الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

عصر حماس

 

الحلقة السابعة

 

 ( من صفحة78-90 )

 

عنف موجه

جاءت حماس إلى العالم ضمن ظروف "تكون أو لا تكون" قد فرضت على مسؤولي المجمع الإسلامي وتحت ضرورات الواقع في ظل المقاومة الشعبية, الأمر الذي عزز من نجاح منظمة التحرير بعد قطف ثمار الانتفاضة بواسطة هيئة إعلامية ودبلوماسية دولية, وهذه الأدوات والوسائل كانت غير متوفرة بالنسبة للحركة الإسلامية بصورة عامة ولحركة حماس بصورة خاصة.

 

وأشارت زيارة سكرتير الدولة شولتز (وزير الخارجية الأمريكي في حينه-المترجم)في بداية سنة 1988، وإعلان منظمة التحرير في شهر نوفمبر 1988 في الجزائر عن الدولة الفلسطينية المستقلة (استنادا الى قرار 181 للأمم المتحدة في يوم 29 نوفمبر 1947 فيما يتعلق بتقسيم ارض فلسطين لدولتين يهودية وفلسطينية) وبداية الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة التحرير الفلسطينية في ديسمبر 1988، إلى أن منظمة التحرير تقترب الى أن تكون في مكان يؤهلها لتكون شريكا كاملا في مسيرة سلام الشرق الأوسط.

 

حماس تنافس المنظمة في الميدان

وخلافا للمنافسة المستمرة لحركة حماس مع "القيادة الوطنية الموحدة" على تحديد جدول وبرنامج العمل اليومي للانتفاضة، فإن هناك تهديدا على المستقبل السياسي " لحركة المقاومة الإسلامية " بسبب احتمالية أن يُعترف بمنظمة التحرير كشريك للجهود الجديدة نحو توطيد السلام، وإن التهديد بالقوة كانت المسألة الأولى في برنامج عمل حماس خلال فترة الانتفاضة الأمر الذي أثر بصورة واضحة على برنامج الحركة اليومي.

 

وعلى ضوء هذه الخلفية فقد خرجت حركة حماس بحملة دعائية نشطة ضد قرارات القيادة الوطنية الموحدة من خلال تبينها للشعارات الإسلامية الأصيلة بسعيها نحو نبذ وعدم أهلية جهود منظمة التحرير في الاندماج والاشتراك بمسيرة السلام من أجل التسوية على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وقد تبنت حركة حماس الكفاح المسلح ضد إسرائيل جنبا إلى جنب مع التمرد والعصيان المدني كأداة تستطيع من خلالها حماس منع أي تحرك نحو مسيرة السلام الإسرائيلية الفلسطينية وقد قصدت حماس بذلك لهدفين: ففي حين أن إسرائيل تستخدم أعمال العنف فقد استخدمت حماس منظومة دعائية شاملة ضد منظمة التحرير وضد القيادة الوطنية الموحدة حول استعدادهم للاعتراف بإسرائيل والتنازل عن معظم أرض فلسطين، برغم ذلك ومنذ بدء الانتفاضة فقد أدركت حماس بحدود قوتها على الساحة الفلسطينية الداخلية والإقليمية وأهمية خطواتها حسب الاعتبارات للكلفة والفائدة (فالجهاد) الحرب المقدسة ضد إسرائيل أخضعت لحسابات سياسية، وسياسة العنف الموجه ( المحسوب ) حيث أصبحت المكون الأساسي في الاستراتيجية السياسية لحركة حماس ومقاومتها اليومية.

 

أخلاق الجهادية

لقد تطلعت حركة حماس إلى إنشاء دولة إسلامية على جميع أرض فلسطين، وفي سبيل تحريرها عرضت لذلك عن طريق الجهاد وبنفس الدرجة من خلال الشعارات الإسلامية التي تستند الى تعاليمها السياسية، علاوة على أن أرض فلسطين قد اعتبرت أرضا مقدسة إسلامية (وقف ) للعالم الإسلامي بأجمعه، ويعتبر واجب الجهاد لتحرير فلسطين من الكفار فريضة على كل مسلم ومسلمة, وأشارت إلى أن الجهاد هو الطريق الشرعية الوحيدة لتحرير فلسطين بأكملها، وهكذا تبنت حماس نهج "الميثاق الوطني" لمنظمة التحرير لسنة 1968 التي اعتبرت أن الكفاح المسلح هو "الطريق الوحيدة لتحرير فلسطين" "كاستراتيجية وليس تكتيكا" لمنع إمكانية الحل عن طريق المفاوضات وسد الطريق أمام أي حل إقليمي.

