الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

عصر حماس

 

الحلقة الثانية

 

نظرة متساوية :

 

لا تعتبر حماس حركة شاذة بالمقارنة مع التشكيلات السياسية و الحركات الاجتماعية ، العلمانية و الدينية على حدّ سواء في كلّ من العالم العربي و خارجه بكلّ ما يتعلّق بوفرة و فائض التناقضات و التعارضات التي تظهر في تسلسل ترجمة المبادئ الأساسية و الأهداف النهائية للقرارات العملية و الأهداف الفعالة .

و هناك أحزاب و حركات سياسية تميل إلى إظهار التشبث بالتطرّف للتصوّر العام من خلال موقعهم كمعارضة ، و لكن و على أرض الواقع فإن هذه الحركات تتراجع و ترتدع عندما تكون مثل هذه الأحزاب في السلطة من خلال إدراك المسؤولية السلطوية الجاثمة عليها إضافة إلى القيود الاقتصادية و القانونية و حتى الدولية ، هذا إضافة إلى حركات و أحزاب معارضة في الساحة السياسية غير الديمقراطية و التي تجد طرقاً لإقامة علاقات من أجل التعايش مع الحكم و ذلك عن طريق الامتناع عن المواجهة الميدانية التي قد تؤدّي إلى الانزلاق نحو الحرب الأهلية .

هذه الأهداف و الاتجاهات التي تهدف إلى تطوير القدرة على الحياة ضمن التعارضات و التناقضات على طول الوقت و الزمن تتميّز بها الجماعات صاحبة المصالح المحددة و المدركة للثمن الذي من المحتمل أن يطلب منها إلى حدّ ما و هي تتبنى و تشجّع طرق العمل التي تؤدّي إلى الانزلاق في المواجهة على العلاقات المبنية أساساً على التعايش الحساس و الضعيف .

و من خلال نظرة جانبية فمن المحتمل أن يكون الصدع الأيديولوجي و التوتر الفكري بين التيار الوطني و التيار الإسلامي في المجتمع الفلسطيني الظهور كعنصر أولي في الاتجاه نحو الاعتراف بالعلاقات و إملاء السلوكيات .

في حين أن نظرة معمقة في الأمر ستكشف عن أن العلاقات العائلية و الشخصية و السلوكيات سواء أكانت عامة شخصية أو جماعية إلى حدّ ما فهي سلوكيات و تقاليد متجذّرة و متأصلة و هي تشغل مكانة لا تقلّ أهمية .

و في جنوب شرق آسيا حيث المجتمعات القبلية ينشط فيها مثل هذا النمط في الحياة ، و يشير علماء الاجتماع إلى أن مبشرين بيضاً عملوا بنجاح داخل قبائل وثنية , و في أكثر من حالة فقد قتل المسيحيون الجدد المبشرين أثناء الصلاة لأنهم تعدّوا على التقاليد و أخلّوا بقواعد التصرفات و السلوكيات المحلية ، و في الحقيقة فقد أصبح هؤلاء المسيحيّون مؤمنون و لكن إيمانهم الجديد قد مزجوه بتقاليد قديمة معروفة (7) . و يتبيّن أن هناك مفاهيم و تصوّرات متناقضة و أفضليات و مصالح تنافسية تدلّ على أنها تهديد على النظام الاجتماعي و النسيج التنظيمي خاصة في أعين المراقبين من الخارج و ليس في أعين أعضاء الجماعة المشتركين فيها .  

إن الميل إلى بحث و دراسة معمّقة غير مهم لذلك يجب التركيز على البحث عن الحقائق و شهادات عن وجود تناقضات و التحرّي عن  التعابير و الأقوال المعقدة و رفض تشعّبها و محاولة التحرّي عن استراتيجيات و سلوكيات و طرق عمل تؤدّي إلى التفاصيل للتنظيمات و الحركات و التعايش مع التناقضات الداخلية طوال الوقت دون أن تكون عن طريقها ، لأن وجود حدود واضحة بين التنظيمات و الجماعات تؤدّي إلى وجود أجواء و واقع موضوعي ، و أن تبلور مثل هذه الحدود داخل هذه الجماعات هو عبارة عن المسير نحو الواقعية للمفاوضات , المصاحب للصراع الاجتماعي و السياسي على الحدود الشخصية و الشعارات المركزية .

