الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

القضية الفلسطينية

خلفياتها و تطوراتها حتى سنة 2001

 

بقلم: د. محسن محمد صالح

الأستاذ المشارك في الدراسات الفلسطينية

 و تاريخ العرب الحديث

 

 

 

 

قضية فلسطين (1987-2000)

 

بقدر ما تجلت قدرات الشعب الفلسطيني ـ في هذه المرحلة ـ على التضحية والعطاء، بقدر ما كانت الحصيلة السياسية مخيبة للآمال. وبقدر ما تلألأت أنوار الانتفاضة المباركة معبرة عن أصالة شعب مقهور، يواجه أطفاله ونساؤه دبابات الصهاينة بالحجارة، والأرواح المتطلعة إلى الحرية والشهادة، بقدر ما زكمت الأنوف اتفاقيات أوسلو وممارسات السلطة الفلسطينية ضد أبناء شعبها ومجاهديها. وباختصار فإن أبرز معالم هذه المرحلة:

-اندلاع الانتفاضة المباركة (1987-1993)، وبروز التيار الإسلامي المجاهد.

-اتفاقيات أوسلو بين م.ت.ف والصهاينة 1993، والتنازلات المريعة عن حقوق شعب فلسطين.

-ضعف وتفكك وصراع داخلي عربي ـ عربي إثر استيلاء العراق على الكويت، وما تبع ذلك من حرب ومعاناة وعداوات، وتوقيع الأردن اتفاقية تسوية مع الكيان الصهيوني.

-انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، والهجرة اليهودية الهائلة منه إلى الكيان الصهيوني، واستفراد أمريكا بالسيطرة العالمية.

 

 

 

الانتفاضة المباركة :

 حدثت شرارة الانتفاضة المباركة في يوم 9 ديسمبر/كانون أول 1987 إثر استشهاد أربعة عمال فلسطينيين في حادث دهس متعمد في اليوم الذي سبقه. وقد قررت الحركة الإسلامية منذ تلك الليلة المشاركة في الانتفاضة وتوجيهها، فبدأت ـ بترتيبها ـ المظاهرات العارمة بعد صلاة فجر 9 ديسمبر من مسجد مخيم جباليا، وسقط الشهيد حاتم أبو سيس، ثم سقط الشهيد رائد شحادة في مظاهرة أخرى قرب مستشفى الشفاء. وتوالى سقوط الشهداء، واتسعت المظاهرات لتعم أرجاء الضفة والقطاع، وليشارك فيها كافة أبناء الشعب. وتميزت هذه الانتفاضة بأربعة مظاهر:

الأول: أن أهل "الداخل" المحتل (الضفة والقطاع) أخذوا زمام المبادرة النضالية الجهادية، بعد أن كانت بيد العمل من "الخارج".

الثاني: أن التيار الإسلامي شارك بقوة وعنف وفاعلية، وبرز على ساحة المواجهة بحجم منظم مؤثر.

الثالث: أنها شملت كافة قطاعات الشعب الفلسطيني واتجاهاته وفئاته العُمْرية.

الرابع: أنها اتسمت بالجرأة والتضحية، والمشاركة الواسعة للأطفال والفتيان والنساء، وبالمظاهر النبيلة من إيثار وتعاون وشهامة، وبالقضاء على مظاهر العمالة والفساد من خمور ودور لهو… .

وتميزت المرحلة الأولى من الانتفاضة بالمواجهات الشعبية الواسعة والإضرابات، والمظاهرات، ومقاطعة الإدارة المدنية الصهيونية، وتنظيف المجتمع من العملاء ومروجي الفساد والمخدرات. وبعد نحو أربع سنوات أخذت تبرز المرحلة الثانية، التي شهدت تنامي العمليات المسلحة ضد الصهاينة، مع تراجع الأنشطة الجماهيرية الواسعة. وقد عدَّت حركة فتح وحلفاؤها في م.ت.ف اتفاقية أوسلو (سبتمبر 1993) نهاية للانتفاضة، فأوقفت فاعلياتها، أما الجهات الأخرى وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي فقد استمرتا في فعالياتهما، بل وصعدتا من عملياتهما الجهادية. غير أن تشكيل السلطة الفلسطينية في الأرض المحتلة (مايو 1994) أفقد الانتفاضة كثيراً من وهجها،كما أفقدها المشاركة الشعبية الجماهيرية اليومية، فاقتصر الأمر بشكل أكبر على أعضاء الحركات والتنظيمات.

وعلى أي حال، فإن السنوات الست للانتفاضة (ديسمبر 1987-ديسمبر 1993) حسب إحصائية أعدتها م.ت.ف قد شهدت استشهاد "1540" فلسطينياً، وبلغ عدد الجرحى 130 ألفاً، كما اعتقل حوالي 116 ألفاً لمدد مختلفة[78].

 

 

حمـــاس:

وقد تلازم إنشاء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مع بداية الانتفاضة، وأصدرت بيانها الأول في 14 ديسمبر 1987، واعتبرت من أكثر الأطراف فاعلية، إن لم تكن أبرزها. وقد عرَّفت حماس نفسها بأنها جناح للإخوان المسلمين وامتداد لهم، وذكرت في ميثاقها أنها "تعتبر الإسلام منهجها، منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها، وإليه تحتكم، ومنه تسترشد خطاها". وهدفت إلى تحرير فلسطين، وإقامة دولة الإسلام على أرضها، ودعت إلى تربية متكاملة للأجيال لتحقيق الغايات المرجوة.

وقد استطاعت حماس أن تحقق شعبية واسعة، فكان مؤيدوها ـ ولا يزالون ـ يحققون من ثلث إلى نصف الأصوات عادة في الانتخابات الطلابية والنقابات المهنية، كما في جامعات النجاح وغزة والخليل وبيرزيت والقدس، ونقابات المهندسين والأطباء والصيادلة والمحامين والمعلمين، وغرف التجارة. وفي مقابلة صحفية للدكتور هشام شرابي المعروف بميوله العلمانية قال إن حمـاس هي الشكل الجديد للمقاومة، وأنها "نجحت حتى الآن فيما عجزت عنه م.ت. ف وفصائلها خلال أكثر من ربع قرن في استنباط أشكال جديدة لتنظيم الشعب الفلسطيني، وتمكينه من الصراع العسكري الفعال باستقلال عن كل عون خارجي"[79].

وبرز في قيادة حماس مؤسسها وشيخ الانتفاضة أحمد ياسين، وهو الرجل المقعد المشلول الذي حرّك موات أُمَّة، وإلى جانبه في قطاع غزة عبد العزيزالرنتيسي ومحمود الزهار وعبد الفتاح دخان، وفي الضفة الغربـية جمال سليم، وحسن يوسف وجمال النتشة …، وفي خارج فلسطين رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، والرئيس السابق للمكتب موسى أبو مرزوق، وإبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حماس … وغيرهم. وحسب تصريح إبراهيم غوشة فإن حماس قدمت منذ الانتفاضة حوالي سبعمائة شهيد، فضلاً عن آلاف الجرحى والأسرى. وهو رقم لا يبدو يسيراً في أجواء العمل الصعبة في فلسطين، وقبل الدخول في معارك وحروب ذات طبيعة شاملة مع الكيان الصهيوني.

وترى حماس أنه في مثل هذه الظروف من العلو اليهودي الصهيوني، والتآمر الدولي والضعف السياسي الفلسطيني، والتمزق والتشرذم العربي والإسلامي، فإن عملها لا يستهدف تحرير فلسطين عاجلاً ومباشرة، وإنما يتعامل معها كمعركة تتداولها الأجيال، وفي هذه الأجواء فإنها تسعى إلى تجاوز المرحلة بالمحافظة على الحق وإبقاء جذوة الجهاد. وقد أمكن لها مواجهة التحديات من خلال نوعية الرجال الذين قدمتهم والمستعدين للتضحية والاستشهاد، حتى إن المحللين الإسرائيليين يعترفون أن "حماس قد صكت نماذج جديدة للإنسان الفلسطيني وهم الاستشهاديون الجدد"، وأشار أحد خبراء الصهاينة إلى ما تتمتع به حماس من ديناميكية ومبادرة، كما اعترف الجنرال أوري ساغي رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بأن لدى حماس أساليب عمل متطورة، ومستوى عالٍ من السرية، وأنها تنفذ عمليات بارزة قاسية.