 

وقد سعت حركة حماس لتوطيد شرعيتها من خلال الأهمية الدينية للكفاح المسلح ببعده الإسلامي (الجهاد) والتاريخي وعرضت حماس نفسها على انها حلقة في سلسلة الجهاد ضد الصهيونية وإسرائيل للدفاع عن فلسطين بسبب كونها ملك إسلامي، وقد ربطت ضرورة الجهاد ارتباطا وثيقا بالولاء الديني: وأن التنازل عن جزء من ارض فلسطين بمثابة التنازل عن جزء من الإسلام، لذلك فان الكفاح المسلح هو واجب ديني وهو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين بكاملها، إلى جانب عرض الجهاد على أنه حرب إبادة ضد إسرائيل، وقد واصلت الحركة تعليمات الجهاد الداخلية الفلسطينية كأداة للعمل على إلزام معايير اجتماعية وتقاليد إسلامية على المجتمع, الأمر الذي منح تعاليمها الشرعية وفرضها على الجماهير الفلسطينية.

 

وتماشيا مع خطى حركة فتح خلال السنوات الأولى التي دفع لواء التحرير والحرب الشعبية، فإن ضم وتبنى فكرة الجهاد بالنسبة لحركة حماس تكمن فيه الفائدة وقد وجهه ضد التيار المركزي في منظمة التحرير.

 

"الكفاح المسلح" الذي دعت إليه حركة فتح كان لتحدي واعتراض تصورات جمال عبد الناصر حول توحيد العرب والاستعدادات المترتبة عليها حتى تستطيع قوات الجيش النظامي للعرب الدخول في الحرب ضد إسرائيل – وكان تفسير هذا عمليا هو عبارة عن تأجيل تحرير فلسطين إلى مستقبل غير محدد.

 

فقد رفضت حركة فتح هذه الفكرة من أصلها وعرضت مكانها أسلوب الحالة السابقة كإستراتيجية بديلة، وقد أعلنت عنها علنا عن طريق توريط الدول العربية في الحرب ضد إسرائيل وذلك ضد رغبتهم.

 

حماس تتبنى الجهاد

 وإذا كانت فكرة حرب العصابات هي من نظرية حركة فتح وقد أعدت من اجل الوصول الى إنجازات وقفزة نحو تحرير فلسطين، فان تبني الجهاد من قبل حركة حماس جاء ضمن تعاليمه المتطرفة والتي هي فرض على كل مسلم وليس فقط مسؤولية السلطات الرسمية، وهذا ما كان قد وضع التحدي أمام منظمة التحرير التي عرضت الى أن " دولة في الطريق " الفلسطينية وخاصة حركة فتح, وفي منتصف الثمانينات توقفت تقريبا تماما عن أعمال العنف ضد إسرائيل.

 

إن تشبث حركة حماس بكل شبر من ارض فلسطين ومناداتها بفلسطين كاملة وقد عبرت عن هذا من خلال بياناتها ففي بيانها رقم 28 (ليوم 18 أغسطس 1988 ) تحت عنوان " فلسطين عربية من البحر المتوسط حتى نهر (الأردن): " إن للمسلمين الحق الكامل وغير المجزأ على فلسطين وعلى مر الأجيال في الماضي والحاضر والمستقبل.. ولا يحق لأي جيل التنازل عن ارض فلسطين المروية بدماء الشهداء فعليكم مواصلة المقاومة والوقوف ضد المغتصبين مهما كانوا – حتى تحرير كل ذرة من ارض فلسطين بعون الله.

 

وفي بيان رقم 22 (22 يونيو 1998 ) "إن حربنا هي حرب مقدسة في سبيل الله حتى النصر أو الشهادة".

 

ومن وجهة نظر حماس فإنه من حق المسلمين إنشاء دولة إسلامية على جميع ارض فلسطين وهذا لا يبقي أي مجال للمفاوضات أو أي حل سياسي مع إسرائيل.

 

وتعتقد حماس ان الجهاد ضد إسرائيل يعبر عن التطلعات والحاجات الماسة للشعب الفلسطيني، ولهذا النهج يوجد أمثلة من خلال بيانات حماس التالية: "تقطع كل يد ستتنازل عن ذرة رمل واحدة من فلسطين لصالح عدو الله.... الذين سيطروا على الارض المباركة (13 مارس 1988 )". "إن أي مفاوضات مع العدو هو انسحاب من الصراع (الفلسطيني ) وهو انسحاب عن المبادئ واعتراف بحق المساواة بالقاتل المغتصب على ارض لم يولد بها.. الحكام العرب الذين يبذلون ويسعون للسلام الكاذب... ويتطلعون على إسرائيل الموافقة على السلام "العادل" فنحن نرجو منكم أن تحاربوا مرة واحدة على الأقل " من اجل إثبات " أن لكم شجاعة عربية أو قوة إسلامية (بيان شهر يناير 1988 ).

