الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف الدراسات والترجمات

عودة

 

 

سلسلة ترجمات (4)

 

تحولات موقف "م.ت.ف" من قضية العودة 1964-2004

 

اللاجئون الفلسطينيون في مشاريع التسوية

 

  إصدار خاص (6)

 

 

كانون الثاني 2005

 

 

العنوان: تحولات موقف م.ت.ف. من قضية العودة 1964 - 2004

المؤلف: جابر سليمان

جهة إصدار الدراسة:مركز باحث للدراسات

تاريخ الدراسة: 13 يناير 2005

تاريخ إعادة الإصدار: 15 يناير 2005

جهة إعادة الإصدار:مركز خدمة المتابعات الصحفية

 


 

 

 

تحولات موقف "م.ت.ف" من قضية العودة (1964-2004)

 

اللاجئون الفلسطينيون في مشاريع التسوية

 

الحنين إلى الدار والعودة إليها فكرة متأصلة في الوجدان الشعبي الفلسطيني، وما انفك الفلسطينيون في المنافي يعبرون عنها في مواويلهم وأغانيهم وأمثالهم وحكاياتهم الشعبية. وقد ظلت فكرة العودة طول الخمسة عقود الماضية التي أعقبت النكبة القوة المحركة للنضال الفلسطيني المعاصر، بدءاً من النضال السري الصامت في مخيمات الخمسينيات والستينيات، ومروراً بصخب البنادق وأفولها وصمتها المحزنين في دهاليز المفاوضات. إنها الحلم الذي أضحى جزءاً من ذاكرة جماعية خصبة من الأحزان والمعاناة المشتركة.

 

ومعنى العودة في الوجدان الفلسطيني هو المعنى النقيض للنكبة واللجوء والمنفى. فبالعودة وحدها ينتفي الظلم والإجحاف اللذان لحقا بالفلسطينيين جرّاء النكبة ونتائجها، وليس بغيرها من مشاريع الدمج والتوطين خارج أرض الوطن. ولقد تكرست فكرة التعارض الرمزي بين فكرة العودة وواقع اللجوء في الخطاب السياسي الفلسطيني في مراحل معينة، حتى أن المجلس الوطني الأول الذي انعقد في القدس عام1964 قرر استخدام كلمة "عائدون" بدل "لاجئون" في وصفه للفلسطينيين المقتلعين خارج وطنهم[1].

 

أما على الجانب الآخر من الخندق، فبعد أن كانت عودة الفلسطينيين موضوعاً محرماً في المجتمع "الإسرائيلي" لفترة طويلة، أصبح الساسة "الإسرائيليون" بمن فيهم المفاوضون يضعونه بين مزدوجين، في أحاديثهم وكتاباتهم، باعتباره "خطا أحمر يتعذر عبوره" وفي أحسن الأحوال "مشكلة غير قابلة للحل"، حتى أن شالوميت ألوني وهي من "دعاة السلام" طبعاً لا تعتبره حتى مجرد "حلم".

 

 وبمعزل عن المواقف "الإسرائيلية" على اختلاف تلويناتها فإن عودة الفلسطينيين إلى بيوتهم هي مسألة حق وليس مكرمة تمن بها "إسرائيل" عليهم، حق مكرس في القانون الدولي العام وما يعرف بالمبادئ المقررة بها والمعترف بها من قبل الأمم المتحضرة.

 

وستناقش هذه الدراسة تغيرات موقف (م.ت.ف) وتبدلاته من قضية العودة منذ تأسيسها عام 1964 وحتى انخراطها في مفاوضات السلام بعد مدريد 1991 وأوسلو 1993 وما أعقبهما من تطورات وصولاً إلى تفاهمات جنيف. وسننظر إلى هذا الموقف على خلفية الإطار القانوني للقضية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية، أي من وجهة نظر القانون الدولي العام وقرارات الأمم المتحدة طوال العقود الخمسة الماضية. ومن خلال ذلك كله سنتعقب تطور مفهوم العودة في الفكر السياسي الفلسطيني منذ العام 1964.

 

وبناء عليه سيعالج القسم الأول منها الإطار القانوني لحق العودة من خلال معالجة مصادر هذا الحق في القانون الدولي، من جهة، ومن خلال معالجة قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، من جهة أخرى. وسيعالج القسم الثاني التغيرات والتبدلات التي طرأت على موقف (م.ت.ف) من قضية العودة في الفكر والممارسة من خلال التشديد على المنعطفات الحاسمة في هذا الموقف في مراحل تاريخية محددة.

 

I- الإطار القانوني لحق العودة

مصادر حق العودة في القانون الدولي:

يحدد جون كويغلي John Quigley في دراسة نشرتها له مجلة القانون الدولي الصادرة عن جامعة هارفارد بعنوان "اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة" مصدرين أساسيين لحق العودة في القانون الدولي، وهما: القانون الدولي لحقوق الإنسان Human Rights Law والقانون الإنساني Humanitarian Law فضلاً عن قانون الجنسية The Law on Nationlality[2]

 

1-  حق العودة في القانون الدولي لحقوق الإنسان:

وهو حق مكرس في أغلبية الوثائق الدولية والإقليمية التي تشكل هذا القانون. وهي:

·الإعلان العالمي لحقوق الإنسان The Universal Declaration of (1948) Human Rights. وهو حجر الأساس في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتنص الفقرة الثانية من المادة (13) من الإعلان على ما يلي: " لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد بما فيه بلده والعودة إليه".

 

·الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية- The International Covenant on Civil and Political Rights (1966)- وتنص الفقرة الرابعة من المادة (12) من الاتفاقية على ما يلي:" لا يجوز حرمان أي أحد بصورة تعسفية من حقه في الدخول إلى بلده".

 

·المعاهدة الدولية لاستئصال كافة أشكال التمييز العنصري – The International Convention on the Elemination of All Forms of Racial Discrimination- ووفق المادة (ii) (51d) من الاتفاقية لا يجوز للدولة حرمان أي شخص، لدواعي عرقية أو إثنية، من حق " العودة إلى بلده".

 

·البروتوكول الرابع في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية – Protocol No 4 to the European Convention for the Protection of Human Rights and Fundemental Freedoms- وتنص الفقرة الثانية من المادة (3) من البروتوكول على ما يلي:" لا يجوز حرمان أي أحد من حق الدخول إلى أراضي الدولة التي هو من رعاياها"

 

·المعاهدة الأميركية لحقوق الإنسان- The American Convention of Human Rights- وتنص الفقرة الخامسة من المادة رقم (2) من الاتفاقية على ما يلي: " لا يجوز طرد أحدهم من إقليم دولة هو من رعاياها ولا حرمانه من حق العودة إليه".

 

·الشرعة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب- The African Charter on Human and Poeples' Rights- وقد جاء في الفقرة الثانية من المادة (12) من الشرعة "لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده والعودة إليه ولا يجوز إخضاع هذا الحق لأية قيود إلا تلك التي نص عليها القانون من اجل حماية الأمن القومي والنظام العام والصحة أو الأخلاق العامة".

