الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف الدراسات والترجمات

عودة

 

 

 

استعداد الجيش الإسرائيلي في ضوء التحولات في المحيط الاستراتيجي

 

 

 

 

العنوان: استعداد الجيش الإسرائيلي في ضوء التحولات في المحيط الاستراتيجي

المؤلف: غيورا آيلاند - رئيس مجلس الأمن القومي في إسرائيل

جهة إصدار الدراسة: وكالة غزة برس

تاريخ الدراسة: 29 أكتوبر 2004

تاريخ إعادة الإصدار: 30 أكتوبر 2004

جهة إعادة الإصدار: مركز خدمة المتابعات الصحفية


تقديم

النقاش في انتشار الجيش الإسرائيلي في ضوء التحولات المحيطية التي طرأت في السنوات الثلاثين الماضية منذ حرب يوم الغفران، سيُعنى بأربعة مواضيع. القسم الأول سيركز على التغييرات التي طرأت في شكل الحروب في العالم في أثناء العقود الأخيرة. وفي السياق سنبحث في التأثيرات الصرفة لحرب يوم الغفران على انتشار الجيش الإسرائيلي. وبعد ذلك سنبحث في المعاضل المركزية المتعلقة بمبنى القوة العسكرية. وفي الختام سنشير إلى ثلاثة مصادر للقلق.

 

تغييرات في طبيعة الحروب

منذ الحرب العالمية الثانية طرأت تغييرات ذات مغزى على طبيعة الحروب في العالم. هذه التغييرات تدل على ميل عام لا يرتبط بنزاع معين. وعليه فان جزء من التحديات التي يواجهها الجيش الإسرائيلي تنبع من التغييرات المبدئية التي طرأت على طبيعة الحروب، وليس بالذات من المميزات الخاصة للنزاعات التي دخلت فيها دولة إسرائيل، كالنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

 

أحد الأوصاف الصائبة للتحدي الذي تقف أمامه الجيوش اليوم، وضعه البروفيسور فان كارفلد قبل أكثر من عقد من السنين. وحسب كارفلد، فانه لن تكون في المستقبل حروب إذ أن النزاعات ستُدار من خلال التهديد باستخدام السلاح النووي أو استخدامه من جهة، ومن جهة أخرى من خلال العصي والحجارة. في ضوء هذا الوضع ستفقد الدبابات والطائرات معناها. هذه الصياغة وإن كانت مبالغ فيها، تصف الميل القائم جيدا. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي منطقتنا بشكل واضح منذ نهاية حرب الغفران، مرت الحروب في العالم بعملية تحول انتقلت فيها من وضع كانت فيه تُدار معظم النزاعات من خلال المواجهة التقليدية بين الدول إلى وضع تقع فيه معظم المواجهات بين دول ومنظمات ثائرة. هذه المواجهات تسمى "متدنية الشدة" لأنه لا يدور الحديث عن حروب تلقي فيها الأمم بكامل قوتها العسكرية في ميدان القتال بهدف حسم المواجهة لدرجة "مبلغ الصفر". وتوازن القوى بين الدول وبين الجهات الثائرة التي ليست دولا يمنح ميزة عسكرية واضحة للدول، ومحاولة تقليص هذه الفجوة من خلال الجيوش محكومة مسبقا بالفشل. وعليه فان النزاعات متدنية الشدة تتميز بجهد متواصل من الجهات الثائرة لتعويض نفسها عن ضعفها العسكري من خلال ضعضعة قدرة صمود الأمة التي تقاتل ضدها، وكذا من خلال تجنيد تأييد الرأي العام والإسناد السياسي لكفاحها. وبهذه الطريقة غدت قوة الجيش الماثل حيالها غير ذات صلة.

 

تحديات الحروب متدنية الشدة

هذا الواقع الجديد يضع أمام الدولة وجيشها خمسة تحديات، كانت ذات أهمية أقل على خلفية الحروب التقليدية. وينبغي الاعتراف بأن عملية التعلم اللازمة لفهم وتبويب هذه التحديات كانت بطيئة ومعقدة.