واستطاعت حماس أن تتمتع بحيوية مكنتها من تبديل عدد من الأجيال القيادية في وقت قصير. فكلما كشفت أو استشهدت أو سجنت قيادتها، ظهر من يحل مكانها ويواصل العمل. وكذا كان الحال مع اعتقال الشيخ أحمد ياسين في مايو 1989، واعتقال موسى أبو مرزوق في يوليو 1995، واستشهاد عماد عقل في نوفمبر 1993، ويحيى عياش في يناير 1996، ومحي الدين الشريف في مارس 1998، واعتقال محمد الضيف في مايو 2000. ورغم أن دخول م.ت.ف في تسوية مع الكيان الصهيوني، وتوليها الحكم الذاتي في المناطق السكانية في الضفة والقطاع (منذ 1994) جعل العمل الجهادي أمراً يكاد يكون مستحيلاً، إلا أن الفترة (1994-1998) شهدت تطوراً نوعياً في العمليات وخصوصاً الاستشهادية منها. ومن ذلك ردُّها على مذبحة الحرم الإبراهيمي (فبراير 1994) بخمس عمليات عنيفة، وردها على استشهاد يحيى عياش (الذي كان مهندساً لعمليات أدت لقتل سبعين صهيونياً وجرح 340 آخرين) بعدة عمليات في فبراير-مارس 1996 هزت الكيان الصهيوني وأفقدته صوابه، واستدعت عقد مؤتمر دولي بمشاركة الدول الكبرى لما أسموه "محاربة الإرهاب". وقام الصهاينة والسلطة الفلسطينية (بالتعاون المباشر مع أمريكا وباستخدام كافة التقنيات الأمنية) بحملة شعواء استهدفت اجتثاث كل ما له صلة بالتيار الإسلامي الحركي المقاوم في فلسطين. ومرّت حماس ـ ولا تزال ـ بمرحلة من أقسى المراحل، وعانت من ضربات قاسية من السلطة الفلسطينية التي شعرت أن مشروعها السلمي أصبح في "مهب الريح" على حد تعبير القيادي الفلسطيني صائب عريقات. وعانت حماس من الضغوط والمحاربة في الخارج، فكان اعتقال موسى أبو مرزوق في أمريكا (يوليو 1995-مايو 1997) ومحاولة اغتيال خالد مشعل في سبتمبر 1997، وإغلاق مكاتب الحركة في الأردن في آخر أغسطس 1999، وإبعاد أربعة من قادتها من الأردن (بعد سجنهم أكثر من شهرين ونصف) إلى قطر في نوفمبر 1999.

ورغم التنسيق الصهيوني ـ السلطوي الفلسطيني ـ الدولي لاجتثاث هذه الحركة إلا أن أنصارها لا زالوا يفوزون في الانتخابات الطلابية والنقابية، ولا تزال تتمتع بثقل شعبي كبير في الداخل والخارج[80].

ومن جهة أخرى، فإن حركة الجهاد الإسلامي قامت بعدد من العمليات النوعية والاستشهادية مثل عمليات نتساريم في نوفمبر 1994، وبيت ليد في يناير 1995، وتل أبيب في مارس 1996. وهي تتعرض لنفس ما تتعرض له حماس من ضغوط ومطاردة. وقد استشهد قائدها فتحي الشقاقي في عملية نفذها الموساد الإسرائيلي في 26 أكتوبر 1995. وتشير الانتخابات الطلابية إلى تمتع هذه الحركة بنحو 3-5% من أصوات الناخبين.

 

 

 

م.ت.ف: من الكفاح المسلح إلى التسوية السلمية:

عانت م.ت.ف من استضعاف سياسي إثر المحاولات المتوالية لاجتثاثها عسكرياً، ووصلت حالة تهميشها مدى كبيراً في مؤتمر القمة العربي في عمّان في أكتوبر 1987. وعندما اندلعت الانتفاضة المباركة عدّتها م.ت.ف رافعة سياسية لها، فحاولت استثمارها بشكل مبكر. فقامت بتشكيل القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة (بعد شهر من اندلاعها)، وشاركت الفصائل الفلسطينية وخصوصاً فتح بفعالية في الانتفاضة. وردَّ الكيان الصهيوني باغتياله لأبي جهاد (الرجل الثاني في م.ت.ف وفي فتح) ـ رحمه الله ـ في تونس في 16 إبريل 1988، وذلك ضمن حملته الشرسة لقمع الانتفاضة. وقد أفادت م.ت.ف من قيام الأردن بفك روابطه الإدارية والقانونية مع الضفة الغربية في 31 يوليو 1988، لتؤكد تمثيلها الرسمي الوحيد لأهل الضفة الغربية، ولتخوض  ما أسمته "هجوم السلام الفلسطيني".

وفي المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر (12-15 نوفمبر 1988) الذي يتبع م.ت.ف تم وضع برنامج فلسطيني قائم على الاعتراف بقرار الأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 القاضي بتقسيم فلسطين لدولتين عربية ويهودية. واعترفت م.ت.ف لأول مرة منذ 21 عاماً بقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في نوفمبر 1967. ودعت إلى تسوية سياسية من خلال مؤتمر دولي. وحتى "يتجرع" الفلسطينيون كل هذه "المرارات" فقد أعلن المجلس "استقلال فلسطين". ولقد لقي هذا الإعلان ترحيباً دولياً واسعاً، حيث اعترفت بهذه الدولة حوالي 120 دولة خلال بضعة أشهر. ورغم أن الولايات المتحدة ودول أوربا الغربية لم تعترف بها، ورغم أنها عملياً كانت "أملاً" لم يقم بعد على أرض الواقع، إلا أن ذلك أعاد تحريك القضية دولياً، وأعاد لـ م.ت.ف حضورها السياسي، بعد أن رضيت لنفسها "بتقزيم" مطالبها و"قصقصة" برامجها النضالية.

وفي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات حدثت تغيرات على المستوى العربي والدولي أضعفت كثيراً الموقف الفلسطيني والعربي. فقد حدث مزيد من الضعف والتفكك في الساحة العربية، خصوصاً إثر الاجتياح العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 وما نتج عنه من عداء بين البلاد العربية، واستنزاف الموارد والثروات العربية، وتدمير البنية العسكرية للعراق، وتهجير وهجرة مئات الآلاف من الفلسطينيين من الكويت في أثناء الاجتياح العراقي، وبعد انسحابه منها، وما تلاه من حجب الدعم عن م.ت.ف … . وبشكل عام فإن هذا الاجتياح وما استتبعه من "حرب الخليج" ونتائجها، كان له آثار كارثية على قضية فلسطين.

أما في الإطار الدولي، فقد شهدت هذه الفترة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه، وكذلك كتلة الدول الاشتراكية، وتحولها من حالة المنافسة والعداء مع أمريكا وحلفائها إلى حالة من التوافق و"الاسترضاء"، في ضوء التحول نحو الرأسمالية والديمقراطية الغربية، والحاجة إلى المساعدات الاقتصادية من الغرب. وقد أسهم ذلك في اختلال التوازن السياسي الدولي، الذي كان يستفيد منه الجانب الفلسطيني والعربي إلى حد ما، عندما كانت هناك حالة من التنافر والاستقطاب تسمح بمجال للمناورة.

وهكذا برزت الولايات المتحدة كقوة وحيدة أولى في العالم، خصوصاً بعد حرب الخليج في أوائل 1991. وزاد الوضع سوءاً  تزايد النفوذ اليهودي فيها، حتى إنه عيّن في إدارة الرئيس المتصهين كلينتون وزراء يهود في مناصب حساسة، مثل وزيرة الخارجية أولبرايت، ووزير المالية روبرت روبين، ووزير الدفاع وليم كوهين، ووزير الزراعة جيلكمان. هذا بالإضافة إلى وجود سبعة يهود من أصل أحد عشر في مجلس الأمن القومي، ورئاسة اليهودي جرينسبان للبنك المركزي، واليهودي جورج تينيت للمخابرات CIA وغيرها.

وقد استثمرت الولايات المتحدة ذلك في فرض هيمنتها وإدارتها وتصوراتها لنظام عالمي جديد، كما سعت لإغلاق الملف الفلسطيني بما يخدم مصالح حليفها الاستراتيجي"إسرائيل". بينما قطف الكيان الإسرائيلي ثماراً غالية نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، فأعادت هذه الدول علاقاتها الدبلوماسية معها، كما فتحت أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة ـ خصوصاً من الاتحاد السوفيتي ـ وقد احتفل الكيان الصهيوني في 7 مايو 2000 بقدوم المهاجر رقم مليون منذ بداية موجة الهجرة من الاتحاد السوفيتي في سبتمبر 1989، وقام رئيس الوزراء باستقباله بنفسه[81]. وشملت موجة الهجرة هذه نحو 92 ألف عالم متخصص في شتى المجالات[82]، بينهم عدة آلاف متخصصون في الصناعات النووية، فضلاً عن الكثير من الكفاءات العسكرية العالية، مما زاد من خطورة الكيان الإسرائيلي ومشروعه في المنطقة.

