الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

عصر حماس

 

الحلقة الثامنة

 (الفصل الثالث- من صفحة 90 – 102)

 

صراع القوة

 

إن صراع القوة بين حماس والقيادة الوطنية الموحدة ومنظمة التحرير ازدادت باستمرار منذ منتصف 1988 وصاعدا، ووسع من دائرة الخطر الذي ليس له إصلاح بين كلا المعسكرين، إلى جانب المواجهة بين المصالح والأفكار حيث كان هناك إدراك بالمصالح المشتركة في المجال العملي والمقصود هنا الصراع اليومي ضد السلطات (الإسرائيلية)، وفي توجه إلى القيادة الوطنية الموحدة أعلنت حماس أن:" حركة المقاومة الإسلامية حماس قد أوضحت أنها تضع نصب أعينها (هدف) الجهاد الشامل حتى تحرير فلسطين.. لأن الشعب اختار هذا الطريق.. هذه طريق الجهاد طريق الكرامة والتضحية في سبيل الله مهما كانت الأحداث والاعتبارات، وإن بذل المال والنفس هو رخيص في سبيل الله... وإن صراعنا مع الصهاينة ليس معركة تحديد حدود, وإننا لا نتجادل على توزيع البلاد فهذه معركة تقرير مصير، ومن هذا المنطلق نحن نرى الأمل وطموح أبناء شعبنا بكل مكان ونحيي بكم روح الصراع لاندلاع الثورة عام 1965 (10 ).. ونحن نتوجه إليكم وندعوكم إلى أن تترحموا على أرواح أطفال الحجارة وعلى مواصلة الكفاح المسلح، وليكن الثمن ما يكون، فقد وقف شعبنا أمام المؤامرات وكانت التضحية كبيرة من أجل إفشالها، ومازال من وقت لآخر لدينا الاستعداد للتضحية بالمزيد، وهذا يعبر الثورة المباركة والتي أصبحت ليس لها مثيل في التاريخ (11).

 

ولكن وبسبب قلق الحركة على المصالح اليومية للسكان الفلسطينيين وتخوفها من "تدهور الأوضاع إلى حالة لا يحتملها الجمهور" مما يعتبر تآكلا في تأييد الحركة فقد امتنعت حماس من ترجمة حلمها وتصورها العقائدي عمليا، وهكذا فقد تميزت نشاطات الحركة بدمج فن البلاغة والتعبير المشبع بالمصادر الأسطورية للجهاد.

 

 إن كراهية اليهود الواردة في القرآن والدعوة إلى مواجهة سلطات الاحتلال والعمل على تنظيم المواجهات الجماعية مع جنود الاحتلال وتنفيذ عمليات عسكرية يتبين من خلال التوجيهات التي أصدرتها الحركة للجماهير الفلسطينية حول دوره في الثورة والعصيان وهذه التوجهات متطابقة تقريبا مع توجهات "القيادة الوطنية الفلسطينية الموحدة".

 

وتطابقا مع القيادة الوطنية الموحدة فقد دعت حركة حماس السكان الفلسطينيين إلى القيام  (بأعمال العنف) وغير العنيفة على حد سواء، وقد شملت أعمال العنف على إلقاء الحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة ووضع الحواجز وإحراق إطارات السيارات واستخدام السكاكين والفؤوس، لمواجهة قوات الاحتلال (الإسرائيلي) ومواجهة العملاء، وفي مجال العمل غير العنيف فقد طلب من الجماهير الفلسطينية العمل بثلاث اتجاهات:

 

1.    قطع العلاقات الاقتصادية مع (إسرائيل) ومساندة المؤسسات المحلية من أجل تمكينها من توفير الخدمات العامة البديلة.

2.    التمرد المدني وهو عدم الاستماع والانصياع للقوانين (الإسرائيلية).

3.    العمل على النشاطات التكافلية الاجتماعية.

 

مقاطعة المصالح (الإسرائيلية)

وحول طلب الحركة بقطع العلاقات مع (إسرائيل) شملت قطع الفلسطينيين العمل في المستعمرات اليهودية في المناطق المحتلة، ومقاطعة المنتجات (الإسرائيلية)  وإخراج الودائع من البنوك (الإسرائيلية)، والامتناع عن العمل في الإدارة المدنية.