و حسب هذا المنهاج فإن التعارضات غير الرصينة و التناقضات غير المحلولة خاصة في الأنظمة و الهيئات السياسية التي تسير نحو التبلور الوطني للتغيير الاجتماعي السريع , هي ظاهرة يجب الاستفادة و العيش معها من خلال البحث عن طرق التفافية أخرى تتجاوز المواجهة و خلف عوامل تزيل التوتر و آلية للحلّ بين القطبين ، و من خلال اطلاع و دراسة قصيرة لمقارنة الأحداث داخل الحركات الدينية المحسوبة على التيار الإسلامي السياسي في الدول العربية المجاورة , يكشف إلى أي مدى تبتعد هذه الحركات عن أن ينسب إليها حلمها النهائي و هو ميولها إلى التطرّف الديني مع الواقعية السياسية .

 

الإسلام دين سياسي :

 

إن الإسلام هو عبارة عن دين سياسي لا يفرق بين الدين و الدولة علاوة على كونه نظام إيمانيّ و أوامر دينية ، و هذا النظام الإسلامي يشكّل جهازاً قانونياً يحدّد قواعد أساسية لسلوكيات الفرد و الجماعة المؤمنة و تعرف عدد و مقياس العلاقات بين المسلمين و بين أنفسهم من جانب و بين غير المسلمين ، و عودة الإسلام في عصرنا الحاضر إلى مركز الإدراك و الوعي الجماهيري يحمل طابعاً سياسياً واضحاً ، و هذا يتمثّل بظهور تنظيمات و حركات و تيار سياسي صاحب رؤيا عالمية إسلامية راديكالية متطرّفة و قد وصف من قبل الغرب بـ "الإسلاميون" و سمي التيار بشكل عام (Islamism) .

و علاوة على اعتبارهن على أنهن حركات إسلامية سياسية ، فإن هناك ادعاءات تقول إن هذه الحركات قد تبنّت القيم و الشعارات الإسلامية كمصدر في تجنيد الجماهير و جمع الأموال و تأمين التأييد الجماهيري و التأثير السياسي ، و لكن حتى لو كانت عملياتهم و أهدافهم المحدودة بمصطلحات إسلامية ، فليس هناك أهمية بأن يكون الدافع الديني هو الذي يملي بالضرورة السلوكيات السياسية ، إضافة إلى منظومة السلوكيات الإسلامية التي توفّر إلى هذه الحركات الإطار التفسيري الذي يمكنها من التكيّف في الواقع السياسي و الاجتماعي المعقّد التي تعمل بداخله ، و تمكّنها أيضاً من إعادة تعريف الأهداف المناسبة لحاجات الزمن و المكان (8) .

إن التنظيمات و الحركات الإسلامية تسعى إلى الحصول على التأييد الجماهيري و التأثير السياسي – حتى لو لم يتم الإمساك بالسلطة – بهدف إدخال القانون الإسلامي (الشريعة) في جميع مجالات الحياة الخاصة و العامة ، و منذ نهاية الثمانينات شكّل الإسلام السياسي ظاهرة اجتماعية سيطرت على الدول العربية و الإسلامية في الشرق الأوسط ، و العبارة و اللفظ الأكثر شيوعاً هو إطلاق تسمية الشيخ الإسلامي في الحياة السياسية و الذي تميّز بالجاذبية القوية داخل طبقات المجتمع .

جزء من الجاذبية و الاعتراف الذي فاز به الإسلام السياسي على الساحة الدولية نابعٌ من الطابع العنيف للجماعات و الأنظمة الإسلامية الحاكمة و أن أيدلوجيتهم (الإرهابية) و طرحهم الثوري المتأجّج أثار الخوف من "المواجه الثقافية" و التهديد على النظام الاجتماعي و القيم الديمقراطية و الليبرالية و الحرية في الغرب .

و لكن احتدام الثورة الشيعيّة في إيران سنة 1979 تم تحديد انتشارها في نهاية الأمر داخل مجموعات شيعية في الخليج العربي و الشيعية أيضاً في لبنان .

أما السودان فقد كانت الدولة الإسلامية السنية الوحيدة الذي وصل بها الإسلام السياسي إلى موقع القوة بالتعاون مع الجيش سنة 1989 ، و لكن البعد الدولي لموجة الإسلام (المتطرّف) تركت بصماتها من خلال العمليات للحركات الإسلامية في الشرق الأوسط و ملفات حرب العصابات ضد الاحتلال السوفيتي في أفغانستان الذين سمّوا أنفسهم "مقاتلي الفريضة- المجاهدين" و أصبحوا "النواة الصلبة" لجماعات إسلامية مسلحة في مصر و لجزائر و ليمن ، و ان عدد من أبطالها نموذجاً يقتدى به بالنسبة للحركات و لمنظمات الإسلامية بما في ذلك الصراع الفلسطيني (9)  

إن الحرب الأهلية التي تدور رحاها في الجزائر بين الحكومة و ين جماعات إسلامية (إرهابية) منذ 1992 و أيضاً الهجوم المسلح للجماعات الإسلامية في مصر ضد مسؤولي الدولة و موظفيها الكبار و أيضاً ضد السياح و الأماكن الدينية القبطية عزّز الخوف من سيطرة الحركات الإسلامية على دول أخرى.