 

2- حق العودة في القانون الإنساني:

يتعامل القانون الإنساني مع العائلات التي تشتتت نتيجة لأعمال الحرب Hostilities وليس مع تلك التي تعيش تحت الاحتلال العسكري Belligerent Ocuupation  وتم تشتيتها بعد وقوع الاحتلال. ويضمن هذا القانون مجموعة من الحقوق للأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحتلة ومنها حق العودة. وفي هذا الخصوص يستند كويغلي إلى المادة (43)   من مواثيق لاهاي بشأن قانون الحرب Hague Regulations on the Law of War- وإلى معاهدة جنيف لعام 1949 بشأن حماية المدنيين

 

The 1949 Geneva Civilians Convention.-

حق عودة الفلسطينيين في قرارات الأمم المتحدة:

يظل القرار (194) الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها الثالثة بتاريخ 11/12/1948 النص الأول بين مجمل النصوص التي تبنتها الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية، الذي يتعامل مع حق الفلسطينيين في العودة ويوفر الأساس القانوني لهذا الحق، هذا على الرغم من المكانة الملتبسة لهذا القرار والذي تنص الفقرة (11) منه على ما يلي:

 

تقرر (أي الجمعية العامة) وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن فقدان الممتلكات أو الضرر اللاحق بها، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، وذلك من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.

 

ومن المعلوم أن هذا القرار لم يطبق قط، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين، خاصة في السنوات الثلاث الأولى من إنشائها، أي حتى أواخر عام 1951، إلا أن الجمعية العامة جددت في كل دورة من دوراتها وبانتظام، باستثناء العام 1951، تأكيد القرار 194. كما أعربت عن أسفها لعدم تطبيقه.

وهكذا لم يعد القرار 194 القرار الوحيد الذي يتعامل مع حق العودة، بل أن هناك قرارات متقدمة أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لتأكيد حق العودة المنصوص عليه في هذا القرار وربطه بحق تقرير المصير بالنسبة للشعب الفلسطيني. وقد تبنت الجمعية العامة وبصيغ مشابهة نحو (49) قراراً يمكن تصنيفها ضمن سلالة القرار 194. وفيما يلي أبرزها:

 

·القرار 2535 (د.24) الصادر بتاريخ (10/12/1969). وجاء في الفقرة (ب) منه: "إن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ناتجة عن إنكار حقوقهم غير القابلة للتصرف والتي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".

 

·القرار 2649 (د. 25) بتاريخ (30/10/1970): وبعد أن ذكرت بقراراتها الأساسية في مجال إزالة الاستعمار أدانت الجمعية العامة "الحكومات التي ترفض حق تقرير المصير للشعوب التي اعترف لها بهذا الحق، ولا سيما شعوب أفريقيا الجنوبية وفلسطين".

 

· القرار 2672 (د.25) بتاريخ 8/12/1970): وجاء فيه:

-  "يجب أن يتمتع شعب فلسطين بالمساواة في الحقوق وممارسة حقه في تقرير مصيره وفقاً لميثاق الأمم المتحدة".

-  "إن الإقرار الكامل بحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا يستغني عنه لتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".

· القرار رقم 3089 (د. 28) بتاريخ (7/12/1973)، حيث توضع الفقرة (د) منه "... إن تمتع اللاجئين العرب الفلسطينيين بالحق في العودة إلى ديارهم وأملاكهم، ذلك الحق الذي اعترفت به الجمعية العامة في القرار 194 ... لا بد منه لتحقيق تسوية عادلة، ولممارسة شعب فلسطين حقه في تقرير المصير.

 

·القرار 3236 (د. 29) بتاريخ 22/11/1974. ونص على: ان الجمعية العامة [..]

1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين غير القابلة للتصرف، وخصوصاً:

أ‌) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

ب‌) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.

2-  وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين،غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم.

 

وقد استرعى هذا القرار انتباه عدد من القانونيين الدوليين منهم: Tadmor (1994) الذي قال إن القرار لا يميز بين لاجئ العام 1948 ولاجئي العام 1967، حيث أنه يتوجه إلى حق اللاجئين الفلسطينيين كمجموعة واحدة[3]. واعتبر Casses  (1993) إن الأمر الحاسم في القرار هو أنه ارتقى بالنقاش من مستوى "حق العودة الفردي إلى مستوى حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره". وأكثر من ذلك فالقرار يستخدم مصطلح "الشعب الفلسطيني" بدل مصطلح "اللاجئين الفلسطينيين"[4]. أما Weiss  (1978) فيذهب  إلى أبعد من ذلك عندما يصف القرار (3236) على أنه "شرعة حقوق الشعب الفلسطيني"[5].

 

· القرار رقم 3376 (د.30) بتاريخ 10/11/1975 الذي أنشأت الجمعية العامة بموجبه "اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف". وقد أكدت اللجنة في تقريرها الأول الصلة بين حق العودة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ويتضمن التقرير  نفسه عدداً من التوصيات بشأن تطبيق حق العودة والتي تبنتها الجمعية العامة في دورتها اللاحقة (د.31).

 

· القرار رقم 31/20 بتاريخ 24/11/1976. ويربط هذا القرار بوضوح تام بين حق العودة وحق تقرير المصير، إذ تتبنى الجمعية العامة بموجبه توصيات "لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف" ومنها التوصية رقم (70) التي تقول:  "تعتبر اللجنة أنه عندما يكون الفلسطينيون قد عادوا إلى منازلهم واستعادوا ممتلكاتهم وعندما يكون قد أنشىء كيان فلسطيني مستقل، يكون عندها الشعب قادراً على ممارسة حقوقه في تقرير مصيره وفي تقرير شكل الحكم الذي يودّه دون تدخل خارجي".

 

وهكذا تبين أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ صدور قرارها رقم 2535 (ديسمبر 1969)، وبشكل خاص منذ صدور قراريها رقم 3089 (ديسمبر 1973) ورقم 3236 (نوفمبر 1974) لا تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير فحسب، بل تربط هذا الحق بما لا يقبل الجدل بحقه في العودة، وتجعل من حق العودة شرطاً إلزامياً لتطبيق حق تقرير المصير.

 

خلاصة:

· يعترف المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة بوجود الشعب الفلسطيني. ويعترف القانون الدولي لهذا الشعب بالسيادة على الأراضي التي حددها القرار 181 (د.2) بتاريخ 29/11/1947، بشأن التقسيم.

 

· إن احتلال تلك الأراضي أو ضمها أو الوصاية عليها من قبل دول مختلفة خلال العقود الماضية لا يعدل نظامها القانوني ولا يعطي لأي دولة أخرى الحق في السيطرة عليها.

 

· لم يتمكن الشعب الفلسطيني حتى اليوم من ممارسة حقه في تقرير مصيره. هذا الحق الذي يعتبر قاعدة إلزامية في القانون الدولي. والسبب هو عدم توفر شرط أساسي وهو وجود الشعب الفلسطيني على أرضه. وهذا غير ممكن إلا بممارسة حق العودة.