 

 وفي توجه بلاغي الى إسرائيل: ارفعوا أياديكم عن شعبنا ومدننا ومخيماتنا وقرانا فصراعنا معكم هو صراع عقائدي ووجودي (بيان دون تاريخ).

 

تبريرات واقعية

ولم تكتفي حماس بادعاءات شرعية ولكنها اتخذت تبريرات سياسية "واقعية" بعدم شرعية أي محاولة للتسوية السياسية مع إسرائيل، فعلى سبيل المثال بيان رقم 28 إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة ولا تؤمن بالمفاوضات ولا بالسلام، فهي تواصل التهرب وبناء الكيان العسكري، واستغلال الفرص في الهجوم وكسر أنوف العرب.

 

فالعالم العربي غير ضعيف حتى يسعى إلى السلام، واليهود ليسوا أقوياء إلى حد تحقيق كل رغباتهم... وحتى متى تستطيع إسرائيل الوقوف أمام كل القوى.

 

وقد نسبت حماس لإسرائيل صفات شيطانية تعزز رفضها للحوار معها مثل: إسرائيل هي السرطان المنتشر.. الذي يهدد العالم العربي الإسلامي وحسب بيان آخر فإن اليهود إخوان القرود, قاتلي الأنبياء, ومصاصي الدماء, ومثيري الحروب.والإسلام هو فقط من يهزم اليهود ويدمر أحلامهم (يناير 1988).

 

حماس تستعين بالتاريخ

وقد اعتمدت حماس في أعمالها على شخصيات وأحداث من التاريخ الإسلامي للتأكيد على الطابع الديني للنزاع مع إسرائيل, وعلى نفس المستوى ومن أجل الحصول على صلاحية لموقفها القوي (الثبات, الصمود, التمسك) وإيمانها بالنصر النهائي للإسلام مهما كانت الصعوبات التي ستواجهها الأمة الإسلامية.

 

ومن أجل إعطاء الصلاحية لادعائها بالنصر المستقبلي على إسرائيل فقد اهتمت بيانات حركة حماس خلال عدة فرص بالانتصارات التاريخية التي أحرزها المسلمون في حروبهم ضد أعداء الإسلام خلال سيطرتهم على فلسطين وذلك من خلال الإشارة إلى أسماء أبطال هذه المعارك: جعفر بن أبى طالب, الذي حارب البيزنطيين في معركة مؤته، خالد بن الوليد, قائد معركة اليرموك(636 ) والذي لقبه محمد (عليه السلام. المترجم)" سيف الله.

 

صلاح الدين الأيوبي الذي انتصر على الصليبيين في معركة حطين (1187) وحرر القدس, السلطان المملوكي بيبرس الذي هزم المغول في معركة عين جالوت (1260).

 

قضية خيبر التجمع اليهودي الغني في الجزيرة العربية الذي رفض دعوة الإسلام, دين محمد عليه السلام, واصبح رمزا للتمرد والخيانة اليهودية لله ونبيه حسب الشرع الإسلامي, وقد ظهرت هذه القضية من جديد عن طريق حماس بهدف التنظير في الصراع ضد إسرائيل, وقد احتل النبي وأنصاره خيبر سنة 628  وسمحوا لليهود بالاحتفاظ بأرضهم مقابل التزامهم بدفع نصف حصادها غلالها (1) ويقول التاريخ الإسلامي إن يهود خيبر خانوا النبي عندما قدموا له لحما مسموما من أجل قتله.

 

وقد أشار الكثير من بيانات حماس الى دعوه :" الله أكبر لقد جاءت خيبر , الله اكبر الموت للمحتلين".