 

مواجهة الصراع الداخلي :

 

و حول إظهار الصراع الداخلي فإن المهمة الحاسمة التي تأخذها هذه الحركات و التنظيمات الإسلامية من خلال مهاجمتهم وجود عناصر غربية في المنطقة مثل الهجوم الذي يشنّه حزب الله الشيعي ضد الوجود (الإسرائيلي) في جنوب لبنان ، و المقاومة المسلحة التي تقودها التنظيمات الإسلامية الفلسطينية ضد (إسرائيل) "حماس و الجهاد الإسلامي" .

إن هذا الانطباع من العنف الذي تبثّه الحركات الإسلامية (المتطرفة) و الحجم المأساوي لعشرات الآلاف من المدنيين الذين يتم قتلهم بيد (متطرّفين) إسلاميين في الجزائر ، ربما يسيء للحركات .

إن التحرّي و البحث حول تطوّر طرق العمل للحركات الإسلامية في العالم العربي منذ نشأتهم في نهاية العشرينات تشير و بشكلٍ واضح على الميل في تبنّي استراتيجية العمل غير العنيف ، و التركيز في مجالات التربية و تقديم الخدمات الاجتماعية بهدف النهوض بالمجتمع و العودة به إلى طريق الإسلام لتطبيق قوانين الإسلام (الشريعة) كلما قويت مكانتها و تأثيرها داخل المجتمع الواسع و هكذا فقد تبنّوا استراتيجية العمل السياسي في الدول ذات الحكم غير الإسلامي .

و هذه الاستراتيجية تشمل إنشاء هيئات و مؤسسات سياسية إضافة إلى الاشتراك و السيطرة من الداخل على الهيئات و المؤسسات العامة التطوعية ، و الاشتراك في الانتخابات من منطلق إسلامي – و الاشتراك في انتخابات ضمن قوائم مشتركة مع أحزاب غير إسلامية .

إن قدرة الحركات الإسلامية على تبنّي استراتيجية عمل من هذا النوع متعلّقة بمدى و مقدار كفاءتها في تجنيد التأويل الديني من أجل تسويغ و تبرير العمل السياسي داخل الأنظمة إلى جانب هيئات غير إسلامية ، و كلما كانت الحركات الإسلامية مستفيدة من الزعامات التي تتمتع بالجاذبية و المحبوبية فإنها تسيطر أكثر فأكثر على الجماهير ، و أيضاً فقد توسّعت قدرتهم على تسويغ النشاطات السياسية غير الملزمة بالتقاليد الدينية .

 

بداية الخدمات الجماهيرية :

 

و مع هذا فإن التقدّم في النشاطات السياسية و تقديم الخدمات الجماهيرية كانت لها إشارات و علامات واضحة من قبل الحركة الإسلامية في نهاية سنوات العشرين و كانت الظاهرة المسيطرة من خلال عملهم في الثمانينات و التسعينات هو الميل نحو الاشتراك في العمل و النشاط السياسي في دولهم على الرغم من الطابع غير الإسلامي لأنظمتهم , و هذا التصوّر بقي ماثلاً في مكانه على الرغم من القيود التي وضعتها الأنظمة على حرية التنظيمات و اشتراك الحركات الإسلامية في النظام السياسي للحصول على إنجازات سياسية مثلما حصل لحركة (النهضة) في تونس و "الإخوان المسلمين" في مصر و الأردن و "جبهة الإنقاذ الوطني" في الجزائر (10) .

و على الرغم من الانتشار الواسع للإسلام السياسي منذ سنوات السبعين فقد بقيَ العنف المكوّن الهامشي في العمل الشامل مقابل النشاط البارز للحركات الإسلامية في مجال الرفاه و الوعظ و التربية و مع نهاية الثمانين أيضاً تم الاشتراك في المسار السياسي .