وفي هذه الأجواء المثالية لأمريكا و"إسرائيل"، نجحت الولايات المتحدة في جر البلاد العربية إلى مؤتمر السلام العربي الإسرائيلي في مدريد في أكتوبر 1991، تلته مفاوضات عربية إسرائيلية مباشرة. ولم تنفع حوالي سنتين من المفاوضات بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي في كسر التصلب الصهيوني. وقد جاءت المفاجأة عندما أُعلن عن اتفاق أوسلو بين الطرفين، حيث كُشف النقاب عن مفاوضات سرية كانت تجري بين الطرفين منذ 20 يناير 1993 من وراء ظهر الوفد الفلسطيني الرسمي المفاوض (برئاسة حيدر عبد الشافي)، ومن دون علم معظم قادة م.ت.ف. وقد وقع الاتفاق بالأحرف الأولى في 19 أغسطس 1993 في أوسلو بالنرويج، وتم التوقيع عليه رسمياً في 13سبتمبر 1993 في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وحضور ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين، ووقعه عن الجانب الفلسطيني محمود عباس، وعن الجانب الإسرائيلي وزير الخارجية شمعون بيريز، كما وقعه وزيرا خارجية أمريكا وروسيا كشاهدين.

وقد اتسم اتفاق أوسلو[83] ـ الذي قامت على أساسه السلطة الفلسطينية الحالية ـ بالمرحلية. إذ تضمن حكماً ذاتياً في قطاع غزة وأريحا أولاً على أن يغطي مناطق فلسطينية أوسع في مراحل تالية خصوصاً تلك المأهولة بالسكان، وتشمل صلاحيات السلطة التعليم والصحة والشئون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة. بينما تجري المفاوضات حول القضايا الحساسة والوضع النهائي بعد سنتين من بدء الحكم الذاتي. على أن السلوك الصهيوني اتسم بالمماطلة والتسويف والتعجيز، بحيث مرَّ إعطاء الصلاحيات للفلسطينيين بكثير من التعقيدات التي عادة ما كان جوهرها مطالبة "السلطة"بالنجاح في "الاختبار" الإسرائيلي في ضرب حماس وحركات المقاومة، وتقديم السلطة لمزيد من التنازلات. وتم عقد عدة اتفاقيات خدمت أساساً المصالح الصهيونية بشكل أفضل، فكان اتفاق القاهرة (4 مايو 1994)، واتفاق "طابا" في (28 سبتمبر 1995)، مروراً باتفاقية واي بلانتيشن (23 أكتوبر 1998)، ومذكرة شرم الشيخ (4 سبتمبر1999) … . ووزعت مناطق الحكم الذاتي إلى مناطق (أ) و(ب). ولا تملك السلطة حالياً سوى حوالي 15% من أراضي الضفة تحت (أ) حيث سيطرتها الأمنية والإدارية، ونحو 20-

25% من أراضي الضفة تحت بند (ب) حيث تسيطر إدارياً بينما يكون الإشراف الأمني مشتركاً مع الصهاينة. وقد فشلت السلطة حتى الآن (سبتمبر 2000) في الوصول إلى تسوية نهائية حول القضايا المصيرية الحساسة.

وبشكل عام، فإن أبرز الانتقادات والملاحظات على اتفاق أوسلو يمكن تلخيصها فيما يلي:

1.   قضية فلسطين قضية كل المسلمين وليس قضية الفلسطينيين وحدهم، وهي معركة بين حق المسلمين وباطل اليهود، وهي معركة تتوارثها الأجيال، ولا يجوز لجيل أن يرضخ أو يتنازل فيغمط حق الأجيال التالية. وقد أجمع العلماء الثقات على عدم جواز هذه التسوية بالشكل الذي تمت فيه، ودعوا إلى وجوب الجهاد لتحرير الأرض المباركة.

2.   تفردت قيادة م.ت.ف بالموافقة على الاتفاق والاتفاقات التي تلته، ولم ترجع حتى إلى الشعب الفلسطيني نفسه، الذي توجد فيه تيارات واسعة معترضة على هذه التسويات من الإسلاميين واليساريين والقوميين، وحتى في حركة فتح نفسها.

3.   اعترفت قيادة م.ت.ف "بحق إسرائيل في الوجود"، وبشرعية احتلالها لـ 77% من أرض فلسطين المحتلة عام 1948، والتي لا تجري عليها أية مفاوضات.

4.   لم يتم التعرض لأخطر القضايا حيث تم تأجيلها إلى مرحلة المفاوضات النهائية، ولأن م.ت.ف تعهدت بعدم اللجوء إلى القوة إطلاقاً، فقد أصبح الأمر مرتبطاً بمدى "الكرم الصهيوني" الذي يملك عناصر القوة وأوراق اللعبة، وهذه القضايا:

أ ـ مستقبل مدينة القدس، والتي أعلنها اليهود عاصمة أبدية لهم، وصادروا 86%من أرضها، وأسكنوا في القدس الشرقية أكثر من 190 ألف مستوطن.

ب ـ مستقبل اللاجئين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم عن خمسة ملايين لاجئ.

    ج ـ مستقبل المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث صادر الصهاينة نحو 62% من أراضي الضفة والقطاع، وأقاموا أكثر من 160 مستوطنة في الضفة، و 16 مستوطنة في القطاع، يعيش فيها 200 ألف يهودي مستوطن.

5.   لا تتضمن مسئوليات السلطة الفلسطينية الأمن الخارجي والحدود، ولا يستطيع أحد دخول مناطق السلطة دون إذن إسرائيلي. ولا يجوز للسلطة تشكيل جيش، والأسلحة تدخل بإذن إسرائيلي.

6.      للكيان الصهيوني حق النقض "الفيتو" على أية تشريعات تصدرها السلطة خلال المرحلة الانتقالية.

7.    لا يوجد في الاتفاقيات إشارة إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو إقامة دولتهم المستقلة، ولا تشير الاتفاقيات إلى الضفة والقطاع كأرضٍ محتلة، مما يعزز الاعتقاد بأنها أراضٍ متنازع عليها.

8.    في الوقت الذي تعهدت فيه م.ت.ف (السلطة الفلسطينية) بعدم اللجوء إطلاقاً للمقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني، وبحل كافة مشاكلها بالطرق السلمية، فإنها في الوقت نفسه أصبحت مضطرة ـ في ضوء تعهداتها السلمية ـ لقمع وسحق أية مقاومة مسلحة ضد الكيان الصهيوني، ومحاربة أبناء شعبها الذين يقومون بذلك. ووجدت نفسها ـ عملياً ـ أداة لحماية "الأمن الإسرائيلي" في مناطقها، وقامت بحملات اعتقال واسعة وشرسة إثباتاً "لحسن نواياها"، وحرصاً على السلام مع "إسرائيل".

لقد كان الكاتب الفلسطيني المعروف إدوارد سعيد دقيقاً إلى حد كبير عندما قال إن عرفات "ورَّط شعبه بمصيدة لا مخرج منها"[84]، بينما قال المفكر الفلسطيني هشام شرابي إن القيادة الفلسطينية "لا تعرف كيف يؤخذ القرار، وكيف يتم تقرير المصير"[85].