 

· يتميز وضع الشعب الفلسطيني، من وجهة نظر القانون الدولي، بوجود فجوة بين تشتته الجغرافي ووحدته القانونية. وهذه الفجوة لا يمكن زوالها إلا بتحقيق وحدة الأرض والشعب من خلال تطبيق حق العودة كحق قومي[6]

 

II- منظمة التحرير الفلسطينية وقضية العودة

تعرض موقف (م.ت.ف) من قضية العودة إلى تحولات حاسمة منذ انعقاد أول مجلس وطني فلسطيني في القدس عام 1964 وحتى يومنا الحاضر. وتبعاً لذلك تعرضت المكانة المركزية لهذه القضية في النضال الفلسطيني المعاصر إلى الاهتزاز. وقد تم ذلك في سياق محاولات المنظمة التأقلم مع موازين القوى والتكيف مع الاشتراطات العربية والدولية في مجال القضية الفلسطينية.

 

1- من التأسيس حتى البرنامج المرحلي (1964-1974):

لم تنفصل قضية العودة عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني منذ تأسيس المنظمة عام 1964 إلى أن أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة (1-8/6/1974) التي أقرت ما عرف بالبرنامج السياسي المرحلي أو "برنامج النقاط العشر" أو "برنامج السلطة الوطنية" الذي يعتبر نقطة تحول حاسمة في التفكير السياسي لـ(م.ت.ف). وإلى ذلك الحين كانت العودة محصلة طبيعية لفعل التحرير الكامل وغير المنقوص عندما يتم. وقد أكدت نصوص الميثاق الوطني (أنظر المواد:1-3) أن فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وأنه "صاحب الحق الشرعي في وطنه فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب". كما أكدت المادة التاسعة من الميثاق الوطني المنقح على أن "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين"، وأكدت تصميم الشعب الفلسطيني على "تحرير وطنه والعودة إليه ... وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه".

 

ولم تحد المنظمة حينها قيد أنملة عن إيمانها بتحقيق العودة من خلال التحرير الكامل، وأكدت ذلك في مقررات الدورات المتعاقبة للمجلس الوطني الفلسطيني منذ تأسيس المنظمة عام 1964 وصولاً إلى الدورة الحادية عشرة (6/12/1973)، التي دعت صراحة إلى "النضال ضد عقلية التسوية" وضد مشروعات "الكيانات أو الدولة الفلسطينية على جزء من أرض فلسطين". وفي هذا السياق يوضح رشيد الخالدي أنه لم يكن لدى الفلسطينيين في تلك الحقبة تفكير في الحلول الوسط أو الحلول الدبلوماسية. وأن "مقومات العودة، على ما يبدو، لم تكن ملحة بشكل خاص"[7].

 

2- من البرنامج المرحلي إلى إعلان الاستقلال (1974-1988)

 في سياق التماثل مع الأوضاع العربية والدولية الناجمة عن الحرب العربية/"الإسرائيلية" في أكتوبر/تشرين الأول 1973 وما أعقبها من تطورات، تبنت (م.ت.ف) عام 1974 "البرنامج السياسي المرحلي" الذي شكل نقطة انعطاف حاسمة في الفكر السياسي الفلسطيني، لجهة العلاقة بين الأهداف الاستراتيجية للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وأهدافها المرحلية التكتيكية، وكيفية إدارة الصراع مع "إسرائيل" والحركة الصهيونية.

 

وبخصوص مسألة العودة ورد في مقدمة برنامج النقاط العشرة ذكر مصطلح "حق العودة" لأول مرة خارج السياق المعهود في مقررات المجالس السابقة، حيث أكدت المقدمة على استحالة إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة دون استعادة الشعب الفلسطيني "لكامل حقوقه الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير مصيره على كامل ترابه الوطني"، وذلك دون الإشارة إلى القرار (194)، وقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة.

 

وفي سياق هذه التطورات جاء رفض البرنامج المرحلي لقرار مجلس الأمن رقم 242 على أرضية أخرى جديدة غير الأرضية السابقة. فبعد أن كانت المنظمة تعارض القرار المذكور جملة وتفصيلاً على أساس أنه يقوم على مبدأ "مبادلة الأرض بالسلام" وبالاعتراف لـ"إسرائيل" بحدود آمنة، فقد عارضته في البرنامج المرحلي "على أساس أنه "يطمس الحقوق الوطنية والقومية" للشعب الفلسطيني ويتعامل مع قضيته "كمشكلة لاجئين". وقد أكدت النقطة الأولى من البرنامج المرحلي على رفض (م.ت.ف) التعامل مع هذا القرار في "أي مستوى من مستويات التعامل العربية والدولية، بما في ذلك مؤتمر جنيف". وجاء هذا الرفض مشروطاً بعبارة "على هذا الأساس" المذكورة أعلاه.

 

ثم جاء انعقاد الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني (الجزائر، 15/11/1988) في ظل مناخات الانتفاضة التي كانت قد تفجرت في فلسطين أواخر العام 1987. وكانت مقرراتها تتويجاً منطقياً لنهج التيار الرئيسي في (م.ت.ف) في سعيه لإقامة "سلطة وطنية" أو "دولة فلسطينية" في الضفة الغربية وغزة من خلال التوصل إلى تسوية إقليمية للصراع.

 

وقد صدر عن هذه الدورة وثيقتان أساسيتان هما: البيان السياسي وإعلان الاستقلال. وقد أكدت الوثيقتان كلتاهما على حق العودة وحل مشكلة اللاجئين في إطار قرارات الأمم المتحدة، وإن جاء هذا التأكيد أكثر وضوحاً في وثيقة الاستقلال التي  ربطت حق العودة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني مثل حقه في الاستقلال والسيادة على أرض وطنه. وفضلاً عن ذلك أكدت وثيقة الاستقلال حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة استناداً إلى القرار 181 لعام 1947، واعتبرته لا يزال يوفر "مقومات الشرعية الدولية التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطنيين". ولطالما رفضت (م.ت.ف) هذا القرار سابقاً.

 

ومن جهة أخرى لم تشر أي من الوثيقتين لا من قريب أو من بعيد إلى القرار 194 كأساس قانوني لحق العودة. وحسب رشيد الخالدي يشكل الموقف المتضمن في الوثيقتين بخصوص حق العودة تغيراً مهماً قياساً إلى الدورة الثانية عشرة (الجزائر، نيسان/أبريل 1987) التي ذكرت حق العودة، دون الإشارة إلى قرارات الأمم المتحدة[8].

