة
الفلسطينية والعربية والدولية وقلص من تأثيرها في أوساط الجماهير المحلية .
ومن خلال دراسة دقيقة لطبيعة
سلوك وأسلوب فكر حماس يظهر أن انخراط حماس في النشاطات السياسية تتغذى من
الاعتقاد بإمكانية وجود حل – ليس مؤقتا – بطرق السلام .
وإن هذه المصلحة من قبل حركة
حماس لأن تكون حاضرة من خلال النشاطات السياسية هو ما يوضح كيفية استثمار الحركة
بشكل كبير للتصور السياسي والنشاط التنظيمي من أجل تحسين الاعتبارات المتناقضة ،
وجسر الهوة بين المتطلبات المتنافسة والاحتياجات المتناقضة ، وإن خشية حماس لتبني
استراتيجية واضحة ربما تؤدي إلى المواجهة المباشرة والانحدار نحو النقطة التي ليس
منها عودة ، الحاجة التنظيمية للحركة يلزمها تبني سياسات توازن بين المصالح
الوطنية والمحلية والضرورة لجسر الهوة بين الالتزامات الايدولوجية المتعارضة ، كل
ذلك يفتح الإمكانية أمام مواصلة المفاوضات بين (إسرائيل) والفلسطينيين ومواصلة
التعايش بين حماس والسلطة الفلسطينية وهذا ما يشجع الحركة في سعيها إلى التفاهم
السياسي ولو أنه بصورة غير مباشرة مع (إسرائيل) ، إن قدرة حركة حماس على تسويغ
مثل هذه الخطوة في أعين الأصوليين وحصولها على تأييد رجال القاعدة في الحركة
ستكون متعلقة بصورة كبيرة بقدرة القيادة في تبني استراتيجية من عدم الوضوح
السياسي.
وهذه الاستراتيجية مكنت
حماس الاستعانة بخدمات طرف ثالث – السلطة الفلسطينية أو الأردن – لإجراء مفاوضات
جوهرها اختيار الطرق من أجل الوصول إلى تفاهم للهدوء والتعايش المعقول مع
(إسرائيل) .
استراتيجية
عدم الوضوح
إن استراتيجية عدم الوضوح
السياسي كوسيلة لمجابهة المسائل التي لا يمكن حلها ، متعلقة بمشاكل معروفة ، ففي
بعض الأحيان تظهر الأطراف الانطباع بأنه لا يعرفون بالضبط أين يقفون, فليس واضحا
من هم أو ما ينوي منافسيهم القيام به ، فلا حدود ولا توجهات واضحة للسلوك الذي من
الممكن وضعه على أنه شرعي أو معقولة أو مقبولة على الرأي العام .
وفي النهاية فن عدم الوضوح
تثير توترا نابعا عن عدم المعرفة تجاه حدودك أو حدود منافسيك (33) وعلاوة على كل
ذلك فان العنف المتواصل بين (إسرائيل) والفلسطينيين يعزز بشكل مضاعف المشاكل
الاستراتيجية ذات المغزى والسلوك المتناقض ، " إذا كانت الحدود مشوهة وتمر بين
أناس متعادين فإنها تعزز من إمكانية سفك الدماء (34) .
ليس لحماس ضمانا بتبني
استراتيجيات غير واضحة من خلال الاستناد على خدمات طرف ثالث لمنع مثل هذه المشاكل
، فحماس لا يمكن أن تستبعد من حسابها أنها ستضطر لدفع الثمن الباهظ من أجل
التعاون من جانب السلطة الفلسطينية أو الأردن ، وفي مقابل خدمات الطرف الثالث
ربما يؤدي إلى تحديد حرية العمل للحركة في حالة إن تقوم الحركة بأعمال ضد رغبة
الطرف الثالث : حيث يرفض هذا الطرف التعاون ، ولا تستطيع أيضا حماس أن تستبعد
إمكانية قيام السلطة الفلسطينية والأردن بإجراء محادثات مع (إسرائيل) دون علمها ،
من أجل التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى استبعاد حماس عن الساحة السياسية أو تعريضها
للضربة القاسمة ، إذا ما توصلوا إلى استنتاج أنه من ناحية التأثير الاجتماعي
والتأثير السياسي قد تعزز للحركة أكثر من اللازم.
ومن وجهة نظر حماس فإن
التفاهم السياسي الهادئ مع (إسرائيل) التي يتم التوصل إليها عن طريق الطرف الثالث
، بقيت كخيار لأخف الضررين بالمقارنة لأي خيار آخر ، وإن الاتصالات من خلال طرف
ثالث ستقلل من قوة الصدمة التي ستتسبب بمؤيدي الحركة إذا ما دخلت في حوار علني مع
(إسرائيل) ،وإن العمل ببطء وتمهل يؤمن التأثير والسيطرة الفعالة على التطورات
المستقبلية ، وهكذا تتمكن حركة حماس من اتخاذ خطوات ووسائل حذرة والتخطيط بحرص
لردود فعلها في حالة تطورات سلبية وغير متوقعة من وجهة نظرها .
وفي عالم النكبات من منطقة
الشرق الأوسط فإن استراتيجية عدم الوضوح السياسي والاستعانة بطرف ثالث بهدف
التوصل إلى تسويات تؤدي إلى التعايش المعقول بين حماس وبين (إسرائيل) ,يتبين من
النظرة الأولى على أنها مفصولة من الواقع.
ومع ذلك وعندما تلاحظ التحرك
الدرامي والمفاجئ في العلاقة بين (إسرائيل) ومصر في سنوات السبعينات (70) حول ما
يتعلق بالنزاع (الإسرائيلي) الفلسطيني في بداية سنوات التسعين فليس لنا مفر من
الاستنتاج أنه في بعض الأحيان يخل لنا أن الأمر غير مقبول على الرأي العام والغير
ممكن قد أصبح لا يمكن منعه وعمليا فقد أصبح من ضرورات الساعة.
28.المجمع الكويت 31 أكتوبر
1995 ص33-32.
29.راديو مونتيكارلو (باريس
) 20 نوفمبر 1994 .
30.صوت فلسطين (أريحا ) 10
أكتوبر 1995
31.مكرر 12 أكتوبر 1995
32.T.E. Lawrence Seven Pillars of Wisdom :A
Triumph (New York:Garden City Puplishing 1938),p,38
33.Iran Sharkansky ,"The Potential of
Ambiguity : The case of Jerusalem ",in Efraim Karsh (ed),From Rabin to
Netanyahu (London : Frank Cass ,1997 ),p.91.
34.مكرر