 

ودعت إلى تطوير الاقتصاد المحلي وهو زراعة الخضراوات وتربية الدجاج والحيوانات البيتية، وتطوير هيئات "تربوية شعبية"، وقد دعت حماس الآباء والمعلمين والطلاب إلى مواصلة مسيرة التعليم بصورة عادية على الرغم من الإغلاق المتواصل للمؤسسات التربوية من قبل السلطات (الإسرائيلية)، وتعارضا مع القيادة الوطنية الموحدة رفضت حماس تحويل المدارس والمؤسسات الثقافية العليا إلى مراكز للاحتجاج والتظاهرات ودعت إلى مواصلة التعليم سواء أكان داخل أسوار المدارس أو خارجه على الرغم من إغلاقها من قبل السلطات (الإسرائيلية) ، وبعد فترة من الخلاف وصل إلى الذروة في صيف 1989 رجح قرار حماس بموقعها توقف المدارس من أن تكون ساحة للتظاهرات والاحتجاجات (12).

 

وشملت توجيهات العصيان المدني عدم دفع الضرائب والغرامات وتنفيذ إضرابات تجارية جزئية، وإضرابات شاملة في أيام محددة.

 

وحول النشاطات الهادفة الى تقوية أواصر التعاون وتلطيف الأجواء الجماعية فقد طلب من السكان الفلسطينيين بشكل جماعي وأحيانا قطاعات معينة إلى إجراء إضرابات ليوم واحد تضامنا مع الأسرى وعائلات "الشهداء"، وأحيانا ذكرى أحداث حصلت سابقا مثل الحرب الأهلية في سبتمبر 1970 في الأردن، وبتنسيق العمل مع المحامين الذين يمثلون السجناء وعقد مؤتمرات صحفية للتشهير بالظروف الاعتقالية في معسكرات الاعتقال، والاشتراك بالإضرابات الطلابية ومعلمين وأولياء أمور إليها البعثات الأجنبية وفي المدارس المغلقة والخروج في أيام عمل لمساعدة المزارعين على قطف الزيتون ومساعدة العائلات المحتاجة والتوقف عن زيادة أجرة الشقق وتخفيض الرسوم التي يتقاضاها الأطباء والمستشفيات وكتابة الشعارات على الجدران ورفع الإعلام الوطنية.

 

جدول رقم (1)

أنواع التوجهات في بيان حماس حسب التواريخ (13)

(بيانات نهائية)

 

نوعية الأوامر

1

رقم 1-10

2

رقم 11-20

3

رقم 21-30

المجموع الكلي

 

عنيفة

غير عنيفة

11

16

25

52

قطع العلاقات

10

11

3

24

تمرد

7

2

19

28

تضامنية

8

11

16

35

المجموع الكلي

36

40

63

139

النسب

25.9

28.8

45.3

________

 

ومن خلال تحليل 30 بيانا كانت قد أصدرتها حماس,  تبين أن 139 من توجهات العنف وغير العنف في بيان حماس ظهر 36 (وأن 26%) في البيانات العشرة الأوائل و 40 (وه29%) في بيانات 11-20 و 63 (اكثر من 45%) من بيانات 21-30، ومع الوقت تصاعدت في عدد التوجهات وتغيير واضح في معدل التوجهات الداعية لأعمال العنف بالمقارنة للأعمال غير العنيفة.

 

جدول رقم (2)

أنواع التوجهات في بيانات حماس حسب التواريخ (14)

(بالنسب)

نوعية التوجيه

1

رقم 1-10

2

رقم 11-20

3

رقم 21-30

عنيف

غير عنيف

30.5

40

39.7

قطع علاقة

27.8

27.5

4.8

عصيان

19.4

5

30.2

تضامن

22.2

22.5

25.4

المجموع الكلي

(36)100

(40)100

(63)100

 

يشير جدول رقم (2) انه حتى منذ بداية الانتفاضة كان مستوى (العنف) لحركة حماس يتتابع بمستوى 30.5% من 36 توجيها في 10 البيانات الأوائل، 40% من 40 توجيه في بيانات 11-20 و 39.7 % من 63 توجيه في بيانات 21-30 دعت الى (أعمال العنف)، انخفاض حاد في عدد التوجهات إلى قطع العلاقات الاقتصادية والخدماتية العامة، فمن 25%  تقريبا في 20 البيانات الأوائل بدأ انخفاض حاد بالدعوات لوقف العلاقات الاقتصادية مع (إسرائيل) حتى وصلت الى 5% في البيانات 21-30.

