الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف الدراسات والترجمات

عودة

 

 

سلسلة ترجمات (7)

 

دراسة بحثية:

الانسحاب الأحادي

في خدمة أمن

(إسرائيل) الاستراتيجي

 

بالتعاون مع مركز خدمة المتابعات الصحفية

 

 

أبريل 2005

 


 

 

    الفهرس

1. نشوء فكرة الفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين وسياق تطورها

خلفية عن تجارب العزل والانفصال الإسرائيلية

بلورة خطط الفصل في المفاوضات

الانتقال إلى عهد شارون

2. الانسحاب الأحادي تراجع جزئي في خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي

خطة شارون لتسوية الصراع

الأهداف المتوخاة من الخطة

3. الخيارات المتوافرة لتنفيذ فك الارتباط مع غزة

الخطة ستولّد أزمة داخلية

خيارات شارون لتنفيذ الخطة: الآفاق والنتائج

خلاصة القول

 

 

بطاقة التعريف

عنوان الدراسة

الانسحاب الأحادي في خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي

الكاتب

ممدوح نوفل

المصدر

جريدة الحياة في ثلاث حلقات بين 4-6/4/2005

 


 

 

بعد صراع طويل مع الذات وبعد ثلاث سنوات من وجوده في رئاسة الوزراء، فاجأ رئيس الحكومة الاسرائيلي ارييل شارون رفاقه قادة حزب «ليكود» وحلفاءه في الائتلاف الحكومي بموقف جديد من مسألة استيطان الضفة الغربية وقطاع غزة، نقيض مواقفه المعلنة منذ عام 1967 والتي ظلت موضع اعتزاز جمهور المتطرفين والمستوطنين. وتحدث شارون للمرة الأولى في كانون الأول (يناير) 2003 في «مؤتمر هرتسيليا» عن خطة للانفصال من جانب واحد عن الفلسطينيين وفك الارتباط معهم وسحب الجيش وإخلاء مستوطنات قطاع غزة. وأكد انه ماض في إقامة «جدار الفصل» باعتباره حجر الزاوية في المشروع وسيسرع بناء بقية اجزائه.

واعتبر مراقبون خطاب رئيس الحكومة بداية توجه جديد في حياته السياسية. في ما بعد أوضح شارون في مؤتمر «ليكود» أنه ينوي تنفيذ «خطة الفصل» على رغم المعارضة القوية صفوف الحزب والائتلاف الحاكم. وكلف طاقما برئاسة رئيس مجلس الأمن القومي اللواء احتياط غيورا آيلاند بلورة الخطة بصيغتها النهائية.

وأثار موقف شارون وخطته كثيرة منها: هل طرح خطته بعد فشله في تحقيق تعهده القضاء على «الإرهاب» الفلسطيني وقرر الفرار من مستوطنات غزة في ذروة الحرب؟ هل نجحت «الانتفاضة المسلحة» ونسبة تكاثر الفلسطينيين العالية والكثافة السكانية في قطاع غزة في إجباره على تغيير قناعته الايديولوجية والتنازل عن «مهد اليهود وكنوزهم التاريخية»؟ أم أن خطته مناورة سياسية هدفها تجاوز مصاعب سياسية وشخصية؟ هل الخطة مشروع حل سياسي أم ترتيبات أمنية؟ وهل ينفذها بحسب التوقيت الذي طرحه أي قبل نهاية العام الجاري، أم يتراجع أمام المعارضين؟ وإذا كان لا تراجع كما قال ايهود اولمرت نائب رئيس الحكومة فهل ينجح شارون في تنفيذها، أم أن قوى اليمين ستطيح به كما أطاحت ببنيامين نتنياهو بعد اتفاق واي ريفر، أو تدفعه بحسب تهديدها إلى القبر كما فعلت مع رابين؟

