|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
السادسة والثلاثون
العهد المملوكي
مرت عاصفة المغول دون أن تصيب
بيت المقدس بشيء . وبعد دحر المغول أنهى المماليك بقايا الوجود الفرنجي في فلسطين
ومناطق الشام الأخرى .
حظيت بيت المقدس بعناية خاصة
في العهد المملوكي ، وبعد أن كانت تتبع نيابة دمشق ، تحولت إلى نيابة مستقلة تتبع
لها ولايات الخليل ونابلس والرملة .
شاركت نيابة القدس مع النيابات
الأخرى الشامية في حروب المماليك ودفع الأخطار عن الشام . رغم أن العهد المملوكي
الذي بدأ قويا في فلسطين مع هزيمة التتار في معركة عين جالوت سنة ألف ومئتين وستين
للميلاد ، انشغل لثلاثين سنة أخرى في حروب الفرنجة ، ودرء الأخطار المغولية
المتجددة وشهد كسابقه الأيوبي خصومات ونزاعات على السلطة . إلا أن بيت المقدس ظلت
لها الحظوة وشهدت نهضة كبيرة .
كان نظام النيابات الذي أقامه
المماليك أشبه بالممالك المؤسسة على الإقطاع العسكري ، وزاد في نيابة القدس مكانتها
الدينية ، ولذلك كان نائب القدس غالبا ما يتولى أيضا نظارة الحرمين الشريفين في
القدس والخليل .
قبل أن تصبح نيابة القدس
مستقلة ، كان نواب القدس يقيمون في قلعة المدينة الواقعة قرب باب الخليل ، وعندما
استقلت النيابة نزل النواب زاوية الدركاء ثم المدرسة الجادلية بعد بنائها ، وقد
تحولت إلى دار للنيابة .
استقرت في القدس حامية قوية
لحفظ أمنها وللمشاركة في حروب السلطة متى استدعى الأمر ذلك .
تتضح مكانة القدس خلال العهد
المملوكي ، ليس من حجم البناء الذي قام به أمراء المماليك وحسب ، ولكن من طبيعة
الوظائف الهامة فيها ، والتي مزجت بين أمور الدين والدنيا .
وأهم هذه الوظائف : - النظارة
، كانت وظيفة ناظر الحرمين الشريفين من أقدم الوظائف في القدس وأهمها ، وهي وجدت
زمن الأيوبيين ، لكن قواعدها ترسخت في عهد المماليك ، كان على الناظر الإشراف على
حرمي القدس والخليل
والعناية بهما من جميع الجوانب
لا سيما ما ارتبط بترميم الأبنية وإصلاحها، معتمدا على الأوقاف الكثيرة ومواردها
المخصصة لهذا الغرض .
وفي وقت ما ، كان ناظر
الحرمين في القدس يشرف على الحرمين في مكة والمدينة ، وعندما لم تكن النظارة تسند
إلى نائب القدس ، يتولاها واحد من العلماء الأجلاء يعين بمرسوم من السلطان .
مشيخة الصلاحية : وتأتي في
المرتبة الثانية بعد النظارة ، والمقصود مشيخة المدرسة الصلاحية وكان شيخ المدرسة
يعين بمرسوم سلطاني ، ويعتبر أحد أهم ثلاث شخصيات في المدينة مع النائب والناظر ،
وكان شيخ الصلاحية يشغل أحيانا منصب قاضي القضاة أيضا .
القضــــاة : وكان يتم تعيينهم
من قبل قاضي القضاة في دمشق ، ثم بعد أن صارت القدس نيابة مستقلة ، كانوا يعينون
بمرسوم سلطاني .
الخطـــابة في المسجد الأقصى ،
وقبة الصخرة والمسجد الإبراهيمي في الخليل : كان الخطباء يعينون في نيابة القدس
بمرسوم سلطاني ، ويجمع بعضهم إلى الخطابة مشيخة المدرسة الصلاحية ، وأحيانا منصب
قاضي القضاة .
وظائــــف التدريس : تمتعت
القدس في العصر المملوكي بنهضة ثقافية عظيمة ، وكان من مزايا ذلك العصر التوسع
المستمر في بناء المنشآت من مساجد وتكايا ومدارس . وبلغ عدد المدارس في القدس
أربعين مدرسة ، وتدفق العلماء من بغداد بعد أن دمرها المغول إلى القدس ليساهموا في
نهضتها العلمية .
وكانت المدارس المقدسية أشبه
بجامعات لها نظمها وقوانينها الخاصة ، ولم يحظ بوظيفة التدريس إلا عالم مقتدر ،
لذلك كانت مكانة المدرسين عالية
وتأتي بعد ذلك وظيفة المحتسب
وناظر البيمارستان ، وهي أشبه بوزارتي المالية والصحة على التوالي .
شاع جو من التسامح داخل القدس
، لكن السلطات المملوكية متأثرة بفصول الحملات الفرنجية تشددت في مراقبة الحجاج
المسيحيين القادمين من أوروبا لزيارة القدس . وفرضت عليهم ضرائب .
أما أهل بيت المقدس من
المسيحيين ، فكانوا يبنون كنائس جديدة، ويرممون ما يحتاج منها إلى ترميم ويحظون
بدعم نائب القدس ورعايته، وتشير كتب التاريخ إلى أن الأكثر حظوة كانوا من الأقباط
واليعاقبة العرب...
أسهم الحج المسيحي ، وتوجه
العرب من المسلمين والمسيحيين إلى سكنى المدينة ، في سرعة ازدهارها وعرفت من بين
النيابات الثرية في السلطة المملوكية على اختلاف أطوارها ، كما شهدت جور بعض النواب
في جباية الضرائب المرتفعة ، في العهود المملوكية المتأخرة ، ما أثار غضب المقادسة
على أولئك النواب وعلى السلطة التي حاولت جرهم إلى معارك لم يكونوا ليروا مصلحة لهم
فيها ، مع اقتراب الخطر العثماني على الدولة المملوكية .
|