 

ومن خلال التنظير إلى الفترة الأولى للإسلام عرفت حماس المسلمين الصامدون في البلاد على أنهم مقاتلو الحرب الدينية (مجاهدين ) والصامدون في الجبهات على انهم ( مرابطون – وهم المسلمون الذين يتمركزون في أطراف البلاد الإسلامية من اجل الدفاع عن الحدود, وقد اعتبر هؤلاء انهم المنقذون لأوامر الدين , وان ارض فلسطين هي ارض (الرباط ) للعالم الإسلامي وللتأكيد على الطابع الإسلامي لأرض فلسطين في الماضي والحاضر من خلال الدعاية من أجل إنشاء دولة إسلامية في فلسطين, وقد تجاهلت التواجد المسيحي داخل المجتمع الفلسطيني, والتقرب والانفتاح الواسع للمسلمين خارج فلسطين، في حين أن منظمة التحرير رأت في هذا النزاع مع إسرائيل انعكاس وطنيا غير ديني وواقعي وقد رأت حماس بأي حل سياسي مستند على تنازل انتهاك مضاعف للثوابت الإسلامية ويؤدي إلى انتهاك مكانة فلسطين بصفتها وقف إسلامي، وانتهاك مبادئ الإسلام للحرب الدينية ضد الغزاة الصهاينة، وقد حددت حماس أن مسيرة السلام لم تأتي إلا لاعطاء الشرعية "للكيان الصهيوني" وتمهيد الطريق أمام تعزيز سيطرة الغزاة الغرباء على أملاك المسلمين والعرب.

 

اختلاف المواقف

اختلاف المواقف بين حماس والقيادة الموحدة حول الدولة الفلسطينية والمسيرة السياسية أدت في بعض الأحيان إلى الاحتكاكات وقد ازدادت هذه الاحتكاكات كلما عززت القيادة الوطنية الموحدة مساندتها للحل السلمي وكلما تزايد النشاط الدبلوماسي لمنظمة التحرير، وبالتزامن مع نشر ميثاق حركة المقاومة الإسلامية في شهر أغسطس 1988 فقد امتنعت حماس عن  التنسيق مع القيادة الوطنية في ما يتعلق بأيام الإضرابات والاحتجاجات، لذلك فقد هاجمت القيادة الوطنية في بيانها الصادر في 6 سبتمبر 1988 والذي يحمل رقم (25) هاجمت دعوة حماس للإضراب العام لمدة يومين في موعد مغاير ووصفته بأنه إهانة وضربة لوحدة الصفوف وأنه انحياز لإسرائيل، وقد دانت القيادة الوطنية أعمال العنف ضد من لم يلتزموا بدعوة حماس للإضراب، ولم تتأخر حماس في الرد وأعلنت في بيانها رقم (30  5/أكتوبر 1988 ) الدفاع عن موقفها وحدد البيان: إن اليهود ومؤيديهم يسعون إلى شق الصفوف وتغذية الصراع بيننا عن طريق بث الإشاعات بأنها تسعى إلى أن تحل محلهم، وردا على هذه الإشاعات السامة ندعو الشعب إلى قراءة ميثاق حركة المقاومة الإسلامية من أجل التعرف عليها ودراسة أهدافها، وإن المنافسة هي من خلال المواجهة ضد العدو (الإسرائيلي) من أجل إيقاع أقسى الضربات به. ونحن نؤكد على أننا مع وحدة الصفوف وضد التمزق ومع كل من يعمل بإخلاص لتحرير فلسطين بأجمعها، ونحن ضد التنازل حتى عن موطئ قدم من أرضنا التي روتها دماء أصحاب النبي وتابعيه.

 

وقد ازداد التوتر بين حماس والقيادة الوطنية الموحدة في أعقاب اجتماع "المجلس الوطني الفلسطيني" والذي أجري في الجزائر في منتصف شهر نوفمبر 1988، وفي هذا الاجتماع أعلنت منظمة التحرير عن إنشاء دولة فلسطينية بالاعتماد على قرار 181 للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 ودعت إلى تقسيم ارض إسرائيل (فلسطين ) الانتدابية الى دولتين يهودية وعربية, وفي بيان 29 (20 نوفمبر 1988 ) وتحت عنوان "فرحة الدولة الفلسطينية" توجهت القيادة الموحدة:

 

" إلى عدد من الأساسيات والدعوة إلى تفضيل المصالح الوطنية والاقتصادية لشعبنا... على المصالح الحزبية لهم... وان يتوقفوا عن الكشف عن الأمور السلبية إذا أرادوا أو لم يريدوا فهذا يخدم مصلحة العدو, وعليهم استنتاج النتائج والعبر من الاحتفالات الجماعية... التي أعلنت عن الدولة (الفلسطينية) وعبرت عن التمسك العميق لقيادتنا الشرعية وممثلها الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، ولم نتأخر في صهر جميع القوى المخلصة في بوتقة المقاومة بقيادتها الوطنية الموحدة.