ثم هل شارون بصدد الانسحاب كليا من القطاع أم أن خطته عبارة عن إعادة انتشار للقوات وتبقي قطاع غزة تحت سيطرة الاحتلال؟ وهل ينفذها شارون من جانب واحد أم إن التطورات في الجانب الفلسطيني ورغبة الرئيس جورج بوش والعالم في إحياء عملية السلام ستفرض عليه إشراك السلطة في التنفيذ؟ وهل يتم التنفيذ مباشرة مع الفلسطينيين أو بواسطة طرف ثالث؟ هل ينسف شارون مستوطنات غزة ويدمر البنية التحتية قبل الانسحاب كما فعل في مستوطنة ياميت في صحراء سيناء المصرية؟ وايهما أفضل للفلسطينيين: الإصرار على استلامها جاهزة مفروشة..أم ترك شارون يدمرها؟ وما هو مستقبل قطاع غزة بعد تنفيذ الخطة؟ وهل أجهزة الأمن الفلسطينية قادرة على فرض الأمن وتطبيق القانون والنظام في المناطق التي سيخليها الجيش الإسرائيلي، وفرض احترام التزامات السلطة مع جيرانها إسرائيل وجمهورية مصر العربية؟

أسئلة كثيرة منوعة أثارتها «خطة الانفصال» وقرار الانسحاب من غزة من جانب واحد، ويبدو أن الحصول على إجابات شافية للأسئلة المتعلقة بنيات شارون ومصير مشروعه وآليات تنفيذه لن تتحقق بسرعة. وبصرف النظر عن حقيقة نيات شارون وأهدافه فالخطة حركت مياه التسوية السياسية الراكدة منذ هزيمة زعيم حزب العمل ايهود باراك في انتخابات 2001. وأحدث موقف شارون الجديد هزة سياسية قوية لا تزال تفاعلاتها جارية داخل المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني وفي ميدان السياسة الدولية. ويبدو أن الزوابع التي حركتها الخطة لن تهدأ قريباً وستترك بصماتها على العلاقة بين أطراف النظام السياسي في إسرائيل وعلى الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وفي سياق البحث عن إجابات صحيحة للأسئلة، والتعرف على دوافع شارون الخاصة وأهدافه الاستراتيجية العامة، لا بد من مراجعة تطور موقفه من مسألة استيطان غزة وكيف تبدل من النقيض الى النقيض.

 

خلفية عن تجارب العزل والانفصال الإسرائيلية

بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 اختلف أطراف النظام السياسي الإسرائيلي حول مستقبل أراضي «يهودا والسامرة»، وسكانها، لكنهم أجمعوا على أمرين رئيسين: الاول، توحيد مدينة القدس وجعلها عاصمة إسرائيل الابدية، وتمت عملية الضم عام 1967 بقرار من الكنيست. والثاني لا عودة إلى حدود 1967 واعتبار الضفة والقطاع اراضي متنازع عليها. وبعد حرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973 دخلت مصر في مفاوضات مع إسرائيل وتوصل الطرفان الى اتفاقات كامب ديفيد عام 1979، فطبّع الطرفان علاقاتهما واستعادت مصر صحراء سيناء. وتضمنت تلك الاتفاقات فصلا كاملا حول قيام «حكم ذاتي للفلسطينيين» في الضفة والقطاع، كانت اول اشارة رسمية لقبول إسرائيل صيغة ما للفصل. وظل الموقف الإسرائيلي على حاله حتى انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 ودخول الطرفين في مفاوضات اوسلو.

وعند توقيع اتفاق أسلو عام 1993، لم يتصور رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين بأنه سيجد نفسه مضطرا للبحث في تسريع الفصل. واثر العملية «الانتحارية» التي نفذها الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية «حماس» عند مفرق «بيت ليد» داخل إسرائيل مطلع عام 1995 وأسفرت عن مصرع أكثر من 20 جنديا إسرائيليا، وجه رابين عبر التلفزيون خطابا إلى الجمهور الإسرائيلي تحدث فيه، للمرة الاولى، عن الفصل بين الشعبين وقال: «لن نخضع للإرهاب ونعمل بجد من أجل الانفصال عن الشعب الآخر وسنصل هذه الغاية إن عاجلا أو آجلا». وفي شباط (فبراير) 1995 شكل رابين بموجبه لجنة لدرس المسألة وعين وزير الأمن الداخلي في عهده موشيه شاحال رئيسا للجنة، وضمت مندوبا عن هيئة الأركان العامة للجيش. وكلف وزير المال شوحاط إجراء دراسة شاملة لانعكاسات «خطة الفصل» ماليا واقتصاديا. وطلب إلى هيئة أركان الجيش درس النتائج المحتملة للانفصال على الأوضاع الأمنية الاسرائيلية التكتيكية والاستراتيجية.