 

إن التوجهات نحو المحافظة على مستوى عال من الدعوات (للعنف), وفي الجهة المعاكسة الانخفاض التدريجي فيما يتعلق بقطع العلاقة مع (إسرائيل) في مجالات الاقتصاد والخدمات العامة, مما يشير إلى تعثر بمجموعة من الاعتبارات المعقدة التي انطلقت منها الجهات التي تقف خلف الثورة والعصيان، فمن جانب ساد الاعتقاد أنه من دون العنف لا يمكن الاستمرار، حيث استخدم كمصرف ومتنفس للتأجيج الأيديولوجي والميول لنشاطات متطرفة في أوساط الشباب، فالأهمية الديموغرافية والمستوى التأهيلي والإدراك السياسي والأطر التنظيمية التي كانت بحوزتهم جعلت من الشباب الفلسطيني عنصر مبادر وموجه لأحداث الانتفاضة، علاوة على ذلك وكلما استمرت واتسعت (أعمال العنف) كلما تطلب ذلك المزيد من الضحايا في الجانب الفلسطيني وقد سجلت الانتفاضة إلى جانبها المزيد من الإنجازات السياسية فالمواجهة اليومية بين الفلسطينيين وجنود الجيش (الإسرائيلي) واكبتها تغطية إعلامية واسعة وأعادت القضية الفلسطينية إلى الاعتراف والإدراك  الدولي، على المستوى الشخصي العام والسياسي والصحافة الدولية، حتى دول صديقة (لإسرائيل) استنكرت وأدانت الأسلوب الذي تتعامل به (إسرائيل) ضد الفلسطينيين، وعلى ضوء هذه الأمور فقد تعزز الاعتراف بوجوب استعجال الحل السياسي ووضع حد (لأعمال العنف) وسفك الدماء وحرب الحجارة والعصي والطلقات المطاطية.

 

إن (العنف) المتزايد قد أخذ دوره أيضا داخل (إسرائيل)؛ ففي أعين الكثير من (الإسرائيليين) اعتبر الاحتلال على انه وضع لا يحتمل من الناحية الأخلاقية، فهو مدمر من الناحية الاجتماعية ومكلف من الناحية الاقتصادية ومضر من الناحية السياسية و العسكرية، وقد وجدت القيادة (الإسرائيلية) نفسها أمام ضغوطات متزايدة من جانب الطبقات العامة للتوقف عن محاولات اضطهاد الفلسطينيين بالقوة واقتراح حلول سياسية لوضع حد لسفك الدماء.

 

وفي نهاية الأمر فإن الاعتراف المتزايد في أوساط الفلسطينيين بأن (العنف) يغذي الانتفاضة ويؤدي إلى الإنجازات السياسية هي التي توضح السبب حول تزايد التوجيهات والدعوات للقيام بأعمال العنف من خلال بيانات حماس والقيادة الوطنية الموحدة  على حد سواء، ومن جانب آخر فان الامتحان الأساسي للانتفاضة يتمثل في قدرة الصمود الاقتصادي من قبل السكان الفلسطينيين في غياب القدرة الاقتصادية المستقلة كان الاعتماد على سوق العمل (الإسرائيلي) ضرورة واقعية ونمط حياة حتى في ظل الانتفاضة.

 

 وفي ظل هذه الظروف فإن الدعوة والطلب بقطع العلاقة مع (إسرائيل) في المجال الاقتصادي والخدمات العامة كانت بمثابة الطلب الذي لا يتحمله الشعب، فإن المقاطعة الاقتصادية الكاملة على (إسرائيل) قطعت رزق الكثير من العمال الذين وجدوا رزقهم في (إسرائيل) وهذا يؤدي إلى التعرض لمدخولات الكثير من التجار وأصحاب المصانع المحلية الذين تربطهم علاقات تجارية (بإسرائيل)، فالضرر الاقتصادي الكبير بالمجتمع ربما يؤدي إلى إضعاف سيطرة حماس والقيادة الوطنية الموحدة على الجماهير الفلسطينية, وفي الحقيقة فإن سر قوة الانتفاضة يكمن في قدرتها على مواصلة التعاون والاستجابة من جانب جميع الطبقات الاجتماعية والأجيال الفلسطينية.