1.  ثمة صعوبة في تعريف هدف سياسي وترجمته إلى تعابير عملية في إطار مواجهة متدنية الشدة. ففي الحرب العالمية الثانية وفي حرب يوم الغفران على حد سواء وقفت أمام الزعماء مشكلة وضع أهداف وترجمتها إلى طريقة عمل. ومع ذلك، فقد كان ممكنا وصف الأهداف بتعابير مادية واضحة، مثل احتلال الأرض، تدمير قوات العدو، منع سقوط ارض معينة في يد العدو، أو ضربة ما لقدرة معينة له. كما كان ممكنا قياس إنجازات العملية، التي صيغت أهدافها بهذا الشكل بتعابير كمية. وحتى المفاهيم التي استخدمت لشرح التوجيهات السياسية كانت واضحة. فقد وجهت القيادة السياسية الجيش للانتصار في الحرب، وكل ما تبقى كان ترجمة لهذا الهدف الواضح إلى عملية عسكرية. الواقع اليوم مغاير من حيث الجوهر. فما الذي ينبغي للجيش الإسرائيلي مثلا أن يحققه في التصدي للانتفاضة الفلسطينية؟ من الصعب ترجمة الأهداف، غير الواضحة، إلى تعابير من الفعل العسكري. جنرال بريطاني ثري التجربة، شارك في حرب الخليج الأولى في العام 1991 وبعد ذلك كان نائب قائد قوات الناتو في كوسوفو، شبّه المعضلة بمحاولة الإمساك بمادة لزجة كلما زادت القبضة عليها سالت من بين الأصابع. نقطة المنطلق للعملية العسكرية هي تحديد الهدف، وعندما تكون هناك صعوبة في تحديد الهدف، تكون صعوبة محتمة في وصف العملية العسكرية والجهود لمنحها نهجا ومنطقا مصيرها التبدد.

 

2.  التحدي الثاني هو ملاءمة التكنولوجيا المتقدمة مع نوع من المواجهة مغاير لذاك الذي بموجب احتياجاته وطبيعته جرى تطوير هذه التكنولوجيا. وللوهلة الأولى لا حاجة للطائرات والدبابات للتصدي لعبوات متفجرة أو لبنادق يستخدمها "مدنيون" في إطار كفاح مسلح. وأحيانا يشعر المرء بميل لوضع منظومات السلاح المتطورة والذكية جانبا لأنها غير ناجعة في الصراع ضد المنظمات الثائرة. ولكن ميزة هامة لدولة في صراع ضد منظمة - وبالتأكيد لدولة تحت تصرفها منظومات تكنولوجية متطورة مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة - هي القدرة على ملاءمة هذه المنظومات مع الاحتياجات الخاصة للصراع الذي تُديره. فقدرة متقدمة معناها ليس تفوقا تقنيا وفنيا فقط بل وأيضا، وبالأساس، مرونة وقدرة على تغيير النهج والتفكير. صحيح أن الطائرات بدون طيار قد طُورت لأجل العثور الدقيق على الدبابات والمواقع لجيش العدو، ولكن من خلال ملاءمة غير معقدة للغاية للكاميرات المجهزة بها يمكن تأهيل هذه الطائرات للعثور على مطلوبين في مخيم لاجئين في الوقت الحقيقي.

 