إن الاضطهاد المتواصل للحريات السياسية في معظم الدول العربية أعطى التفوّق و ميزة للخيار الإسلامي و سمح لها بالبقاء سياسياً و هي الوحيدة من لها الأمل في النجاة و البقاء ، و منذ بداية الثمانينات كانت الحركات الإسلامية هي القوة الرئيسية في الطلب لتغيير السلطة و إلى ديمقراطية النظام السياسي , و الميل المتصاعد للحركات الإسلامية نحو الاشتراك في اللعبة السياسية و تقبل فكرة التعدّدية السياسية – و ليس بصورة تكتيكية – التي عبّرت عن الشفافية في الفرص الجديدة نحو الاشتراك السياسي الذي نشأ مع بدء تاريخ الانفتاح الديمقراطي الذي بادرت به بعض الأنظمة الديمقراطية العربية مثل (مصر ، السودان ، الأردن ، اليمن ، و الجزائر) و منذ نهاية السبعينات و نتيجة التأييد الجارف و الضغوط الداخلية و من خلال الضرورة لتوسيع قاعدة الشرعية لها , فإن الاستعداد للتعايش مع قواعد اللعبة التي رسمها النظام أمام الحركات الإسلامية لم تزل جميع التوترات بينهم ، و لكن خلقت أجواء للتعايش المعقول .

و في لعبة القوى هذه لم يتقبّل أيّ جانب الجانب الآخر ، فالحركات الإسلامية ترفض التنازل بصورة علنية عن أهدافها النهائية و الاعتدال في مواقفها الأساسية أو الاعتراف بالتبادلية لكلّ ما يتعلّق في شروط التعايش مع النظام العلماني ، و مع ذلك فقد أظهروا بصورة عامة التردّد في السعي نحو تطبيق كامل لأهدافهم النهائية .

إن واقع و حقيقة استعداد الحركات الإسلامية لملء جزء من النظام و الهيئة السياسية ضمن ظروف ديمقراطية جزئية ، من حيث المراقبة الشديدة و قيود من جانب السلطات يجسّد ثقتهم المبدأية و أملهم بالتوصّل إلى التأثير و التقدّم في أهدافهم بواسطة العمل في نطاق "قواعد اللعبة" السياسية القائمة .

 

سياسة حماس :

 

و في هذا الأمر فإن حماس مثلها مثل الحركات الإسلامية الأخرى في العالم العربي لم يكونوا ضحية التصوّر القائل "الكل أو لا شيء" حول ما يتعلّق بعلاقتها مع أعدائها الأيديولوجيين و معارضيهم السياسيين ، فهم حذِرون من أن ينظروا إلى الواقع الاجتماعي و السياسي و كأنه مشتقّ من أنظمة العلاقات المتميزة بـ (التطرّف) , و في الظروف الاجتماعية و السياسية التي تعمل من خلالها حماس و حركات إسلامية أخرى فإن الثمن المتعلّق بأي محاولة لإزاحة الجانب المعادي من الساحة السياسية يصبح غير محتمل من ناحيتها .

ضمن هذا المزج في العلاقات فإن رأيها القويّ أكسب الحركة الإسلامية في الدول العربية مكانة , و رأيها هذا أصبح حاسماً في النزاع المتواصل مع الأنظمة القائمة ، و هنا يوجد توضيحٌ حول ميل الحركات الإسلامية للتمركز من أجل تقوية مكانتها و تأمين قدرة المناورة و المساومة أمام أعدائها ، و ذلك من خلال مزج المبادئ الشرعية مع اعتبارات عملية و نماذج دينية مع التزامات اجتماعية و احتياجات اجتماعية تفسح المجال أمام التوصّل إلى وجود حلّ داخلي من الممكن العيش معه مع مرور الزمن .

مع ذلك فإن الحركات الإسلامية السياسية تضع نقطة (تهتمّ - المترجم) على الأمور التربوية من أجل إرجاع سلطة و مرجعية العائلة و الروح الأبوية و تنظيم العلاقات و السلوكيات ، و الآداب الاجتماعية و إعادة تشكيل المجتمع السياسي حسب النموذج الديني ، و في نفس الوقت فإن هذه الحركات تقوم ببعض الأعمال المقلقلة و غير المقدسة و الخطيرة (11) .

و يتبيّن أن الحركات الإسلامية خاصة السنيّة لا تسعى في سعيها إلى السلطة و هي تفضّل البقاء من خلف الكواليس و ذلك من أجل الإشراف على تكييف القيم و ثوابت المجتمع من القانون الإسلامي (الشريعة) و حسب هذا التصوّر فالدولة المقترحة ستكون الهيكل الذي سيكون بداخله العلماء الذين سيكونون فيه المفسّرين و الشارحين للقانون من منطلق المبادئ للاتفاق العام (الإجماع) و التشاور (الشورى) .

و حسب رأيي فإن أي تفسير مؤسساتي آخر ربما يؤدّي إلى انحراف عن القانون الديني و أن يتسبّب لمؤمنيه (المؤمنون به) أن يكونوا ضحية التأثيرات الخارجية (12) .

و على ما يبدو فإنه بهذا الطرح  يكون العلماء هم مصدر المرجع السياسي و تطبيق القانون الإسلامي هو شرط مقابل مساندهم للسلطة .