 

 

 

 السلطة الفلسطينية والوضع الحالي:

بدأ دخول الشرطة الفلسطينية قطاع غزة في 18 مايو 1994، وأدى أعضاء الحكم الذاتي اليمين الدستورية أمام ياسر عرفات في أريحا يوم 5 يوليو 1994. وقد صدقت الكثير من التخوفات حول التسوية وأداء السلطة المحتمل. فلأن اتفاقات الحكم الذاتي مؤقتة، ولأن تسليم الأرض للسلطة يتم "بالقطارة" جرعة…جرعة، ولأن تحقيق أي تقدم بات مرهوناً برضى الطرف الإسرائيلي، فقد وجدت السلطة الفلسطينية نفسها "تحت رحمة" الطرف الآخر، وأصبحت مضطرة للاستجابة لضغوطه، في سبيل الحصول على أية حقوق مهما كانت ضئيلة. وقد سعى الصهاينة إلى المماطلة والتسويف لتحقيق تنازلات جديدة، كما ربطوا بين أي تقدم في التسوية وبين سحق السلطة الفلسطينية للمعارضة المسلحة. ونجح الكيان الصهيوني في وضع حماس والجهاد الإسلامي والمعارضة الفلسطينية كعائقٍ في الطريق، على السلطة أن تدكّه وتقمعه حتى تصل إلى ما تحسبه أهدافاً وطنية فلسطينية. ‍‍‍‍‍

وبالفعل، فبعد سنوات من اتفاقات أوسلو، لا تزال المماطلات مستمرة، ولم تُحسم القضايا الجوهرية التي كان يجب أن تحسم ـ حسب الاتفاق ـ قبل أكثر من سنتين (1998). ومراكز سيطرة السلطة الفلسطينية الفعلية هي في المناطق المأهولة بالسكان، والتي كان الصهاينة يرغبون منذ زمن طويل بإيكال جميع "المهام القذرة" فيها، من ملاحقات أمنية، وضرائب، وأعمال بلدية…، إلى من ينوب عنهم بذلك، حتى يصبح استعمارهم استعماراً "نظيفاً"‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

وتضخم الجانب الأمني لدى السلطة الفلسطينية ليقوم بدوره المطلوب، فبلغ عدد الشرطة الفلسطينية نحو أربعين ألفاً، ليشكل أعلى نسبة شرطة في العالم مقارنة بعدد السكان. وشكلت السلطة ثمانية أجهزة أمنية مختلفة، تعاملت دون هوادة مع المعارضة الفلسطينية، ونسقت بشكل مباشر مكشوف مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية. وتضخمت ميزانية الأمن ومكتب الرئيس عرفات لتصبح في سنة 2000 حوالي 70% من مجموع ميزانية السلطة[86] فيما أخذت الوزارات والمؤسسات الأخرى من صحة وتعليم وخدمات اجتماعية وكهرباء …‍ وغيرها كثير باقي النسبة.

وقد كان ذلك على حساب الحالة الاقتصادية التي تراجعت كثيراً، وعلى حساب مؤسسات التعليم والحريات السياسية والمؤسسات الاجتماعية. ففي مايو 1995 نُشر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية أشار إلى أن دخل الفرد في قطاع غزة تراجع إلى 500 دولار، بنسبة تراجع 38% عما كان عليه سنة 1993[87]. وفي إبريل 2000 وصفت شخصيات فلسطينية بارزة ومنظمات حقوق إنسان اتفاق أوسلو بأنه بمثابة كارثة اقتصادية وسياسية للفلسطينيين، ودعت عرفات ـ في وثيقة نشرت في واشنطن ـ إلى الاستقالة. وقالت الوثيقة إن نصيب الفرد الفلسطيني من الدخل انخفض بنسبة 30%، وأن معدل البطالة تضاعف ثلاث مرات في الضفة والقطاع منذ 1993[88].

وعانت السلطة من الفساد الإداري والمحسوبية التي تفشت بسرعة في أجهزتها. حتى إن أحد كبار قادة فتح نفسها "محمد جهاد" لم يتورع عن القول إن عرفات قد أحاط نفسه بثلة من اللصوص والمبتزين[89]. ونقل عن شخصية أخرى قولها "العربدات تمارس بشكل يومي في الشارع…، والحديث عن الانحلال والرشوة والمحسوبية يزكم الأنوف"[90]. وفي مايو 1997 صدر تقرير لجنة المراقبة في المجلس التشريعي الفلسطيني التابع لسلطة الحكم الذاتي مؤكداً أن الفساد المالي في أجهزة السلطة والسرقات قد طالت 326 مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ هائل ـ وهو ما أمكن كشفه ـ بالنسبة إلى ميزانية السلطة التي كانت بحدود 1500 مليون دولار. وقد صوّت المجلس التشريعي بحجب الثقة عن حكومة عرفات (56 صوت مقابل صوت واحد) بسبب ذلك. وفي نوفمبر 1999 وقّع عشرون مفكراً وشخصية فلسطينية بارزة تحت حكم السلطة وثيقة "العشرين" التي اتهمت السلطة بالفساد والمحسوبية والشللية وقمع الحريات… وغير ذلك. وقد وصف هشام شرابي الوضع قائلاً: "إن السلطة الفلسطينية بتركيبها الحالي لا تمثل الشعب الفلسطيني…، إنها عاجزة عن إحداث أي تغيير في الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وهي نفسها أحد أسباب تفاقم وضعه المأساوي"[91].

وكان الإنجاز الأكثر تميزاً للسلطة هو القمع الأمني للمعارضة، وحملاتها المستمرة لاجتثاثها، وللقارئ أن يتصور أن السلطة شنّت في السنة الأولى من عمرها 12 حملة اعتقال. وفي قطاع غزة الذي لا تتجاوز مساحته 363كم2 يتبع السلطة 24 مركز توقيف واعتقال، وهناك 32 حاجزاً عسكرياً. وفي شهر واحد مثلاً (19/4-9/5/1995) داهمت السلطة 57 مسجداً 138 مرة في إطار قمعها للاتجاه الإسلامي[92]. وتوالت الحملات الأمنية بعد كل عملية جهادية، وكان أشدها حملة مارس 1996 إثر العمليات الاستشهادية التي نفذتها حماس انتقاماً لاستشهاد يحيى عياش. ولم تنجح محاولات الحوار بين السلطة وحماس، وحدث أكثر من مرة أن تعتقل السلطة محاوريها وتعذِّب عدداً منهم أمثال حسن يوسف وجمال سليم وغيرهم. وقد نجح التنسيق الأمني الصهيوني-الفلسطيني-الأمريكي في إحباط الكثير من العمليات الجهادية، وفي القبض على كثير من المجاهدين. وفي يناير 1997 أعلنت منظمات حقوق الإنسان أن هناك 1600 معتقل فلسطيني في سجون السلطة الفلسطينية بينهم 700 دون تهم أو محاكمة[93]. وقد قُتل حتى الآن أكثر من عشرين شخصاً تحت التعذيب في هذه السجون.

وهكذا، ففي الوقت الذي يتغوّلُ فيه الكيان الصهيوني، ويصادر المزيد من الأراضي، ويبني المستوطنات في الضفة والقطاع، ويستقدم المهاجرين، ويمحو الهوية الإسلامية للقدس، تقوم السلطة بكف يدّ المجاهدين، وتزجُّ بهم في سجونها.

(ومما يجدر ذكره أن سلوك السلطة الفلسطينية تجاه المعارضة قد اختلف عند اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000. فقد وجدت أنه لا يمكن ممارسة نفس السياسات القمعية في وقت يتنكر فيه الصهاينة لاتفاقياتهم، ويزدادون غطرسة وبطشاً بالشعب الفلسطيني، وفي وقت هبَّ فيه هذا الشعب بأكمله للدفاع عن كرامته ومقدساته. ولذلك، خفّفت السلطة من قيودها على المعارضة، وأطلقت سراح الكثير من السجناء، وأطلقت العنان للمظاهرات والاحتجاجات، لكنها لم تتبنّ العمليات الفدائية، واستمرت في سياستها باستنكار قتل المدنيين الإسرائيليين، غير أنها برّرت هذه العمليات بأنها ردّ فعلٍ على الوحشية الصهيونية في قتل الفلسطينيين الأبرياء، وتدمير بيوتهم، ومصادرة أرضهم، والاعتداء على مقدساتهم. ولم تتعاون السلطة بشكل جاد من الناحية الأمنية مع السلطات الصهيونية مما يسّر على الفصائل الفلسطينية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي وفتح القيام بالكثير من العمليات العسكرية الموجهة ضد أهداف صهيونية) *.

 

 

 

الكيان الصهيوني والوضع الحالي:

يقف الكيان الصهيوني في مطلع القرن الـ 21 الميلادي في حالة من الزهو والعلو بعد  أن ثبّت دعائمه في ظل دعم القوى الكبرى، وفي أجواء التمزق والضعف العربي والإسلامي، فخلال 52 عاماً من إنشائه (1948 – 2000) تمكن من استقدام نحو مليونين و 900 ألف مهاجر يهودي، وتزايد عدد اليهود في فلسطين المحتلة من 650 ألفاً سنة 1948 إلى حوالي أربعة ملايين و 947 ألفاً في نهاية سنة 2000، أي حوالي 38 % من يهود العالم.[94]

واستطاع الكيان الصهيوني أن يتجاوز عزلته الدولية، فمع انحلال الاتحاد السوفيتي والأنظمة الشيوعية "هرولت" روسيا ودول أوربا الشرقية باتجاه فتح سفاراتها وتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدولة الصهيونية. ومع الضعف العربي والإسلامي إثر احتلال الكويت وحرب الخليج (1990-1991)، وتوقيع م. ت. ف. لاتفاقيات أوسلو، قامت الأردن بعقد اتفاق تسوية سلمية مع الكيان الصهيوني، وتبعتها عدد من الدول العربية بتبادل فتح مكاتب تمثيل تجاري ورعاية مصالح (قطر، عُمان، تونس ...)، وقامت أكثر من خمسين دولة أخرى في العالم بفتح علاقات دبلوماسية واقتصادية مع الكيان الصهيوني.