 

تنسيق المواقف وتغير الظروف

ان عدم القدرة والاستجابة من جانب التجار وأصحاب المصانع والعمال للدعوات والتوجهات التي دعت الى قطع العلاقة الاقتصادية مع (إسرائيل) أدت بالقيادة الوطنية الموحدة وحماس على حد سواء بالتسليم لهذه الضغوطات وتنسيق مواقفهم الرسمية لهذه الظروف, وحسب ما تشير إليه المعطيات فكلما مر الوقت قلت الدعوات بقطع العلاقة الاقتصادية مع (إسرائيل) ، ومثل هذه الدعوات استمرت في الظهور لكن بصورة اكثر انتقائية واكثر تحديدا، هذا التوجه أدرك خاصة حول ما يتعلق بالعمل في (إسرائيل) ومقاطعة البضائع (الإسرائيلية)، وبعد وقت قصير أعلنت بيانات حماس بوضوح أن منع العمل في (إسرائيل) هو فقط في أيام الإضراب الاقتصادي أو على العمال الذين يعملون بقطاعات تنافس الإنتاج الفلسطيني مثل فرع إنتاج الحمضيات، وفي نفس الوقت دعت حماس إلى مقاطعة المنتجات التي يمكن الاستغناء عنها أو من لها بديل محلي مثل منتجات الألبان والإنتاج الزراعي والدخان والمشروبات الخفيفة.

 

ان انخفاض عدد الدعوات للمقاطعة الاقتصادية مع (إسرائيل) عبر عن إدراك من جانب حماس لحدود وقوة الانتفاضة، وهذا الإدراك يوضح سبب زيادة الأهمية التي وجهتها حماس لأعمال العنف، فقد امتنعت من الإعلان عن التمرد والعصيان المدني الشامل وفضلت التأكيد على الثورة وهو الجهاد, وهي مسيرة بعيدة المدى تحتاج إلى الإيمان بالعدالة والنصر مع مرور الوقت، وتبين هذا النهج في الأعمال والأمثلة الآتية من خلال بيانات حماس:

 

"اعلموا ان النصر يتطلب الصبر وان الله الى جانب الصادقين (يناير 1988) واعلموا ان طول الطريق للمقاومة  مع اليهود لن تنتهي بفترة قصيرة (1 ابريل 1988 ) لا توفروا جهدا في تصعيد المواجهة حتى يأذن الله لنا بالنجاة من الهزيمة، واكثروا من الدعاء لله لان بعد الضائقة يأتي الفرج (يناير 1988).

 

إن العصيان المدني الموجه الذي استمر بانخفاض عدد الدعوات الداعية لقطع العلاقات الاقتصادية مع (إسرائيل) يشير إلى انه ومنذ بداية الانتفاضة فقد أخذت حماس في حسبانها السلوك والاعتبارات لأهمية الفائدة، فقد حاولت التوقف عن الانزلاق في السخافات الفارغة من أجل تحقيق أحلامها وأهدافها، وذلك من خلال إدراكها إلى حدود قوتها وقد نظرت حماس بحذر تخوفا من الانزلاق في دوامة المواجهة الشاملة مع (إسرائيل) ، فالجهاد لم يكن الهدف بحد ذاته لكنه أداة سياسية من أجل تسخير وكبح التوازنات والاعتبارات السياسية.

 

إن قدرة حماس في تدعيم أعمالها من خلال التمييز بين مبدأ المقاومة الشاملة وبين الاعتبارات العملية الواقعية مرتبطة إلى حد كبير بقدرة قيادتها في تسويغ الانحراف عن الأهداف المعلنة.

 

الصبر والتكيف مع الظروف

وعلى ضوء هذا الأمر فقد تحقق الفائدة الدينية للصبر (الضبط النفسي، التحمل بالصبر) كأداة ووسيلة لتبرير السلوكيات والتكيف في الظروف المتغيرة، وان المؤمن سينال اجره ولكن عليه بالصبر (ان الله مع الصابرين)، فالدعوة إلى الصبر والتي أعدت من أجل تبرير التسليم الوقتي مع الواقع والتكيف معه موجودة في الكتب الإسلامية حول ما يتعلق بالنصر النهائي للإسلام، دون النظر الى ضعفه الحالي وهي تتعرض للدعوة الى التمسك بطريق الإيمان على الرغم من الواقع الصعب, وأن استخدام أداة الصبر من قبل زعامات حماس قد أعد من أجل منع اليأس الناتج عن الوضع الراهن في الانتفاضة وغرس الأمن في نفوس المؤمنين الذين سوف ينتصرون في نهاية الأمر (15) فالصبر أصبح أداة ذات فائدة في دعوات حماس وعليها يجب تأسيس المقاومة ضد (إسرائيل) وعلى اعتبارات الفائدة ضمن الحسابات الواقعية مع اعتبار التصور الديني المعلن على أن (إسرائيل) هي عدوة الله ونبيه محمد.