3.  التحدي الثالث ينبع من حقيقة أن الحروب في عصرنا لم تعد تقع في حدود محددة لميدان القتال، بل تجري في أوساط المدنيين. وأحيانا يوجد في منطقة المواجهة مدنيون من طرف واحد فقط، وفي حالة أكثر تعقيدا يكون في ميدان القتال سكان مدنيون من الطرفين. ووجود مدنيين في قلب ميدان القتال يخلق مشاكل ميدانية من نوع جديد. فإمكانية أن يصاب المدنيون في أثناء المواجهة تشدد معضلات تتعلق بحدود المسموح في المعركة وتطبيق مبادئ الأخلاق في الحرب. ليس فقط في دولة إسرائيل بل وفي العالم بأسره يوجد تخلف في ملاءمة المواثيق الأخلاقية للعمل العسكري مع التغييرات في طبيعة الحروب. كما أن القانون الدولي الذي يتناول المس بالمدنيين يعتمد بقدر كبير على مفاهيم عكست روح العصر في الحرب العالمية الثانية وما تلاها. وعلى هذه الخلفية تبرز الملاءمة مع التغييرات في طبيعة الحروب، والتي قام بها "الصليب الأحمر". هذه المنظمة عرفت كيف تلائم نفسها على نحو أكثر جودة من محافل أخرى مع الطبيعة المتغيرة للنزاعات العنيفة، ربما لتأثرها - أكثر من غيرها من المنظمات - باعتبارات وتحيزات سياسية. وفي إطار مبادئ عمل المنظمة استبدلت كلمات "حرب" بـ "نزاعات مسلحة" كتعبير عن الاعتراف بوجود أنواع عديدة من المواجهات العنيفة والتي لا ينطبق عليها جميعها التعريف الكلاسيكي لـ "حرب". منظمات دولية أخرى أكثر تمسكا بالمفاهيم القديمة. فالنهج المحافظ، الذي يتجاهل حقيقة أن الحروب تجري في حالات عديدة في أوساط المدنيين وحدودها غير محددة بميدان قتال معين، تخلق وضعا يكون فيه الطرف الذي يصيب المدنيين على سبيل الخطأ في ظل الصراع ضد الآنتفاضة المسلحة يُعد مجرما. أما الطرف الثائر، بالمقابل، فيخرج كاسبا من إيقاظ مشاعر الذنب في أوساط ذاك الطرف الذي يصارعه. وتخلق المواجهات متدنية الشدة في مناطق القتال عديمة الحدود تحديا استخباريا ذا مغزى. ففي الحرب التقليدية يُصاب رد واضح على سؤال "أين العدو". وبالمقابل، فان السؤال الذي يُطالب بالإجابة عليه ضباط الاستخبارات في سياق المواجهة متدنية الشدة هو "من هو العدو". وعندما لا يكون العدو يلبس البزات بل يوجد بين ظهراني السكان، فان الجواب على هذا السؤال لا يكون واضحا أو مسلما به على الإطلاق.

 

4.  التحدي الرابع يعود مصدره إلى تغيير جوهري في المحيط الذي تدور فيه الحروب وتجري فيه الصراعات. فالحديث يدور عن التأثير المركب والحاسم لوسائل الإعلام على بلورة ومراكمة الشرعية الدولية. فقد غدت وسائل الإعلام عاملا مركزيا في تحديد حدود العمل ومجال المناورة لكل العناصر ذات الصلة. وهذا يُقال ليس فقط تجاه الدول بل وفيما يتعلق بالمنظمات الثائرة وعناصر الإرهاب. مفهوم أن مجال مناورة منظمة إرهابية يكون أكبر كلما كانت تتمتع بإسناد دولي، سواء كان ذلك علنا أم ضمنيا فقط. فمثلا، حضور نصر الله في المؤتمر الدولي الذي عقد في بيروت في العام 2002، ولا سيما جلوسه في الصف الأول في أثناء إلقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك كلمته أمام المؤتمر، شكل مظاهرة شرعية لحزب الله. وهذه الشرعية التي كان الرئيس الفرنسي شريكا في إظهارها، معناها توسيع التأثير ومجال العمل السياسي. مجال العمل هذا يسمح بجمع المصادر المالية وتجنيد القوى البشرية وترجمة هذه المصادر إلى قدرة عسكرية. ومثال على تأثير معاكس هو وضع منظمة حماس في هذه الأيام. فاستعداد حماس لـ "وقف نار" كان ضمن أمور أخرى نتيجة تآكل شرعية المنظمة في أوروبا، إضافة إلى غياب الشرعية لأعمالها في نظر الإدارة الأمريكية. فمنظمات الإرهاب، مثلها مثل الدول، تتأثر كثيرا بالطريقة التي يُنظر بها إلى أعمالها. ولعل الشرعية الدولية هي العامل المتغير الأكثر أهمية في صياغة الأهداف السياسية وبلورة سبل العمل لحثها. ويُشار إلى أن إسرائيل استغرقها وقت طويل حتى فهمت العلاقة بين الشرعية الدولية وبين مجال عمل الجيش الإسرائيلي في لبنان. وزمن كبير استغرقها كي تفهم الحدود التي يضعها عامل الشرعية الدولية على أعمالها في المواجهة الراهنة مع الفلسطينيين.