ومع تراجع مشروع التحرير والحروب العربية، ومع تولي السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع مهام قمع المعارضة المسلحة للكيان الصهيوني، استمتع الكيان بحالة من الاستقرار النسبي، مكّنته من مضاعفة نموه الاقتصادي. فقد تمكن من مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي من 15.3 بليون دولار أمريكي سنة 1983 إلى 105.4 بليون دولار سنة 2000 أي بنحو سبعة أضعاف (689%)، ولم يعد تحت رحمة المساعدات الأمريكية والهبات الخارجية التي كانت تشكل سنة 1983 نحواً من 25% من دخله القومي، فأصبحت لا تشكل أكثر من 4%، وإن ظلت مبالغ المساعدات والهبات نفسها دون تغيير (حوالي أربعة بلايين دولار سنوياً). وارتفع معدل الدخل السنوي للفرد في الكيان الصهيوني إلى 18300 دولار أمريكي سنة 2000 ليشكل أحد أعلى الدخول في العالم. وتضاعفت قيمة الصادرات "الإسرائيلية" من حوالي 11.6 بليون دولار سنة 1990 إلى 23.6 بليون دولار سنة 2000. أما ميزانية الكيان الصهيوني لعام 2000 فتقدر إيراداتها بنحو 40 بليون دولار أمريكي، ونفقاتها بنحو 42.4 بليون دولار. وإيرادات هذه الميزانية أعلى بنحو 8 بلايين دولار أمريكي من مجموع إيرادات الميزانيات العامة لمصر وسوريا والأردن ولبنان مجتمعة[95].

وتتمتع القوات العسكرية الصهيونية بمزايا تجعلها الدولة الأقوى في الشرق الأوسط حسب المعايير المادية، فالقوات العسكرية المتفرغة تبلغ 178 ألف جندي، يمكن مضاعفتها بقوات احتياط عالية التدريب والكفاءة خلال 72 ساعة إلى أكثر من 700 ألف، بل إلى مليون جندي وفق بعض التقديرات. وهي تتمتع بتفوق كبير في كافة أنواع الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل، حيث تحصل أولاً بأول على أحدث الأسلحة الأمريكية، فضلاً عن وجود أكثر من 200 شركة "إسرائيلية" تعمل في الصناعات الحربية. ويتمتع الكيان الصهيوني باتفاقية تعاون استراتيجي مع أمريكا، وبضمانات رسمية بأن تظل القوة العسكرية الإسرائيلية متفوقة على القوة العسكرية العربية مجتمعة. ويملك الكيان الصهيوني أكثر من 200 قنبلة نووية، ويُعدّ خامس أكبر مصدر للسلاح في العالم، حيث حصل على عقود بيع أسلحة عام 1999 تزيد قيمتها عن 2000 مليون دولار  أمريكي[96].

ومع ذلك، فإن للكيان الصهيوني مشكلاته، فهناك حالة من الانقسام والتفتت وسط الأحزاب السياسية الكبرى، ويشكو الجيش "الإسرائيلي" من حالة من الترهل "النسبية" وضعف المعنويات، وحالات الهروب من الخدمة العسكرية والانتحار.

وهناك مشاكل اجتماعية متمثلة في تزايد حالة الانقسام العرقي والديني بين فئات اليهود الأشكناز والسفارديم، وارتفاع نسب الطلاق، وانخفاض نسب المواليد، كما أن مصادر الهجرة اليهودية في روسيا وأوربا الشرقية قد شحّت وأوشكت على النفاد، ولا يهتم يهود أمريكا وأوربا الغربية بالهجرة، مما يشكل ضربة لمشروع التوسع الصهيوني والدولة اليهودية.

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يحوّل أعيننا عن حقيقة قوة هذا الكيان وعلوّه،خصوصاً عندما نقارن ذلك بحقيقة الأوضاع في عالمنا العربي والإسلامي، الذي تواجه دوله مشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة أيضاً. ولم تصل مشاكل الكيان الصهيوني إلى الحالة الحرجة التي تؤذن بانحلاله وزواله، إذ لا بد لذلك من مشروع عربي –إسلامي نهضوي شامل يكون على مستوى التحدي.

 

 

القدس والوضع الحالي:

احتل اليهود القدس الغربية في حرب 1948، (وهي تساوي نحو 84.1% من المساحة الكلية للقدس)، وقاموا بتهويد هذه المنطقة –التي تعود 85 % من ملكيتها للعرب –وبناء أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها وأراضي القرى العربية المصادرة حولها، مثل قرية لفتا التي بُني عليها البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" وعدد من الوزارات، وقرى عين كارم ودير ياسين والمالحة وغيرها.[97]

وفي عام 1967 أكمل الكيان الصهيوني احتلاله للقدس الشرقية، التي تُعدّ جزءاً من الضفة الغربية، والتي يقع فيها المسجد الأقصى. ومنذ ذلك الوقت بدأ حملة تهويد محمومة لشرقي القدس، فأعلن عن توحيد شطري القدس تحت الإدارة "الإسرائيلية" في 27 يونيو 1967، ثم أعلن رسمياً في 30 يوليو 1980 أن القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان "الإسرائيلي".[98]

وقد كان التركيز على القدس مسألة مركزية في الفكر اليهودي الصهيوني؛ لما تمثله من أبعاد دينية وتاريخية، وقبل أن ينشأ الكيان الإسرائيلي بحوالي خمسين عاماً قال هرتزل، مؤسس المنظمة الصهيونية العالمية، "إذا حصلنا على مدينة القدس، وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي عمل، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها، وسوف أحرق جميع الآثار التي مرت عليها قرون"[99]، وكان المؤسس الفعلي للكيان الإسرائيلي وأول رئيس وزراء له ديفيد بن جوريون يقول "إنه لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل".

وقام الكيان الإسرائيلي بتوسيع نطاق بلدية القدس تدريجياً؛ ليتمكن من ضم مناطق أخرى من الضفة الغربية نهائياً إلى كيانه، وليقوم بعملية تهويد القدس على نطاق مبرمج واسع. فتوسع نطاق البلدية شرقي القدس من 6.5 كم2 سنة 1967 إلى 123 كم2 سنة 1990. أما خطة ما يسمى بالقدس الكبرى التي يطمح لتنفيذها فتشمل 840 كم2، أي نحو 15 % من مساحة الضفة الغربية. وفي نطاق بلدية  شرقي القدس أنشأ الصهاينة طوقاً من 11 حياً يهودياً حول المدينة القديمة حيث المسجد الأقصى، يسكنها نحو 190 ألف يهودي. كما أنشأ طوقاً آخر  -  أكثر اتساعاً- حول القدس من 17 مستعمرة يهودية محاولاً قطع القدس عن محيطها العربي الإسلامي، وبالتالي قطع الطريق عن أي تسوية سلمية يمكن أن تعيد القدس أو شرقي القدس للفلسطينيين.[100]

ويسكن القدس بشقيها الغربي والشرقي حوالي 650 ألفاً حسب تقديرات سنة 2000 من بينهم 450 ألف يهودي، و 200 ألف عربي (كل العرب تقريباً يسكنون شرقي القدس). وبسبب سياسات المصادرة والقهر استولى الصهاينة على 86 % من مساحة القدس، وبقي للعرب الفلسطينيين فعلياً 4 %، بينما هناك 10 % مُنع العرب من الانتفاع بها ومعدَّة لمشاريع يهودية، مما يشير إلى مدى الخطورة التي وصل إليها مشروع تهويد مدينة القدس. مع العلم أن الفلسطينيين كانوا يملكون 90 % من القدس عند بدء الاحتلال البريطاني 1918.[101]

أما الحرم القدسي "المسجد الأقصى" فهي قصة مأساة أكثر إيلاماً. فبعد أيام من احتلال اليهود القدس الشرقية، قاموا بتدمير حي المغاربة المقابل للحائط الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق أو ما يسميه اليهود حائط المبكى)، وهو حي مكون من 135 بيتاً ومسجدين، وجرى تسويته بالأرض ليكون ساحة يستخدمها اليهود لأغراض عبادتهم، رغم أن الحي أرض وقف إسلامي. وبدأ اليهود حملة محمومة من الحفريات تحت المسجد الأقصى وحوله، مركّزين على المنطقة الغربية والجنوبية للمسجد، محاولين إيجاد أي دليل حول هيكلهم، لكن كان معظم ما وجدوه آثاراً إسلامية تعزز مكانة القدس وهويتها الإسلامية. ومنذ 1967 وحتى سنة 2000 مرت عمليات الحفريات بعشر مراحل، كانت تتم بنشاط ولكن بهدوء وتكتم. وتم حفر عدد من الأنفاق تحت المسجد الأقصى. وبلغت الحفريات مراحل خطيرة عندما أخذوا يفرغون الأتربة والصخور من تحت المسجد الأقصى وقبة الصخرة، مستخدمين المواد الكيماوية لتذويب الصخور، مما يجعل الأقصى تحت خطر الانهيار في أي لحظة، بسبب أية عاصفة قوية أو زلزال خفيف.