 

" العنف المراقب واتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية "

على الرغم من جهود التنظيم الجديد لحركة حماس في النصف الثاني لسنة 1989 والذي واجهت به الحركة أزمة داخلية في نهاية 1990 وبداية 1991 بعد حملة اعتقالات جديدة في صفوفها، الأمر الذي أبرز فشل جهود تنظيم الحركة، سواء على مستوى الزعامات المحلية أو على مستوى القيادة في عمان, الأمر الذي أبرز ضرورة بناء تنظيم عسكري سري يكون خاضع مباشرة لمركز القيادة الخارجي، إن هذا الإدراك ومبادرات تجنيد التنظيم المحلي كان جزء منها عفويا وهو الذي أدى إلى وجود وإنشاء "كتائب عز الدين القسام" خلال سنة 1991 والذي أصبح مع الوقت الجناح العسكري لحركة حماس، وقد منح هذا الاسم الجديد للكتائب عن طريق وليد عقل أحد نشطاء الحركة في قطاع غزة، وليصبح بعدها قائدا لها.

 

إن إنشاء "كتائب عز الدين القسام" كانت على ما يبدو مبادرة واحدة ولكن من عدة جهات ولكن نجاح هذه التسمية للتنظيم الجديد كان في فترة الهدوء  لنشاطات الحركة وبعد حملة الاعتقالات لسنة 1990 مهدت الطريق لإنشاء الجناح العسكري الرسمي لحركة حماس، فكلما زادت نسبة التأييد لحركة حماس عن طريق تنفيذ عمليات القتل لمواطنين يهود باسم "كتائب عز الدين القسام" فإن التأييد والرغبة في الانضمام من قبل النشطاء الإسلاميين على مختلف أطيافهم والذين قاموا بنشاطات وأعمال في الانتفاضة فهم يرغبون في الانضمام الى هذا الاطار الجديد (عز الدين القسام) وفي بعض الأحيان من خلال مبادرات عملية مستقلة وشجاعة مثلما حصل في عملية الخطف والقتل لشرطي حرس الحدود نسيم طوليدانو في شهر ديسمبر 1992 حيث استخدم هذا الاسم (كتائب عز الدين القسام) دون معرفة القيادة المحلية أو الخارجية (16).

 

وفي النصف الثاني لسنة 1991 انشغلت كتائب عز الدين القسام والتي انتشرت في مخيمات اللاجئين المختلفة في قطاع غزة انشغلوا في قتل المشتهين في تعاونهم مع أجهزة الاستخبارات (الإسرائيلية) من خلال الإعلان عن ذلك في البيانات المحلية وكتابة الشعارات على الجدران.

 

وفي 1992 نفذت إحدى المجموعات التابعة لهذا التنظيم الجديد عملية القتل الأولى لمواطن (إسرائيلي) وهو من سكان (كفار داروم) وهو تجمع استيطاني تحت اسم "جوش قطيف" وإن صدى هذه العملية إضافة إلى عمليات أخرى نفذت في صيف نفس السنة قد رفع نسبة الرغبة والميل لمهاجمة مواطنين (إسرائيليين) عن طريق إطلاق النار، وبعد ذلك بواسطة السيارات المفخخة، وخلال نفس السنة بدأ إنشاء قاعدة تنظيمية "لكتائب عز الدين القسام" في الضفة الغربية وكانت بداية التنظيم في مدينة الخليل وبعد ذلك في مدينة نابلس، حيث كان مستوى العمل العسكري بها في الحضيض، وفي يوليو 1992 أرسلت قيادة حماس في الولايات المتحدة رسولا ومعه النقود وأسماء نشطاء وتعليمات من أجل تنظيم العمل العسكري في الضفة الغربية ومن أجل التنسيق بينها وبين قطاع غزة  وقد عملت الخلايا التنفيذية في مناطق محددة وكانت خاضعة  مباشرة إلى القيادة في خارج الحدود والذين قاموا بدورهم بالتنسيق بين المناطق المختلفة وقاموا بالمساعدة في نقل الأموال بهدف شراء الأسلحة، السيارات واستئجار شقق للتخفي، وأيضا من أجل التدريب العسكري للمجندين الجدد (17).