في حينه بلورت «لجنة الفصل» خطة اولية لاقامة منطقة عازلة تمتد على طول الخط الاخضر. وبينت دراسات اللجنة أن العملية معقدة وباهظة وتتطلب وقتا طويلا. وتحتاج إسرائيل في المرحلة الأولى إلى بناء سياج أمني وأسوار الكترونية وحواجز خرسانية ومواقع مراقبة ثابتة في مناطق طولها لا يقل عن 300 كلم، تمتد من جلبوع شمال الضفة إلى مرتفعات الخليل جنوبها. وبشأن نتائجها المحتملة على الأوضاع الأمنية التكتيكية والاستراتيجية أكدت الدراسات أن خطة الفصل قادرة على تقليص عمليات التسلل المتنوعة إلى داخل إسرائيل لكنها لا تنهيها, وترفع في نسبة الأمن لكنها لا تحققه كاملا ولا تقضي على العمليات الانتحارية ولا تمنع قصف المستوطنات والمدن والقرى الإسرائيلية القريبة من القطاع بمدافع الهاون وما يشبهها، خصوصا إذا نفذت من جانب واحد.

وأكدت تجربة العزل والفصل المفروضة على قطاع غزة منذ مدة طويلة صحة الاستخلاص. وكثيرا ما قصفت بلدة سيدروت المجاورة للقطاع ومواقع مدنية وعسكرية داخل إسرائيل بصواريخ القسام ومدافع الهاون. وفي احيان أخرى اجتاز فلسطينيون الحواجز والاسلاك الشائكة ونفذوا عمليات في العمق الإسرائيلي. واضطر الجيش الإسرائيلي مرات عدة الى اقتحام مناطق فلسطينية مأهولة بالسكان في الضفة ومناطق القطاع رفح وغزة وخان يونس ودير البلح وبيت حانون ردا على عمليات عسكرية نفذها فلسطينيون اخترقوا سياجا يشبه بعض مقاطع «السياج» الذي يعمل المقاولون الإسرائيليون في بنائه في عمق الضفة الغربية. وبعد اغتيال رابين في 1995 على يد متطرف يهودي وتولي شمعون بيريز دفة الحكم وزعامة العمل تراجع الحديث عن الفصل، ولم تجر متابعة جدية للدراسات المالية والأمنية التي وضعها الجيش ووزارة المال. وظل بيريز يفضل «الفصل بين الطرفين باتفاق» مع القيادة الفلسطينية ونظر إليه من زاوية حلمه بشرق أوسط جديد.

بعد عمليات عدة داخل مدن اسرائيلية سقطت فيها اعداد بين الضحايا من المدنيين، مارس بيريز سياسة «الطوق الأمني الشامل» على «المناطق»، ومنع العمال والتجار الفلسطينيين من عبور إسرائيل. واعتبر مراقبون خطوة بيريز بداية تنفيذ غير معلن لخطة الفصل التي تبناها رابين. وبعد سقوط بيريز وفوز زعيم حزب نتنياهو عام 1996، واصلت إسرائيل فرض «الإغلاق والطوق الأمني الشامل» على «المناطق». ولم تقم حكومة نتنياهو بخطوات ملموسة لإحياء الخطة لمعارضة ليكود فكرة الفصل اساسا، وإيمان نتنياهو بأن «يهودا والسامرة» جزء من «أرض الميعاد التي منحها الرب لبني إسرائيل» ولا يجوز التخلي عنها «للأغيار» الفلسطينيين.