أما الاعتداءات على المسجد الأقصى فقد جرى 40 اعتداءً خلال 1967-1990، ولم تنفع التسوية السلمية واتفاقات أوسلو في وقف الاعتداءات، فتم تسجيل 72 اعتداءً خلال الفترة 1993-1998، مما يشير إلى ازدياد الحملة الشرسة ضد أحد أقدس مقدسات المسلمين. وكان من أبرز الاعتداءات عملية إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969، وجرت محاولات لنسف المسجد الأقصى في أول مايو 1980، وفي يناير وأغسطس وديسمبر 1984. وفي 17 أكتوبر 1989 قامت جماعة يهودية بوضع حجر الأساس لبناء الهيكل اليهودي الثالث قرب مدخل المسجد الأقصى.[102]

ويقوم المسلمون في القدس وفلسطين بالسهر على حماية الأقصى رغم ما يعانونه من احتلال وقهر، وهم يهبّون دوماً للدفاع عن حرمته بأجسادهم وحجارتهم، بعد أن فقدوا النصير العربي والإسلامي. فلم تخل أي محاولة اعتداء يهودية من قيام المسلمين بالتصدي لها حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب مجازر بحقهم، كما حدث في 8 أكتوبر 1990 عندما استشهد 34 وجرح 115 آخرون، عندما حاولت جماعة يهودية وضع حجر أساس الهيكل داخل المسجد الأقصى. وكما حدث في 25-27 سبتمبر 1996 إثر انتفاضة الغضب التي قامت بسبب افتتاح اليهود لنفق تحت الجدار الغربي للمسجد الأقصى، مما أدى لاستشهاد 62 فلسطينياً، وجرح 1600 آخرين.[103]

لقد صدرت عشرات القرارات الدولية عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي برفض ضم الكيان الإسرائيلي للقدس الشرقية، ورفض أية إجراءات مادية أو إدارية أو قانونية تغيّر من واقع القدس واعتبار ذلك لاغياً، واعتبرت هذه القرارات الكيان "الإسرائيلي" قوة احتلال يجب أن تخرج من القدس (ومن الضفة الغربية وقطاع غزة ككل). وقد صدر أول هذه القرارات في 4 يوليو 1967 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 2253. وظلت القرارات تتوالى إلى أن ضم الكيان الإسرائيلي القدس رسمياً إليه، فاتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار ES 712 في 29 يوليو 1980 بغالبية 112 صوتاً مقابل 7 أصوات وامتناع 24، يدعو الصهاينة إلى الانسحاب الكامل ودون شروط من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس. واتخذ مجلس الأمن في 30 يوليو 1980 بغالبية 14 صوتاً ضد لا شيء وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت قراراً بإعلان بطلان الإجراءات التي اتخذها الكيان الإسرائيلي لتغيير وضع القدس، مؤكداً ضرورة إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي". واستمرت القرارات في الصدور إلى الآن، غير أنها وإن كانت تعترف بحقوق الفلسطينيين، إلا أنها تفتقر الجدية والآلية اللازمة لإرغام الكيان الإسرائيلي على احترام القرارات الدولية.[104]

انتفاضة الأقصى: 28 سبتمبر 2000- الآن (أكتوبر 2001)

لقد كانت زيارة الإرهابي أرييل شارون زعيم حزب الليكود الاستفزازية إلى حرم المسجد الأقصى في 28 سبتمبر 2000 هي الشرارة التي فجرت الانتفاضة، وكان واضحاً أن ثمة مباركة وتأييداً من رئيس الحكومة الصهيونية باراك للزيارة حيث زوده بستمائة جندي لمرافقته، واستنفر 3000 جندي وشرطي في القدس وأحيائها. وصمم المسلمون على الدفاع عن الأقصى، حيث سقط في المواجهات الأولى خمسة شهداء، وجرح أكثر من مائة.

وكانت عناصر اشتعال الوضع وأسباب تفجيره جاهزة، فقد وصلت مفاوضات التسوية السلمية إلى طريق مسدود، وتأكدت الأطماع الصهيونية اليهودية في القدس والمسجد الأقصى، وظهر التعنت الإسرائيلي في قضايا اللاجئين والمستوطنات، واستمر الصهاينة في مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات.ولم يكونوا مستعدين للتنازل، ولا لتنفيذ القرارات الدولية، عندما يتعلق الأمر بالقضايا الجوهرية الحاسمة.

وبدا لباراك أن "الحل الوحيد الذي لاح في الأفق كان دفع الوضع إلى الإنفجار"، كما قال بنفسه في اجتماع سري في 25 أكتوبر 2000[105]. ولعله أراد إظهار مزيد من التصلب، وتحقيق مزيد من الشعبية وسط المجتمع الصهيوني، واستثمار ذلك في وقف عملية التسوية أو إدخالها في أزمات متتالية، في الوقت الذي تزداد فيه عمليات الهجرة اليهودية ومصادرة الأراضي والاستيطان، ليتسنى تحقيق مزيد من الضغط على السلطة الفلسطينية، التي أثبتت السنوات الماضية قابليتها للتنازل والتراجع، وتخفيض سقف مطالبها.

لكن الصهاينة وُوجهوا ببركان غضب عارم ليس في فلسطين وحدها، وإنما في العالم الإسلامي أجمع، وحيثما وجدت الجاليات الإسلامية، وأبطل الله سبحانه وتعالى حسابات الصهاينة ومكرهم، وبرز الأقصى عصياً على الخضوع والاغتصاب عندما استعدّت الملايين أن تفديه - والأرض المباركة – بأرواحها، وأفرزت الانتفاضة عدداً من الحقائق والمؤشرات أهمها:

الأولى: أن الأمة الإسلامية لا تزال حية، رغم الجراح التي أثخنتها، وأن روح المقاومة والصمود والاستعداد للبذل والتضحية لم تخمد. فقد خرجت المظاهرات بعشرات الآلاف بل بمئات الآلاف في بلدان العالم الإسلامي، من الرباط في أقصى المغرب وحتى جاكرتا في أقصى المشرق الإسلامي،كلها تهتف للأقصى والقدس وفلسطين، وتطالب بالجهاد، وتقدم ما لديها من تبرعات ودعم. فكانت لحظات رائعة من أخوة الإسلام ووحدة الأمة. وظهرت تجليات الإمكانات الكبرى لهذه الأمة لتحقيق النصر لو سلكت طريق الجهاد.

الثانية: أن قضية فلسطين – بأرضها المباركة وبقدسها وأقصاها – قضية تجمع المسلمين وتوحدهم، بل وتكون سبباً في تجاوز خلافاتهم والتركيز على العدو الصهيوني المشترك. وأن هذه القضية غدت القضية المركزية للعالم الإسلامي، فلا قضية تجمعهم كهذه القضية، ولا عدو يجتمعون ضده كهذا العدو.

الثالثة :وجهت الانتفاضة ضربة قاسية لمشروع التسوية السلمية والتطبيع مع العدو، وبرز الخيار الجهادي كخيار أمثل.