 

وهكذا فقد تبدل الخطاب السياسي لـ(م.ت.ف) ومن ضمنه مفهوم العودة تبدلاً جوهرياً جوهرياً على امتداد ربع قرن تقريباً (1964-1988) أي منذ انعقاد مؤتمر القدس الذي أقر الميثاق القومي الفلسطيني وحتى دورة المجلس الوطني التاسعة عشر في الجزائر التي أقرت إعلان الاستقلال، مروراً بالدورة الثانية عشرة، التي تبنت البرنامج السياسي المرحلي. وتحولت (م.ت.ف) وفق هذا الخطاب من "حركة تحرر وطني" للشعب الفلسطيني على كامل التراب الفلسطيني، إلى "حركة استقلال وطني" تسعى جاهدة عبر الشرعية الدولية للحصول على "دويلة" أو كيان فلسطيني بجانب دولة "إسرائيل"، وتقبل بقرارات الأمم المتحدة أساساً لحق العودة وإطاراً لحل مشكلة اللاجئين.

وهذا التبدل في الفكر السياسي وفي الممارسة السياسية لـ(م.ت.ف) هو ما أهلها للانخراط في مفاوضات السلام التي انطلقت من مدريد ولم تنته بعد.

 

3- من مدريد إلى أوسلو

كما بينا سابقاً لم يكن انخراط (م.ت.ف) في مفاوضات السلام التي انطلقت في مدريد بدون مقدمات. فالتيار الرئيسي في المنظمة كان قد اتخذ قراره، ومنذ الدورة التاسعة عشرة باستثمار الانتفاضة سياسياً لتحقيق ما سمي بهدف الحرية والاستقلال، اقتناعاً منه بأن الانتفاضة حولت مركز ثِقل النضال الفلسطيني من خارج فلسطين إلى الداخل ووفرت قوة الدفع الذاتية لتطبيق البرنامج السياسي المرحلي المتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

 

·مؤتمر مدريد: (31/10/1991) تمت الدعوة إلى مؤتمر مدريد إلى أساس القرارين 242 و338 اللذان يعالجان نتائج حربي 1967 و1973. وقد دعا القرار 242 إلى تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، دون تحديد ماهية هؤلاء اللاجئين. وهذا ما فتح الباب لنشوء تفسيرين للقرار؛ الأول "إسرائيلي"، ويحصرهم بلاجئي العام 1967، والآخر عربي يشمل لاجئي العام 1948 والعام 1967 على حد سواء. ولذا لا يتعامل هذان القراران مع الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وهكذا دخلت (م.ت.ف) المفاوضات على أرضية تغييب قرارات الشرعية الدولية التي تعترف بالشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، بما في ذلك القرار 181 (1947) الذي استندت إليه المنظمة في إعلان الاستقلال. علماً بأن الشرعية الدولية التي يمثلها هذا القرار تعتبر في وجهها الآخر شهادة ميلاد "إسرائيل" الوحيدة، على حد قول وزير خارجية "إسرائيل" الأسبق أبا إيبان.

 

وقد انبثق عن مؤتمر مدريد مجموعة عمل خاصة باللاجئين RWG في إطار المفاوضات متعددة الأطراف، برئاسة كندا. غير أن "إسرائيل" رفضت اعتماد القرار 194 كمرجعية للبحث في مشكلة اللاجئين، وأصرت على أن ينحصر عمل مجموعة اللاجئين بالقضايا الإنسانية والتقنية. وهكذا كان الحال في الاجتماعات اللاحقة. وظل الوفد الفلسطيني إلى تلك الاجتماعات –التي تؤخذ قراراتها على أساس الإجماع- يشير إلى القرار (194) في البيانات الختامية لمجموعة العمل. حيث أصبحت الإشارة إليه مجرد تقليد.

 

·رسائل الاعتراف المتبادلة وإعلان المبادئ:

جاء توقيع رسائل الاعتراف المتبادلة بين ياسر عرفات ورابين (9/9/1993) قبل أربعة أيام فقط من توقيع إعلان المبادئ. أي أن هذا الإعلان قد وقع تحت مظلة الرسائل، مما يضفي عليها طابع "المستند الأصل" في حين يبقى الإعلان "المستند الفرع" وقد جاء ذلك في مصلحة "إسرائيل".

 

وفي رسالة عرفات إلى رابين اعترفت المنظمة بالقرارين 242 و383 و"بحق إسرائيل بالعيش في سلام وأمن". ولطالما سعت "إسرائيل" طوال العقود الخمسة الماضية من الصراع العربي/الصهيوني للحصول على مثل هذا الاعتراف بشرعيتها من قبل ضحاياها، وذلك لدعم الاعتراف الدولي بشرعيتها المبني على أساس الأمر الواقع المستند إلى  القوة لا إلى مبادئ العدل. وفي حين لم تتطرق رسالة عرفات إلى رابين إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المتضمن حق العودة أرجأت المسائل المتعلقة بالوضع الدائم ومنها مسألة اللاجئين كي تتم تسويتها عن طريق التفاوض.

 

أما الاعتراف بـ (م.ت.ف) الوارد في رسالة رابين إلى عرفات فهو اعتراف مشروط بالتعهدات الواردة في رسالة عرفات إليه وأخطرها تعهد (م.ت.ف) باعتبار مواد الميثاق الوطني ونقاطه التي تتعارض مع التعهدات المذكورة في الرسالة أصبحت [وليس ستصبح] "عديمة الأثر وغير سارية المفعول". وكان الجدل في هذا الصدد، يدور حول المواد: (22,21,20,19,10,9,2,). وهنا تجدر الإشارة إلى المادة (9) من الميثاق التي تؤكد تصميم الشعب الفلسطيني على متابعة الكفاح المسلح "لتحرير وطنه والعودة إليه ... وممارسة حقه في تقرير مصيره فيه والسيادة عليه".

أما إعلان المبادئ فجاء كما هو معلوم نتيجة مفاوضات سرية وافق الطرف الفلسطيني فيها على ما رفضه المفاوضون الفلسطينيون في مباحثات واشنطن التي أطلقها مؤتمر مدريد.

 

تذكر المادة الأولى من الإعلان المتعلقة بهدف المفاوضات أن الترتيبات الانتقالية جزء لا يتجزأ من عملية السلام بمجملها، وتؤكد أن "المفاوضات حول الوضع الدائم ستؤدي إلى تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338". وبهذا يتجاهل الإعلان مصادر الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في القانون الدولي وفي قرارات الأمم المتحدة، على حد سواء، وفي مقدمتها حقه في العودة في إطار ممارسة الحق في تقرير المصير. كما أرجأت الفقرة الثالثة من المادة الخامسة (5/3) من الإعلان حل مشكلة اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي، دون أن تربط المشكلة بأي مرجعية قانونية. وأكثر من ذلك جزأ الإعلان قضية اللاجئين ما بين لاجئي العام 1948 ولاجئي العام 1967، الذين أصبحوا يعرفوا في لغة المفاوضات بـ"النازحين"، انحيازاً للتفسير "الإسرائيلي" للقرار 242.

 

وفي هذا الخصوص تدعو المادة (12) من "الإعلان" إلى تعاون حكومة "إسرائيل" والممثلين الفلسطينيين من جهة، وحكومتي الأردن ومصر من جهة أخرى من أجل إنشاء ما عرف باسم "اللجنة الرباعية" للمفاوضات للبحث وفي وسائل عودة "نازحي" العام 1967 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وحسب الإعلان ظلت عودة كل من يتقرر عودته مشروطة بموافقة "إسرائيل" ومتوقفة على اعتباراتها الأمنية، بذريعة "منع الفوضى والإخلال بالنظام". وقد تعزز هذا الشرط من خلال قبول الإعلان بحق "إسرائيل" في المشاركة بالسيادة على المعابر .. براً وبحراً وجواً.