بعد هزيمة نتنياهو وفوز باراك في 1999، تجدد الحديث عن «الفصل»، وبدأت حكومة باراك إجراءات عملية لتطبيقه من جانب واحد من دون إعلان رسمي. وظهر في عهد باراك اصطلاح جيواقتصادي جديد «الحدود المتنفسة» للدلالة على الفصل المتدرج والسماح بنشاط اقتصادي ومدني واسع بين الشعبين، وتم تسريع عملية البناء للمناطق الصناعية الحدودية وأنجزت واحدة رئيسية في قطاع غزة. وقام الجيش الإسرائيلي بهدوء ومن جانب واحد، بإجراء تعديلات طفيفة لصالحه على الحدود مع القطاع. وتم تطوير بنيان السياج الأمني الفاصل بين القطاع وإسرائيل وزود أجهزة الكترونية متطورة. ونقل الجيش الإسرائيلي بضعة حواجز لمواقع جديدة شرق «الخط الأخضر» حدود الضفة الغربية عام 1967، تمهيدا لرسم حدود جديدة وضم مساحات من الأراضي، وظهر الطمع الإسرائيلي في ضم أراض في مناطق الخليل واللطرون وغرب رام الله وقلقيلية وجنين والاغوار.

لم يعمل باراك على وضع حد لنشاط المستوطنين وشق الجيش طرقاً التفافية لفصل الطرق التي يستخدمها المستوطنون عن التي يستخدمها الفلسطينيون. ومع كل درس جديد استخلصه الجيش الإسرائيلي في المصادمات مع الفلسطينيين كان يصادر مزيدا من الأراضي ويجري تعديلات على الحدود في مناطق الضفة وطرق المستوطنات.

 

بلورة خطط الفصل في المفاوضات

وفي مفاوضات قمة كامب ديفيد في تموز (يوليو) 2000 تبلورت أسس وقواعد جديدة للفصل أهمها؛ الفصل باتفاق القيادتين، وتم اعتماد حدود الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967، أساسا لرسم الحدود بين إسرائيل والدولة فلسطينية الموعودة. وتم التفاهم على انه في حال إجراء تعديلات في الحدود، لأسباب تتعلق بالاستيطان أو غيره، يتم ذلك في إطار تبادل الأراضي، وان تكون خالية ما أمكن من السكان.

وفي محادثات طابا في كانون الثاني (يناير) عام 2001 على أبواب الانتخابات الإسرائيلية وافق «من حيث المبدأ» الجانب الإسرائيلي برئاسة وزير الخارجية شلومو بن عامي ومعه جلعاد شير مدير مكتب باراك على إخلاء كل مستوطنات قطاع غزة وعددها 21 وجميع مستوطنات منطقة الأغوار، وايضا الواقعة بين رام الله ونابلس، باستثناء تجمع مستوطنات أريئيل بين قلقيلية وسلفيت. كما وافق على إخلاء المستوطنات الواقعة في مثلث نابلس جنين طولكرم، والبؤرة الاستيطانية الموجودة قلب مدينة الخليل وكريات أربع المجاورة. وتمسك الجانب الإسرائيلي بضم تجمع مستوطنات غوش عتصيون بين بيت لحم وحلحول والخليل، وضم أراضي «إصبع اللطرون» فيها مدينة «مودعين». وطلب ضم المستوطنات الواقعة داخل حدود بلدية القدس الشرقية. وأصر على ضم مستوطنة «مدينة» معاليه أدوميم التي تفصل جنوب الضفة عن وسطها وتشرف على البحر الميت, وضم مستوطنة جبعات زئيف التي تفصل القدس عن رام الله وتفصل المدينتين عن منطقة اللطرون وعدد كبير من القرى الفلسطينية الواقعة غرب المدينتين.

وفي شأن القدس اقترح الجانب الإسرائيلي في المفاوضات أن تبقى المدينة بشقيها الشرقي والغربي مفتوحة، ولا تقام أسوار وحواجز بين القسمين. ووافق الإسرائيليون على أن تكون «القدس الشرقية» عاصمة للدولة الفلسطينية، وتخضع جميع الأحياء العربية داخل أسوار البلدة القديمة وخارجها للسيادة الفلسطينية، وأصروا على ترتيبات تحفظ سيادة إسرائيل على الأحياء الاستيطانية المبعثرة داخل القدس العربية داخل السور وخارجه. وان يمنح حق الإشراف بصيغة ما على ما تحت الحرم بما لا يمس السيادة الفلسطينية على الحرم وساحاته، ويضمن عدم القيام بحفريات تحته. وتمسك الوفد الإسرائيلي بسيادة إسرائيلية على الحوض المقدس وضمنه المقبرة اليهودية الواقعة خارج أسوار المدينة القديمة.