 

5.  التحدي الخامس، النابع من أن الكثير من الحروب الجارية اليوم في العالم هي ذات طابع مواجهات متدنية الشدة، يرتبط بالفارق البنيوي بين القدرة العسكرية وبين توقعات الجمهور. وهذا الفارق يجد تعبيره في ثلاثة مواضيع. أ. الجمهور الذي يشكل هدفا لصراع منظمة ثائرة يتوقع بأن تأتي المواجهة إلى منتهاها سريعا. هذا التوقع يستند إلى القوة المتفوقة للجيش. وكثيرة هي النماذج عن توقعات الجمهور المدني بالنهاية السريعة للقتال، والتي عبرت فيما عبرت عن تجاهل محدودية الصلة بين القوة العسكرية وحسم الصراع مع المنظمة الثائرة. فقد اضطر الأمريكيون إلى التصدي للضغط الجماهيري في أثناء الحرب في فيتنام، وهكذا أيضا الفرنسيون إبان الحرب في الجزائر. ومشابهة هي مشكلة القوات الأمريكية التي تتصدى للقوات غير النظامية في أفغانستان - التي اجتاحتها قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أعقاب الهجوم الإرهابي للقاعدة في 11 أيلول - وفي العراق، حيث توجد قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة في حالة قتال ضد الموالين لصدام حسين. مشكلة مشابهة من حيث صعوبة الحسم يقف أمامها الجيش الهندي الذي يتصدى منذ سنين للثورات في كشمير. ثمة نزاعات بشدة منخفضة تستمر لشهور، وأخرى تجري لسنوات عديدة؛ بعضها قابل للحل، وبعضها الآخر غير قابلة للحل على الإطلاق. فمن جهة، من الصعب نفسيا على الجمهور أن يقبل بإمكانية أن يكون النزاع غير قابل للحل؛ ومن جهة أخرى، فان إنهاء النزاع في ظل استخدام كامل القوة العسكرية المتوفرة تحت تصرف الدولة هو الآخر خيار إشكالي عقب المعاضل الأخلاقية التي تنطوي عليها طريقة العمل هذه ولغياب الشرعية الدولية.  ب. التوقع في الرأي العام لأنهاء المواجهة في ظل القليل من الإصابات بل وحتى بدون أي إصابات على الإطلاق. هذا التوقع هو الآخر يستند إلى الاعتراف بالفارق في ميزان القوى بين الدولة وبين المنظمة الثائرة ضدها.

 

 ووجد هذا التوقع تعبيره في ضغط الرأي العام في إسرائيل إثناء وجود إسرائيل في لبنان. ج. التوقع بأن يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يقلص جدا عدد المصابين المدنيين في الطرف الآخر. هذا التوقع ولد ضمن أمور أخرى، رسالة الطيارين، الذين احتجوا على دور سلاح الجو في عمليات أصيب فيها مدنيون فلسطينيون أبرياء. سؤال جوهري لا يوجد جواب قاطع عليه هو كم يمكن تقليص الضرر والتخفيض الشديد لعدد المصابين في أوساط المدنيين في الطرفين. التوقع ذاته هو دليل، ولكن لا يبدو أنه يمكن إلغاء الفارق بينه وبين القدرة على تحقيقه. فأبدا سيظل يصاب مدنيون أبرياء في القتال بشدة منخفضة حيث تقاتل قوات الجيش العناصر الثائرة. ولم تسجل في التاريخ حالة تمكنت فيها دولة من إدارة قتال ضد الإرهاب والثورات في ظل الامتناع التام عن إصابة المدنيين. ومع أن الإدارة الأمريكية، التي في سياق الآنتفاضة الحالية انتقدت غير مرة سلوك الجيش الإسرائيلي، إلا أنها تتعلم على جلدتها الصعوبة في إبقاء القتال في العراق نقيا من إصابة المدنيين.