 

والخلاصة أن "إعلان المبادئ" وملحقاته الأربعة وكذلك رسائل الإعتراف المتبادلة قد تميزت بالوضوح التام في كل ما خص الجانب "الإسرائيلي" وبالغموض والالتباس في كل ما اختص بحقوق الشعب الفلسطيني. والغموض يصب دائماً في مصلحة الطرف الأقوى، الذي يميل إلى تفسير النصوص، وفقاً لمعايير القوة. وهكذا منحت تلك الوثائق "إسرائيل" حقوقاً مناقضة للشرعية الدولية، التي لا تزال بموجبها قوة احتلال.

 

4- المحاولات اللاحقة لتصفية حق العودة:

شهدت الفترة اللاحقة لاتفاقيات أوسلو وصولاً إلى يومنا هذا محاولات خطيرة هدفت إلى إضعاف الإطار القانوني لحق العودة عبر طرح مبادرات وتفاهمات ومواقف رسمية وشبه رسمية تميل إلى تفسير حق العودة بموجب القرار (194) على أساس التمييز بين المبدأ وتطبيقه، بما يؤدي إلى فصل ارتباط حق العودة عن فكرة "العدل المطلق"، وبالتالي التنازل عن هذا الحق في نهاية المطاف.

 

وسأتطرق هنا بإيجاز إلى أبرز تلك المحاولات بحسب تواليها التاريخي:

·اتفاق بيلين/أبو مازن ( 13 تشرين الأول/أكتوبر 1995).

طرح هذا الاتفاق في أعقاب "الاتفاق الإسرائيلي/الفلسطيني المؤقت بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة" المبرم في 24 أيلول/سبتمبر 1995، الذي قسّم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج). وهو ما عرف باتفاقية (اوسلو2). وعلى الرغم من أن اتفاق يوسي بيلين/ محمود عباس غير رسمي، إلا أنه كان جزءاً من ترتيبات "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية من أجل بلورة إطار لقضايا الوضع النهائي حسب توجيهات "إعلان المبادئ".

 

ألزمت المادة السابعة من اتفاق الإطار الجانب الفلسطيني بإعادة النظر في حقوق اللاجئين الفلسطينيين بموجب قواعد القانون الدولي في ضوء الحقائق المتغيرة على الأرض منذ العام 1948، إذ نصت الفقرة الأولى من المادة المذكورة على ما يلي:

 

"بينما يعتبر الفلسطينيون أن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم حق مكفول في القانون الدولي ومبادئ العدالة الطبيعية، إلا أنه يقر بأن المتطلبات الأساسية للحقبة الجديدة من السلام والتعايش، فضلاً عن الحقائق التي خلقت  على الأرض منذ العام 1948 جعلت من تطبيق هذا الحق أمراً غير ممكن عملياً. ولذا يعلن الجانب الفلسطيني استعداده لقبول وتطبيق سياسات وإجراءات من شأنها أن تضمن بقدر المستطاع رفاه هؤلاء اللاجئين ورغد عيشهم"

 

وفي حين تعترف "إسرائيل" في الفقرة الثانية من المادة السابعة نفسها بـ"المعاناة" المعنوية والمادية التي تكبدها الفلسطينيون جرّاء حرب 1947-1949، إلا أنها تتنصل من أي مسؤولية أخلاقية أو معنوية عن هذه "المعاناة" وتضعها في المقابل على عاتق الجانب الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق (أوسلو1) الذي نقل كامل المسؤولية عن الأضرار التي تكبدها الشعب الفلسطيني إبان الاحتلال "الإسرائيلي" إلى السلطة الفلسطينية.

ويحدد اتفاق الإطار هذا عودة اللاجئين إلى الدولة الفلسطينية حصرياً ويحمل السلطة الفلسطينية عبء التعويض عن الأضرار:

"كما تقر [إسرائيل] بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الدولة الفلسطينية وتعترف بحقهم في إعادة التأهيل والتعويض عن الخسائر المادية والمعنوية"

 

ويتضمن اتفاق بيلين/أبو مازن أيضاً تشكيل "لجنة دولية" تكون مسؤولة عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في التعويض (Compensation) واستعادة الممتلكات (Restituation)- وهي مسؤولية  ينبغي أن تتحملها "إسرائيل" بموجب القانون الدولي وكذلك تناط باللجنة المذكورة مهمة تطوير "برامج إعادة تأهيل واستيعاب" وتكوين قراراتها نهائية وغير قابلة للاستئناف.

وهكذا يلغي هذا الاتفاق حق العودة كما هو منصوص عليه في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وخاصة القرار (194)، ويعفي "إسرائيل" من تحمل المسؤولية عن تعويض اللاجئين الفلسطينيين واستعادة ممتلكاتهم ويحيل هذه المسؤولية القانونية إلى المجتمع الدولي.

 

وكما أسلفنا كان اتفاق بيلين/أبو مازن جزءاً من ترتيبات الوضع النهائي في (أوسلو 2) وركيزة مهمة من ركائز التفاهمات السرية التي تم التوصل إليها في كامب ديفيد الثانية في تموز/يوليو وآب/ أغسطس من عام 2002. وكان رئيس الحكومة "الإسرائيلية" آنذاك باراك قد أفصح لصحيفة (يديعوت أحرونوت، 11/7/2000) قبل توجهه إلى محادثات كامب ديفيد عن مضمون التسوية النهائية لقضية اللاجئين، حين قال: "لن تعترف إسرائيل بأي مسؤولية أخلاقية وقانونية عن مشكلة  اللاجئين الفلسطينيين".

 

وفي أعقاب فشل محادثات كامب ديفيد الثانية واندلاع انتفاضة الأقصى تم تسريب نص الاتفاق كاملاً إلى مجلة النيويورك. وإثر خسارة شمعون بيريز للانتخابات "الإسرائيلية" في ربيع عام 1996 تم تنحية هذا الاتفاق جانباً. ولا يخفى على أي متتبع لمجريات قضية اللاجئين أن جوانب عديدة من اتفاق بيلين/أبو مازن قد جرى استنساخها في المباحثات والاتفاقات والتفاهمات اللاحقة بدءاً من محادثات طابا وحتى تفاهمات جنيف[9].

  

·مبادرة أيالون/نسيبه (تموز/يوليو 2002):

تعتمد هذه المبادرة على ما يسميه سري نسيبه نفسه منهجية "التفاوض الشفاف"، التي تقول بضرورة الإعلان عن الحد الأدنى من المطالب وعدم التفريط به مهما يكن من أمر، وذلك بدلاً من منهجية "الأوراق التفاوضية" حسب تعبير نسيبه، والتي تقول بضرورة عدم الإفصاح عن تنازل مقر به مسبقاً إلا بعد الحصول على تنازل بالمقابل. ويزعم سري نسيبه أن الفلسطينيين قد تكبدوا خسائر فادحة عبر اعتماد المنهجية الأخيرة ويقترح إحداث انقلاب في منهج التفاوض، يقضي بالإفصاح "بكل جرأة ووضوح عن الحد الأدنى مع التمسك به ودعوة الخصم لإقامة السلام على اساسه"[10].

