الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

كتب وإصدارات

إعداد : نافذ أبو حسنة

الحلقة الخامسة والســبعـون

 

زيارة غليوم الثاني

 

خلفت زيارة القيصر الألماني غليوم الثاني إلى بيت المقدس ، سنة ألف وثمانمائة وثمان وتسعين أثرا على أسوار المدينة ، فبرفضه الدخول من أحد الأبواب المعروفة ، تم نقب السور ، وفتح باب خاص له ، أصبح يعرف بالباب الجديد.

 

لكن الكرم العثماني مع القيصر الألماني لم يتوقف هنا فقد أهداه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو دونمين ، بنى عليها الألمان لاحقا كنيسة سموها : كنيسة قيامة العذراء .

أعلن عن الإهداء توفيق بك سفير الدولة العثمانية في برلين ، وقدم متصرف القدس إلى غليوم الثاني أوراقه الرسمية الواردة من الأستانة الخاصة بالإهداء .

 

وكان السلطان عبد العزيز أهدى فريدريك ويلهلم ، ولي عهد بروسيا جزء  من بيمارستان صلاح الدين ، أنشأ عليه الألمان كنيسة المخلص . جاءت زيارة غليوم الثاني إلى فلسطين في سياق التحسن المتواصل في العلاقات الألمانية/العثمانية . وحصول الألمان على امتيازات كثيرة في السلطة .

 

ولكنه أعلن أن زيارته إلى بيت المقدس هي حج إلى الأماكن المقدسة . ولم تكن المستعمرات الألمانية في فلسطين بعيدة عن أهداف الزيارة . حتى وإن كانت ألمانيا حريصة على عدم إثارة مخاوف العثمانيين .

كما أنها لم تر في فلسطين إقليما مهما من الناحية الاقتصادية ، فلا هي غنية بالمواد الأولية .. ولا هي تشكل سوقا واسعة للمنتجات الألمانية .

 

وصل القيصر إلى حيفا بمظاهرة حربية ، إذ نقلته هو وحاشيته ثلاث بوارج ضخمة ، وتجمع كافة أفراد المستعمرة الألمانية في باحة القنصلية لاستقباله وشكره على الدعم الذي يلقاه الهيكليون في مجال التعليم فيما أعرب القيصر عن سعادته برؤية مستعمرة ألمانية في قلب الأرض المقدسة ، ومن حيفا توجه إلى يافا، وزار المستعمرات الألمانية ثم توجه إلى بيت المقدس ، ليدخل إليها على النحو الذي أشرنا إليه من الباب الجديد .

 

حرص القيصر الألماني على إضفاء الطابع الديني على زيارته وفي التقرير الذي وزعته وزارة الخارجية عن البعثات الدبلوماسية الألمانية مستندا إلى رسالة السفير الألماني في اسطنبول ، ورد أن القيصر إنما أراد الحج إلى الأماكن المقدسة ، ولم يأت التقرير المذكور على ذكر المستعمرات الألمانية في فلسطين، فيما يجمع مؤرخو الفترة على أن الزيارة لم تنعكس على المستعمرات بشكل مباشر ، لكنها أثارت حمى استيطانية في ألمانيا ، ففي أثناء الزيارة أصبحت فلسطين والمستوطنون الألمان الذين يريدون إعادة بناء مملكة القدس فيها موضوع الساعة. وبتأثير من الأجواء التي رافقت الزيارة تأسست في شتوتغارت سنة ألف وثمانمائة  وتسع وتسعين جمعية تطوير الاستيطان الألماني في فلسطين تحت رعاية البارون فون ايلريكس هاوزن ، من أجل تزويد الجمعية بالتبرعات المالية لتوسيع نشاطها وشراء المزيد من الأراضي وتولى إدارة الجمعية الأمير " فون اوراخ " وتمكنت من جمع مبلغ ثلاثمائة ألف مارك حولت إلى جمعية الهيكل، فاشترت قطعة من الأرض مساحتها ثمانية كيلومترات مربعة بالقرب من اللد غير بعيد عن سكة حديد يافا/القدس ، وأنشأت عليها مستعمرة ألمانية عرفت باسم فيلهلما .

 

وقد جرى منحها هذا الاسم ، طمعا في مساهمات مالية من القيصر ، لكنه لم يلق بالا إلى الموضوع ثم بدأ الحماس الشعبي نفسه يخفت . ما دفع " جمعية الهيكل " إلى طلب قرض مقدارة مئة ألف مارك من الحكومة الألمانية ، لتطوير المستعمرات ، ولكن الطلب جوبه بالرفض ، في حين أنفقت الحكومة مبلغا يساوي عشرين ضعف هذا المبلغ على مؤسسة الملكة اوغستا فكتوريا ، في القدس ، والتي أقيمت تذكارا لزيارة  زوجة القيصر إلى المدينة المقدسة ، وعلى الأرض الممنوحة من السلطان العثماني .

 

تكشف هذه الوقائع عن أن المستعمرين الأوروبيين عادوا إلى استخدام العامل الديني لتغطية أطماعهم الاستعمارية ، كما تكشف عن أن ضعف السلطنة العثمانية قد أفسح في المجال واسعا أمام التدخلات الأوروبية التي لم تعد تأخذ بنظر الاعتبار مفهوم السيادة العثمانية .

 

فبعد وقت قصير من زيارة غليوم الثاني إلى بيت المقدس ، والحفاوة التي لقيها من العثمانيين ، كان مسئولو دائرة المستعمرات في الخارجية الألمانية يعدون مشروعا بوضع فلسطين من الحدود المصرية إلى رأس الناقورة شمالا ، وحتى سفوح جبل الشيخ شرقا ، تحت حكم أمير أوروبي ، وقال واضعو الاقتراح أنه لا يتعارض والمصالح البريطانية والروسية في المنطقة ، دون أن يأتي على ذكر مصالح العرب أهل البلاد ، ولا حتى العثمانيين الذين تشكل جزءا من سلطنتهم في حينه .