الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الثالثة والســبعـون

 في كتب رحالة مسلمين

 

بيت المقدس ،قبلة الأنظار ، ومهوى الأفئدة ،كان مقصدا للرحالة المسلمين ،في زيارات واجبة ،لما للمكان من قداسة ،وانفاذا لوصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ،بزيارة بيت المقدس ،وأيضا لما للمكان من أبهة وجمال،يستهويان الناظر ،ويأخذان بلبه.

 

وقد كتب الرحالة المسلمون عما شاهدوه في بيت المقدس واضعين ، ومسجلين انطباعات عما لمسوه في المدينة ، من موقع جميل ،وبناء حسن ،وسكان كرام،ليجيء كل ذلك مشفوعا بما تضفيه قداسة المدينة من إحساس عميق بالهيبة على زائريها.

 

وكدأبهم فإن الرحالة المسلمين ،يقدمون وصفا عاما للمكان ، ولكنهم في الآن عينه،يتوخون الدقة في الوصف ،فلا يهملون تفصيلا ولا واقعة ،مهما صغر ،أو صغرت .

ناصر خسروا من الرحالة الذين زاروا القدس سنة أربعمائة وثمانية وثلاثين للهجرة ،وكتب عن زيارته هذه ،واصفا المعالم الجغرافية للمدينة ،فقال :"وقد ذهبنا صاعدين ،وكنا نحسب أنا بعد صعود الجبل سنهبط إلى المدينة في الطرف الأخر، ولكنا وجدنا أمامنا بعد أن صعدنا قليلا سهلا واسعا بعضه صخري ، وبعضه كثير التراب ، وهو رأس جبل تقع فيه مدينة القدس".

 

ويصف خسروا المدينة بالقول:" هي مدينة مشيدة على قمة جبل والمدينة محاطة بسور حصين ،من الحجر والجص ، وليس بقربها أشجار قط، فإنها على رأس صخر ، وهي مدينة أرضها مبلطة بالحجارة ، والجامع شرقي المدينة، وسوره هو سورها الشرقي ، وبعد الجامع سهل كبير مستو يسمى الساهرة ،يقال إنه سيكون ساحة القيامة والحشر".

 

وفي وصفه لموقع القدس ،كتب ياقوت الحموي المتوفي سنة ستمائة وستة وعشرين للهجرة ،في معجم البلدان :"إن أرضها وضياعها و قراها كلها جبال شامخة ،وليس حولها ،ولا بالقرب منها أرض وطئية ،وزرعها في الجبال ،وأما نفس المدينة "أي القدس" فهي على فضاء في وسط تلك الجبال وأرضها كلها من حجر من الجبال التي هي عليها".

 

ابن بطوطة ،الرحالة الشهير ،المتوفى سنة سبعمائة وتسع وسبعين للهجرة كتب بعد زيارته إلى القدس :"والبلدة كبيرة مبنية بالصخر المنحوت ، ومنها بعدوة الوادي المعروف بوادي جهنم ،في شرقي البلد على تل مرتفع هنا بنيه يقال أنها مصعد عيسى عليه السلام إلى السماء".

 

هذا الوصف الذي يكثر فيه ذكر الجبال والصخور ،ربما يشي بمدينة متجهمة قاسية الملامح ،ولكن الحال غير هذا ،فالمناخ معتدل والماء قريب ،والمنظر فريد من نوعه ،حتى أن الرحالة كان يطيب لهم المقام ،في واحدة من أقدس بقاع الأرض ،مجاورين للمسجد الأقصى المبارك.

 

وأسهب الرحالة في وصف اعتدال مناخ بيت المقدس وطيب الإقامة فيه ،الشريف المقدسي المتوفى سنة ثلاثمائة وثمانين للهجرة ،يقول في وصف مناخ بيت المقدس:"لا شديدة البرد ،وليس بها حر ،وقلما يقع بها ثلج ،سألني القاضي أبو القاسم ،ابن قاضي الحرمين عن الهواء بها فقلت سجسج لا حر ولا برد ،فقال هذه صفة الجنة"

 

وقد سئل المقدسي يوما :إي بلد أطيب ؟فقال :بلدنا إي بيت المقدس فإنه لاسم لبردها ،ولا أذى لحرها.

