|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الثامنة والســبعـون
مقاومة حملات الفرنجة 1
لم يكن نجاح صلاح الدين
الأيوبي في ضرب مملكة القدس الفرنجية ، وتحرير بيت المقدس ، وليد لحظته بل محصلة
عقود طويلة من المقاومة .
لا ريب في أن التمزق الذي
كان يعانيه المسلمون قد لعب دورا أساسيا في نجاح الحملة الفرنجية ، ولا يزال كثير
من المؤرخين يناقشون موقف الوزير الأفضل بن بدر الجمالي ، صاحب القوة الأكبر آنذاك
. فهل كان هذا الموقف ناتجا عن سوء فهم وتقدير ، أم أنه كان متواطئا ؟ إن الكثير من
الوقائع تدل على سوء التقدير ، وعدم فهم أهداف الحملة التي عوملت كغارة سوف تنكفيء
سريعا ثم يعود كل شيء إلى حاله .
وساهمت في هدا الفهم ظروف
التمزق السائدة آنذاك . ما يدفع إلى مثل هذا الاستنتاج هو نشاط المقاومة اللاحق ،
بعد سقوط القدس .
لقد نشأت حالات استرضاء
ناتجة عن الضعف في مواجهة حملة دموية شرسة ، ولكن كان هناك التصدي ، الذي بدأ
بأفراد يقتلون أفرادا ، وبجهد إمارات صغيرة، ثم نجح في تحقيق أهدافه بتوحد المسلمين
، بعد أن كانت تقاتل جبهتان ، جبهة مصرية وجبهة شامية .
يذكر المؤرخون أنه بعد سنة
على الحملة الفرنجية الأولى لم يبق في فلسطين سوى ثلاثمائة فارس وألفين من المشاة ،
لكن الرهبة والخوف اللذين شاعا بعد مذبحة القدس ، وتفرق أمر المسلمين حالا دون
استغلال الفرصة وتقويض تلك الحملة نهائيا .
بدأت المقاومة المصرية في
ثلاث هجمات متصلة اعتمد فيها الوزير الأفضل على الساحل الفاطمي ، فسير حملة في
أيلول عام ألف ومائة وواحد بقيادة سعد الدولة القواسي . متجهة إلى الرملة ، لكنها
أضاعت وقتا طويلا في عسقلان سمح للفرنجة بالتحضر لمواجهتها ، وردها .
وعام ألف ومائة واثنين ،
كانت حملة أخرى بقيادة ابن الأفضل شرف المعالي ، الذي التقى الفرنجة عند يا زور ،
وألحق بهم هزيمة قاسية ، واحتل الرملة .
وصلت نجدة بحرية إلى
بفدومين ، في حين اختلف قادة الحملة بين محبذ لمهاجمة القدس ومحبذ لمهاجمة يافا ،
مع أنهم كانوا يستطيعون القيام بالأمرين معا نظرا لضعف الحاميات الفرنجية آنذاك ،
وعندما استقر الأمر على مهاجمة يافا نجحت القوة الفرنجية القادمة بحرا في إلحاق
هزيمة بالحملة .
عاد الأفضل لإعداد حملة
مزدوجة بحرية وبرية ، وصلت البرية إلى عسقلان لكن الأسطول تأخر كثيرا ، فانكفأت .
قلل استيلاء الفرنجة على
عكا من فعالية الحملات المصرية الفاطمية ، فاستخدم الأفضل عسقلان قاعدة له ، ومنها
أطلق حملة جديدة بالتعاون مع دمشق ، ولكنها فشلت أيضا ، فاكتفى بشن غارات محدودة من
عسقلان جاءت نتائجها أفضل من الحملات الكبيرة .
فسنة ألف ومائة وستة نجحت
غارة في ضرب قافلة فرنجية واحتلت الرملة ، وهزمت الحامية الفرنجية في يافا وأشرفت
على القدس ، وهدمت قلعة كانت تبنى بالقرب منها .
وتكررت الإغارات على
الحاميات الفرنجية ، ونجحت إحداها في الوصول إلى القدس مجددا سنة ألف ومائة وعشرة .
وألحقت هزيمة بأسطول الفرنجة أمام صيدا لكن الأسطول المصري لم ينجح في رد الهجوم عن
بيروت ، فنفذ الفرنجة فيها مذبحة مروعة .
حاول والي عسقلان مهادنة
الفرنجة وإنزال حامية منهم في المدينة ، فثار عليه أهلها وقتلوه مع الحامية ،
ليتابع الوالي الجديد إغارته على القدس ، فوصل إلى أسوارها سنة ألف ومائة وخمس عشرة
.
تكررت الحملات المصرية
الفاطمية الكبيرة في عهد الوزير المأمون سنة ألف ومائة وثلاث وعشرين ، لكنها لم تلق
نجاحا بسبب فشل الحلف مع أتابك دمشق ، وحاول الطرفان مرة أخرى إنقاذ صور ، فهاجم
الفاطميون أطراف القدس وبلغوا ضواحيها القريبة ، في حين بعث أتابك دمشق بالمواد إلى
صور لكن المدينة سقطت .ما أغرى الفرنجة بدمشق ، ولكنهم هزموا ، وشن الفاطميون غارة
بحرية كبيرة موفقة على يافا وعكا وصيدا وبيروت وطرابلس .
سنة ألف وثلاث وخمسين سقطت
عسقلان بدسية من عسكر البدل القادم إليها ولكن الإغارات لم تتوقف حتى أن مؤرخي تلك
الفترة يتحدثون عن أعوام صعبة عاشتها مملكة القدس ما بين عامي ألف ومائة وسبعة
وخمسين وألف ومائة وتسعة وخمسين، نتيجة الإغارات التي نظمها الوزير الفاطمي طلائع
ابن زريك، وطوفت مملكة القدس ما دفعها إلى طلب الهدنة التي كانت مقدمة للتدخل
الفرنجي في مصر باستثمار خلاف الوزير شاور مع الحاجب خرغام .
أنقدت حملات شامية مصر
الفرنجية وفتحت الباب بذلك لتوحيد الجبهة التي ستلحق الهزيمة بالفرنجة لاحقا.
الحملات التي ذكرت ورغم
أنها لم تؤد إلى نتيجة حاسمة بإنهاء وجود الفرنجة إلا أنها جعلت منه وجودا قلقا
مستقرا وهي كانت تتم بالتوازي مع مقاومة الجبهة الشامية .
|