|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الخامسة عشر
الإسكندر البطالمة السلوقيون
أنهى الإسكندر المقدوني ،
الوجود الفارسي في بيت المقدس وفلسطين ، مفتتحا عصرا جديدا من الصراعات الشديدة .
ورب قائل إن الأمر كان دوما
هكذا في بيت المقدس وفلسطين ، لكن أحدا لا يستطيع نكران حقيقة أن الطور الجديد قد
اتسم بعنف زائد في صراع مرير .
عشية حملة الاسكندر على فلسطين
، كان العرب الكنعانيون والأراميون ، هم العنصر الغالب من السكان ، فيما واصل
الفلسطينيون اندماجهم مع الكنعانيين وتموضعت جماعتان يهوديتان ، أحدهما إلى جانب
العرب في القدس ، والأخرى في السامرة ، كانت تعتبر نفسها اليهودية الحقيقية ،
ومعبدها هو الأساس .وكان بين الجماعتين صراع . لأن السامريين يقدسون جبل جرزيم .
ومعلوم أن الجماعة اليهودية في القدس ، كانت من المسبيّين الذين جاؤوا القدس مع
الحملات الفارسية ، وحظوا برعايتها .
بدأ الاسكندر حملاته سنة
ثلاثمائة وأربع وثلاثين قبل الميلاد . وأنجز احتلالا سهلا بعد هزيمته ملك الفرس في
ايسوس في كليكيا، فسيطر على مصر والشام ، دون مقاومة تقريبا . إذ لم تواجهه سوى صور
وغزة ، وثار السامريون ضده بعد وقت قليل من احتلال مدينتهم فنكل بهم تنكيلا شديدا .
أما القدس فقد دخلها قواد
الاسكندر دون مقاومة . تابع الاسكندر حملاته باتجاه الشرق فأخضع فارس وأواسط " آسيا
" وحوض السند ، ومات في بابل سنة ثلاثمئة وثلاث وعشرين قبل الميلاد .
خلف الاسكندر لقادته
إمبراطورية شاسعة جدا ، لم يتمكنوا من الحفاظ عليها موحدة سوى سنتين ، إذ اندلعت
الحروب بينهم ، فتولى سلوقي الأجزاء الآسيوية منها ، واستأثر بطليموس بمصر وضم
إليها الشام ، من خط يمتد جنوبي دمشق إلى الساحل غربا .
لم يكن هذا التقسيم سليما ، بل
اقتضى حربا استمرت اثنين وعشرين عاما ، ذاقت خلالها فلسطين الأمرين ، حيث عبرتها
الجيوش المتحاربة سبع مرات ، واقتحمت بيت المقدس مرة واحدة على الأقل .
وطوال القرن الثالث قبل
الميلاد ، اندلعت بين البطالمة والسلوقيين خمس حروب ، تنازعا خلالها السيطرة على
الشام ، إلى أن استقرت في يد السلوقيين سنة مئتين قبل الميلاد .
وهكذا يمكن التمييز بين عصرين
من الحكم اليوناني لفلسطين وبيت المقدس . عصر البطالمة ، وعصر السلوقيين .
اعتبر البطالمة القسم الذي ظل
في حوزتهم من سورية وحدة إدارية سموها " سوريا – فينيقيا " وأطلقوا على الأقسام
الإدارية التي قسمت الولاية على أساسها " إبارخيات " واحدتها إبارخية . وكانت هذه
ستا . الجليل وقصبتها بيسان . وتشمل الجليل الأعلى وتلال الجليل الأدنى ومرج ابن
عامر حتى بحيرة طبرية ونهر الأردن شرقا .
أما في الغرب فكانت حدودها
تنتهي عند أقدام مرتفعات الجليل وجبل الكرمل . ثم أبارخية السامرة وعاصمتها جبل
جرزيم ، أما السامرة فأصبحت مستعمرة عسكرية مقدونية .
