|
سلسلة ترجمات (5)
خيارات "إسرائيل" المصيرية بين العراق والفلسطينيين
كانون الأول 2004

- فهرس المحتويات –
|
بطـاقـة
التـعـريـف بالـتـرجـمـة |
|
العنوان |
بين العراق
والفلسطينيين: خيارات إسرائيل المصيرية |
|
المؤلفون |
"أشر ساسر"
أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب ومدير مركز موشي دايان للدراسات الشرق أوسطية
والإفريقية |
|
جهة الإصدار
|
دورية
IPF Focus، رقم 37: 2، مركز موشي دايان للدراسات
الشرق أوسطية والإفريقية |
|
تاريخ
الإصدار |
30 تشرين
الثاني 2004 |
|
عدد الصفحات
|
10 صفحة |
|
جهة إصدار
الترجمة |
مركز خدمة
المتابعات الصحفية |
|
تاريخ إصدار
الترجمة |
19 كانون
الثاني 2005 |
بين العراق والفلسطينيين:
خيارات إسرائيل المصيرية
يشير د. أشر ساسر في مقالته
البحثية هذه إلى أن تحوّل ميزان القوى في الشرق الأوسط، مُمثلاً في الدول الأكثر
تأثيراً فيه، من العامل العربي إلى دول غير عربية هو بلا شك أحد أبرز المؤشرات
الاستراتيجية للمرحلة الراهنة والمقبلة على السياسة في الشرق الأوسط. وفي ذلك، يذكر
د. ساسر أسماء الدول غير العربية التي تحوّل توازن القوى في الشرق الأوسط لصالحها
وهي: إسرائيل، إيران، تركيا، وحتى الولايات المتحدة. غير أنه لا يؤكد أن هذا
التحوّل، الذي أفقد الدول العربية كاملة أي تأثير إقليمي حقيقي بمعايير القوة
الدولية، سيكون بالضرورة لمصالحة إسرائيل.
إيران و"وكلائها
الإرهابيون" في المنطقة يمثلون خطراً على أمن "إسرائيل" ويهددون توازن القوى
لصالحها، في أكبر تهديد لإسرائيل في التحوّل القائم حالياً في ميزان القوى الشرق
أوسطي. في حين أن اقتراب تركيا من أوروبا هو مدعاة لإسرائيل كي تحافظ على روابطها
العسكرية والاقتصادية والسياسية مع أنقرة، لأن تركيا سيكون لها دور بارز بدأ في
التأثير إقليمياً، حسب د. ساسر.
وعلى صعيد الفلسطينيين
والانتفاضة، يرى كاتب هذه الورقة أن رواة التاريخ الوطني الإسرائيليين والفلسطينيين
يعقّدون الجهود الحقيقية للتوصل إلى حل "ينهي الصراع". ويعتقد أن إسرائيل تربح
اليوم المعركة العسكرية في الانتفاضة إلا أنها تدفع ثمناً سياسياً باهظاً في مقابل
ذلك. ويتطلع الكاتب إلى أن التعاون مع الفلسطينيين بشأن موضوع "الانسحاب الأحادي
الجانب من غزة" سيكون مثالياً، مؤكداً ضرورة أن يتم الانسحاب وأن تلتزم الحكومة
الإسرائيلية بخطته سواء كان الفلسطينيون مستعدين لمشاركة الإسرائيليين تنفيذ الخطة
أم لا، وذلك لأن احتلال قطاع غزة ليس في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد.
كان للغزو الأمريكي للعراق
وقع درامي مؤثر على توازن القوى في المشرق العربي أو الهلال الخصيب، إذ أحدث فراغاً
قيادياً في منطقة لطالما هيمن عليها النظام البعثي السوري والعراقي. أما اليوم فلا
نرى إلا عراقاً مفككاً بعد صدام، وسوريا على هيئة رسم كاريكاتوري للسلطة الإقليمية
التي مارسها الأسد الأب على مدى أجيال منذ العام 1970. وبالتالي، لا يتعين على
إسرائيل مواجهة جبهة شرقية يتحالف فيها العراق وسوريا معاً ويضغطان على الأردن
للإذعان لهما من خلال المشاركة في مثل هذا التحالف أو حتى الإنضمام إليه.