و في الواقع فإن تصرّف الحركات الإسلامية السياسية التي وصفها أحد الباحثين "بالإسلام المتطرّف و الحديث" (13) مثل الحركات الثورية الحديثة الواضحة و الذين تبنّوا الأيديولوجية الإسلامية ، و تقيم هذه الحركات في بعض الأحيان شكلاً تنظيمياً مثل التجنيد و العمل الشعبي المركّز و زعامات ذات تأثير على حساب منظمات و مؤسسات هادفة , و هي شبيهة بحركات علمانية – وطنية ، اجتماعية أو شيوعية سيطرت على برنامج العالم العربي حتى بداية السبعينات (14) .

إن الضعف الهيكلي للمؤسسات التدرجية داخل الحركة الإسلامية أو غيابهن و الطابع غير المركزي للمرجعية الشرعية لم يساعد الحركات الإسلامية في الكشف عن التوحّد التنظيمي .

إن القانون الديني (الشريعة) غير قائم على شكل نظام داخلي واضح و مفصّل لكنه مستند إلى القرآن و عن سيرة النبي (السنة) و عن الحديث الشفوي الذي يتّسع لتفسيرات مختلفة في مجال الفرد إلى مجال الجماعة ، و من أمر إلى أمر ، لذلك فإن التمسك بالقانون الديني لا تشجّع فقط الرقابة من جانب الإسلام السياسي على صفوة الحكم ، لكنها من المحتمل أن تخلق الكثير من مرجعيات شرعية و التي ربما يكون ماهية و طابع تفسيرهن متأثراً بالميل و التوجّه السياسي .

لذلك حتى و لو تمّ الاتفاق على أن يكون تفسير القانون الديني ضمن مجال السيطرة المطلقة لعلماء الشريعة ، فما زال هناك خلافٌ بارز حول مكانة القانون لما يتعلّق بالمواضيع التي لها علاقة بالقانون الفرديّ و التي تتعلق بحياة الجماعة ، و طالما أن القانون الشخصي متناقض مع القوانين المتعلّقة بأوامر الدين و نماذج السلوكيات للفرد ، فهناك حرية محدودة للتفسيرات بالنسبة لرجال الدين ، فالقانون العام الذي يشكّل عدداً غير نهائيّ لحالات و أمور تتعلّق بالجماعة بشكلٍ كاملٍ مثل العلاقات الخارجية للحرب و السلام و العلاقة مع الأجانب ، التربية ، الاقتصاد و ما شابه ذلك – و القانون الديني يعطي أحياناً قانوناً واضحاً ، و هذه الظروف مكّنت كلّ المعنيين في حرية التفسير و الشرح الواسع المستند بصورة عامة على سوابق تاريخية من فترة الازدهار الإسلامي .

 

القدرة على التكيّف :

 

و في الحقيقة فإن الساحة العامة تعتبر الفضاء الذي يوجد للإسلام السياسي فيه القدرة على التفسير الواسع و التي من الممكن تشكيلها و تكييفها لما يتوافق مع حاجات و مصالح الجماعة المعنية في الأمر من حيث الزمان و المكان و الوعظ و بثّ الدعاية لها من خلال السباق الديني و إدخالها في حيّز التنفيذ الشرعي و القانوني الملزم قدر الإمكان ، فعلى سبيل المثال فقد دعا حجّة الدعوة العالم الباكستاني "أبو الأعلى المودودي" إلى معارضة استقلالية و مرجعية الدول العصرية المؤمنة بالحداثة عندما صك مصطلح "الحاكمية لله" مع أن من الواضح أنه فقط يحقّ لعلماء الشريعة تفسير القانون الديني , و أن الحق في السيطرة على وجه البسيطة أعطيت لجماعة المؤمنين (الأمة) ، فكلّ مؤمن هو خليفة الله من حيث مكانته كفرد (15) و هذا الطرح لما يسمى بالخلفاء الشعبيين ربما يتم تفسيرها من قبل جماعة المؤمنين على أنها تحدّي و عقبة فوضوية لمرجعية الدولة .

إن فضاء التفسير الديني في موضوع المجتمع و الدولة و الذي يشجّع تنامي الحركات الإسلامية السنية ذات الطابع الشعبي المتعلّق أولاً و قبل أيّ شيء إلى واقع التيار الإسلامي بنقصه المرجعية الشرعية العليا منذ إلغاء الخلافة سنة 1924 خاصة في الأمور العامة ، و على ضوء ذلك فقد يزداد ادعاء الناطقين باسم الإسلام "أن على كلّ مسلم صاحب قدرة و أهلية إعطاء رأيه المستند على القانون الإسلامي و من حقّه تفسير القانون الإلهي عندما يكون التفسير ضرورياً و بمفهوم آخر فإن الكيان الإسلامي السياسي هو ديمقراطي" (16) .