 

ومن الصعب تقدير المدى الذي شكله التصعيد في نشاطات حماس العسكرية ردا على مؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر 1991 وبداية المفاوضات (الإسرائيلية) الفلسطينية والتي أصبحت على أمل كبير في النجاح، خاصة بعد إنشاء حكومة جديدة في (إسرائيل) في شهر يونيو 1992 بقيادة حزب العمل، وفي شهر نوفمبر 1992 بذلت جهود أولية من أجل تفجير سيارة مفخخة داخل السكان المدنيين اليهود، وقد انتهت العملية بالفشل، ولكن أشار إلى تحديد الطريق لتطوير الأعمال العسكرية لحركة حماس، وفي أعقاب طرد 415 ناشط من حماس و "الجهاد الإسلامي" إلى لبنان في شهر ديسمبر من نفس السنة أمرت حماس نشطائها من تنفيذ عمليتين وأن تكون إحدى هذه العمليتين عبارة عن سيارة مفخخة كإيماءة للمبعدين، وفي أبريل 1993 سجلت مجموعات "عز الدين القسام" إشارات أخرى نحو العنف عندما انفجرت سيارة مفخخة بسائقها الانتحاري في مفترق محولا في الغور وذلك بين سيارتي باص متوقفتين دون مسافرين، وتبين لاحقا وبصورة سريعة أن الضفة الغربية أخذت السبق في مجال العمل العسكري داخل (إسرائيل) نتيجة تحرك المطلوبين الكبار من غزة إلى الضفة الغربية وكان أبرزهم عماد عقل والذي اشترك بعمليات كثيرة في منطقة الخليل، وأدى مقتله إلى موجة من العنف في الضفة الغربية وقطاع غزة وإعلان ثلاثة أيام حداد على مقتله من قبل حماس وفتح, والإعلان من جانب أصدقائه أنهم سينفذون خمسة عمليات انتقام ضد (إسرائيل) انتقاما على تصفية نشطاء عسكريين كبار أصبحوا مع الزمن نموذجا للسلوكيات الثابتة للحركة، وهذه الخطوة تشير إلى الضرورة التي شعر بها زعماء حماس لتبرير عملياتهم العسكرية ضد (إسرائيل) نتيجة أعمالها ضدهم, ومن أجل إزالة وإبعاد المسؤولية عن أنفسهم لأعمال الانتقام ضد السكان الفلسطينيين التي تقوم بها (إسرائيل) ردا على أعمال الفلسطينيين, إضافة إلى الجمود في المسيرة السياسية الذي جاء نتيجة هذه العمليات.

 

مرحلة إعلان المبادئ عام1993

ان إعلان المبادئ المشترك بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير في 13 سيبتمبر 1993 قد غيرت من إحدى حالات حركة حماس الاستراتيجية، فمن حركة كانت عملياتها العسكرية ضد (إسرائيل) في تصاعد حاد في ظل إنكارها على حركة فتح والتنظيمات الوطنية الأخرى حيث بدأ نشطائها النظر إليها كبديل حقيقي لمنظمة التحرير، فقد وجدت حماس نفسها أمام خطر حقيقي وأمام تطورات إنشاء كيان فلسطيني في الضفة الغربية وغزة بمساندة (إسرائيل) ومساندة معظم الأسرة الدولية 

 

إن التساؤل حول التأثير الممكن لاتفاق المبادئ على مكانة حماس الجماهيرية وقوتها التنظيمية والعسكرية ومستقبلها السياسي, نوقشت نقاشات داخلية متكررة حيث نوقش بها موقف الحركة اتجاه اتفاق أوسلو، وفي هذه الوثائق اعترف بضعف حركة حماس مقابل مؤيدي اتفاق أوسلو داخليا وخارجيا والاحتراس لخطر تعرضها لضربة من قبل الائتلاف (الإسرائيلي) والسلطة الفلسطينية، وفي ظل هذه الظروف أصبح من الضروري مواصلة الكفاح المسلح لحركة حماس ضد (إسرائيل) لضرورة الواقع وكوسيلة للدفاع من أجل تأكيد تواصل وجود الحركة أمام محاولات المساس بها أو محاصرة خطواتها من قبل السلطة الفلسطينية وفي نفس الوقت فقد طلب أعضاء حماس المحافظة على وحدة الصفوف الفلسطينية والعمل على توحيد معارضي اتفاق أوسلو داخل الأوساط الإسلامية والوطنية على حد سواء.

