|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
التاسعة والخمسون
تقديس الحج
يقول سبحانه وتعإلىفي كتابه
العزيز:
بسم
الله الرحمن الرحيم
" ولله على
الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" آل عمران/97.
صدق الله العظيم
ويقول عز من قائل:
بسم
الله الرحمن الرحيم
" و أذن في
الناس بالحج يأتوك رجالا، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم
ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها و
أطعموا البائس الفقير".
صدق الله العظيم
الحج ركن من أركان الإسلام،
وفريضة من الفرائض التي فرضها الله على عباده المؤمنين، و الحج هو إلى البيت الحرام
بمكة، ومناسكه ومشاهده إنما تتم هناك، فما هي الصلة بين الحج
إلىالبيت الحرام بمكة، وبين بيت
المقدس ؟
لقد أكد سبحانه وتعالى في
كتابه الكريم، الصلة التي لا تنفصم عراها، بين المكانين المقدسين، بين المسجد
الحرام و المسجد الأقصى في الأرض المباركة.
وهذا الرابط الإلهي المحكم،
إنما جاء ليؤكد مكانة بيت المقدس، إلىجانب
مكانة البيت الحرام، وليضفي عليه طابع القدسية الإلهية.
أما الصلة المباشرة بين الحج
إلى البيت الحرام وبين بيت المقدس، فيوضحها
الحديث النبوي الشريف.
قال رسول الله، صلى الله عليه
وآله وسلم:" من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله ما
تقدم من ذنبه"
وفي رواية أخرى:" وجبت له
الجنة"
رواه أبو داوود.
إن الرسول الكريم، صلى الله
عليه وآله وسلم، يؤكد في هذا الحديث مكانة بيت المقدس، من خلال إعطائه موضعا خاصا
بربطه بالحج إلى البيت الحرام بمكة المكرمة.
فالإحرام للحج، يتم من مواضع
معروفة، محددة ببعدها المكاني عن البيت الحرام، وللأمر جوازات وموجبات معروفة لدى
المسلمين، ولكننا هنا أمام شيء مختلف، يجعل الإحرام من المسجد الأقصى مثابا عظيم
الثواب، غفرانا للذنوب أو جزاءا بالجنة.
لم يكن الحديث الذي ذكرناه هو
الوحيد الذي أكد فيه الرسول الكريم صلى الله عليه و آله وسلم، على مكانة بيت
المقدس، ولكن أهميته تكمن في ربطه بهذا الركن من أركان الإسلام، أي الحج وهو يكون
إلى البيت الحرام" أول بيت وضع للناس" وأن يكون للإحرام من المسجد الأقصى، ذلك
الثواب فهو من باب تأكيد التلازم بين المكانين المقدسين.
من هذين الربط والتأكيد، جاء
تعبير " حجة مقدسية" حيث دأب كثير من المسلمين على التوجه إلى بيت المقدس، وعقد نية
الحج، والقيام بالإحرام من تلك الرقعة المباركة، فيما رأى آخرون، إتمام مناسك الحج
المعروفة بزيارة بيت المقدس، وهو ما عرف " بالتقديس" حيث كان المسلمون، وعند فراغهم
من أداء مناسك الحج في البيت الحرام، والمدينة المنورة يشدون الرحال إلى بيت
المقدس، يمكثون فيه بعض الوقت، مصلين في ربوع المسجد الأقصى المبارك.
وكان بعضهم يؤخذ بجلال المكان
وقدسيته فيعقد العزم على البقاء فيه، ومن هنا نشأت زوايا و أحياء المجاورين الذين
قدموا إلى القدس وسكنوا المدينة، مواظبين على العبادة، أو طالبين للعلم، أو مجاورين
لتلك البقعة الطاهرة، وكثرت الوقفيات المخصصة لخدمتهم، وقاموا على عمارة القدس،
وعمارة مساجدها، ما يعطي دليلا آخر على أهمية التوجيه النبوي الهادف إلى حث
المسلمين على سكنى القدس وعمارة مساجدها و أرضها المباركة، وخاصة المسجد الأقصى،
مسرى الرسول الكريم صلى الله
عليه و آله وسلم، ومعراجه إلى السماء.