إن هذا الادعاء في المساواة و توزيع الصلاحيات للتفسير الديني – و الذي من الممكن اعتباره قبل كلّ شيء كاعتراض على مرجعية القانون العلماني – وجدت تعبيراً واضحاً من خلال ظهور زعماء إسلاميين لم يمتلكوا شهادات أو أكملوا دراساتهم بصورة رسمية و مع ذلك فإنهم يعملون في الوعظ الديني و التفسير الإسلامي الذي يشكّل النظام العام اليومي ، و هذا العمل ينعكس نحو العلاقة السلبية و بأسلوب (تطرّفي) بين التفسيرات هذه و بين المؤسسة الدينية الرسمية التي تعتبر أداة رسمية للسلطة (17) .

و هذا الميل يتبيّن أيضاً في السعي التقليدي للإسلام و لإيجاد توازن في العلاقة بين المجتمع – و الدولة من خلال إيجاد مراكز تأثير اتجاه مؤسسات الدولة بواسطة المؤسسة الدينية التي من المفروض أن تكون مصدر الشرعية السياسية .

و في ما يتعلّق بذلك فإن الظاهرة الخاصة بذلك هي تطوّر العمل الاجتماعي المفصول عن النظام الرسمي خاصة فيما يتعلّق بالرفاه الاجتماعي و الصحة و التربية و التي تعتبر إلى حدّ معين بأنها تتشابه إلى فكرة المجتمع المدني في الغرب (18) .

 

معنى "الإسلام هو الحل" :

 

إن اتساع برنامج الشريعة الإسلامية تعكس شفافية الطموحات بعيدة المدى للحركات الإسلامية السياسية و وضع آثارهم الجماعية في كلّ المجالات و مطالبتهم بالاقتصاد الإسلامي و المجتمع الإسلامي و التربية الإسلامية و القضاء الإسلامي (19) و على هذه الخلفية من الواضح مدى عظم شعار "الإسلام هو الحل" الذي تطالب به الحركات الإسلامية السياسية .

إن الادعاء المقبول والمسلم به هو أن الإسلام هو حضارة أصيلة و جديرة بالتصديق المطلق و القائم في العالم العربي و هو النظام الثقافي و الحضاري الوحيد حيث إن شعاراتها و قيمها تعطي الصلاحية و القوة و الأهمية للعمل الجماعي .

و هذه الحقيقة لم تغبْ من أذهان أصحاب التيارات السياسية العلمانية الذين سيطروا على الشرق الأوسط حتى سنوات الستينات و على رأسهم الوطنيون و الاشتراكيون ، و ليس من العجيب أنهم حرصوا على تبنّي مصطلحات و شعارات إسلامية من أجل التأثير الجذّاب داخل الطبقات الشعبية و التقليدية .

 

الاستراتيجيات المحسّنة :

 

إلى جانب البحث و التحرّي خلف النظرة و السلوكيات و البناء التنظيمي فإن هذا الدراسة تتطلّع إلى تشخيص مدى التفسير و التأويل للشريعة الدينية لدى حركة حماس و مدى قدرتها على تسويغ ميولها و توجّهاتها التكتيكية لهذه الاستراتيجية الملزمة من منطلق المذهب العقائدي ، و يتبيّن أن عدم وجود مرجعية دينية مركزية في الإسلام ، إضافة إلى المرونة الكبيرة القائمة في مجال التأويل في نمط الحياة العام شجّعت على وجود استراتيجيات و سلوكيات محسّنة و التي من الممكن اعتبارها "محافظة فعالة" و هذا يكشف عن حقيقة الوصول إلى تسوية تؤدّي المفاوضات و مراحل المرونة و التكيّف في طريق التبلور ، فكلّ هذا أوجد تعبيراً خصباً و فعالاً يحفّز الاستطلاع من خلال سياسة مبنية على التعاون مع الأنظمة القائمة و تقبل مبدأ التعددية للأفكار السياسية التي تبنّتها الحركة الإسلامية في الدول التي ليس لها شرعية إسلامية .

 

استراتيجيات فعالة :

 

أما بالنسبة لحركة حماس و الحركات الإسلامية الأخرى ، فإن الفائدة و الأفضلية في آلية السياسة المبنية على استراتيجيات "محافظة و فعالة" فإنها واضحة بشكلٍ كاف ، و في الحركات الدينية الراديكالية فإن التأييد يحصل عليه بصورة عامة بانسجام و استنكار علني لكلّ محاولات أو اقتراح البديل للقيم النموذجية للجماهير .