 

وفي الحقيقة فإنه وخلال الشهرين الأولين بعد توقيع الاتفاق تميز الوضع بزيادة وتيرة العمليات المسلحة من قبل حماس ضد (إسرائيل) وأوضحت حماس أن سياسة الحركة تستند إلى اعتبارات واقعية "ذرائعية" وليس بناءا على منهج ثابت أو نموذج متصلب وقد عبر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس "موسى أبو مرزوق" عن سياسة حركته فيما يتعلق بالعمليات الإرهابية ضد (إسرائيل) حيث قال: إن العمليات العسكرية هي استراتيجية ثابتة ولن يطرأ عليها أي تغيير، طرق التنفيذ، التكتيك الوسائل والتوقيت حيث نخضع الى الفائدة الناتجة عنها وستتغير من وقت الى آخر من أجل إيقاع الضرر الأكبر بالاحتلال (19).

 

إن تطبيق اتفاق أوسلو كان مرتبطا إلى حد كبير بمدى نجاح السلطة الفلسطينية في تلبية التطلعات (الإسرائيلية) بوقف (الإرهاب) الإسلامي على وجه الخصوص، وبحديث آخر الكفاح المسلح لحركة حماس الذي هدد وأثر على مسيرة الانسحاب (الإسرائيلي) من الضفة الغربية وقطاع غزة فأعاقه وأحيانا أوقفه نهائيا.

 

ونتيجة لذلك فمن المحتمل أن ينظر الفلسطينيون في المناطق المحتلة إلى حماس على أنها العائق إليها استمرار الانسحاب (الإسرائيلي) الأمر الذي سيؤثر على ضعف التأييد الجماهيري لحركة حماس (20) ولكن حماس سعت إلى واقع المعادلة والتي اعتبرتها بمثابة "المشي على حبل دقيق" والذي ساعدها لمواصلة الضربات المؤلمة ضد (إسرائيل) وإظهار مدى ضعف اتفاق أوسلو من خلال الدعاية من أجل إلغائه, وفي نفس الوقت سعت حماس إلى عدم تدهور العلاقات مع السلطة الفلسطينية خوفا من الحرب الأهلية، وإن هذه الأهداف التي سعت لها حركة حماس من خلال تركيزها في العمل المسلح ضد (إسرائيل) من اجل إنشاء سلطة فلسطينية في غزة وأريحا بهدف إظهار أهمية الحركة داخل الجماهير الفلسطينية وتحجيم قدرة السلطة الفلسطينية في ضرب المعارضة الإسلامية (21).

 

تأثير الاتفاق على حماس

إلى أي مدى هدد الاتفاق بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير على حركة حماس؟ لأجل المعرفة يحب علينا دراسة استعداد حماس خلال سعيها للتوصل إلى تفاهم عام مع منظمة التحرير حتى قبل توقيع اتفاق أوسلو، وذلك على ضوء الإشاعات لإمكانية انسحاب (إسرائيل) من جانب واحد من قطاع غزة فقد طلب مسؤولو حماس التوصل إلى اتفاق مع منظمة التحرير من أجل عدم استخدام القوة من جانب واحد في قطاع غزة، فقد طلب مسؤولو حماس التوصل إلى اتفاق مع منظمة التحرير من أجل عدم استخدام القوة من جانب حركة فتح في المناطق المحتلة ضد نشطاء حماس، وعلى كل حال فإن هذا الاتفاق أصبح من ضرورات الساعة بعد اتفاق أوسلو، على ضوء توقعات إنشاء حكم فلسطيني مستقل في قطاع غزة، وقبل التوقيع على اتفاق القاهرة في شهر مايو 1994 لتنفيذ مرحلة غزة أريحا وإنتاج السلطة الفلسطينية, أعلن في قطاع غزة عن إعلان مشترك بين كتائب عز الدين القسام وصقور فتح وبشرت أن كلا الجهتين المتنازعتين توصلوا الى اتفاق من ستة بنود، وحسب هذا الاتفاق ستلزم الحركتين بالامتناع عن الجدل العنيف والتصادم والبدء في حوار بناء والإنتاج لجان تصالح مشتركة لتهدئة النزاع والامتناع لمدة شهر عن عمليات قتل العملاء، وتقليص عدد أيام الإضرابات، وإلغاء منع التعليم في المدارس، وقد أصبح هذا الاتفاق مثالا للتفاهم بين نشطاء حماس وفتح في أماكن أخرى (22).