 

وردا على ذلك فقد أعلنت حركة حماس في بيان رقم 31 (27 نوفمبر 1988 ) انها ضد شق الصفوف والتي من الممكن أن تكون نتيجة دس بيانات نشرها الاحتلال (الإسرائيلي) من اجل شق الصفوف والضغط على التيارات المختلفة فعلى الجميع الحفاظ على وحدة الشعب وان لا يعيروا اهتماما لمحاولات العدو فصل العائلات والتيارات الفكرية.

 

ردود فعل حماس على اتهامات القيادة الوطنية الفلسطينية تعبر عن ميولها للمعسكر الوطني،ومن جانب فإنه لم يكن لحركة حماس أي فائدة في تأجيج الخلافات مع القيادة الوطنية من اجل منع المواجهة وان حدوث مثل هذه الأحداث هو إخفاق للمقاومة ضد إسرائيل ومن جانب آخر فلم تلتزم حماس بالتوقف عن مواجهة العدو في المستقبل إذا ما  وافقت على ذلك القيادة الوطنية الموحدة مع منظمة التحرير للحل السياسي والذي يتنكر لمبدأ تحرير فلسطين بكاملها.

 

رفض الحرب الأهلية

 ومن المحتمل ولاعتبارات الضعف العسكري والتخوف من المواجهة المسلحة مع فتح ومؤيدوها كان السبب في طرح حماس من خلال الرغبة في الامتناع عن الحرب الأهلية (الفتنة ) ومع ذلك فقد أعلنت عن رفضها لحرب الاخوة، وقد اعترفت بخطرها المتوقع على الشعب الفلسطيني، وكان موقف حماس منذ بدء الانتفاضة هو الحفاظ على الوحدة الوطنية (2).

 

الانتفاضة ثورة موجهة

إن إدارة أعمال الانتفاضة في مراحلها الأولية قد تمت بتوجيه ومراقبة مباشرة من قبل الشيخ أحمد ياسين، فهو الذي وضع نصوص البيانات بالتشاور مع أصدقائه على الخطط المفصلة للواقع السياسي. وقد ضمت هذه التوجهات كل ما يتعلق بسلوكيات الجماهير الفلسطينية ودمجها في أعمال الاحتجاج والإضرابات وتخصيص أيام لمناسبات خاصة، ومنذ بدء الانتفاضة أمر الشيخ ياسين باستخدام السلاح ضد جنود الجيش الإسرائيلي وطلب عدم إعلان الحركة عن هذه الأعمال خوفا من إيذاء الحركة الإسلامية، وفي المقابل فقد أنشأت وبأوامر من الشيخ ياسين (السواعد الرماية) بمقابل "اللجان الضاربة" التابعة لحركة فتح والتي كانت مهمتها مقتصرة على وضع الحواجز وإلقاء الحجارة وكتابة الشعارات وتعليق الأعلام وأيضا إجبار الناس على الالتزام بتوجهات الانتفاضة  لما يتعلق بالإضرابات التجارية ومنع خروج العمال العمل في إسرائيل، وكان الشيخ ياسين أيضا الناطق والمسؤول عن العلاقات السياسية والمالية مع مؤيدي الحركة الإسلامية في الأردن وحسب شهاداته فقد استلم مساعدات مادية مباشرة من "المرشد العام" للإخوان المسلمين"  في الأردن عبد الرحمن خليفة.

 

وفي شهر أغسطس 1988 استلم الشيخ ياسين نصف مليون دولار تم إرسالهم له بواسطة صرافي النقود ومبعوثين جراء اتصالات جرت بواسطة أجهزة الفاكس, وفي نفس الوقت فقد عمل الشيخ ياسين على تجنيد وتعيين المسؤولين في حماس بواسطة معارفه وأقاربه، وبالتوسط والتنسيق مع هؤلاء المسؤولين فقد تنازل الشيخ ياسين الى هؤلاء المسؤولين في حركة العمل النظري والفعلي التنظيمي الأمر الذي تجسد من خلال توقيت وطابع أعمال العنف والتي كانت نتيجة المبادرات المحلية والمستقلة لهؤلاء النشطاء، وفي بعض الأحيان من قبل متعاطفين غير مجندين في صفوف الحركة، ومنذ البداية فقد أنشأت حماس هيكلا تنظيميا من خلال عدد محدود من النشطاء المركزين الذين عملوا بالتنسيق مع جمهور المؤيدين الواسع، فقد نفذوا ذلك بواسطة عدد من المساجد التي انطلق منها الوعظ والتنظير من قبل أعضاء الحركة ومعارفهم المقربين، وبواسطة لجان الطلاب الإسلاميين ومن خلال الخدمات الاجتماعية (3).