لاحقا بلور الرئيس بيل كلينتون خطة جديدة للحل والفصل بين الشعبين عرفت بـ «أفكار كلينتون» عرضها على الجانبين اعتمدت من حيث المبدأ حدود الخامس من حزيران 1967، ومبدأ دولتين للشعبين «إسرائيل وفلسطين» قاعدة أساسية للفصل. وأقرت الخطة مبدئيا قيام «فلسطين» فوق 96 و97 في المئة من مساحة الضفة والقطاع، على أن يتم الاتفاق على تبادل أراضي النسبة الباقية.

في حينه، سجلت القيادة الفلسطينية ملاحظات رئيسية على المبادرة وأرسلت ردها لكلينتون رافضة عمليا مبادرته لكن بطريقة دبلوماسية مهذبة وشكرته على جهوده لحل النزاع وتمنت التوفيق بعد انتهاء ولايته ورحيله من البيت الأبيض. ولم يكن موقف الجانب الإسرائيلي الحقيقي من مبادرة كلينتون افضل اذ ورفضتها القوى المتطرفة في المؤسسة العسكرية والأحزاب اليمينية بقوة.

وأدلى رئيس الأركان الإسرائيلي في حينه شاؤول موفاز برأيه في أفكار كلينتون، وانتقدها أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست. واعتبر أنها «تلحق الضرر بالقدرة على توفير الأمن والدفاع عن الجبهة الداخلية الإستراتيجية لإسرائيل». وطالب بإجراء تغييرات في أفكار كلينتون تتضمن:

1) تغيير نطاق المنطقة «الأرض» التي ستنقل للفلسطينيين وإيجاد مناطق عازلة يمنع فيها تحرك جنود فلسطينيين مسلحين.

2) تأمين سيطرة كاملة لإسرائيل على المعابر الخارجية بهدف المراقبة ومنع إدخال وسائل قتالية إلى داخل الدولة الفلسطينية.

3) ضرورة أن يظل «الغور» بكامل مساحته تحت السيادة الإسرائيلية».

4) التحفظ على عدم تضمين مقترحات كلينتون مسألة محاربة «الإرهاب الفلسطيني».

5) التدرج في الجدول الزمني في أي اتفاق وإطالة فترة التنفيذ.

6) منح الأميركيين دورا قياديا في القوة المتعددة الجنسية التي وردت في افكار كلينتون.

إلى ذلك، اسقط الجانب الإسرائيلي في المفاوضات ضم مساحات من أرض الضفة وقطاع غزة لاعتبارات تتعلق بأمن إسرائيل كما كان يطالب سابقا ووافق «من حيث المبدأ» على معالجة هذا الجانب الحساس من خلال:

(أ) تطوير التنسيق الأمني المشترك بين الطرفين.

(ب) وجود قوات طرف ثالث «دولية»، بعد التوصل إلى اتفاق وليس قبله، على الحدود بين الدولتين وعلى حدود الدولة الفلسطينية مع الأردن.

(ج) طلب الجانب الإسرائيلي استئجار ثلاث قواعد عسكرية في مرتفعات الضفة الغربية في الجنوب والوسط والشمال لفترة زمنية طويلة مع حرية الحركة إليها، علما أن الواقع الجغرافي للضفة الغربية يؤكد ان قاعدة واحدة تكفي.

لا شك في أن أطروحة حزب العمل في مفاوضات كامب ديفيد وطابا حول الانفصال وحل النزاع «الجيوسياسي» المتعلق بالأرض والأمن والحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية، أرسى أرضية تصلح أوليا لتطبيق فكرة «الفصل بين الشعبين باتفاق»، وعلى أساس دولتين للشعبين لهما حدود دولية معروفة من دون التقليل من خلافات الطرفين التي بقيت بشأن موضوع «الفصل» وخرائطه، خصوصا الخلافات المتعلقة بالقدس والتجمعات الاستيطانية الثلاثة (أرئيل وغوش عتصيون والقدس ومحيطها) التي أصر الجانب الإسرائيلي على توحيدها وضمها لإسرائيل.