 

هذه التغييرات في طبيعة الحروب لا تميز فقط المرحلة الحالية من المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية. المواجهة الإسرائيلية - الفلسطينية في صيغتها الراهنة تشكل نموذجا لميل عام، يميز التغييرات التي اجتازتها النزاعات العنيفة في أرجاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

 

انتشار الجيش الإسرائيلي في أعقاب حرب يوم الغفران

الرد على السؤال فيما إذا طابقت عملية استخلاص الدروس العسكرية في أعقاب الحرب الجدول الزمني المتوقع، هو سلبي. فبعد الحرب كان الجيش يعيش مرحلة طويلة من النفي. ومعظم الطاقة المستثمرة في التنكر لحاجة استخلاص دروس جوهرية عكست في قسم منها الدور الشخصي لمن كان يفترض بهم أن يستخلصوا الدروس في المواضيع وفي السياقات التي تحتاج إلى استخلاص، معالجة وتعلم هذه الدروس. موضوع المسؤولية الشخصية كان فصلا أليما لم تقل تعقيداته مع مرور الزمن. ودليل على ذلك هو الشدة العاطفية التي برزت في المعالجات الجماهيرية والإعلامية للموضوع بعد مرور 30 سنة من الحرب. مسيرة حقيقية من استخلاص الدروس ومعالجتها لم تبدأ إلا بعد الحرب في لبنان، "سلامة الجليل". بعد هذه الحرب، ولا سيما في سنوات الثمانينيات المتأخرة كان يمكن ملاحظة انفتاحية متزايدة للجيش على التعلم الذاتي، وهكذا تغلب الاهتمام بدروس حرب يوم الغفران وليس بدروس حرب لبنان وحدها.

وكانت النتيجة أنه دفعت أثمان كان يمكن الامتناع عنها. فالثمن الذي دفع في لبنان نبع من عدم الاستعداد لاستخلاص الدروس من حرب يوم الغفران وتكرار الأخطاء التي ارتكبت فيها في حرب سلامة الجليل، رغم الفترة الزمنية الطويلة - 9 سنوات - التي فصلت بينهما وأتاحت المجال لتعلمها. واستثنائي في هذا المفهوم هو سلاح الجو، الذي استخلص الدروس من مشاكل صواريخ أرض - جو في حرب يوم الغفران وطبق الاستنتاجات في حرب سلامة الجليل.

في مجالين أثر استخلاص الدروس من حرب يوم الغفران، ولا سيما استنتاجات لجنة اغرنات سلبا بالذات على استعداد الجيش الإسرائيلي. أحد المجالين هو فهم نوايا العدو في إطار تقدير التهديد؛ أما المجال الآخر فهو النهج الأساس الذي يرشد الاستعداد للتصدي للتهديدات. فقد أشارت لجنة اغرنات إلى إخفاق في تقدير نوايا مصر وسوريا. ونبع من هذا النقد درس في أنه لا يجب الاعتماد على تحليل نوايا الطرف الآخر بل على تقدير قدراته فقط. وبتعبير آخر: على الجاهزية أن تتناسب وقدرة العدو دون أي صلة بتقدير نواياه، وهذه سخافة. فلا توجد إمكانية لخلق جاهزية تتناسب وكل سيناريو وكل تهديد يمكن تصوره. وأبدا ستنهي قيود المصادر سياسة تأخذ بالحسبان أيضا نوايا العدو، إضافة إلى قدراته. معنى هذه القاعدة هو أن المخاطرة هي جزء لا يتجزأ من كل قرار.

