|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الستــون
ثورة
1920
شكل تحرك القدس ذروة أحداث أول
ثورة فلسطينية ضد الانتداب البريطاني والصهاينة سنة ألف وتسعمائة وعشرين . في ذلك
الوقت تكاملت عوامل تفجر الثورة ، فحكومة الانتداب كانت تعمل لإنفاذ وعد بلفور
واللجنة الصهيونية التي اعترف بها الحلفاء تطلق تصريحات استفزازية وتكشف عن مطامعها
في فلسطين، بينما يمنع البريطانيون أي تحرك فلسطيني وبالقوة .
فمنعوا عقد المؤتمر الفلسطيني
لدورته الثانية في القدس بينما أشرعوا أبواب فلسطين لهجرة اليهود ... وكان لا بد من
المقاومة . انفجرت التظاهرات في معظم أنحاء فلسطين فما كان من حكومة الانتداب إلا
أن أصدرت أمرا بمنع كل التظاهرات ، ومهما كان هدفها وشكلها .
عمد المقاومون إلى مهاجمة
المستوطنات الصهيونية في الحولة وغور الأردن ، وكذلك الحاميات البريطانية في سمخ
وبيسان . واجهت سلطات الانتداب المقاومين بالطائرات .
ومع حلول شهر نيسان من ذلك
العام . جاء موسم النبي موسى . والموسم مناسبة اجتماعية دينية ظهرت أثناء الاحتلال
الفرنجي وكان الهدف منها ، التحريض على مقاومة الفرنجة .
ويتم الاحتفال بالمناسبة عادة
في موقع يبعد ثلاثين كيلو مترا عن القدس باتجاه أريحا، ولكن الاحتفال يبدأ عمليا
بالتجمع في ساحات الحرم القدسي ، حيث يفد أبناء فلسطين من مدنها وقراها شاهرين
سيوفهم ورماحهم رافعين راياتهم ، ومنشدين الأناشيد الدينية والوطنية وبعد أن يكتمل
التجمع يتجه الحشد إلى مكان الاحتفال .
يوم الرابع من نيسان منعت قوات
الاحتلال البريطاني أهل الخليل من دخول القدس للمشاركة في الاحتفال ، وكان أهل
القدس وأهل نابلس قد خرجوا لاستقبالهم وشارك في الاستقبال أبناء الطوائف المسيحية
كالعادة . هتف الجميع ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية وطالبوا بالوحدة العربية
والاستقلال .
وتمكن أهل الخليل من دخول
القدس عنوة ، واتجهت الجموع إلى الساحة أمام باب الخليل ، حيث خطب فيها موسى كاظم
الحسيني رئيس بلدية القدس ورئيس الجمعية الإسلامية – المسيحية ، وخليل بيدس ، وعارف
العارف والحاج أمين الحسيني وغيرهم .. وكانت الكلمات حماسية أثارت الشعور القومي .
اندس بين الجموع المحتشدة
صهيوني يدعى كريمر بن مندل محاولا خطف العلم العربي وتمزيقه ، فانقض عليه الرجال
وقتلوه ، ثم جاء صهيوني آخر مع عدد من الجنود البريطانيين لإنزال العلم فقتله
الرجال ، واندلعت معركة بين الفلسطينيين وبين الجنود البريطانيين وأفراد العصابات
اليهودية الصهيونية .
استشهد فيها أربعة من
الفلسطينيين وخمسة من اليهود ، وسقط مائة واثنان وعشرون جريحا من الطرفين . كانت
هذه المعركة ضربة البداية ، لثورة استمرت خمسة أيام في القدس ، قتل فيها تسعة من
اليهود وجرح مائتان وخمسون من الطرفين .
وقد فرضت القوات البريطانية
حصارا كاملا على بيت المقدس وفرضت الأحكام العرفية لإخماد الثورة . وعزلت موسى كاظم
باشا الحسيني عن رئاسة بلدية القدس ، وشنت حملة اعتقالات واسعة ، وفرضت أحكاما
بالسجن على ثلاث وعشرين من الشخصيات المقدسة بالبارزة من بينها الحاج أمين الحسيني
، وعارف العارف ، غير أنهما توجها إلى شرقي الأردن .
لم تدم المواجهة طويلا ،
ولكنها أشرت إلى جملة من الأشياء المهمة . فهي نقلت الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار
والصهيونية من مرحلة البدء بالوعي وإدراك المخاطر إلى مرحلة المقاومة الشعبية ،
وأسست للثورات اللاحقة التي استفادت من تجربتها القصيرة زمنيا ، ولكن العميقة
الدلالة .
كما أنها كشفت أكثر فأكثر
ألاعيب بريطانيا ومدى تحالفها مع الحركة الصهيونية. فقد أميط اللثام عن قيام الزعيم
الصهيوني جابوتنسكي الذي كان يحارب في صفوف الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية
الأولى بتشكيل وحدات عسكرية صهيونية كانت تتدرب علنا وراء مدرسة ليمل وفوق قمة جبل
الزيتون في القدس .
ومع أن بريطانيا ظلت تزعم عدم
موافقتها على تشكيل هذه الوحدات فقد زجت بها مع الصهاينة في مواجهة الثوار
الفلسطينيين في القدس .
ورغم أن تقرير لجنة بالين التي
عينتها الحكومة البريطانية فضح الألاعيب التي تقوم بها حكومة الانتداب ، إلا أن هذه
لم تغير ساستها ، بل اتبعت سياسات أكثر قمعية تجاه المواطنين الفلسطينيين ، وسهلت
تدفق المهاجرين اليهود على فلسطين، ما كان سببا في اندلاع ثورات فلسطينية متلاحقة
.. ومن القدس أيضا .
|