وبناء عليه تقترح المبادرة أو "إعلان النوايا" كما يسميها نسيبه إقامة دولتين لشعبين على أساس أن تكون "فلسطين هي الدولة الوحيدة للشعب الفلسطيني و"إسرائيل" هي الدولة الوحيدة للشعب اليهودي"، بحيث يتم الاتفاق على حدود دائمة بين الدولتين على أساس حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام المعروفة بالمبادرة السعودية.

 

بخصوص حق العودة تنص المبادرة (إعلان النوايا) في بندها الرابع على ما يلي:

1- اعترافاً بمعاناة وتشريد اللاجئين الفلسطينيين يعمل المجتمع الدولي و"إسرائيل" ودولة فلسطين على تأسيس ودعم صندوق دولي خاص لتعويض اللاجئين الفلسطينيين.

2-  يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولة فلسطين فقط ويعود اليهود إلى دولة "إسرائيل" فقط.

3- يقدم المجتمع الدولي تعويضات وتسهيلات لتحسين أحوال اللاجئين الذين يرغبون في البقاء في مواطن إقامتهم، والذين يرغبون بالهجرة إلى دولة ثالثة.

 

وهكذا تسقط هذه المبادرة حق العودة على أساس القرار 194 الذي لم يرد ذكره مطلقاً في أي من بنودها. وتعفي "إسرائيل" من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن النكبة وخلق مشكلة اللاجئين، إذ تعترف بالمعاناة والتشريد، وهما حقيقة واقعة، دون الاعتراف بالمسؤولية القانونية والأخلاقية التي تتحملها "إسرائيل" وحدها. وهي بذلك تتعامل مع النتائج دون الأسباب، كما أنها تشرك المجتمع الدولي والجانب الفلسطيني في تحمل مسؤولية تلك النتائج. وتحرم المبادرة للاجئين الفلسطينيين من حقوق أخرى أساسية معترف بها في القانون الدولي وهي الحق في التعويض واستعادة الممتلكات وتختزل هذه الحقوق إلى مجرد "تحسين أحوال اللاجئين" في أماكن توطينهم الجديدة.

وكغيرها من المبادرات السابقة واللاحقة تضمنت مبادرة أيالون/نسيبة بنداً يتعلق بإنهاء الصراع، وهو البند السادس والأخير الذي ينص على ما يلي: "بعد التنفيذ الكامل لهذه المبادئ ستنتهي جميع المطالبات من كلا الطرفين وينتهي الصراع "الإسرائيلي"/الفلسطيني.

 

·خارطة الطريق (30 نيسان/ابريل 2003):

تستند خارطة الطريق، كما هو معلوم، إلى ما سمي "رؤية بوش" الداعية إلى إقامة دول فلسطينية إلى جانب دولة "إسرائيل". وتهدف الخارطة إلى تحقيق "تسوية نهائية وشاملة" لما تسميه النزاع "الإسرائيلي"/الفلسطيني في العام 2005، على أن تشمل تلك التسوية "إقامة دولة ديموقراطية قابلة للحياة تعيش في سلام وأمن إلى جانب دولة إسرائيل". ومن أجل التوصل إلى مثل هذا الحل اشترطت الخارطة على الجانب الفلسطيني وجود "قيادة تعمل بحزم على مواجهة الإرهاب". وتستند الخارطة إلى جدول زمني ومراحل ثلاث يتم تنفيذها تحت إشراف لجنة دولية رباعية (Quartet) تتشكل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا.

 

وكما هو الحال في اتفاقيات أوسلو أرجأت الخارطة قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى المرحلة النهائية وأدرجتها ضمن ما يعرف بقضايا الوضع الدائم. وفي خارطة الطريق أدرجت قضية اللاجئين في المرحلة الثالثة والنهائية (2004-2005) المتضمنة عقد مؤتمر دولي بإشراف اللجنة الرباعية تناط به مهمة إقرار قضايا الوضع الدائم المتعلقة بإقامة الدولة في العام 2005 بما في ذلك "قضايا الحدود، القدس اللاجئون، الاستيطان، والسلام بين "إسرائيل" والدول العربية الأخرى".

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن صاحب الرؤية والخارطة الرئيس الأمريكي بوش قد تخلا عنها عملياً من خلال تصريحاته القائلة بإن العام 2005 ليس موعداً واقعياً لتنفيذ الخارطة وإقامة الدولة الفلسطينية. وكان قد عمد من قبل إلى إفراغ الخارطة من مضمونها عندما قطع وعداً لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" شارون خلال زيارته للبيت الأبيض (14/4/2004) بالقفز عن حق العودة وفق القرار 194، وحين شرّع الاستيطان والاحتلال ودعا إلى عدم العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 تحت دعاوى التعامل مع الحقائق التي كرستها "إسرائيل" على أرض الواقع منذ العام 1948. وذلك خلافاً لمبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وحتى لسياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة بخصوص الصراع العربي "الإسرائيلي"

 

·تفاهمات جنيف (1كانون الأول/ديسمبر 2003):

جاءت تفاهمات جنيف في سياق الجهود ذاتها الداعية إلى التوصل إلى حل دائم للقضية الفلسطينية ولقضية اللاجئين خاصة، على حساب الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني وفي المقدمة منها حق العودة وتقرير المصير. وكانت تلك التفاهمات حصيلة عامين من المفاوضات بين فريق من الأكاديميين وأعضاء الكنيست "الإسرائيليين" برئاسة يوسي بيلين وفريق فلسطيني برئاسة ياسر عبد ربه، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني والوزير السابق في السلطة الفلسطينية[11].

صحيح أن هذه التفاهمات لا تعتبر وثيقة رسمية من وجهة نظر القانون الدولي، نظراً للصفة القانونية غير الملزمة للموقعين عليها، إلا أن خطورتها تكمن في مضمونها وفي السياق السياسي الذي تمت فيه. لقد قدمت هذه التفاهمات بوصفها نموذجاً لاتفاقية سلام نهائي متفاوض عليه ومقبول من الأطراف المعنية، وله أولوية على القانون الدولي. اتفاقية تنطلق مما أطلق عليه ساري نسيبه سابقاً منهجية "التفاوض الشفاف"، أي تقديم التنازلات الفلسطينية كلها دفعة واحدة قبل بدء المفاوضات واعتبار ذلك حداً أدنى لا يمكن التنازل عنه. كما استقبلت تلك التفاهمات من قبل الأطراف الدولية المعنية ومن ضمنها أطراف اللجنة الرباعية بوصفها آلية لتنشيط خارطة الطريق الميتة وبعث الحياة في أوصالها من جديد.

