الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة السادسة والأربعون

 

المستوطنات الألمانية

  

أثارت حملة نابليون الفاشلة ، شهية المستعمرين الأوروبيين لاستيطان فلسطين بدعاوى دينية ، ففي عام ألف وثمانمئة وواحد وأربعين ، اقترح ضابط ألماني عمل مع القوات العثمانية ، ويدعى هلموت فون مولتكه ، إنشاء ما سماه : مملكة القدس ، لتجعل من فلسطين مركزا متقدما للحضارة الأوروبية ، وأنموذجا للتطور الاقتصادي في الشرق، ودولة واقية بين مصر وسورية في حال قيام مملكة وراثية في مصر تحول دون أي اعتداء على الدولة العثمانية .

وقال مولكه : إن قيام هذه المملكة سيكون بعثا للتقاليد والقيم الصليبية ، ونصرا معنويا عظيما تحققه المسيحية في العالم ، على أن يكون على رأس المملكة أمير ألماني .

 

تحمس ملك بروسيا للمشروع ، وعرضه على ملوك أوروبا فلم يقبلوا به ، لكن الفكرة وجدت طريقا إلى الحياة ، من خلال " جمعية الهيكل " الألمانية والتي تعود في أصولها إلى حركة الأتقياء التي ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر كحركة إصلاحية في الكنيسة الإنجيلية ، لتتخذ عند اندلاع حرب القرم سنة ألف وثمانمئة وثلاث وخمسين اتجاها جديدا . إذ ساد شعور في أوروبا أن نهاية الدولة العثمانية صارت وشيكة . فدعا زعيم الحركة كريستوف هوفمان إلى سلخ فلسطين عن الدولة العثمانية وجعلها موطنا لما سماه : شعب الله .

ورغم التأثيرات التوراتية الواضحة في دعوته ، والمسوغات التي ساقها لها ، فإنه لم يقصد بتلك التسمية اليهود ، بل ما سماه : الشعب المسيحي الإنجيلي .

 

في آب من عام ألف وثمانمئة وأربعة وخمسين عقد أتباع هوفمان اجتماعا للجنة سموها : لجنة أصدقاء القدس ، وذلك للبحث في تنفيذ مشروعه ، وسعوا إلى أن يتبنى البوندستاغ الألماني المشروع وأطلقوا جمعية سمت نفسها : جمعية تجميع شعب الله في القدس . لبناء مملكة الرب .

 

حصلت الجمعية على تبرعات مالية ، وشهدت خلافات أدت إلى انشقاق الجزء الفاعل منها باسم " جمعية الهيكل " أو " الهيكل الروحي " . وأخذت تضغط من أجل الحصول على أرض في القدس ، بموافقة السلطات العثمانية ، التي كانت أصدرت سنة ألف وثمانمئة وسبع وستين قرارا يتيح للأجانب التملك في فلسطين ، إذا حصلوا على الجنسية العثمانية .

ووافقت في العام التالي على طلب أعضاء الجمعية بتملك الأرض بعد تحديد مساحتها وموقعها .

 

طلب هوفمان وأعضاء جمعيته شراء ثلاثة أميال مربعة عند جبل الكرمل في حيفا ، د ون الحصول على الجنسية العثمانية ، وعندما رفضت السلطات طلبهم حصلوا على الأرض عن طريق التحايل ، وتدخل القنصل البروسي لصالحهم ، ليبدأ الاستيطان الألماني على ارض فلسطين ولأهداف دينية حسب ما قالت الجمعية .

 

بنى الألمان مستعمرة في حيفا ، وأخرى في يافا ، وسنة ألف وثمانمئة واثنتين وسبعين استطاعوا الحصول على قطعة أرض شمال غربي محطة سكة حديد القدس خارج حدود البلدية ، بنوا عليها مستعمرة توسعت خلال ست سنوات لتصبح المقر العام لإدارة جمعية الهيكل بمساحة خمسة وعشرين هكتارا . وجرى إنشاء مستعمرات أخرى في أنحاء متفرقة من فلسطين. ابتداءا من عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين كانت الأهداف الدينية الخاصة بتجميع شعب الله وبناء مملكة الرب قد تلاشت ، وصار هم المستعمرين الألمان تحسين وضع استيطانهم خاصة وقد دبت الخلافات الدينية بين زعمائهم ، وبدأ الأتباع يعودون إلى الكنيسة الإنجيلية بتأثيرات قساوسة الكنيسة في القدس .

 

وقد شهد العام نفسه ، قيام الأسطول الألماني باستعراض قوته أمام الساحل الفلسطيني ، لحماية المستوطنين الألمان في فلسطين ، خشية رد فعل على المذابح التي تعرض لها المسلمون في البوسنة ، ذلك العام  .

لم تلعب المستعمرات الألمانية دورا بارزا في العلاقات العثمانية – الألمانية التي قويت كثيرا في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر ، وكانت الحكومة الألمانية ترى في هذه المستوطنات عبئا عليها .

رغم ما مثلته زيارة غليوم الثاني إلى بيت المقدس من دفع حماسي للمستوطنين الألمان ، ولجمعيات الاستيطان الألماني في فلسطين .

 

اتسمت علاقة المستعمرات الألمانية مع عرب فلسطين بالريبة والشك والحذر . فقد نظر العرب الفلسطينيون إليهم كمستعمرين ، في حين تصرف هؤلاء بفوقية واستعلاء على أنهم " شعب الله " وعندما سعى شاب عربي مسيحي من فلسطين ، للزواج بفتاة ألمانية من المستعمرات ، جرى رفض هذا الأمر بإصرار ، ووصف العرب بأنهم " رعاع " لا يليق بألمانية أن تتزوج أحدهم .

 

اتخذت جمعية الهيكل موقفا عدائيا من اليهود قبل استيطان أفرادها أرض فلسطين . ولكن الهيكليين تعاونوا لاحقا مع نوبات الاستيطان اليهودي الصهيوني في فلسطين ، وعندما بدأ المستوطنون الصهاينة يهددون مصالح المستعمرات الألمانية ، عاد المستعمرون الألمان إلى الموقف القديم . وقال هوفمان مؤسس جمعية الهيكل : أن الأرض المقدسة ينبغي أن تكون ملكا لشعب الله . واليهود لم يعودوا شعبا مقدسا . الهيكليون وحدهم من أوجد الشعب المقدس الجديد .

كان الطرفان يستخدمان خطابا متشابها ، لذلك استحكم العداء بينهما ، وعند ما وجهت الحكومة الألمانية المستوطنين الألمان إلى التعاون مع المستوطنين اليهود ، أيد الألمان موقف حكومتهم ، وشهدت العلاقة بين الطرفين تحسنا مؤقتا ، إذ بدأت تلك المستعمرات الألمانية بالتلاشي منذ عام ألف وتسعمئة وثمانية عشر .