و بحثنا هذا يظهر أن الاستراتيجيات و السلوكيات التي تبنّتها حماس مكّنت زعماءها للتحرّك من موقف غير حقيقي نحو موقف مرن و استقرار أكبر للمساومة المرتبطة بالاعتراف حيث جزء من النموذجية و الاحتياجات لها مشتركة إلى جانب الآخر و إن هذه النماذج و الاحتياجات ربما تستخدم كأساس لصيغة الحل (20) .

إن ميول حركة حماس و الحركات الإسلامية الأخرى تجاه استراتيجيات محسنة و تكتيكية تصالحية على طرح "الكل أو لا شيء" غير استثنائي أو فريد في التاريخ الإسلامي على المستوى السياسي للشرق الأوسط .

و حسب ادعاء "ديل اكلمن ، و جيمس فسيكتوري"  فإن الحدود بين الالتزام و الأفضليات الاجتماعية السياسية و الدينية موجودة في حركة و تعريف جديد و دائم , لذلك فإن القوة السياسية و الشعارات الدينية و المصالح متركزة دائماً داخل العلاقة الاجتماعية و البيئية و الثقافية المعتدلة" (21) . و كما يدّعي الإثنان فإن "البرامج الدينية "هي فقط عنصر واحد للتحرّك نحو العمل الاجتماعي , و ذلك حسب ما يدّعي أصحاب النظرية الإسلامية التقليديون ، ففكرة مثل الزكاة (الصدقة – هي أحد أركان الإسلام) و الجهاد تملأ مكاناً في إعطاء بديهية السلوكيات الاجتماعية السياسية ، مع ذلك فإن توازنات مثل العائلة و العرقية و المكانة , ربما يكونوا على نفس المستوى من الأهمية . و تفرض الشريعة على جميع المؤمنين القادرين الحج الى مكة ، لكن من المعقول أن المؤمنين سيقومون بهذا الفرض من أجل تحسين مكانتهم الاجتماعية ، و إمكانيات تجارية ، أو مثلما هو عليه الحال مثل صدام حسين فالهدف منها هو التأثير السياسي (22) و إن مسيرة تطوّر و تجسيد للحلول القائمة و بين الشريعة و العمل أفكار و حاجات ستضع في نفس المكانة من مراحل العلاقة للحقائق القبلية في الشرق الأوسط ، و عندما يمتحنون الجماعات من أجل تحديد الشيء الذي يقوم به رجال القبائل في الشرق الأوسط من الناحية السياسية يكتشفون أنهم يتحدّثون هذا مع هذا أكثر مما يتقاتلون ... و إن أساس المرجعية هو الإقناع أكثر من ممارسة القوة (للتأكيد من المصدر) (23) .

 

المرونة :

 

إن حاجة حركة حماس للتكيّف مع التغيرات الاجتماعية و السياسية و قدرة الزعامات في تسويغ الميول نحو المذهب الرسمي بمصطلحات أخلاقية قلّلت من الأخطار حول الخلاف الداخلي التنظيمي و عزّزت الفرصة للتأكيد على الطاعة و الإذعان و الاستجابة من الأعضاء ، و هذا ما مكّن حركة حماس من إدماج مبادئ شرعية و اعتبارات واقعية . هذه العوامل أثرت على قدرة حماس في الكشف عن المرونة و توفير الجهود من أجل ترجمة التزاماتها للأهداف القصوى "الكل أو لا شيء" . كيف و إلى أي مدى نجحت حماس في قلب الاستراتيجية المحدثة لأداة سياسة فعالة من أجل الوصول لحلٍّ بين التوازنات المتعارضة و الأهداف المتناقضة .

لأجل ذلك علينا إمعان النظر و الرؤية و أن ننتقل إلى المدى الأبعد من الرسميات أو الشكل المقبول بما يتعلّق بالاستقرار و الشرعية و السيطرة التدريجية التي أشغلت الكثير من المحقّقين في شؤون الحركات الدينية للدول و المجتمعات في الشرق الأوسط ، إضافة إلى دول متطوّرة في مناطق أخرى و الذين اعتبروا محكّ النجاح و الفشل التنظيمي ، و عوضاً عن ذلك علينا التركيز على النهج الجماعي الذي يدمج وجهات النظر الرسمية إلى جانب نظرات و تطلّعات تكوينية تنظيمياً و غير رسمية و التي تعطي القدرة على المناورة المستندة على التعاون بين المتنازعين و تفاهم و اتفاق يؤدّي إلى المفاوضات ، هذا إضافة إلى الرؤية و التطلّع الجماعي للمرونة التنظيمية الفكرية و النظام الاجتماعي المؤدّي للمفاوضات و الذي يضع هذه الأمور و المواضيع حول التساؤلات التالية : كيف تستطيع حركة أو جماعة خلق ظروف تشجّع و تساند قيام واقع سياسي يستند إلى تصوّرات عدم الاستقرار المحدود ، و التعايش من خلال المفاوضات و غموض حدودي و أفضليات متناقضة متنافسة أو منسجمة ، عوضاً عن الاستقرار الأمني و المتواصل و الحدود الواضحة و الأولويات الثابتة ؟ .