 

وخلال الأشهر الأولى للانتفاضة امتنعت حماس عن الدعوة للعمل ذات الطابع الجماعي مثل المظاهرات والإضرابات وذلك تخوفا من المواجهة المباشرة والعنيفة مع القوات الإسرائيلية، فالمواجهة ربما تؤدي الى كارثة على الحركة قبل أن تتجذر في الجماهير الفلسطينية، وربما نبع الخوف أيضا من المواجهة مع التيار الوطني وإظهار ضعفه الجماهيري وقلة مؤيديه مقابل القيادة الوطنية الموحدة التي قامت بأعمال مثل ذلك، وان الأعمال التي دعمت حماس مؤيديها الى تنفيذها في هذه الفترة وهي الانخراط في الأعمال التعبدية الدينية مثل الصيام والصلاة وإطلاق الشعارات الدينية إلى جانب استغلال المناسبات والتواريخ الدينية من أجل الدعوة إلى أسلمة العمل الشعبي بقياداتها.

 

التشديد ضد حماس

ويتوقع أن يكون لهذه الخلفية الأسباب السياسية التي اتخذتها إسرائيل من سياسة "عدم التشديد" ضد حماس في بداية طريقها مقابل التنظيمات الأخرى, الأمر الذي شكل تواصلا للنهج الذي نظر إلى منظمة التحرير والتنظيمات الناتجة عنه على انه العدو الأساسي.

 

 وفي شهر يونيو 1989 أعلنت حكومة إسرائيل حماس على أنها منظمة إرهابية إلى جانب حزب الله والجهاد الإسلامي وهذه الخطوة صاحبتها مراقبة مشددة على جمعيات الحركة ومؤسساتها.

 

 وفي صيف 1990 بدأت سلطات الأمن الإسرائيلي بحملة على المساجد وحتى إغلاق عدد منها لفترات قصيرة (4).

 

إن إنشاء حماس أدى إلى توزيع المهمات بصورة أكبر وضوحا بين (مجد) الذي اصبح جهاز الأمن الداخلي، في حين أن "منظمة المجاهدين الفلسطينيين":( انظر سابقا الفصل الثاني ) أصبح الجهاز العسكري (5) ففي البداية كان العمل والتجنيد للتنظيم على أساس المعارف الشخصية فتوزيع الصلاحيات بين المجموعات في المناطق الجغرافية والاتصالات جرت بواسطة وضع التوجيهات والبيانات، والسلاح في أماكن (نقطة ميتة) متفق عليها وكانت المساجد الأمكنة المركزية فيها، وقد تعززت العمل السري كلما كانت هناك اعتقالات للقيادات والناشطين، وأدت الاعتقالات إلى تشويش وتخريب الاتصالات وتبادل العلاقات في الهيكل التنظيمي، فقد واصل زعماء حماس إعطاء أوامرهم وتوجيهاتهم إلى نشطاء الحركة من داخل السجن وكان هذا الطابع التنظيمي والبناء غير الرسمي للحركة، فجذورها منغرسة عميقا في أوساط الجماهير المؤمنة والكبيرة، وتتمتع  بقاعدة جماهيرية ثابتة وعدد من المساجد ومسئوليهم وهم الذين مكنوا حركة حماس من النجاة والبقاء على الرغم من جهود القضاء عليها من قبل إسرائيل.

 

إن "النواة الصلبة" لحماس قد تمثلت في قطاع من الجماهير العريضة من المؤيدين والمساندين والذين لم يكونوا منخرطين بصورة مباشرة بنشاطات عنف أو نشاطات تنظيمية سياسية، ولكنهم شكلوا احتياطا كان من خلاله قد ازدهرت حركة حماس بصورة تلقائية وقاموا بتجنيد مجموعات صغيرة من الناشطين الذين أصبحوا فيما بعد رأس الحربة للحركة في أعمال العنف والنشاطات السياسية ويستنتج من ذلك قدرة الحركة على معاودة الظهور والانتعاش كلما تعرضت لموجة من الاعتقالات والإبعاد والتي كانت قد تعرضت لها منذ شهر سبتمبر 1988 وعلى ضوء نجاح مصلحة الأمن الإسرائيلية في الكشف عن مجموعات سرية عملت في نشاطات عسكرية، وبسبب الضربات التي تلقتها الحركة من إسرائيل والتي كانت على شكل اعتقال وطرد مسؤولي الحركة، فقد ازدادت الحاجة إلى الصرامة التنظيمية والاستعداد لإنشاء اتصال مع القيادة في الخارج، وكان الاتصال عن طريق التلفون والفاكس، وبث مكتوب أو لقاءات مباشرة اضطرت نشطاء رئيسيين السفر إلى الخارج، وكانت النتيجة عدم مركزية المرجعية التنظيمية وغموض الاتصال الهرمي بين القيادة السياسية الروحية وبين الناشطين المسلحين.