واحتفظت " أبارخية " القدس من
الحدود التي كانت لها في التقسيم الإداري الفارسي ، فقد شملت المنطقة الممتدة من
منحدر جبال القدس غربا إلى نهر الأردن والبحر الميت شرقا ، ومن حدود السامرة شمالا
إلى خط يمتد شمالي مدينة الخليل جنوبا ، وكانت المقدس العاصمة .
أما الأبارخية الأدومية ، فقد
وسعت ، إذ أصبحت مدينة الخليل ودورا ، وما ولاهما شرقا وغربا جزءا منها . وكانت
عاصمتها تل صفد حنه . وأنشئت أبارخية ساحلية ، مركزها الإداري حصن ستراتون .
وأبارخية اسدود ، ومركزها يبنا .
وتمتعت يافا ، وعسقلان ،
واسدود الداخلية وغزة ، بحكم ذاتي ، وكانت مرتبطة بالملك البطليمي مباشرة .
كانت لكل أبارخية إدارة يرأسها
ستراتفوس . وهو ضابط رفيع المستوى بصلاحيات عسكرية ومدنية . ويوناني بالضرورة . كان
هناك ستراتفوس للقدس , وهذا يعني أنهالم تكن تتمتع بأي استقلال سياسي ، ولن تعرف
كدولة إلا في العصر الهليسنتي لاحقا .وفي مصر البطالمة كانت تسمى : ايروسوليما ،
المكونة من جذرين الأول : ايرو التي تشير إلى قدسيتها ، كما هي الحال في مدن أخرى
كثيرة في المنطقة منها ايرابوليس ( منبج ) وبعلبك وغيرهما .. والثاني : هو سوليما
.. ولعل معناه السلام .
الأمر الذي يعطي انطباعا أنها
عوملت كمدينة مقدسة وأبقى فيها على تقليد كان سائدا منذ العصر الفارسي وهو مجلس
شيوخ يسمى غيروسيا ، كان أعضاؤه من رؤساء الأسر الكبيرة ورجال الدين الكبار
والنبلاء العلمانيين الأثرياء وأصحاب الأملاك ، ويرئسه الكاهن الأعظم ، الذي يتولى
المنصب بالإرث العائلي .
ولكن المدينة كانت تحت إشراف
ملكي دقيق كما هو حال جميع المدن ، وتخضع الأراضي ووراداتها فيها لإشراف حكومي في
شؤونها المالية . في العهد البطليمي ، نشأ في بيت المقدس اتجاه يميل إلى السلوقيين
، وكان يتزعمه الكاهن الأعظم في حينه : سمعان الأوني ،مؤيدا من أسرة يوسف طوبيا
التاجر الثري الذي انتقل من شرق الأردن إلى القدس ، وكانت له مصالح تجارية مع
البطالمة في مصر ، لكنه غير اتجاهه ، عندما رأى الأمور تسير في صالح السلوقيين .
وقد استقبل ملك السلوقيين
انطيوخس الثالث استقبالا حارا في بيت المقدس عند دخولها بعد انتصاره على البطالمة
في بانياس وإخضاع الشام لحكمه ، ومقابل ذلك،سمح لهم العيش بمقتضى ناموسهم وأعفاهم
من الضرائب لثلاث سنوات وأعفى أعضاء الفيروسيا من دفع الضرائب نهائيا . وهذه معاملة
كانت تلقاها عادة المدن الدينية من البطالمة والسلوقيين .
حول هذه النقطة لا بد من نقل
رأي حرفي للمؤرخ د . نقولا زيادة ، حيث يقول :
" ثمة أمر حري بالاهتمام ، وهو
أن الشعب اليهودي لم يكن له كيان سياسي مستقل خاص به ، ولم يتمتع حتى باستقلال
داخلي ، وكل ما هناك هو أن ما قام به السلوقيون نحو شعوب ودول " هياكل أخرى ، لم
يجد من يدونه بتفصيل كي يتضح العمل للأجيال التالية . أما الأب اليهودي الديني فقد
دون هذه الأمور بتفصيل كبير . وهو لم يدون للتاريخ والحقيقة ، بل كانت الغاية من
ذلك إظهار هذه الأمور بأنها إتمام لعناية يهوه بالشعب اليهودي . فقد خلق العبرانيون
قضية العهد الذي قطعه يهوه لشعبه إذ اختاره دون الشعوب الأخرى ، ووعدوه بأمور كثيرة
منهاأرض الميعاد.