 

وتشمل التنازلات التي قدمها الطرف الفلسطيني بموجب تلك التفاهمات عدا عن إلغاء حق العودة الاعتراف بيهودية دولة "إسرائيل" وتكريس الأمر الواقع في القدس وإضفاء الشرعية على المستوطنات وقبول إقامة كيان فلسطيني مقطع الأوصال ومنقوص السيادة ومنزوع السلاح، فضلاً عن تجزئة وحدة الشعب الفلسطيني وإخضاعه للهيمنة "الإسرائيلية".

 يشكل موضوع اللاجئين الفلسطينيين ثقلاً رئيسياً في تفاهمات "اتفاقية" جنيف، إذ تعالجه المادة السابعة من الاتفاقية التي تحتوي على ثلاثة عشر بنداً (6 صفحات في النص الإنجليزي).[12]

 

تدعو الاتفاقية إلى حل "متفق عليه" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرارين (194) و(242) ومبادرة السلام العربية (Ar.7/1,2) وإلى تشكيل "صندوق دولي" للتعويض عن اللجوء وخسارة الممتلكات بعد تقديرها من قبل لجنة دولية مختصة (Ar. 7/3,9,10,11). ولا يرد مصطلح حق العودة أبداً في الاتفاقية التي تستعيض عنه بمصطلح فني بحت هو "اختيار مكان سكن دائم" وفق خيارات خمسة (دولة فلسطين، مناطق في "إسرائيل" تنقل إلى الدولة الفلسطينية في اتفاق تبادل الأراضي، دولة ثالثة، دولة "إسرائيل"، الدول المضيفة حالياً)، على أن يخضع الخيار الرابع المتعلق بعودة اللاجئ إلى بيته الأصلي فيما يسمى "إسرائيل" الآن للقرار السيادي "الإسرائيلي" (Ar.7/4/a,b,c,d,e). وبهذا تعطي الاتفاقية لـ"إسرائيل" حق الفيتو على عودة أي لاجئ فلسطيني إلى بيته الذي طرد منه العام 1948 تطبيقاً للقرار (194). فالقرار المذكور يرد في الاتفاقية ليكون أساساً لحل "متفق عليه"، وليس لإلزام "إسرائيل" بتطبيقه. وتزعم الاتفاقية أن اختيار اللاجئ لما سمي "مكان سكن دائم" هو اختيار حر (Ar.7/5) إلا أنها تعود فتقيد هذا الاختيار الحر في البند الحادي عشر من المادة السابقة نفسها المتعلقة بتشكيل اللجنة الدولية. ينص البند المذكور على تشكيل لجان فنية مختلقة منها لجنة "مكان السكن الدائم"، بحيث تتلقى اللجنة طلبات اللاجئين في هذا الخصوص في موعد لا يتجاوز السنتين من بدء عمل اللجنة الدولية. وأخطر ما ورد في صلاحيات هذه اللجنة ووافق عليه الجانب الفلسطيني هو أن اللجنة المذكورة هي التي تقرر مكان السكن الدائم للاجئين المتقدمين إليها في ضوء التفصيلات الشخصية لكل لاجئ واعتبارات جمع شمل العائلات. كما يفقد المتقدمون للجنة مكانتهم القانونية كلاجئين. إذا لم يوافقوا على اختيار اللجنة. وأكثر من ذلك تعتبر الاتفاقية أن مكانة اللاجئ القانونية تنتهي مع تحقق مكان السكن الدائم وفق ما تقرره اللجنة الدولية  (Ar.7/6). كما تدعو إلى تصفية دور الاونروا ونقل وظائفها إلى الدول المضيفة وفق جدول زمني ينتهي بعد خمس سنوات من بداية عمل اللجنة المذكورة (Ar.7/11). ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن وجود الاونروا واستمرار عملها ما هو إلا تعبير عن اعتراف المجتمع الدولي بالمسؤولية القانونية والأخلاقية عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وان قرار إنشاء الاونروا نفسه رقم (302) للعام 1949 يشير في ديباجته إلى الفقرة (11) من القرار (194)، بما يعني مسؤولية الاونروا عن إغاثة اللاجئين الفلسطينيين وحفظ مكانتهم القانونية كلاجئين إلى أن تتم عودتهم. فماذا تبقى  إذن من مبدأ "الاختيار الحر"؟! وأين دور القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تكفل المكانة القانونية للاجئ إلى أن تتم عودته إلى وطنه؟!

 

وكالاتفاقيات والمبادرات السابقة تقدم اتفاقية جنيف بوصفها "حل كامل ودائم لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين لا يجوز بعدها طرح أية مطالب أخرى فيما عدا تلك المتعلقة بتطبيق هذه الاتفاقية" (Ar.7/7) وتنص المادتان الأولى والأخيرة (Ar.1/17) من الاتفاقية على المضمون نفسه فيما يتعلق بإنهاء الصراع ونهاية المطالب. وتزيد المادة الأخيرة على ذلك فتدعو مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار قرار يتبنيان فيه الاتفاقية ويلغيان قرارات الأمم المتحدة السابقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي "الإسرائيلي".

 

 وعلى الإجمال تدعو اتفاقية جنيف إلى إلغاء حق العودة بوصفه حقاً فردياً في القانون الدولي، وبوصفه حقاً جماعياً يرتبط بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني بما يؤدي إلى تكريس الشتات واختزال الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف إلى مجرد حقوق مدنية تؤمن مكان سكن للاجئ الفلسطيني وتوفر له أسباب العيش في المنافي القريبة والبعيدة.

 

·وفي سياق محاولات الانتقاص من حق العودة تندرج بعض استطلاعات الرأي التي تجريها من وقت لآخر بعض مراكز البحوث الفلسطينية المدعومة من دوائر وجامعات ومراكز بحثية دولية وخاصة أمريكية. مثال ذلك المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية/ رام الله الذي يديره الدكتور خليل الشقاقي.

 

لقد أجرى المركز المذكور ثلاثة استطلاعات للرأي العام بين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأردن ولبنان، وفق استمارات ذات أسئلة معدة ومرتبة مسبقاً للحصول على أجوبة محددة[13] وهدفت تلك الاستطلاعات إلى "التعرف على مواقف وخيارات اللاجئين في التسوية الدائمة لخدمة الأغراض التفاوضية الفلسطينية"، كما جاء في البيان الصحفي الصادر عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بشأن نتائج الاستطلاعات الثلاثة.[14]

 

نعتقد أن هذا النوع من الاستطلاعات يفتقر إلى الحياد والموضوعية وينطوي على تضليل كبير، إذ يمكن للقائمين عليها التحكم بنتائجها سلفاً والتلاعب بها من خلال الكيفية التي تختار بها العينة وطريقة تصميم الاستمارة وصوغ الأسئلة وتسلسلها المنطقي، فضلاً عن اختيار اللحظة السياسية "المواتية" التي تجري فيها الاستطلاعات.

