|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
التاسعة والعشرون
الحملات الرومانية وحكم هيرودس الأدومي
بدأت رومة التدخل في شؤون
فلسطين ارتباطا بضعف الدولة السلوقية ،و لكن الحملات العسكرية الرومانية بدأت سنة
خمس وستين قبل الميلاد ،بالحملة الأولى على سورية والتي قادها بومبي ، وهو نفسه
الذي احتل بيت المقدس سنة ثلاث وستين للميلاد وخرب معظم أنمائها.
وقد سبق هذا الاحتلال ،صلات
ومكائد وبرها المكابيون ،واشترك فيها الآدميون العرب ،الذين فرضت عليهم اليهودية
بالسيف في وقت ما ولكنهم ظلوا عنصرا غريبا ،بالنسبة لمن فرضوا عليهم هذا الدين
بالقوة .
بدأت القصة عندما مد المكابيون
صلات مع رومة الصاعدة ،أثناء خلافهم مع السلوقبين والحرب التي جرت الدمار على
فلسطين ،وعندما شرع الرومان في حملاتهم العسكرية اتصل بهم حلفاؤهم ،فالتقى سكاورس ،
وكيل بومبي في سورية، الأخوين المتنافسين على زعامة الجماعة الدينية في بيت المقدس
، وهما هركانوس وأرستوبولس ،في محاولة للتوفيق بينهما.
وكان ارستوبولس ،طرد هركانوس
من القدس ،فتلقى هذا الأمير دعما من ملك الأنباط ، وأيضا من أنتيباتر الأدومي ،
وبذلك تغلب على أرستوبولس .
حاول الاثنان شراء الدعم من
القائد الروماني بالمال وانتهى الأمر بأن سكاوروس أرستوبولس في منصب الكاهن الأعظم
،عند ما جاء بومبي إلى سورية ،استقبل مندوبا عن ارستوبولس ،يحمل وعدا بمبلغ كبير من
المال ،وأخر هو انتيباتر الأدومي وكيلا عن هركانوس تم حضر الاثنان بالذات إلى بومبي
، حضر وفد ثالث بمثل فتات من الجماعة الدينية فيث بيت المقدس ،مطالبا بإزاحتهما
كليهما.
طلب بومبي تأجيل الأمر سنة
،فرفض أرستوبولس وحاول الانتقام والقدس ، ولما أورى أنه خاسر لا محاولة سلم نفسه
للقائد الروماني بومبي الذي اعتبره أسيرا لديه ، وسار إلى بيت المقدس ،فدخلها بعد
قتال شديد ، وتذكر المصادر التاريخية أنه قتل الكثير من سكانها ، ثم ثبت هركانوس في
منصب كاهن أعظم ، ووضع بومبي المدينة تحت سلتطه المباشرة .
استطاع أحد أبناء ارتوبولس
الفرار من الأسر وأخذ يعد عدة للثورة ،ولعبت الخلافات في البلاط الروماني دورا في
عودة الفوضى والاضطراب إلى فلسطين فيما اشتدت خلافات هركانوس مع أقربائه ،فقد أطلق
سراح ارستوبولس من الأسر ، ولكنه سحل في الطريق ، وكذلك قتل ابنه.
وقف انتيباتر الأدومي وهركانوس
إلى جانب بومبي في الصراعات التي اندلعت في رومة ، كما ناصرا خلفه يوليوس قيصر
،الذي قدم له انتيباتر الأدومي خدمات كبيرة عسكرية وتميونية ،انعكست علاقة انتيبابر
القوية مع القيصر على حلفية هركانوس ،فجرت تثبيته ككاهن أعظم في القدس ،مع صلاحيات
أوسع كما منح أنتبياير ،حق الرعوية الرومانية ،ففين أول حاكم لبيت المقدس ، ووسعت
سلطته ليضم إليه يافا وعدد من قرى مرج ابن عامر .
قدم انتبياير الأدومي ابنيه
فصايل وهيرودس إلى المسرح ،فأعطى إدارة بيت المقدس وبيريا لفصايل ، وعهد إلى هيروس
بإداترة الجليل ، وسمى كلا منهما ستراتفوس .
أثار هذا حنق الكهنة والجماعة
الارستقراطية في بيت المقدس ، وأرادوا الكيد لهيردوس الأدومي العربي بتقديمه إلى
محاكمة أمام المجلس "السنهدريم" فما كان من هيروس إلا أن قاد فرقة عسكرية وأراد
اقتحام المدينة ففتحه أبوه من ذلك مقابل صمت المجلس .
كان انتيبابر الأدومي يسير مع
اتجاه الريح في روما ،فبعد اغتيال يوليوس قيصر ، وقف إلى جانب كاسيوس ،فازدادت نقمة
الجماعة الدينية في بت القدس عليه ،ثم مات مسموما ،إلا أن ابنيه كان قد ثبتا
مكانهما .