 

الانتقال إلى عهد شارون

وعلى أبواب الانتخابات سئل شارون عن التنازلات المؤلمة التي يمكن أن يقدمها من اجل السلام وأجاب: «عندما أتحدث عن تنازلات فإنني أقصد بذلك عدم احتلال مدن نابلس ورام الله وأريحا وسواهما من جديد، وهذا في نظري تنازل مؤلم جدا، لأن كل هذه الأماكن هي مهد ميلاد الشعب اليهودي. وأنا لا أعرف شعبا في العالم تنازل عن كنوزه التاريخية القومية إلا إذا هزم في الحرب، ونحن لم نهزم بل انتصرنا».

بعد سقوط باراك وانتقال السلطة لليمين، جمدت حكومة شارون ما انجز على طريق «الفصل باتفاق» بين الشعبين. وفتح شارون الباب على مصراعيه للاستيطان في الضفة الغربية وخلق وقائع وحقائق جديدة تنسف مفهوم حزب العمل حول الفصل. وتعهد القضاء على الإرهاب من دون اللجوء للفصل وإخلاء مستوطنات. وشرع في بناء جدار الفصل العنصري داخل أراضي الضفة الغربية وفي محيط مدينة القدس. ورفض فكرة الانسحاب حتى من مستوطنة «نتساريم» المعزولة وسط قطاع غزة. وبعد عمليات «انتحارية» داخل (إسرائيل)، طرح حاييم رامون عضو الكنيست من قيادة العمل في أيار (مايو) 2001 ضرورة إقامة حركة سياسة من اجل الفصل من جانب واحد. لاحقا شكل شارون حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل وحركة شاس. وفي أعقاب تفاهم شارون مع وزير الدفاع حينه بنيامين بن اليعازر تبنت حكومة الوحدة الوطنية في حزيران 2001 فكرة المناطق العازلة.

وفي تموز (يوليو) 2001 صادق المجلس الوزاري المصغر على الخطة التي اقترحها عوزي ديان رئيس مجلس الأمن القومي وتقضي بتولي الجيش مسؤولية حماية الجانب الشرقي من منطقة العزل وان تكون الشرطة وحرس الحدود مسؤولة عن الجانب الغربي وتقرر إقامة عوائق في مقاطع منتقاة وأعلن شارون تشكيل لجنة توجيهية لبناء جدار الفصل برئاسة عوزي ديان.


 

 

على رغم خسارته انتخابات رئاسة الحكومة، يسجل لعميرام متسناع زعيم حزب العمل، الذي لم يعمر طويلا في موقعه، انه نجح في دفع قيادة الحزب في المعركة حول زعامة الحزب ومعركة انتخابات الكنيست السادسة عشرة، لبلورة خطة متكاملة للفصل بين الشعبين والانسحاب من القطاع. وجعل متسناع مسألة الفصل قضية مركزية احتلت حيزا مهما في دعايته الانتخابية. واعتبرها معظم الإسرائيليين علاجا شافيا لمعضلة الأمن الشخصي والجماعي، بعدما لمسوا فشل سياسة الاغتيال والقمع والتجويع وتدمير الممتلكات وإعادة احتلال مدن الضفة في وقف «الإرهاب» ومنع «الانتحاريين» من التسلل إلى إسرائيل وتفجير أنفسهم في المدن الإسرائيلية.

وعلى رغم الحملة القوية التي شنها اليمين ضد متسناع إلا أنه مضى قدما في رفع راية الفصل بين الشعبين عاليا ولم يأبه لتهديدات المتطرفين من دون ان يلقى مساندة جدية من معظم رفاقه في قيادة حزب العمل. وأكد متسناع علنا أنه في حال فوزه برئاسة الوزراء سيأمر الجيش الانسحاب فورا من قطاع غزة وإخلاء المستوطنات وفصل القطاع عن إسرائيل على أساس حدود عام 1967 بصرف النظر عن الموقف الفلسطيني. وقال « سأدخل في مفاوضات مع القيادة الفلسطينية بأمل تحقيق الفصل باتفاق» ولم يشترط وقف «العنف» قبل دخول هذه المفاوضات. وعلى رغم اعتباره ياسر عرفات عدوا إلا انه لم يستبعد التفاوض معه باعتبار المفاوضات تتم بين الأعداء. وقال: «في حال عدم التوصل إلى اتفاق في غضون عام، سيتم رسم حدود أمنية مؤقتة بين إسرائيل والضفة الغربية، لا تبقى شرقها أية مستوطنة وتكون كل الكتل الاستيطانية الكبيرة غربها». واظهر تأييد اليسار وقواعد حزب العمل وعدد واسع من المستقلين لأطروحة متسناع أن نسبة مهمة في المجتمع الإسرائيلي لم تفقد البوصلة تجاه صنع السلام. واعتبر التيار الواقعي في الساحة الفلسطينية أن موقف متسناع اتسم بالجرأة السياسية ورأى في أطروحته أساسا واقعيا لانفصال الطرفين بالتراضي.