وأهم من ذلك كله، فإن حق العودة، في رأينا، حق فردي وجماعي يكفله القانون الدولي. وينتمي إلى مجموعة حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف (inalienable). وهو غير قابل للاستفتاء ولا تغير نتائج أي استطلاع مهما كانت وجهتها من قوته القانونية والأخلاقية.

 

خلاصة عامة: من حق العودة إلى البانتوستان

إن موقف (م. ت. ف.) من حق العودة وتقرير المصير كما عبرت عنه في الممارسة العملية منذ أوسلو وحتى الآن، لم يؤد سوى إلى التلاعب بالإطار القانوني للحقوق الفلسطينية التي ضمنها القانون الدولي وأكدتها قرارات الأمم المتحدة، فضلاً عن أنه قد انتهك "الميثاق الوطني" الضامن لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة أهدافه الوطنية التاريخية على أرض آبائه وأجداده. وتعكس بعض المواقف والتصريحات "الإسرائيلية" والأمريكية فداحة الضرر الذي أصاب النضال الوطني الفلسطيني جرّاء تلك الممارسة. وصف شمعون بيريز تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بأنه "التغيير الأيديولوجي الأهم خلال القرن  الحالي". كما اعتبرت مادلين أولبرايت (سبتمبر/ أيلول 1994) قرارات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية "مثيرة للنزاع وقد عفا عليها الزمن".

 

أن ما أفرزته "عملية السلام" المزعومة لم يقد سوى إلى القفز عن حق العودة وتثبيت الشتات الفلسطيني وإهدار حق تقرير المصير، عبر خلق "كيان فلسطيني" هزيل أقرب إلى "البانتوستان" منه إلى الدولة المستقلة كاملة السيادة.

إنه لمن سخرية التاريخ أن يتم تفكيك النظام العنصري في جنوب أفريقيا الذي ينتمي إلى الحقبة الاستعمارية السوداء، في الوقت الذي تعمل فيه "إسرائيل" مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية على فرض حل للقضية الفلسطينية يكرس نوعاً من أنواع العزل (الفصل) العنصري في فلسطين، في القرن الحادي والعشرين، قرن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهذا ما يتجسد اليوم وبجلاء في إقامة جدار الفصل العنصري وفي خطة شارون للفصل من جانب واحد.

 وفي هذا السياق يشبه البعض كيان الحكم الذاتي الفلسطيني بمعزل "ترانسكاي" في جنوب أفريقيا. وهو كيان الحكم الذاتي الذي أقامه النظام العنصري للسود عام 1963، وأعلن دولة مستقلة، لم يعترف بها سوى النظام العنصري نفسه.

 

ويرى آخرون أن معالم الوضع الذي يجري تكريسه على أرض فلسطين تستمده "إسرائيل" من ثلاثة مصادر: أولها نظام "العزل العنصري" -Apartheid- الذي طبق في جنوب أفريقيا بحق سكان البلاد من الأفارقة السود، والثاني "نظام الإقطاعات" أو المعازلReserves- الذي تطبقه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في حق سكان أميركا الأصليين من الهنود الحمر، والثالث هو نظام الفصل الأمريكي -Segregation- الذي كان متبعاً في الولايات المتحدة الأميركية حتى مطلع الستينات، لفصل الأميركيين السود عن البيض في مواقع السكن والعمل والخدمات العامة .. الخ.

وتستند "إسرائيل" في ذلك إلى فكرة "النقاء العرقي" الكامنة في الأيديولوجيا الصهيونية، وتطبقها من خلال ضم الأراضي الفلسطينية دون سكانها أو مع "أخف تواجد سكاني ممكن"، حسب قول رابين.

 

وها هو الشعب الفلسطيني بعد أكثر من عشر سنوات من مسيرة أوسلو يجد نفسه مجزءاً بين داخل وخارج، يعيش نصفه الذي في الشتات معزولاً عن نصفه الآخر في الكيان الفلسطيني المرتقب، محروماً من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير على أرض وطنه. وحتى لا يتكرس هذا الواقع على الفلسطينيين أينما كانوا على أرض فلسطين وفي المنافي التمسك الصارم بوحدة الأرض والشعب. وعلى فلسطينيي الشتات، بالذات أن يشكلوا "كتلة تاريخية"، تبلور موقفاً حاسماً يتمسك بحق العودة وتقرير المصير ويرفض التوطين أو التعويض بديلاً عن العودة. ولتبقى العودة حلماً مشروعاً نحققه بالعمل عبر رؤية متفائلة لمسيرة التاريخ.

 


 

المراجع

[1] مقررات المجلس الوطني الفلسطيني، 1964-1974، تحرير راشد حميد، سلسلة كتب فلسطينية، 64 (بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 1975)، ص 46.

[2] John Quigley," Displaced Palestinians and the Right of Return", Harvard International Law Journal, vol 39, no.1 (winter 1998) pp.193-198

[3]  Elia Zureik, Palestinian Refugees and the Peace Process (Beirut: Institute Fir Palestine Studies, 1996) P.110

[4] Ibid

[5] رمضان بابادجي، مونيك شميلييه جاندرو وجيرو دولابراديل، حق العودة للشعب الفلسطيني ومبادئ تطبيقه (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1996) ص 106.

[6] المصدر نفسه، ص 111-113.

[7] Rashid.I. Khalidi, "Observation on the right of return", Journal of Palestine Studies, Vol.21, No.2 (Winter 1992) P.33.

[8] Ibid,p.35

[9] لمزيد من التفاصيل بخصوص اتفاق بيلين/أبو مازن؛ أنظر:

 Naseer Aruri, " Towards Convening a Congress of Return and Self-determination" in Naseer Aruri (e.d,) Palestinian Refugees: The Right of Return (London: Pluto Press, 2001) pp.266-269.

[10] أنظر: رسالة سري نسيبه المرفقة بالمسودة النهائية للاتفاق، والمؤرخة في 14/9/2002، والتي طرح فيها الاتفاق على الرأي العام الفلسطيني في صورة "استفتاء شعبي".

[11]  لا يخفى على أحد مباركة السلطة الفلسطينية لاتفاقية جنيف، وإن بشكل غير رسمي، فالاتفاقية جزء لا يتجزأ من المناورات السياسية التي يقوم بها ياسر عرفات والتيار الرئيسي في (م.ت.ف) والسلطة، في سياق  عملية السلام.

[12] نشرت صحيفة هأرتس "الاسرائيلية" النص الإنجليزي الكامل، وهي النسخة الرسمية المعتمدة، أنظر: http://www.haaretz.com/hasen/pages/ShArt.jhtml?intemNo=351461

[13] أجري الاستطلاع في الضفة الغربية وغزة في كانون الثاني / يناير 2003، وفي الأردن تم القيام بالعمل الميداني في أيار / مايو 2003. أما في لبنان فقد تم القيام بالعمل الميداني في حزيران / يونيو 2003. وقد نفذته شركة لبنانية تدعى  ltd: Polling &Research(Statistics Lebanon).

[14] للاطلاع على نتائج الاستطلاعات راجع:

 http://www.org/arabic/survey/polls/2003/refugeesjune03.htm