 

العمليات العسكرية

إن انخراط حركة حماس في أعمال العنف قد دلت على مدى المنافسة مع التنظيمات الفلسطينية التي قادت العمل المسلح ضد إسرائيل، وخلال السنة الأولى لإنشاء الحركة كان حجم العمليات العسكرية ضد إسرائيل محدود نسبيا 10 عمليات ما بين إطلاق نار على دوريات عسكرية وعلى مواطنين إسرائيليين في قطاع غزة وأيضا تفجير عبوات ناسفة.

 

إن هذا الحجم البسيط من العمليات العنيفة ناتج عن عدم وجود قاعدة تنظيمية ميدانية وعدم التركيز على الحصول على السلاح أو التدريب عليه وعلى العبوات الناسفة، وفي السنة الثانية للانتفاضة بدأ التصعيد في الأعمال العسكرية لحماس ووصل عدد العمليات الى 32 عملية وقد نفذت هذه العمليات بجرأة وحذاقة وكانت العمليتين الأبرز من بينهم هما قتل جنود الجيش الإسرائيلي آفي ساسبورتس (يناير 1989 ) وايلان سعدون (مايو 1989 ) في وسط البلاد على يد نفس المجموعة وبعد إخفاء الجثث للجنود حاولت حماس خلق انطباع على أن العملية هي عبارة عن خطف بهدف المساومة مع إسرائيل لتحرير المعتقلين الفلسطينيين.

 

وبعد العملية الأولى رفض الشيخ ياسين المساومة مع السلطات الإسرائيلية خوفا من أن الاعتراف بالعمل سيؤدي بردود فعل ضد مؤسسات المجمع الإسلامي، في حين أن الحركة تقع تحت مرحلة الانتعاش بعد عمليات الاعتقال التي نفذتها السلطات الإسرائيلية في شهر سبتمبر 1988 ضد مسئولي حماس في القطاع وخلال نفس السنة نفذ رجال حماس عمليات عسكرية في الضفة الغربية خاصة في الخليل، فقد شملت هذه العمليات مهاجمة سيارات عسكرية إسرائيلية عن طريق إطلاق النار وزجاجات حارقة، وفي سنة 1990 توسعت العمليات الى داخل إسرائيل نفسها بما في ذلك إحراق الحقول وطعن وقتل مواطنين في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى عمليات إطلاق النار والعبوات (6) على الرغم من زيادة وتيرة عمليات حماس وانتشارها الجغرافي خلال سنوات 1989-1990 فقد حازت حماس من بين التنظيمات الأخرى على ذروة الانطباع الجماهيري من خلال جرأة ودقة عمليتها، ومع ذلك فإن قوة الرسالة الدينية للحرب المقدسة داخل أوساط الجماهير الفلسطينية والتي تبنتها حماس من خلال التبني الواضح لأسباب الجهاد وأهميته الفورية والمعروفة، فبعد مقتل سبعة عشرة فلسطينيا خلال مواجهة عنيفة مع الشرطة الإسرائيلية في شوارع المسجد الأقصى في 8 أكتوبر 1990 (7).

 

 فبعد هذه العملية دعت حماس الى الجهاد ضد " العدو الصهيوني في كل مكان وعلى كل الجبهات وبكل الوسائل "، فإن عمليات سفك الدماء في المسجد الأقصى أدى إلى ازدياد وتيرة عمليات السكاكين الفلسطينية المتفرقة والذين هاجموا وقتلوا بصورة عفوية وعلى مسئوليتهم فقط قتلوا مدنيين ورجال شرطة، جنود، وهؤلاء الفاعلين لم يكن لديهم أي علاقة تنظيمية مع حماس ولكن معظمهم تأثر بالرسالة الدينية وبعد عملياتهم تبنتهم حماس وعبرت عن ذلك على أنه تضحية بالنفس وبعد خمسة أشهر من المذبحة قتل 13 إسرائيليا في هذه العمليات (8).