يبقى الأهم من التساؤل حول
مباعث القلق الإسرائيلية الأمنية في الوقت الراهن وعلى المدى البعيد, واقع أن
إنهيار العراق ما هو إلا إنعكاس وتفاقم للأزمات العربية الملحّة. لم يلتحق العرب,
بغالبيتهم, بقارب العولمة إذ لا تنفك الفجوة التي تفصلهم عن دول العالم المتطورة,
ومن بينها إسرائيل, تتسع. فكافة مراكز القوى العربية التقليدية تعاني اليوم
إنهياراً أو أزمة سياسية. فمصر دولة فقيرة من دول العالم الثالث ما عاد بمقدورها
التحكم بجدول الأعمال الإقليمي كما كانت تفعل سابقاً في عنفوان عبد الناصر. فمصر
اليوم تصارع من أجل الحفاظ على صورتها كقوة إقليمية عظمى ولإخفاء حقيقة أنها تجد
صعوبة في إخضاع النشطاء المحليين لإرادتها في الوقت الذي يشهد تراجع مكانتها.
أما سوريا فمعزولة كلياً,
أكثر من أي وقت منذ استقلت البلاد في أواسط الأربعينات. تراجعت القوة العسكرية
السورية وتدهور إقتصادها وباتت قيادتها غير أهل للثقة بعد أن أحيطت البلاد
بالولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. هذا وتعاني المملكة العربية السعودية حالة
اضطراب تكاد تبلغ حد الذعر منذ أحداث 11/9 إذ دخلت علاقتها مع الولايات المتحدة
الأمريكية مرحلة حرجة تتسم بإنعدام الثقة. كما أن السعوديين ليسوا بالثراء الذي
كانوا عليه على الرغم من دوام ارتفاع أسعار النفط. إنهم يتخبطون في سياسة مزدوجة,
فيحاربون الإرهاب من جهة ويحرضون عليه من الأخرى !؟ , وذلك كتديير وقائي. فأثارت
السعودية غضب الولايات المتحدة الأمريكية كما أنها لم تفلح في إرضاء المعارضة
الإسلامية المسلحة للعائلة السعودية الملكية, مما يؤدي إلى شن حملات هجومية على
المملكة على وتيرة متسارعة. لا يعرف السعوديون إلى أين يتوجهون بالضبط.
لا يعد العراق في ظل
الاحتلال الأمريكي ناشطاً مستقلاًُ وإلى أن يزول الاحتلال لا يمكن اعتبار العراق
كياناً قائماً بذاته. ويبدو الأردن, الأفضل بين الدول العربية, حيث ستتخلص عما قريب
من أوجاعها الاقتصادية. لكن, على الصعيد الجغرافي السياسي, لطالما عجز الأردنيون عن
صياغة المسار الإقليمي المفروض عليهم العمل في إطاره، ليجد الأردنيون أنفسهم اليوم
محشورين بين ساحتين من الفوضى التامة, العراق والضفة الغربية, وهو موقع اقل ما يقال
فيه أنه يتسم بالاضطراب الإستراتيجي.
أدى تراجع العرب إلى بروز
شرق أوسط يلعب فيه غير العرب أدوار البطولة في تحديد جداول العمل الإقليمية. فإذا
كان "العالم العربي" في أحد الأيام تعبيراً مرادفاً "للشرق الأوسط"، فإنه لم يعد
كذلك اليوم. إذ بات الناشطون الأبرز في الشرق الأوسط "أجانب" عن المنطقة كالولايات
المتحدة أو الإتحاد الأوروبي بمعدل أقل, ودول المنطقة غير العربية كإيران وتركيا
وإسرائيل. فالولايات المتحدة, التي برهنت في العام الفائت على قدرة جبارة, تقوّض
اليوم مواطن قوتها التي تخولها فرض النظام الإقليمي فهي لا تلبث تغرق أعمق فأعمق في
المستنقع العراقي. بالإضافة إلى ذلك, أزيل الرادع الأمريكي إذ تكشف أن الولايات
المتحدة ما هي إلا قوة عظمى تعاني من نقص حاد على الصعيدين السياسي والعسكري.
إيران
وعلى العكس من ذلك, يشهد
النفوذ الإقليمي الإيراني ارتفاعاً ملحوظاً. فالإيرانيون يكتسبون مزيداً من الثقة
مع كل فشل أمريكي جديد. وعلى الرغم من المظاهر الخارجية, يبدو جلياً أن الإيرانيين
لم يتخلوا عن سعيهم للتسلح النووي بغض النظر عن المعارضة الدولية. كما أن المكانة
الإقليمية لإيران تتعزز يوماً بعد يوم في الوقت الذي يشهد فيه التوازن السني الشيعي
التاريخي في المشرق العربي تحولاً لصالح الفئة الثانية, وذلك للمرة الأولى منذ
قرون.