 

سوريا مثلا، قادرة اليوم على أن تلحق ضررا بالجبهة الداخلية لدولة إسرائيل باستخدام السلاح الكيماوي أيضا. هذا الضرر سيكون اشد من ذاك الذي كان العراق قادرا على أن يلحقه إبان حرب الخليج الأولى (1991) وكذا إبان حرب الخليج الثانية (2003). وللوهلة الأولى تستوجب هذه الحقيقة وضع سكان دولة إسرائيل في حالة استعداد دائم. ولكن لان  معقولية الحرب المبادرة من سوريا تقدر كمنخفضة، فان السياسة تجاه جاهزية الجبهة الداخلية هي بما يتناسب مع ذلك، وثمة في ذلك بعض المخاطرة. مثال آخر هو وجود طائرات اف-15 في حوزة سلاح الجو السعودي، على مسافة 20 دقيقة طيران من إسرائيل. نظريا، هجوم على نمط بيرل هاربر ممكن. هل يجب الاستعداد لمواجهة استراتيجية من هذا النوع؟ الجواب هو بالطبع إيجابي. ولكن هل الجيش يستعد بالحد الأقصى لتحقق سيناريو من هذا القبيل، بكل المعاني الميدانية المرافقة؟ الجواب سلبي. فالسياسة لا تتقرر أبدا وفقا لوزن القدرات والنوايا. التقدير يولي معقولية منخفضة لإمكانية هجوم سوري أو سعودي، والجاهزية الفورية هي بالتناسب مع ذلك. في السنوات الماضية حظي مفهوما "معقولية" ولا سيما "معقولية منخفضة" شرعية متجددة. فعلى مدى اكثر من 20 سنة، على خلفية الصدمة التي أحدثتها استنتاجات لجنة اغرنات، كان استخدام تعبير "معقولية" محظورا عمليا.

 

نتيجة أخرى لاستنتاجات لجنة اغرنات كانت تبني نهج محافظ للتصدي للتهديدات. هذا النهج يركز على بناء القوة بهدف تصفية التهديدات، ومعناه محاولة السير على أرض آمنة حيال كل الإمكانيات، بما في ذلك حيال لجنة تحقيق في المستقبل. وحيال هذا النهج يمكن وضع نهج آخر، معاكس في واقع الأمر، ويقضي بوجوب التشديد على تفوق نسبي أو تطوير تفوق نسبي لإجبار العدو على استثمار مصادر للتصدي للتحدي. العمل في إطار هذا النهج رغم أنه ينطوي على خطر، ولكن فيه طاقة كامنة عالية للوصول إلى تفوق حاسم. فقد استغرق دولة إسرائيل سنوات طويلة كي تعترف بالحاجة إلى التركيز على تطوير تفوقات نسبية استنادا إلى التفوقات التكنولوجية القائمة ليس كرد على تهديد قائم بل بشكل يهدد الطرف الآخر ويلزمه بحشد مبنى قوته في إطار الدفاع.

 

وسواء الحظر على الأخذ بالحسبان للنوايا أم التركيز على إحباط التهديدات - الرسالتين المركزيتين للجنة اغرنات - أخرتا وشوشتا على مدى السنين سياقات البناء والاستعداد في الجيش الإسرائيلي.

 

معاضل أساسية لبناء القوة

كيف يتخذ الجيش القرارات بشأن بناء القوة؟ افتراضي هو أن الجيش هو منظومة ناجعة تتحرك في رسم بياني متغير. بتعبير آخر: لأجل تحقيق أهداف معينة تبدو هامة جدا، ينبغي التنازل عن أخرى، تقدر بأنها اقل أهمية. وبتفصيل أدق: يمكن فحص التهديدات الأمنية وفقا لأنواعها، وزن العلاقات بينها واتخاذ القرار في الاستثمار الأفضل نسبيا لغرض بلورة رد على كل واحد من هذه التهديدات. يمكن تشخيص ثلاثة أنواع من التهديدات، واحد تقليدي والاثنان الآخران ينتميان إلى إطار المواجهات غير المتماثلة:

 

1.المواجهة العسكرية العادية، التصدي التقليدي لجيش مقابل جيش؛

2.مواجهة غير متماثلة لدولة مع عناصر إرهاب وحرب عصابات، أي مواجهة بشدة منخفضة؛

3.  قتال ضد دولة لا يوجد بينها وبين دولة إسرائيل حدود مشتركة، ولهذا سيصار إلى استخدام صواريخ ارض - ارض أو قدرات غير تقليدية أخرى.