إن النهج الجماعي للمشهد العام و النهج غير الرسمي عن إيجاز الخطط لجدول الأعمال لوقتنا الحاضر المتميّز بعدم الاستقرار بصورة أكبر من الاستقرار ، و في التغيير أكثر من الثبات ، و في حدود غامضة و متغيّرة أكثر من حدود ثابتة , و تعدّد الشخصيات و ثقة متغيّرة أكثر من شخصية واحدة و ثقة  ثابتة ، و عند حماس مثلما هو عند الحركات الدينية و الاجتماعية التي تعمل بأنظمة نشطة من حيث تعدّد و كثرة الشخصيات و تعدّد المخلصين و وفرة في التفاسير , فإن "الهزيمة" كما يشير (كليفورد جيروتس) أبداً لن تكون محسومة و النصر أبداً لن يكون كاملاً ، و التوتّر لن ينتهي أبداًَ و إن جميع الإنجازات هي هامشية و مؤقتة" (24) .


 

7.James C.scott,(Protest and Profanation : Agrar Rovelt And the little Tradition ),Theory and society, No.4,(1977),pp.1-38.

8.Ira M .Lapidus , (Islam Political Movements : Patterns of Historical change), in :Edmund Burke and Ira M.Labidus (eds.) ,Islam, Politics , and social movements (Berkeley :University of California press , 1988) ,p.50.

9.البارز من بينهم هو الشيخ الأردني (من أصل فلسطيني) و هو عبد الله عزام و الذي أعطى الصلاحية الشرعية للتواصل مع الجهاد الأفغاني و كان من بين المتطوعين المسلمين و قتِل هناك ، و عن حياته أنظر السبيل (30 ديسمبر 1989) صفحة 4 - 5 .

10.على سبيل المثال : عبد الله العكايلة "تجربة الحركة الإسلامية في الأردن" ، و المحرّر عزام التميمي "مشاركة الحركة الإسلامية في السلطة (لندن 1994) صفحة 101 - 112 الحياة لندن 12 سبتمبر 1996 صفحة 1 - 6 .

11.David Waldner , (Civic Exclusion and its Discontent ), (Paper delivered at the American political Science Annual Meeting , (New york :September 1994 ),p.1 .

12.Islam , Democracy , the state and the west : A Round Table with Dr .Hasan Turbi , may 19, 1992 , The World and Islam Studies Enterprise & the university of south Florida , Committee for middle east studies , pp . 14-16

13.Olivier Roy , the failure of political islam (Cambridge : Harvard University press , 1995),p . 24.

14.    شهره

15.A bu-I-ALA Mawdudi (Political theory of  islam ),in: John J. Donohue and John J . Esposito (eds.) , Islam in Transition (New York: Oxford University Press , 1982 ), p.258.

16.   الإسلام و الديمقراطية الدولة و الغرب صفحة 19 .

17.Gilles Kepel , Muslim Extremism in Egypt : The Prophet and the Pharaoh ,(Berkeley :University of California press 1993), p .14.

18.Michael Watts , (Islamic Modernities? 28-29 Citizenship ,Civil Society and Islamism in a Nigerian City ),Public Culture , Vol . 8 (1996) , pp .251-289     

19.    الإسلام و الديمقراطية ، الدولة و الغرب صفحة 17-18-24-35 .

20.    F.G. Baily , Stratagems and Spoils : A social Anthropology of  Politics (new york : shocker book , 1969 ), pp . 174-181.

21.Dale F. Eickelman and James Piscatori , Muslim Politics ( Princeton : Princeton University press, 1996 ),p.20.

22.Dale F .Eickelman and James  Piscatori , (social Theory in the Study of Muslim Societies ),in Dale F. Eickelman and james Piscatori (eds.) ,Muslim Travelers :Pilgrimage ,Migration ,and the Religious Imagination (London :Routledge ,1990)p.15.

23.Steven C.  Caton , (Power , Persuasion ,and Language :A Critique of the Segmentary Model in the Middle East ) international Journal of Middle East) studies , No. 1(Februray 1987), p.89.

24.كما هو مستشهد به عند Avraham Diskin and Shaul Mishal , (Coalition Formation in the Arab World :an Analytical Perspective ), International Interactions, vol. 11,No .1 (1984),p.44