|
إعداد :
نافذ أبو حسنة
الحلقة
الرابعة والثمانون
مملكة القدس الفرنجية الطور الثاني
اتسمت فتوحات المسلمين
وتحريرهم بيت المقدس بالرحمة والتسامح وروح الفروسية ، إلا أن صلاح الدين أخطأ خطأ
كبيرا بعدم فتحه مدينة صور . تركها . قويت وشكلت رأس جسر للحملة الفرنجية الثالثة .
التي انطلقت بعد حملة تهويل ودعاية ضخمة وشارك فيها أربعة ملوك : الإمبراطور
الألماني ، وملك إنكلترا ، وملك فرنسا ، وملك صفلية . والمئات من كبار البارونات .
ومرة أخرى كان هدفها المعلن
القدس ، والقبر المقدس . كانت الحملة من الضخامة بحيث أثارت الرعب ، ولكن إمبراطور
بيزنطة المتحالف مع صلاح الدين ، والراغب في تثبيت الكنيسة الأرثوذكسية في القدس ،
لم يكن يؤيدها تماما، وإن وافق على مرور كتلتها الضاربة الألمانية ، والتي بلغت مئة
ألف مقاتل ، تفرقوا بعد غرق ملكهم ، ولم يصل منهم إلى الشام سوى ألف ، تناوشهم
المسلمون على الطرقات .
وسيطرت الخلافات على علاقة
ملكي فرنسا وبريطانيا اللذين غلبتهما الحماسة الدينية بداية ، وواصلوا الحملة ،
ولكن لمصالح تجارية ، وكحرب استعمارية . فيما شارك بها كثيرون تهربا من الضرائب
التي فرضت في أوروبا وعرفت باسم " عشر صلاح الدين " على كل من لم يساهم فيها .
كان ملك القدس غي دي لوزينان ،
قد منع من دخول صور فاتخذ قاعدة له حول عكا ، جمع إليها فلول الحملات الأولى
ورافقته الأساطيل الجنوبية والبيزاتية . وضر ب الحصار حول المدينة لمدة سنتين . كان
صلاح الدين خلالها قد أقام معسكرا في مواجهة الفرنجة ، واستنجد بالزنكية والمغاربة
، حتى تحولت قصة الحصار إلى أسطورة ، تصاعدت فصولها مع وصول الفرنسيين وريتشارد قلب
الأسد البريطاني .
طالب الفرنجة بإعادة مملكة
القدس ثمنا لعكا ، وعقدت حامية المدينة المسلمة اتفاقا تخرج به من المدينة لكن
الفرنجة نقضوا الاتفاق وأسروا وقتلوا ألوف المسلمين . وسقطت المدينة في أيديهم ،
لتشكل مع صور قاعدتين للفرنجة .
أيد ريتشارد قلب الأسد غي
لوزينيان في طرحه مع مونتفرات على تاج مملكة القدس ، واندفع في حملات على مدن
الساحل ، يسانده أسطول من البحر ، فاحتل حيفا وقيسارية ، لكنه جرح في المعارك ،
فطلب مفاوضة صلاح الدين مطالبا بإعادة مملكة القدس .
رفض طلبه هذا ، ووقعت معركة
أرسوف سنة ألف ومائة وإحدى وتسعين ، وكادت حطين تتكرر إلى أن المعركة انتهت بكفتين
متوازيتين .
بعد هذه المعركة ضرب صلاح
الدين أسوار عسقلان ، ثم اتجه إلى القدس للدفاع عنها . أشار مونتفرات على ريتشارد
بالهجوم على القدس أثناء انشغال المسلمين بأرسوف ، لكنه لم يكن يملك القوة الكافية
لذلك ، فاكتفى بإعادة بناء يافا كمرفأ تجاري ثالث ، ووجد الرملة واللد مخربتين .