لم يتسبب الغزو الأمريكي
للعراق بتنحية صدام حسين والنظام البعثي الحاكم فحسب بل ساهم أيضاً بتهميش الأقلية
العربية السنية التي حكمت العراق على مدى قرون خلت وتدمير الدولة العراقية, القوة
العربية المتصدية للهيمنة الإيرانية الإقليمية. وعليه تمكنت إيران من التحلي بنفوذ
بارز وغير مسبوق في خضم الفوضى التي اجتاحت العراق في حين كان الشيعة, أخوة
الإيرانيين في الدين والأكثرية الساحقة في العراق, على أهبة الاستعداد لخلافة
السنّة.
لأسباب أخرى بعيدة عن
العراق, عرف الشيعة نهضة كبيرة في لبنان على مدى عقدين جراء التحول السياسي
الديموغرافي الناتج عما سبق ذكره. الشيعة في لبنان يشكلون المجموعة المؤمنة الأكبر
بقادة ميليشيا حزب الله. إلا أن حزب الله لا يتزعم الشيعة في لبنان وحسب، فهذه
المنظمة بمثابة اليد الطولى لإيران داخل الضفة الغربية وغزة حيث تربطها علاقات
مادية وعملية مع كافة الفصائل الفلسطينية, من فتح إلى حماس والجهاد الإسلامي. إذاً,
إيران تسعى وراء الأسلحة النووية ولا تحسب للولايات المتحدة حساباً كما في السابق
وهي في الوقت عينه تتمتع بنفوذ لم تعهده سابقاً في عمق المشرق العربي من طهران إلى
بغداد, وعبر حليف قديم في دمشق إلى بيروت, وإلى الحدود الفلسطينية. تواجه إسرائيل
اليوم التحدي الإيراني ببعديه النووي والإرهابي. فمن يزعم بأن إسرائيل أفادت من
الحرب على العراق عليه أن يعيد التفكير.
لا يمكن القول بأن الخيارات
الإسرائيلية إزاء إيران بسيطة. قد يحلو للحكومة الإسرائيلية تحريض المجتمع الدولي
على وضع حد لإيران والضغط عليها للإقلاع عن برنامج التسلح النووي الخاص بها، إلا أن
هذه السياسة لا تعد بالكثير. فقد لا يذعن الإيرانيون, على المدى البعيد, للضغوط
التي لم تثبت فعاليتها حتى الساعة. كما قد تقع إسرائيل على الخيار العسكري فتعمد
إلى تحطيم المنشآت النووية الإيرانية كما فعلت مع العراق في العام 1981. وما هذا
بالخيار السهل أيضاً. تعلّم الإيرانيون الدروس من العراق، فإيران لا تملك منشأة
واحدة رئيسة فوق الأرض فمعظم منشآتها سفلية. لهذا, لا يمكن ضمان تدمير هذه المنشآت
جواً كما أن خيار الفشل ليس وارداً في قائمة الخيارات الإسرائيلية: فذلك يعني
الإبقاء على البرنامج التسلحي الإيراني وإعطاء إيران فرصة الانتقام.
إلا أن الواقع يشير إلى
إمكانية حدوث رادع على هيئة حرب باردة على المدى البعيد حيث ستتمكن إسرائيل، ولربما
إسرائيل والولايات المتحدة معاً، من أن يوضحوا لإيران أن أي هجوم غير تقليدي يستهدف
إسرائيل سيلقى رداً لا تقدر إيران على احتماله. في الوقت الراهن, لا يمكن إنكار
الواقع بأن إيران انتقلت من مجموعة الدول المهمشة لتحظى بنفوذ إقليمي عميق في صميم
المشرق العربي لم تحظ بمثله قط.
تركيا
أما القوة غير العربية
الأخرى التي برزت إلى الواجهة في ظل الغياب العربي هي تركيا. انتصبت تركيا عالياً
فوق الفراغ الملموس في الهلال الخصيب وهي القوة الإقليمي الممتدة من اليونان إلى
إيران والتي تملك أعظم وأقوى جيش في المنطقة وعدد سكانها يفوق الـ70 مليون. جنباً
إلى جنب مع إيران, تمارس تركيا نفوذاً على سوريا وعلى محصلة الحرب في العراق يفوق
بأشواط التأثير الذي يمارسه العرب مجتمعين (ولربما الذي تمارسه الولايات المتحدة
على حد سواء).