الرابعة: أن هذه الانتفاضة انعكست على طريقة تفكير الناس وأسلوب حياتهم اليومي، فاشتد العداء للمشروع الصهيوني، واشتد العداء ضد أمريكا، وتكرست الروح الجهادية وروح التكافل، وتجاوبت الجماهير مع دعوات مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، حتى غيّر الملايين من أسلوب طعامهم وشرابهم اليومي، ومن لباسهم ووسائل تنقلهم واتصالاتهم وترفيههم، فكانت مدرسة تربوية اجتماعية شعبية، ربما احتاجت حركات الإصلاح سنوات للوصول إلى مثل نتائجها. فانخفضت مثلاً مبيعات مطاعم الوجبات السريعة ( مكدونالدز، و K.F.C ) بنحو 80% في السعودية، وانخفضت مبيعات مشروبات البيبسي كولا بنسبة 46% في مصر (وذلك حسب بعض التقديرات التي نشرت في نوفمبر 2000)، واتجه الناس للمأكولات والمشروبات الشعبية، بل واضطرت الشركات الأجنبية الأمريكية لإنزال إعلانات عدم العلاقة بالكيان الصهيوني، بل والتبرع لضحايا الانتفاضة، كما حدث مع مطاعم مكدونالدز التي تبرعت بريال سعودي لكل وجبة طعام، لعلاج جرحى الانتفاضة[106].

الخامسة: أن التسوية السلمية قائمة على الظلم والغصب، وأن جماهير الفلسطينيين والعرب والمسلمين ترفض التنازل عن حقوقها في الأرض المقدسة، وأنها لا تأمل من الغاصب الصهيوني سلاماً ولا خيراً، وأنها ترى في الجهاد الوسيلة الأنجع لاسترداد الحقوق.

السادسة: برزت أهمية الإعلام ودوره في التعبئة، إذ تمكن المسلمون من كسر الطوق الإعلامي الغربي المتصهين، من خلال الفضائيات العربية، وخدمات الانترنت والبريد الإلكتروني، وخصوصاً في المراحل الأولى من الانتفاضة.

 ومن جهة أخرى، فقد تميزت هذه الانتفاضة بالمشاركة الشعبية الواسعة في كل أرجاء فلسطين المحتلة، وبمشاركة كافة التيارات الفلسطينية. كما تميزت في الوقت نفسه، بشدة القمع الصهيوني الذي تمادى في قتل الأطفال والأبرياء واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وانكشفت سوءات أدعياء السلام "الصهاينة" الذين تباروا في سحق الانتفاضة المباركة.

وقد صمد أبناء فلسطين صموداً بطولياً طوال الفترة الماضية، ولا يزالون. وتشير الإحصائيات إلى أنه بعد مرور سنة على الانتفاضة (28 سبتمبر 2000-28 سبتمبر 2001) فقد استشهد 727 فلسطينياً، وجرح نحو ثلاثين ألفاً (أو 35 ألفاً حسب تقديرات أخرى)، وأصيب 2800 منهم بإعاقات دائمة. واستشهد من أطفال فلسطين 159 طفلاً، وجرح آلاف الأطفال، وتقدر نسبة الإصابات في الأطفال واليافعين دون سن الثامنة عشرة بنحو 40% من مجمل إصابات الانتفاضة. وكان من بين الشهداء 13 شهيداً من أبناء الأرض المحتلة عام 1948 حيث انتفضوا بقوة إلى جانب إخوانهم في الضفة والقطاع.  وقام الكيان الصهيوني بتدمير نحو خمسة آلاف بيت، واجتثاث 200 ألف شجرة، وقصف 95 مدرسة، وتسبب حصاره في معاناة 218 قرية من العطش الشديد، وارتفعت نسبة البطالة من 11% إلى 57% بين أبناء الضفة والقطاع، وأصبح هناك 265 ألفاً عاطلين عن العمل، وباحتساب عدد عائلات هؤلاء يرتفع عدد المتضررين إلى مليون و 270 ألفاً، أي نحو 45.5 % من سكان الضفة والقطاع. وارتفعت نسبة الفلسطينيين تحت خط الفقر إلى 50% ، وخسر الاقتصاد الفلسطيني –الناشئ المنهك- نحو 7.5 بليون دولار أمريكي.[107].

أما منظمة العمل العربية فقد قدرت خسائر الفلسطينيين بنحو 19 مليون دولار يومياً، ( يبدو أنها ضمّنت الأضرار غير المباشرة)، فقدّرت الخسائر اليومية لقطاع العمال بـ 6.6مليون دولار، وقطاع التجارة 5.5مليون، والصناعة 3.3 مليون، والزراعة 3.2[108].

وقد تعمد الصهاينة إطلاق النار بقصد القتل وليس لتفريق المظاهرات، أو مجرد مواجهة حجارة المنتفضين، فذكرت التقارير أن 65% من الإصابات كانت في الجزء العلوي من الجسد، أي في الرأس والرقبة والصدر والبطن، وأن 40% من الإصابات كانت باستخدام أسلحة محرمة دولياً مثل رصاص الدمدم الذي يتفجر في الجسد، ورصاص 500، و 800 الذي يستخدم عادة ضد الدبابات!!، وكانت نسبة 40% من الإصابات ليافعين وأطفال تحت سن 18 سنة[109]. كما تبنى الصهاينة سياسة الاغتيال السياسي لنشطاء الانتفاضة، حيث استشهد من جراء ذلك نحو ثمانين فلسطينياً من مختلف الفصائل الفلسطينية مثل جمال منصور وجمال سليم من قيادات حماس، ومثل أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

غير أن كافة الأساليب القمعية لم تفلح في قمع الانتفاضة التي أخذت طابعاً عسكرياً زاد قوة مع تطور الأحداث، فذكرت تقارير إسرائيلية عن وقوع ما معدله 50- 70 عملية يومياً ضد أهداف صهيونية، وتعمد الكيان الصهيوني أسلوب التعتيم الإعلامي، وعدم الإعلان إلا عما لا يمكن إخفاؤه، وعند ذلك يتعمد إخفاء الخسائر الحقيقية، وإعطاء أرقام أقل للحفاظ على معنويات المجتمع الصهيوني وجنوده، وعلى الثقة بالقيادة الصهيونية، وإشعار المجاهدين أن فعالياتهم وعملياتهم غير مؤثرة، فضلاً عن إضعاف روح التفاعل العربي والإسلامي مع القضية.

وقد شاركت كافة الفصائل الفلسطينية في العمليات العسكرية. ويقدّر مجموع قتلى الصهاينة بنحو 165 بعد مرور سنة على الانتفاضة (وهو ما أمكن معرفته من المصادر الرسمية "الإسرائيلية" التي تتعمد إخفاء خسائرها أو تقليلها)، والجرحى بنحو 1400. وتشير إحصائية فلسطينية أخرى، نشرتها وكالة قدس برس في يناير 2002، إلى أنه قد قتل منذ اندلاع الانتفاضة وحتى نهاية سنة 2001 ما مجموعه 243 صهيونياً بينهم 184 مستوطناً و 59 عسكرياً، وأصيب 2344 إسرائيلياً بجراح بينهم 1662 مستوطناً، و 682 عسكرياً، وذلك في 10401 عملية فدائية نفذها مقاتلون فلسطينيون ضد الأهداف الصهيونية.

وتميزت حماس بعملياتها الاستشهادية التي أحدثت دوياً هائلاً، وزعزعت الأمن في الكيان الصهيوني. فقد نفذت حماس 12 عملية استشهادية خلال السنة الأولى للانتفاضة، قُتل فيها 61 صهيونياً على الأقل، ونفذ معظمها في قلب الأرض المحتلة سنة 1948، في مدن تل أبيب ونتانيا والقدس وكفر سابا ونهاريا وغزة. أما كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح فركزت على عمليات إطلاق الرصاص ضد قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية والقطاع، حيث قتل نحو 30 صهيونياً. ونفذت الجهاد الإسلامي أربع عمليات كبيرة قُتل فيها عشرة صهاينة. كما نفذت الجبهتان الشعبية والديموقراطية وغيرهما عدداً من العمليات[110]. ومن العمليات النوعية التي تستحق الإشادة عملية اغتيال وزير السياحة "الإسرائيلي" رحبعام زئيفي) وهو جنرال سابق في الجيش "الإسرائيلي"، ومن أشد الصهاينة تطرفاً، وقد نفذت الجبهة الشعبية هذه العملية بجرأة وبراعة منتقمة لاغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى. كما نفذت حماس والديموقراطية عمليات اقتحام نوعية لمستوطنات إسرائيلية

وفضلاً عن أسلوب الردع العنيف الذي تبنّاه الصهاينة، فإن هذه الانتفاضة قد أدت إلى سقوط حكومة حزب العمل الإسرائيلي بزعامة باراك، وهزيمة باراك الساحقة في انتخابات رئاسة الوزراء الإسرائيلية 6 فبراير 2001، حيث اختار الصهاينة رجلاً أكثر دموية وتطرفاً، ومشهوراً بمذابحه ضد الفلسطينيين، هو أرييل شارون زعيم الليكود.