 

القرار في توزيع المصادر لتوفير رد مناسب على كل واحد من أنواع المواجهة هذه يشكل تحدي جوهري لأصحاب القرارات. فحتى العام 1973 كان الجيش مطالبا بالاستعداد لتهديدات من النوع الأول، التقليدي. وفي السنوات ما بعد ذلك تزايدت الحاجة للاستعداد للنوعين الآخرين من التهديدات، غير المتماثلين. قيود المصادر خلقت بالضرورة وضعا يكون فيه كل استثمار في بلورة رد على نوع واحد من التهديد يؤدي إلى تقليص المصادر المستثمرة في الاستعداد لنوع آخر من التهديدات. فما هي النسبة المطلقة بين الاستثمارات في الرد المناسب على الأنواع المختلفة من التهديد؟ على هذا السؤال لا يوجد جواب قاطع. هناك من يقول أن الجيش الإسرائيلي ليس جريئا بما فيه الكفاية وعليه أن يستثمر قدرا أكبر في الرد على التهديدات غير المتماثلة. وبالمقابل يطرح الادعاء بان الجيش الإسرائيلي يأخذ على عاتقه مخاطر عديدة جدا، حتى في استعداده للرد على التهديدات التقليدية. ليس هذا هو المكان للتفصيل كيف توزع المصادر. لغرض البحث يكفي عرض المعضلة.

 

معضلة أخرى هي كيفية توزيع المصادر بين أذرع الجيش: كم يستثمر في سلاح الجو، كم يستثمر في قوات البرية وكم يكرس في بناء القوة البحرية. يبدو أن هذه المعضلة لا تحتاج إلى مزيد من التفاصيل.

موضوع آخر في هذا السياق هو في اتخاذ القرارات في توزيع بناء القوة وفقا للأبعاد الزمنية الأربعة:

 

‌أ. يجب اتخاذ القرار في حجم الاستثمار في الأمن الجاري، أي كم جندي - بما في ذلك رجال الاحتياط - سينشغلون ميدانيا، كم سيحرسون في لحظة معينة هذه المستوطنة أو تلك، كم دبابة سيكون قيد العمل أو كم طائرة بدون طيار ستكون في السماء فوق غزة؛

 

‌ب. الجاهزية، أي مستوى التدريب، الأهلية - بما في ذلك قطع الغيار واحتياطي الذخيرة. مفهوم أن جاهزية مائة في المائة تسلب مصادر لازمة لتنفيذ مهمات أخرى، فيما أن جاهزية أقل من ذلك تنطوي على مخاطرة؛

 

‌ج. حجم الجيش، كم دبابة وكم سفينة من السليم الاحتفاظ بها؛

 

‌د. البحث والتطوير، معضلة دائمة هي كم ينبغي الاستثمار في تطوير الوسائل القتالية والتكنولوجية لتصل إلى مرحلة النضج بعد عدة سنين. ولكن إذا لم تستثمر فيها الوسائل اليوم، بالتأكيد لن تكون متوفرة للجيش بعد سنين أيضا. وفضلا عن ذلك، يحتمل أن يوفر استثمار اليوم مالا في المستقبل لأنه سيمنح الجيش قدرات لتوفير رد اكثر نجاعة على تهديدات تنشأ مع مرور الزمن.

 

كيف يمكن العثور على التوازن "المناسب" بين العناصر الأربعة هذه لبعد الزمن؟ القرار يتخذ أساسا وفقا للفارق بين هذه العناصر من حيث الزمن اللازم لإعادة ملاءمتها إذا ما اتخذ قرار مغلوط أو إذا ما طرأ تغيير على فورية التهديد وطبيعته.

 