على مدى العقد الأخير
تقريباً, جمعت تركيا بإسرائيل علاقات ودية سياسية واقتصادية وعسكرية. وعلى الرغم من
أن هذه العلاقات لا تزال سليمة وقائمة إلا أن بعض الصعاب شابت الروابط التي تجمع
بين أنقرة والقدس في الآونة الأخيرة.
انتقد رئيس الوزراء رجب طيب
أردوغان, زعيم الحكومة الدينية المحافظة التي انتخبت في تشرين الثاني من العام
2002, إسرائيل بشدة مشيراً إلى سلوك جيشها في الحرب مع الفلسطينيين، وهكذا فعلت
الوسائل الإعلامية والرأي العام في تركيا. علماً أنه كلما اقتربت تركيا من عضوية
الإتحاد الأوروبي ستكثف إسرائيل جهودها بغية إقامة علاقات مبنية على الثقة والتفاهم
المتبادلين مع النخبة الحاكمة الجديدة.
إسرائيل
تعتبر إسرائيل, إلى جانب إيران
وتركيا, القوة الإقليمية غير العربية الثالثة. فإسرائيل وحدها, في بيئتها المباشرة
مع الفلسطينيين تحديداً, قادرة على وضع جدول الأعمال الإستراتيجي والسياسي للمنطقة
في أسوأ الأحوال وأفضلها.
أيقن الإسرائيليون منذ كامب
دافيد 2000 أن التوصل مع الفلسطينيين إلى تسوية نهائية تضع حداً للصراع القائم هو
مطلب بعيد, جد بعيد للحقبة الراهنة. إذا طلب من الفلسطينيين الإعلان عن "نهاية
الصراع" سيترتب عليهم التمعن في أهمية مثل هذا الإعلان من خلال مسارهم التاريخي
الوطني. إلا أن ذلك سيعيدهم لا محالة للبحث في منشأ الصراع لتحديد الظروف التي لا
بد أن تكون سائدة للإعلان عن نهايته. ولا يتعلق هذا البحث بالسياسة فحسب بل أيضاً
بالتاريخ والتاريخ الجغرافي والأحداث الوطنية.
إن محاولة التفاوض وتاريخ
الأمم لن يسهل إبرام التسوية. فبالنسبة للجانب الإسرائيلي اليهودي, الصهيونية مشروع
بطولي للدفاع عن النفس ضد المصير التاريخي لليهود. وحرب 1948 هي "حرب التحرير" وهي
عبارة عن نصر رائع "للأقلية في مواجهة الأكثرية". في العام 1948, وبعد سنوات قليلة
من إنهيار اليهودية الأوروبية, لملم اليهود حطامهم في محارق أوسويتز ليرتقوا إلى
ساحة التحرير الوطني البطولية والسيادة اليهودية والدولة المستقلة. فتمت الاستعاضة
عن الظلم التاريخي الذي لحق بالشتات عبر تجسيد العدالة التاريخية على أرض إسرائيل.
لا حاجة بنا إلى القول بأن
للفلسطينيين رأياً مغايراً. فالمشروع الصهيوني, من وجهة النظر الفلسطينية, لا يتعدى
كونه حركة إستيطانية فرضت عليهم بالقوة. ليس ثمة ما هو فاضل في هذا المشروع
الصهيوني في نظر الفلسطينيين. فهذه الحركة لم تنشأ قط بهدف الدفاع عن النفس بل بغية
الاعتداء على الآخرين. فقد زرعت الصهيونية بذور تدمير المجتمع الفلسطيني في العام
1948، فحرب "التحرير" الإسرائيلية كانت "نكبة" فلسطينية" ونهوض الإسرائيليين من
الحطام كان هزيمة نكراء للفلسطينيين وتفكك لمجتمعهم وخسارة لأرضهم وتحول نصف عددهم
إلى لاجئين. فكارثة 1948 كانت تجربة تكوينية ومحنة للفرد الفلسطيني وعماد هويته
وكانت أساس الصورة الجماعية التي انطبع بها الفلسطينيون, صورة ضحايا ظلم تاريخي.