 

وكلما تمسكت حماس بالكفاح المسلح فإنها لم تتنازل عن النظر إلى ردود الفعل الممكنة (لإسرائيل) والسلطة الفلسطينية وأيضا السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل احتمالية نسف الجهود من قبل الحركة لاحتمالية الانسحاب (الإسرائيلي) من المناطق المحتلة، ولكن وعلى نفس المستوى فإن استعداد حماس للتعايش مع السلطة الفلسطينية مقابل وقف الكفاح المسلح ضد (إسرائيل) ربما يؤدي إلى فقد الحركة إلى مميزاتها كحركة مقاتلة من أجل تحرير فلسطين بكاملها ولإنتاج دولة طبقا للقيم الإسلامية، ولو أن حماس لم تتمسك علنا بالكفاح المسلح لكانت الآن إليها خطر تدني التأييد الجماهيري وضعفها كقوة سياسية، وهذا ما عبرت عنه وثيقة داخلية لحركة حماس كانت قد أعدت بعد وقت قصير من إنشاء السلطة الفلسطينية، وهي ترضخ تحت دوامة من التعارضات ودون سياسة واضحة تناسب أهداف الحركة (23).

 

ومن المتوقع ان يكون العنف الموجه من قبل حماس يستند على الاعتقاد ان الهجمات الانتقائية ضد (إسرائيل) في المناطق المحتلة مرغوبة من قبل السلطة والتعجيل في الانسحاب (الإسرائيلي) من المناطق المحتلة.

 

على كل حال فإن قيادة الحركة أمرت أجهزتها بالعمل السياسي الإعلامي النشط في أوساط الجماهير الفلسطينية لعرض وفضح اتفاق أوسلو وإظهاره على أنه غير شرعي ولا يتمشى حتى مع قرارات مجلس الأمن 242 لما يتعلق بالانسحاب إلى خطوط يونيو 1967 وفي مقابل ذلك إبراز شرعية الجهاد.

 

وبعد إنشاء السلطة الفلسطينية أبرزت حركة حماس فشل عرفات وسلطته وعرضت إلى التعامل المذل الذي يتعرض له عرفات وسلطته من قبل (إسرائيل) ومطالبتها للسلطة بتلبية متطلباتها الأمنية، فهذا الوضع يعزز من حرية 


 

هوامش الفصل الثالث

10.    السنة الأولى لبدء العمليات العسكرية لحركة فتح

11.    حماس بيان خاص (10 نوفمبر 1988 ) .

12.    شافي وشكيد ص 244 -245 .

13.    Shaul Mishal and Reuven Aharoni , Speaking Stones Communiques from the Intifada Underground , (Syracuse University Press ,1994 )p.40

14.    مكرر ص 42 .

15.    اعتبار الصبر على انه مرتبط (بالموقف القوي ) وهذا المصطلح استخدمته منظمة التحرير من اجل الصبر والتحمل للسكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة .

16.    شافي وشكيد ص 14-16-161-298-310 .

17.    شافي وشكيد ص302-307.

18.    مكرر ص326 .

19.    فلسطين المسلمة يونيو 1994 .

20.    في نهاية شهر سيبتمبر 1993 كان 73% من الشعب الفلسطيني مع اتفاق اوسلو ومواصلة المسيرة السياسية .

21.    حماس (الامتناع عن الاقتتال وحدود الدفاع عن النفس ) أكتوبر 1993 .

22.    عن الاتفاق في منطقة الخليل انظر بيان مشترك ، 22 إبريل 1994، القدس 16 مارس 1993 .

23.    حماس " البرنامج المقترح للمواجهة الجماهيرية والسياسية في الداخل لمواجهة اتفاق غزة - أريحا " 9 أكتوبر 19934 .