 

وفي نهاية عام 1988 وبعد اعتقال زعماء حماس في قطاع غزة، عاد احمد ياسين الذي لم يعتقل وأعاد تنظيم الحركة من جديد على أساس جغرافي، وهو الذي عين إسماعيل أبو شنب قائد حماس في قطاع غزة ونزار عوض الله رئيس للتنظيم العسكري، وقد وزعت قطاع غزة إلى خمس مناطق وعين عليهم خمسة أشخاص وإن عملية خطف وقتل الجندي سعدون أدت إلى موجة من عمليات الاعتقال داخل أوساط حماس منهم الشيخ ياسين بنفسه والذي اعتقل في مايو 1989 واعتقل أيضا عدة نشطاء بارزين في الجناح العسكري حيث كان جزء منهم مسؤولين عن العملية، وأدت هذه الاعتقالات الى إبراز انخراط حماس في العنف ضد إسرائيل وفي الحقيقة فمنذ الشهرين الأولين للانتفاضة كان لحماس القليل من المعتقلين في السجون الإسرائيلية ومنذ خريف 1988 وصاعدا فقد ازداد عددهم خاصة من قطاع غزة بين السجناء الفلسطينيين.

 

اعتقال قادة الحركة

إن اعتقال الشيخ ياسين وزعماء آخرين لحركة حماس أدى إلى شل نشاطات الحركة، وعلى هذه الخلفية فقد جاءت مجموعة من نشطاء حماس من الولايات المتحدة برئاسة موسى أبو مرزوق بعد مشاورات مع مسئولي حماس في الأردن من اجل إعادة ترميم الحركة وتنظيمها من جديد, واستند الهيكل الجديد لحماس على سلم المراتب الصلاحيات المتمرسة وتوزيع المناصب والمهمات، وقد قسمت قطاع غزة والضفة الغربية الى مناطق فرعية ( خمسة في قطاع غزة وسبعة في الضفة ) وكل ذلك تحت مراكز قيادة شملت أربعة أنواع من الأجهزة وهي : الأمن، الإعلان والدعوة، النشاط والتنسيق، وهذه الأجهزة عملت في كل منطقة فرعية تحت القيادة المركزية في المنطقة، وقد تم ربط الضفة الغربية وقطاع غزة بواسطة لجنة تنسيق، وقد عملت القيادة العليا لحركة حماس بواسطة ثلاث لجان مركزية وهي اللجنة السياسية، لجنة الإعلام والتوجيه الفكري واللجنة العسكرية وبهذا ينتهي عهد زعامة الشيخ ياسين كمرجعية عليا ووحيدة في الحركة.

 

ومن تلك اللحظة فقد تم إدارة السيطرة للحركة من خارج الحدود من سيربنج فيلد,  فرجينيا في الولايات المتحدة الأمريكية مكان سكن أبو مرزوق، ومن عمان حيث أنشأت حماس بها تواجدا علنيا وكونت مندوبي اتصال مهم  لحركة حماس في الداخل " ونسقت نشاطاتها المشتركة بما في ذلك العمليات العسكرية ( وفي سنوات 1992 – 1993  كان القائد العسكري للحركة في لندن ) ومرجعية وسيطرة القيادة الجديدة لمراكز التوجيه المعنية لحركة حماس في قطاع غزة والضفة الغربية نتجت في الأساس على السيطرة لتدفق الأموال الحيوية في تحديد النشاطات العامة والعنيفة لحركة حماس ومساندة عائلات الشهداء والمعتقلين من أعضائها وأصبحت حماس حركة فلسطينية بمقدار منظمة التحرير الفلسطينية فلها مندوبين وهيئات ناشطة في دول مختلفة في العالم الغربي والإسلامي، فالقيادة الخارجية تسيطر على قواعد الحركة في الداخل وتحدد لها الخطوط السياسية وتصادق على نص البيانات وتوجه الأجهزة العسكرية (9) حتى لو لم تكن على نفس الدرجة والصلاحية  التي تتمتع بها فتح وشريكتها منظمة التحرير بعلاقتهم مع نشطائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.


 

 

الفصل الثالث

عنف موجه

1.       Carl Brockelmann History of the Islamic People (New York :Capricorn ,1960 ),p.28.

2.       انظر على سبيل المثال فلسطين المسلمة أغسطس 1992 ص 15 .

3.       عدوان . ص 129 - 131 - 144 وشافي شكيد ص103-104 .

4.       البرغوثي الاسلمة ص 81.82.88 شافي و شكيد ص 292-294 .

5.       عدوان ص 140 -141 شافي وشكيد ص 105 .

6.       خلال الثلاث سنوات الأولى للانتفاضة نفذت حماس 66 عملية عنف ضد إسرائيل شافي وشكيد ص 139 - 141 وعدوان ص 143 .

7.       المذبحة التي قتل بها 17 فلسطينيا بيد الشرطة الإسرائيلية داخل أسوار المسجد الأقصى .

8.       شافي وشكيد ص 288 - 290 .

9.       مكرر 150 - 154