وفقد المجتمع الصهيوني شعوره بالأمن، وأصبح الصهاينة يتجنبون ركوب الحافلات، ويخففون من التسوق قدر الإمكان، لئلا يحدث انفجار في أي لحظة في أي مكان. وتبخرت أحلامه في فرض شروطه المهينة على العرب والمسلمين، وارتفعت جدران العداء والدماء من جديد لتوقف مد التسوية والتطبيع وتركيع المنطقة للمشروع الصهيوني. كما أعاد الكيان الصهيوني إلى أذهان العالم صورة وجهه البشع من جديد، وتحول نموذج استشهاد الطفل محمد الدرة -الذي رآه العالم- إلى كابوس يفضح الحقد والوحشية الصهيونية.

وعانى الصهاينة من تدهور وضعهم الاقتصادي الذي كان يشهد ازدهاراً كبيراً قبل الانتفاضة، فقد ضُربت السياحة، وقُدِّرت خسائرها بنحو مليار دولار، وانخفض الناتج الوطني الإسرائيلي بنسبة 9.8%، بعد أن كان سجل نمواً قدره 9% خلال الربع الثالث من عام 2000، وانخفض حجم الميزان التجاري بنسبة 31%، وبلغ العجز التجاري في شهر أكتوبر 2000 فقط حوالي 486 مليون دولار[111] وصل المعدل العام للخسائر اليومية الصهيونية في آب/ أغسطس 2001 إلى نحو 14-16 مليون دولار أمريكي يومياً.

لقد أحدثت هذه الانتفاضة هزة عميقة في الكيان الصهيوني، وأصابته في صميم القاعدتين اللتين بنى عليهما وجوده المادي، وهما الأمن والازدهار الاقتصادي. وأخذ عشرات الآلاف من اليهود يحزمون حقائبهم ويغادرون الكيان الصهيوني إلى أوربا وأمريكا وأستراليا، وأظهرت استطلاعات الرأي العام أن أكثر من 25% من اليهود في فلسطين يفكرون جدياً في المغادرة وترك البلاد.

ولا زال الكيان الصهيوني بقيادة الإرهابي شارون مصرّاً على قمع الانتفاضة، وإلغاء مكاسبها. وقد استفاد مؤخراً من أجواء انشغال العالم بأحداث تدمير مبنى التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، وما تلاه من هجوم أمريكا وحلفائها على أفغانستان، ومحاولة القضاء على حركة طالبان وبن لادن... استفاد من ذلك ليستخدم أشرس ما في جعبته من قتل وتدمير وتخريب. لكن الخشية الحقيقية على هذه الانتفاضة تأتي من وسط الشعب الفلسطيني، وبشكل أكثر تحديداً من احتمالات تعاون السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني في وأد الانتفاضة بحجة العودة إلى طاولة المفاوضات، وإمكانية تحقيق مكاسب سياسية.


 

 


[78] جريدة صوت الشعب (الأردن)، 8 ديسمبر 1993.

[79] جريدة الحياة، 5 مارس 1995 .

[80] انظر حول حماس في: محسن صالح، الطريق إلى القدس، ص183-205، وخالد الحروب، حماس (بيروت: مؤسسة الدراسات االفلسطينية، 1997).

[81] جريدة الخليج (الإمارات)، 8 مايو 2000.

[82] جريدة الخليج، 25 يناير 2000، وحسب المصدر نفسه يوجد في الكيان الصهيوني عشرة آلاف عالم نووي.

[83] حول اتفاق أوسلو وما تلاه، انظر:عماد يوسف وآخرون، الانعكاسات السياسية لاتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني، (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 1995)، ومنير شفيق، أوسلو "1" و"2": المسار والمآل (لندن: فلسطين المسلمة، 1997)، ومحسن صالح، الطريق إلى القدس، ص174-182.

[84] جريدة الحياة ،12 أغسطس1995.

[85] جريدة الحياة، 5مارس 1995.

[86] حسبما تناقلته الأخبار في 1 مارس 2000، انظر: WWW.Palestine-info.org./news, 2Mar.2000 

[87] جريدة الرأي (الأردن)، 2 مايو 1995.

[88] جريدة الخليج، 16 إبريل 2000.

[89] جريدة السياسة (الكويت)، 27 إبريل 1995.

[90] جريدة الشرق الأوسط (لندن)، 22 مارس 1995.

[91] تصريح هشام شرابي في جريدة الحياة، 5 مارس 1995.

[92] داود سليمان، السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994-1995 (عمان: مركز دراسات الشرق الأوسط، 1995)، ص135.

[93] www.passia.org/Palestine-facts/chronology/1997.

* أضيفت هذه الفقرة بعد تماثل الكتاب للطباعة.

[94] حول الهجرة اليهودية وأعداد اليهود، انظر:

Central Bureau of statistics, government of Israel, in: http://www.cbs.gov.il/yahran/bl/e.htm

وانظر: عمران أبو صبيح، الهجرة اليهودية حقائق وأرقام: 1882-1990 (عمان: دار الجليل، 1991).

[95] حول الوضع الاقتصادي في الكيان الإسرائيلي، انظر:

http://www.cbs.gov.il/yahran/bl/e.htm, and CIA world Factbook 2000, Israel, Egypt, Syria Lebanon and Jordan.

وفضل النقيب، "الاقتصاد"، في دليل إسرائيل العام (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية: 1996)، ص183-212.

 [96] حول القوة العسكرية "الإسرائيلية"، انظر:

محمد زهير دياب، "المؤسسة العسكرية،" في دليل إسرائيل العام، مرجع سابق، ص285-313. وعبد الوهاب المسيري، "صناعة السلاح في التجمع الاستيطاني الصهيوني"، في جريدة الخليج، 11 يونيو 2000. وانظر:

The Military Balance, 1998/99, International Institute for Strategic Studies, London.

[97] انظر: رفيق النشتة، وإسماعيل ياغي، تاريخ مدينة القدس (عمان: دار الكرمل، 1984)، ص94، وهنري كتن، فلسطين في ضوء الحق والعدل (بيروت: 1970)، ص45.

[98] انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص522.

[99] النتشة، مرجع سابق، ص157.

[100] حول هذه الفترة عن تهويد القدس، انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص521-527، وإبراهيم أبو جابر وآخرون "قضية القدس ومستقبلها، "في المدخل إلى القضية الفلسطينية (عمان: مركز دارسات الشرق الأوسط، 1997)، ص544-568. وجريدة الدستور، 18 يونيو 1997.

[101] حول نسب الملكية في القدس، انظر: إبراهيم أبو جابر وآخرون، مرجع سابق، ص541، وص557. ورفيق النتشة، مرجع سابق، ص98.

[102] هناك الكثير من المصادر التي تحدثت عن عمليات تهويد منطقة الأقصى والحفريات تحته والاعتداءات عليه، انظر حول الفقرتين السابقتين مثلاً في: إبراهيم أبو جابر، مرجع سابق، ص564-568، والموسوعة الفلسطينية، ج3، ص522-523، والأخبار اليومية، مثلاً في: جريدة الخليج 13 فبراير 2000، و 27 يوليو 2000، و 9 سبتمبر 2000، و 8 و 17 يناير 2001، والمركز الإعلامي الفلسطيني (http:/www.palsetine-info.org) بتواريخ 23 مارس 2000، و 2، 6 إبريل 2000.

[103] غطت الجرائد اليومية تلك الأحداث، انظر الأخبار في الأيام التالية للأحداث، مثلاً في: جريدتي الرأي والدستور.

[104] حول القدس في الأمم المتحدة، انظر مثلاً: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص548-553.

[105] جريدة الخليج، 10 نوفمبر 2000.

[106] يمكن مراجعة التقارير المنشورة في الإنترنت في أشهر أكتوبر وديسمبر 2000 في Islamonline.com، Palistine-info.org، لقراءة العديد من النماذج والتقارير.

[107] انظر: الملف التوثيقي الذي أصدره مركز زايد في الإمارات، والذي نشر ملخصه في: الخليج، 5 أكتوبر 2001. وانظر أيضاً: الخليج، 29 سبتمبر 2001، و 1 أكتوبر 2001.

[108] الخليج،6 ديسمبر 2000.

[109] الخليج، 11 ديسمبر 2000.

[110] انظر: فلسطين المسلمة، أكتوبر 2001، وتقرير الجيل للصحافة في 23 سبتمبر 2001 في:

 www.Islam-online.net/Arabic/news

[111] انظر المجتمع، 28 نوفمبر 2000، فلسطين المسلمة، مارس 2000.