وقال المقدسي عن مياه المدينة :"قل دار ليس بها صهاريج وأكثر ،ولها ثلاث برك عظيمة بنى أحداها عياض بن غنم الصحابي ، وتسمى بركة عياض ،عليها حماماتهم ،لها دواع من الأزقة "وفي المسجد عشرون جبا متبحرة ،وقل حارة إلا وفيها جب".

 

وفي معجمه يتحدث ياقوت الحموي عن مياه القدس فقال:"ويشرب أهل المدينة من ماء المطر ، وليس فيها دار إلا وفيها صهريج ، وبها ثلاث برك عظام ، وعين سلوان في ظاهر المدينة في وادي جهنم ملحية الماء".

وبيت المقدس بلد الخيرات ويقول ناصر خسرو :"وسواد بيت المقدس جبلية كلها ، والزراعة وأشجار الزيتون والتين ،تنبت كلها بغير ماء أي لا تروى بفعل الإنسان والخيرات بها كثيرة ورخيصة ،وفيها أرباب عائلات يملك الواحد منهم خمسين ألفا من زيت الزيتون ،يحفظونها في الآبار والأحواض ويصدرونها إلى أطراف العالم ،ويقال أنه لا يحدث قحط في بلاد الشام".

أما المقدسي ،فيشمل فضائل المدينة وخيراتها في قوله:"فإن سأل سائل أي البلدان أطيب؟ نظر :فإن كان ممن يطلب الدارين قيل له:بيت المقدس  ،إن قال أريد بلدا يجمع الدنيا والآخرة والخيرات والرخص والصلاح ، وطيب الهواء والفواكه المتضادة مثل الرطب والجوز والعنب الكبير والموز والماء البارد والمعاش الواسع ،قيل له :عليك ببيت المقدس".

 

وفي كتابه وصف مجير الدين الحنبلي ،القدس في نهاية القرن التاسع الهجري فقال :"وبظاهر مدينة القدس الشريف من كل جهة كروم بها من أنواع الفواكه من العنب والتين والتفاح وغيره" وإلى جمال الموقع ، وكثرة الخيرات ،جاء بنيان القدس رائعا ، ولا سيما المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة ،حيث أسهب الرحالة المسلمون وأجادوا في وصفها .

 

وكذلك في وصف سور المدينة وأبوابها وأسواقها وتكاياها وزواياها وأربطتها.ويقول مجير الدين الحنبلي:"وأما مدينة القدس الشريف في عصرنا: فهي مدينة عظيمة محكمة البناء  بين جبال وأودية ،وبعض بناء المدينة مرتفع على علو وبعضه منخفض في واد ، وغالب الأبنية التي هي في الأماكن العالية المشرفة على ما دونها من الأماكن المنخفضة ، ومن وصف المكان والحديث عنه إلى وصف ساكنيه ،الذين قال عنهم المقدسي :ولا أعز من أهل المقدس ،لأنك لا ترى بها بخسا ولا تطفيفا ، ولا شربا ظاهرا ولا سكران ،ولا بها دور فسق سرا ولا إعلانا مع تعبد وإخلاص".

أما الرحالة المسلم التركي أوليا شبلي فيقول :"أنه وجد ثمانمائة إمام وواعظ يعملون في الحرم القدسي الشريف ،والمدارس المجاورة ،كان هناك أيضا خمسون مؤذنا  ،وعدد كبير من مرتلي القرآن الكريم.

 

وقد وجد أن الزائرين المسلمين مازالوا يسيرون مواكبهم حول الحرم ،ويؤدون الصلاة في المواقع المختلفة" .

وقال هذا الرحالة  :"أن الحرم مركز روحانية مكثفة فقد ازدحمت أروقته بالدراويش من الهند وفارس وآسيا الصغرى ،حيث كانوا يرتلون القرآن طوال الليل ،ويعقدون حلقات الذكر ويتغنون بأسماء الله على ضوء مصابيح الزيت الوامضة المتواجدة بطول الممرات ذات الأعمدة" .

 

لقد أجمعت كتب الرحالة المسلمين ،وحتى غير المسلمين على أن مدينة القدس الشريف عربية إسلامية ،بمبانيها المعمارية ومدارسها الدينية ،وسكانها أيضا ،فلم يذكر في معظم كتب الرحالة ،ما ينفي عن القدس عروبتها وإسلاميتها ،فالمدينة تضم المقدسات الإسلامية والمسيحية ولا شيء غير ذلك ، وتحل القداسة في كل جنباتها وزواياها .