الرد على مطالب الأمن الجاري مثلا، يمكن تغييره في غضون أيام، بل وحتى في غضون ساعات. يمكن تجنيد الاحتياط بأمر قصير المدى إذا ما شخصت حاجة لتعزيز قوات في نقطة معينة. بتعبير آخر يمكن تغيير مستوى التأهب بسرعة. وعليه، ففي كل ما يتعلق بالأمن الجاري يمكن أخذ مخاطرة عالية نسبيا. وبالمقابل، فان الجاهزية، أي مستوى التدريب، المخزون والصلاحية، أقل مرونة. فالزمن اللازم لرفع الجاهزية مرة أخرى يقاس بشهور عديدة. ولهذا فانه في هذا البعد يمكن أخذ مخاطر اكثر انخفاضا. حجم الجيش هو بُعد مرونته محدودة اكثر من ذلك. فقد تطلب بين 5 و 8 سنوات للزيادة ذات المغزى في قوة الجيش الإسرائيلي وفقا للقرار الذي اتخذ في أعقاب حرب يوم الغفران. بمعنى أن قرار تقليص الجيش  من شأنه أن يكون خطيرا لأنه سيتطلب بين 5 و 8 سنوات للعودة إلى توسيع عدد الدبابات والطائرات. واشكالي على نحو خاص من حيث بُعد الزمن هو عنصر البحث والتطوير. فالتفوق التكنولوجي معناه بشكل عام استباق العدو بسنتين أو بثلاث سنوات. والقرار لاستئناف النشاط بعد ثلاث سنوات من الجمود قد يتبين غير قابل للتنفيذ.

 

الخلاصة: ثلاثة مصادر للقلق

ثلاثة مصادر للقلق تُجمل المواضيع والمعاضل التي بحثت حتى الآن.

1.  نقطة ضعف أساسية للدول المنخرطة في المواجهات، كتلك التي تدور في السنوات الأخيرة بين إسرائيل والفلسطينيين ليست القدرة العسكرية بل المناعة الوطنية. فالمناعة الوطنية تتأثر بواقع اجتماعي، بوضع البنية التحتية الاقتصادية وفوق كل شيء - من التكتل القومي حول "قصة واحدة"، أي هدف وإيمان بالطريق الذي يجب السير فيه من أجل تحقيقه.

 

2.  بعد المعركة في العراق نشأ إحساس بأنه انتهى عهد الحروب. فقد زال التهديد العراقي، وقدرة جيوش العدو متدنية بالمقارنة مع قدرات الجيش الإسرائيلي، ولهذا وبالتناسب مع تقلص التهديدات، فان على الجيش أن يقلص حجمه. ولكن يجدر بالذكر أن معادلة القوى والتهديدات تعمل في أكثر من اتجاه واحد. فلا يمكن معرفة أي من الحروب منعت لان العدو اعترف بقوة الجيش الإسرائيلي ولم يكن ممكنا التعامل مع الجيش الإسرائيلي كجيش قوي إلا إذا كان هو كذلك بالفعل. يمكن التقدير بان دولا مثل سوريا لم تبادر إلى حرب ضد إسرائيل في السنوات التي مرت منذ اندلاع المواجهة الحالية مع الفلسطينيين، وكذا حزب الله اختار إلا يحقق تهديداته المعلنة، ضمن أمور أخرى لأنها قدرت على نحو سليم فجوة القوى بينها وبين الجيش الإسرائيلي. فالجيش القوي ليس ردا على التهديدات فقط، بل وأيضا وسيلة لمنع نشوء تهديدات. وكبديل، فان الجيش الضعيف من شأنه أن يحث نشوء التهديدات وتحققها.

 

3.  الكلمة الأساس التي بواسطتها نحاول أن نشرح وان نجمل الإخفاقات التي كانت في خلفية حرب يوم الغفران هي "المفهوم المسبق". يجب الافتراض في أن من كان في حينه في منصب ذي صلة لم يفكر بأنه يعمل بموجب مفهوم مسبق مغلوط، بل اعتقد بان تقديراته وقراراته تتخذ بتأثير منظومة متزنة ومدروسة من المفاهيم وأدوات التحليل. وهكذا هو الأمر دوما. وفي نهاية المطاف، لا يمكن التعامل مع الواقع بشكل عام. والواقع الاستراتيجي بشكل خاص، دون بلورة نهج وفهم يقضيان بناء القوة واستخدامها. ولكن الدرس الأساس من حرب يوم الغفران هو أنه يجب الحفاظ على اليقظة، فحص النموذج التفكيري طول الوقت، في ظل مراعاة إمكانية أن يكون هذا النموذج مغلوطا. بهذا المعنى ينبغي أن يقلقنا على نحو خاص السؤال هل كل الجهات العليا في جهاز الأمن تجمع على هذا التفكير.