وهذه القضية التي خلقها
العبرانيون القدامى واعتبروها عهدا من يهوه يترتب عليه المحافظة عليه ، تبناها
اليهود فيما بعد ، وأكدوا عهد يهوه لشعبه المختار ، ومن الواضح أن جميع هذه الأمور
ادعاءات ومختلقات .
وقد أصبحت هذه العقيدة
اليهودية عقدة في تاريخ الشعب وتاريخ علاقاته بالشعوب الأخرى على مدى الأجيال وما
تزال " . ( انتهى المقتطف ).
سرعان ما انخرط السلوقيون في
حروب خارجية وداخلية أنهكتهم ، وامتصت قواهم ومواردهم فمدوا أيديهم إلى أموال معبد
زفى في سوسة ، ومعبد بيت المقدس ، وصارت رئاسة الغيروسيا في بيت المقدس تشترى من
الملك الأموال فكثر المتنافسون ، وتصارعوا فيما بينهم أيضا ، وأصبحت الهلينية مدار
صراع جديد في القدس ، عندما أقام فيها السلوقيون معبد ألزفس .
سنة مئة وتسع وستين احتل
أنطيوخس الرابع بيت المقدس ، ونهب أموال المعبد بالاتفاق مع منلاوس زعيم الغيروسيا
، الذي اشترى منصبه بالمال ، وبعد عام واحد ، ومع إنتشار التذمر فيها ، أرسل
أنطيوخس قائده ابولينوس ، فدمر المدينة ، ونهبها ، وبنى فيها الاكرا ، أي القلعة
التي أصبحت شاهدا عمليا للوجود الهليني القوى في القدس ، وأصبحت المدينة من الناحية
العملية مستعمرة عسكرية .
بالطبع بالغ التدوين اليهودي
مبالغة كبيرة في تصوير هذه الأحداث كما سيبالغ لاحقا في سرد أحداث ثورة المكابيين
ضد السلوقيين ، فالثورة التي كانت ذات طابع سياسي ، في مواجهة محاولات أنطيوخس
الرابع فرض القيم الهيلنية ، وضرب القيم الخاصة ، صورها التدوين اليهودي ، على أنها
ثورة ضد الاضطهاد الديني لليهود .وعرفت هذه الثورة باسم ثورة المكابيين، لأن زعيمها
، كان يدعي " المطرقة " وهي " مكابي " بالعبرية . وقد استمر طورها الأول من عام مئة
وسبعة وستين إلىعام مئة واثنين وأربعين قبل الميلاد . وانتهى هذا الطور بقيام
الأسرة الحشمونية كأسرة ملكية ، وسمي ملكها الأول ارستوبولس الأول .
لكن ما ساد بعد ذلك هو القتل
ولاضطراب ، إذ دبت الخلافات داخل الأسرة نفسها . ويقول د . نقولا زيادة :
أحاق بفلسطين بسبب هذه الثورة
، وخاصة خلال الفترة التي مرت بين تأسيس الأسرة الحشمونية ووصول بومبي إلى فلسطين
سنة ثلاث وستين قبل الميلاد . مصائب ومعارك أتت على الحرث والضرع ، ولما اشتد
التنافس بين أفراد الأسرة، ثم لما ثار القريسيون ، وهم على الراجح بقايا الحسديم ،
على المكابيين ، زادت المصائب حجما ومساحة وعمقا ، بحيث كان مجيىء بومبي إنقاذا
لأرواح الذي لم تحصدهم سيوف المكابيين من مخالفيهم ، بقطع النظر عن العنصر الذي
انتسبوا إليه أو الجهة التي أيدوها .
|