نجا هيرودس من مكيدة رومانية
،تسببت في موت أخيه انتحارا ،ثم اختار السير على خطى أبيه ،بتأييد القوى في روما
،فأخذ باحتلال المدن الفلسطينية مؤيدا من انطونيوس واكتافيوس ، وأتم احتلال بيت
المقدس سنة ست وثلاثين قبل الميلاد ، وأصبح ملكا على فلسطين .
تعلم هيرودس كيف يسير مع اتجاه
الريح الرومانية وفرض الاستقرار في فلسطين ،بعد أن قضى على العصابات اليهودية في
الجليل ، وشرع في عمليات بناء واسعة وأدخل العناصر الحديثة إلى المدن التي بناها
وهي :جمنازيوم ومسرح وميدان سباق على ما كان سائدا من أدوات الثقافة آنذاك ، وكان
في بلاطه فئة من أهل المعرفة يقصدهم نقولا الدمشقي المؤرخ والأديب الذي كتب شبه
يوميات عن هيروس ، وأرخ للفترة ، وكاتن يحيط نفسه لمجلس استشاري يدعوه للمشاورة.
يوصف هيرودوس بأنه كان بناءً
من الدرجة الأولى، فبنى في فلسطين أول ميناء بحري كبير هو قيصرية ومدناً أخرى وأشاد
قلعة في أريحا، وبنى مدينة سبسطية. وجدد بناء بيت المقدس. كلفته هذه الأعمال
أموالاً كثيرة، ففرض ضرائب كثيرة، ولم يكن يسمح بأي تساهل، حتى أنه قتل ابنين من
أبنائه، وإحدى زوجاته.
كان هيرودوس أدومي الأصل،
والأدوميون عرب، وقد فرضت عليهم اليهودية بحد السيف، لكن ذلك لم يغير من عنصرهم
العربي، واليهود في منطقة القدس كانوا يعتبرونه غريبا ..وقبل به الجميع مرغمين خلال
فترة حكمه التي دامت من سنة سبع وثلاثين قبل الميلاد إلى السنة الرابعة قلب
الميلاد.
قسم الحكم بين أبناء ثلاثة له
قبل موته لكن هؤلاء كانوا ضعفا ، وبالتدريج عادت فلسطين ولاية رومانية .
سنة ست وستين للميلاد نشبت في
فلسطين حركة عصابة عنيفة ضد الحكم الروماني بسبب الضرائب المرتفعة والإهمال وكانت
بذور التمرد بدأت سنة أربع وخمسين في عهد نيرون ، الذي عهد إلى القائد الروماني
فسبسيان للقضاء عليها، لكن هذا اختير إمبراطورا فأسند الأمر إلى تيطس ،الذي دمر بيت
المقدس سنة سبعين للميلاد ، وخربها وخرب المعبد فيها.
تحولت بيت المقدس بعد هذه
الحرب إلى معسكر للفرقة العاشرة الرومانية التي وضعت هناك وفشلت محاولة إقامة مدينة
هيللينة محل بيت المقدس القديمة ، وذات المحاولة إلى عصيان استمر ما بين عامي مئة
واثنين وثلاثين إلى مئة وخمسة وثلاثين للميلاد .قضى عليه الرومان بقسوة ، ومعه
كسروا شوكة الجماعة الدعية اليهودية .
بعد انتهاء هذا العصيان تم
الشروع في بناء المدينة التي ستعرف مذاك باسم إيلياء كابيتولينا .
كان هدريان بناء قناعا ،وأراد
أن يقيم مدينة جديدة مكان القدس القديمة التي لم تعد في حينه عن كونها معسكرا
ومخزنا للجنود .اختط هدريان للمدينة الجديدة سنة مئة وثلاثين للميلاد ، وتشمل هيكلا
رومانيا وجميع المؤسسات الرومانية العمرانية والثقافية ، وقد أتم بناءها بعد
الأحداث التي ذكرت ، ومنع اليهود من دخولها نهائيا.
مع إتمام بناء إيلياء ،انتهى
عهد "السلام الروماني" ودخلت الإمبراطورية في الغوص والصراع والحروب الطاحنة ،ونالت
فلسطين حظها من هذه الحروب ،وإذا كان صحيحا أن إيلياء التي أصبحت بيزنطية منذ القرن
الرابع الميلادي ،سوف تعيش قرنين آخرين قبل أن تدمر من جديد، في الحروب الساسانية
–الرومانية ،إلا أن السنوات التي سبقت الدمار ،كانت حافلة بأحداث كثيرة .
فقد شهدت بيت المقدس ظهور
المسيح عليه السلام ،وانتشار دعوته واضطهاده أيضا وفي إيلياء شهد الدين الجديد
قفزات كبيرة
|