وعند وصوله مشارف القدس كان
منهكا وخشي الهزيمة . كانت المفاوضات تدور سرا آنذاك وجدد ريتشارد مطالبته بالقدس ،
وجدد صلاح الدين الرفض إلى أن توصل الطرفان إلى صلح الرملة سنة ألف ومائة واثنين
وتسعين ، وقضى أن تكون للفرنجة المنطقة الساحلية من صور إلى يافا ، بما فيها حيفا
وقيسارية وأرسوف وتكون عسقلان للمسلمين ، أما الأماكن المقدسة في القدس فقد نص
الاتفاق على منح الفرنجة حرية الحج إلى القبر المقدس دون مطالبتهم بأي ضريبة مقابل
ذلك ، على أن يكونوا في جماعات محدودة ، ومدة الصلح ثلاث سنوات وثلاثة أشهر تنتهي
آخر سنة ألف ومائة وخمس وتسعين .
أطلق الفرنجة على الشريط الذي
حازوه من الساحل الفلسطيني اسم مملكة القدس . وعين ريتشارد ملكا عليه ابن أخته هنري
دوشامباني .
استقرت الأوضاع بعد هذا الصلح
، وتوفى صلاح الدين بعده بسنتين في دمشق . وتابع حكم الأسرة الأيوبية ، الذي بدأ
بخلاف شرس على السلطة انتقلت خلاله القدس من حكم الأفضل بن صلاح الدين ، إلى العزيز
ملك مصر ، ثم عادت إلى الأفضل ، فإلى العادل .
وسط هذه الخلافات كانت حملات
الفرنجة تتواصل واستطاعوا احتلال بيروت ، لتتوسع مملكة القدس على طول الساحل الشامي
تقريبا ، ووقعوا صلحا مع العادل سنة ألف ومائة وثمان وتسعين .
حاول العادل توحيد المملكة
الأيوبية على خطى صلاح الدين ولكنه فشل ، وتقاتل مع أخوته وأبنائهم ، وثبت مع ذلك
مساحة واسعة من البلاد تحت سلطته التي شملت دمشق والقدس والقاهرة .
وتصدى لمحاولة الفرنجة استثمار
الحملة الرابعة في مهاجمة بيت المقدس . لكنه عقد معهم صلحا تنازل فيه عن المناصفات
في صيدا والرملة وأعطى الناصرة ويافا للفرنجة.
وقبل أن تنتهي الهدنة سنة ألف
ومائتين وعشرة سعى العادل إلى تجديدها ، فيما كانت أوروبا تتهيأ للحملة الخامسة
التي عرفت بالهنغارية . ورغم أن كتلة الحملة توجهت إلى مصر ، إلا أنها زلزلت جيش
العادل ، وقد شاركت مملكة القدس في الحملة على مصر .
حاول الفرنجة استثمار الوضع
الناشيء فهاجموا الجليل ليتصدى لهم الدماشقة ، ويأخذون أسرى منهم إلى القدس وحاول
المعظم شقيق الملك الكامل الذي خلف العادل مهاجمة فرنجة فلسطين لتخفيف الضغط عن مصر
إلا أن حملته كانت محدودة ، فلجأ إلى تدمير الحصون حتى لا تقع في يد الفرنجة ،
ومنها حصون وأسوار القدس ، إذ أظهر الكامل استعدادا لتسليم بيت المقدس مقابل فك
الحصار عن دمياط .
أغرق النيل الجيوش الفرنجية ،
وعقد الكامل صلحا معهم ، ولم يعد لتسليم القدس من معنى ، لكنه قام بذلك سنة ألف
ومائتين وتسع وعشرين فيما عرف باتفاقية يافا. إذ سلمها إلى فريدريك الثاني ، الذي
كان البابا قد لعنه لأنه لم يأخذ البلاد بالسيف .
مع تسلمهم القدس ، أصبحت مملكة
الفرنجة التي تحمل هذا الأسم واقعا قائما، وظلت عملية التسليم وصمة للكامل رغم كل
ما بذله وأخوه من عمارة القدس والاهتمام بها .
ولن تسترد القدس مرة أخرى إلا
بعد دعوة الصالح أيوب الخوارزمية إلى الشام ، فدخلوا المدينة سنة ألف ومائتين وأربع
وأربعين ، وطردوا الفرنجة منها . وفشلت محاولاتهم اللاحقة في إعادة احتلالها في
الحملة التاسعة التي حاولت الاستفادة من تقدم الخطر المغولي على الشرق الإسلامي ،
وظلت مملكة القدس محصورة في عكا والشريط الساحلي الشامي ، حتى نهاية المماليك .
|