مما لاشك فيه أن مكانة بيت
المقدس الدينية قد تجلت في كثير من الأحداث و المواقع والروايات وبات غير مجد فصلها
عن الحرم المكي الشريف، أو المسجد الحرام، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، وهي
قبلة المسلمين الأولى، أرض طاهرة مقدسة من الله عز وجل.
ولم تذكر المصادر التاريخية أن
النبي صلى الله عليه و آله وسلم، أعطى أحدا من أهله أو من الصحابة أرضا، إلا ما
أعطاه وقطعه " لتميم الداري" في أرض خليل الرحمن من أرض فلسطين الطاهرة، التي يعتبر
الحرم الإبراهيمي فيها من أقدس المساجد الإسلامية.
لقد أراد رسول الله صلى الله
عليه وسلم بذلك، أن يؤكد على قدسية أرض فلسطين، وعلى أنها البقعة الطاهرة المقدسة
التي ينبغي على المسلمين أن يتمسكوا بها أشد التمسك و إعطاء
تميم الداري أرضا في الخليل، إنما هو
مصداق ذلك، وتبيان أيضا لمكانة الحرم الإبراهيمي الشريف.
لقد حلا للبعض، إشاعة وهم بأنه
يمكن الاستعاضة عن الحج إلى البيت الحرام، بزيارة القدس، وهذا ليس صحيحا، فمناسك
الحج معروفة، وهو لا يكون إلا إلى البيت الحرام، ولكن زيارة القدس، تنطوي على
المعاني التي ذكرنا، والحديث النبوي الشريف واضح، ولا يترك أي مجال للبس في هذا
الأمر، فالمقصود من الحديث هو التوجه من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام، ولو أراد
رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم غير ذلك، لكان أوضحه وحث عليه بكلام صريح، لا
يترك مجالا للتأويلات.
المسلم هنا ليس مخيرا في الحج
إلى البيت الحرام، أو زيارة المسجد الأقصى، بل الحج إلى البيت الحرام، وإنما يثاب
ثوابا عظيما على جعل وجهته إلى البيت الحرام، انطلاقا من المسجد الأقصى المبارك.
أما من أدوا في بيت المقدس
مناسك مشابهة لمناسك الحج، فربما أرادوا زلفى إلى الله عز وجل، و تعظيما لمكانة
المسجد الأقصى الذي ذكره الله في كتابه العزيز، وحث رسوله الكريم صلى الله عليه
وسلم، على زيارته وعمارته. ولم يكونوا، ولا هم يستطيعون، جعل المسجد الأقصى مكان
البيت الحرام. فالمكانان مقدسان، وفيهما بيتان لله عز وجل ، ولكن التوزع فيما
بينهما يضرب الوحدة الإسلامية، ويقوض واحدة من أهم غايات الحج، وهي اجتماع المسلمين
على صعيد واحد في وقت محدد.
لقد ظل جو العبادة والتقديس،
يلازم بيت المقدس، ووصفها الشعراء المسلمون، و أجادوا القول فيها متبعين نهج الربط
بين البيت الحرام والمسجد الأقصى، فهذا المعري يقول:
وبعين سلوان
التي في قدسها
طعم يوهم أنه
من زمزم
ولو لم تكن عين سلوان التي
يشرب منها أهل بيت المقدس، ترتبط بذهن المسلمين بعين زمزم، التي يشرب منها أهل مكة
وحجيجها، لما انعكس ذلك في شعر المسلمين الذين دأبوا على زيارة بيت المقدس، وتأكيد
فضله وقداسته.
وقال الشاهر المعلى بن طريف،
مولى الخليفة المهدي:
يا صاح
إني قد حججت وزرت
بيـت المـقدس
وأتيت
لُــدا عامدا
في غير مـأوى سرخس
وتذكر المصادر التاريخية، أن
الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، قد زار بيت المقدس، بعد أدائه فريضة الحج إلى
مكة المكرمة، سنة مئة وأربعين للهجرة.
كما زارها الخليفة المهدي بعد
أدائه فريضة الحج، سنة مئة وستين للهجرة، وعاد إلى زيارتها ثانية، سنة مئة وثلاث
وستين للهجرة.
بيت المقدس أسير اليوم،
وتحريره واجب على المسلمين، إنقاذا لبيت الله المقدس، وحبا في ثواب الإحرام للحج
والعمرة، من البقعة الطاهرة.
|