كل من يسعى إلى تحريض
الفلسطينيين على الإعلان عن "نهاية الصراع" عليه أن يلائم بين الروايتين وأن يخاطب
الآلام الفلسطينية العميقة بصورة سياسية مناسبة. على العموم, كان مفهوم الوطنية
الجغرافية وترسيخها في الشرق الأوسط مفيداً في عملية صنع السلام العربية
الإسرائيلية, إلا في الحالة الفلسطينية. فمصر والأردن معرّفتان جغرافياً على نحو لا
يتعارض والكيان الإسرائيلي قبل العام 1967. ويمكن أن ينطبق الأمر عينه على القضايا
التي تمت معالجتها بينهما مما أمكن إبرام معاهدات السلام التي جمعت مصر والأردن مع
إسرائيل. إلا أن الهوية الجغرافية الفلسطينية تضم كافة أراضي فلسطين التي خضعت
للانتداب البريطاني ولم تقتصر يوماً على الضفة الغربية وغزة وسكانهما، فالهوية
الفلسطينية تشمل كل فلسطيني نشأ من فلسطين التاريخية وسلالاتهم أينما حلّوا.
لا يقتصر النزاع, في هذه
الحال, على الأراضي التي احتلت في العام 1967 بل يتجذر عميقاًً في قضايا برزت بعد
نشوء إسرائيل في العام 1948 كقضية اللاجئين أو الوضع السياسي والحقوق الوطنية
للأقلية الفلسطينية التي بقيت في أراضي إسرائيل. لا تعد قضايا 1948 جغرافية من
شأنها تحديد حجم إسرائيل بل هي شؤون مرتبطة تحديداًَ بالوجود الإسرائيلي كدولة
للشعب اليهودي.
وهكذا انبثق عن عملية "نهاية
الصراع" في كامب دافيد صيف 2000 أسوأ سفك للدماء الفلسطيني الإسرائيلي منذ العام
1948 وذلك لأن من شاركوا في مباحثات السلام عنها عجزوا عن لأم الانقسام التاريخي.
كما أن ياسر عرفات في حينها كان قد فقد أي إحساس بوجوب التوصل إلى تسوية مع إسرائيل
إذ ظن أن الوقت لصالحه وأن تمديد الصراع سيخدم الأهداف الوطنية الفلسطينية حتى لو
عنى ذلك التضحية بشعبه على المدى القريب. في غضون عقد أو نحو ذلك, وفي المساحة
الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن سيفقد اليهود غالبية أفرادهم. وفي
هذه الظروف التي يدركها العرب كما الإسرائيليين, لم يكن الفلسطينيون على عجالة من
أمرهم لإبرام تسوية دولتين. إذا تمكنوا من الصبر, سيحظون على كل شيء في دولة واحدة.
لكن, في الوقت الراهن, ومع
تشتت العرب, قضت إسرائيل بكل فعالية على مضامين الحرب الفلسطينية، إذ برهنت بفعالية
عملية عن ذلك عبر المزج بين التدابير الدفاعية والوقائية حيث كانت الاغتيالات
المدبرة للمحاربين الفلسطينيين, من الكوادر التنفيذية إلى أعلى صفوف القيادة, ذات
تأثير منقطع النظير. كما جعل السور الأمني من الصعب جداً على المنتحرين خرق
الدفاعات الإسرائيلية. ونتيجةً لذلك, انخفض عدد الضحايا الإسرائيليين إلى حد كبير
في حين تصاعد عدد الضحايا الفلسطينيين.
ليس ثمة شك لدى كلّ من
الفلسطينيين والإسرائيليين بأن الجهود الفلسطينية الرامية إلى حث إسرائيل على
القبول بالمستحيل باءت بالفشل، كما ثبت أن المجتمع الإسرائيلي أكثر مرونة مما اعتقد
الفلسطينيون وعدد كبير من الإسرائيليين. أخفق الفلسطينيون في إلحاق اليأس بالقوة في
النفس الإسرائيلية. كما أن العرب خذلوا الفلسطينيين مرة أخرى حين اعتقد الفلسطينيون
خطأً لوهلة أن حربهم ضد الإسرائيليين ستستقطب العرب، فحتى المساعدات المالية
العربية لا تتعدى كونها أجراً زهيداً يدفعه العرب للفلسطينيين.
عمل الفلسطينيون يائسين لأجل
تحويل الصراع إلى نزاع دولي، إلا أن ذلك لم يتحقق، فخسر عرفات شرعيته في نظر شخصيات
بارزة في المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أن رؤية الرئيس بوش واللجنة الرباعية تتضمن
قيام دولة فلسطينية مستقلة, إلا أن هدف الفلسطينيين لا يكمن في الظهور في رؤية
المجتمع الدولي بل في فرض رؤيتهم الخاصة على إسرائيل. من المستبعد أن يكون لهم ما
يريدون. إذاً, لم يتحقق أي من الأهداف الرئيسة للحرب الفلسطينية تماماً , هذا هو
تعريف الفشل. إلا ان النصر الإسرائيلي في ساحة المعركة استوجب ثمناً باهظاً.
ساءت نظرة المجتمع الدولي
لإسرائيل. إذ قضت الشرعية الدولية الإسرائيلية بعد مسلسل التدمير المستمر في الضفة
الغربية وقطاع غزة. بالإضافة إلى ذلك, لن ينتهي الصراع التاريخي الفلسطيني
الإسرائيلي لمصلحة الأخيرة بإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية. فالاحتلال مضر
بإسرائيل على المدى البعيد أكثر مما هو مضر بالفلسطينيين. فالاحتلال الطويل الأمد
يهدد الكيان الإسرائيلي كدولة ديمقراطية حرة للشعب اليهودي. فلا بديل لدولة كهذه عن
الحفاظ على غالبية يهودية مستقرة ودائمة. كما سيضيف الاحتلال المطول 3.5 مليون
فلسطيني إلى الفلسطينيين ال 1.25 مليون المقيمين حالياً على الأراضي الإسرائيلية
(بما في ذلك شرق القدس) فتخسر إسرائيل سريعاً غالبيتها في المناطق الخاضعة
لسيطرتها. على إسرائيل, بالتالي, أخذ المبادرة سواء كان الفلسطينيون مستعدين
للاتفاق أم لا.
لا يعد خيار الانسحاب
الإسرائيلي الأحادي "هرباً من الإرهاب" ولا نصراً لأعدائها الفلسطينيين, بل سياسة
عقلانية تبنتها إسرائيل في ضوء هشاشتها الديموغرافية, وهي ليست تفعيلاً أو محصلة
للحرب الأخيرة. على الأرجح, سينجح الانسحاب وبناء السور الأمني على الحدود في إبقاء
المنتحرين بعيداً والقضاء على أي تصعيد محتمل للعداء الراهن وتحسن إجمالي في الوضع
الأمني على المدى القريب، وقد تعزز هذه التكتيكات إذا ما اقترنت بتفكيك المستوطنات
المعزولة والمواقع الإسرائيلية وبانتشار عسكري أكثر فعالية وتركيزاً.
إذا قررت إسرائيل العدول عن
الانسحاب, من طرف واحد أم لا, ستجد نفسها في مواجهة مطالب بإقامة دولة واحدة من نهر
الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط لشعب واحد لا بإقامة دولتين لشعبين اثنين. إن مثل
هذه الدولة ستضم غالبية يهودية منكمشة سرعان ما ستتحول إلى أقلية في دولة عربية. ما
يثير العجب, إذاً, أن قيام دولة فلسطينية مجاورة لإسرائيل بات مطمعاً إسرائيلياً
حتى لو تقرر الإقدام على هذه الخطوة من دون اتفاق مسبق مع الجانب الفلسطيني عبر
خطوة أحادية للانسحاب. على العكس تماماً, بات الفلسطينيون يدركون أن الدولة
الفلسطينية ما عادت الحل الأمثل لقضيتهم, إلا أنهم سيرضخون لهذا الحل لعدم توفر أي
بديل أفضل لهم.
ما هو على المحك اليوم ليس
الانسحاب الإسرائيلي من غزة بل الصراع على الجوهر الإسرائيلي، فقد شرع الإسرائيليون
بالتمعن في أسئلة مصيرية لطالما تجنبوها منذ العام 1967. عليهم اليوم الاختيار بين
الإرث اليهودي المقدس وسياسة الأمر الواقع. وبين إسرائيل كدولة ديمقراطية حرة
علمانية للشعب اليهودي وإسرائيل أخرى مختلفة كلياً يوجد مسيحية أصولية يغدو فيها
القانون السماوي منبع السلطة التي ترعى العملية الديمقراطية، حيث يحكم الحاخامات
ويخسر اليهود في النهاية وتنتصر قدسية أرض إسرائيل على كيان دولة إسرائيل.
|