في حينه، لم تحدد إدارة الرئيس جورج بوش وبقية أعضاء اللجنة الرباعية مواقفهم من خطة متسناع خشية اتهامهم بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية لمصلحة معسكر اليسار، لكن كثيرا من المحللين المحايدين اعتبروا «خارطة» متسناع لحل الصراع «الجيوسياسي» المتعلق بالأرض والقدس والحدود والمستوطنات والمياه وقيام الدولة الفلسطينية، أفضل من «خارطة الطريق» الأميركية وأقل تعقيدا وتختصر زمن الحل بكلفة أقل. وبعد عام من إلحاق الهزيمة بمتسناع، وثلاث سنوات من مقارعة «الانتفاضة» الثانية، وفرض الاقامة الجبرية على عرفات في مقره في رام الله، بدّل شارون موقفه وتراجع عن قناعاته الايديولوجية وابدى استعداده للتخلي عن القطاع ومستوطناته التي كان يعتبرها حيوية لأمن اسرائيل. ولم يوضح موقفه بشأن مصير المستوطنات ومنشآتها الزراعية والصناعية والبنية التحتية التي سيخليها. وبفعل غروره القديم الذي تجدد ابان ترؤسه الحكومة لم يأبه ارييل شارون بتحفظات قواعد وكوادر وقادة في حزبه «ليكود»، ولم ينتظر موافقتهم وحمل خطته منتصف نيسان (ابريل) 2004 إلى واشنطن وعرضها على بوش. ولم يول اهتماماً لرأي شركائه في الائتلاف الحكومي الذين عارضوا الخطة وهددوا بالانسحاب من الائتلاف، ولم يفكر في بحثها مع السلطة الفلسطينية أو مع أي طرف ثالث.

 

خطة شارون لتسوية الصراع

بعد طرح الخطة رسميا اضطرب وضع شارون واضطربت أوضاع النظام السياسي الإسرائيلي برمته واهتزت قواعد حكومته اليمينية. ومست أطروحة الانسحاب والانفصال مكانته السياسة والمعنوية داخل حزبه وفي صفوف حلفائه من قوى اليمين والمستوطنين. وعلى رغم أنه غلف الفكرة بالغموض ولم يحدد مواقع مناطق الفصل ولم يتطرق إلى مصير بقية الأراضي الفلسطينية وسبل عزل وفصل المستوطنات عن محيطها، إلا أن غلاة اليمين الإسرائيلي المتطرف، علمانيين ومتدينين» في الليكود، وحزب المفدال الديني، وحزب إسرائيل بيتنا ودعاة الترانسفير وتجمعات المستوطنين عارضوا الفكرة واتهموا شارون بالاستسلام أمام الإرهاب والتراجع عن مبادئ الليكود وخيانة العقيدة الصهيونية وتبني أفكار حزب العمل والتخلي عن «يهودا والسامرة».

في المقابل اعتقد شارون بأن مكانته التاريخية وخدمته سنوات طويلة في حقل العمل العسكري، وموافقة أجهزة الأمن على خطوط الخطة الأساسية، وصداقته مع بوش، عوامل مهمة تكفي لإنجاح الخطة وتمريرها في هيئات الليكود والكنيست. وظن أن رفض التنسيق مع الفلسطينيين وجرأته في مواجهتهم واغتيال قادتهم وكوادرهم وتدمير بيوتهم تكفي للحصول على دعم اليمين والشروع في تنفيذ الخطة وفق التوقيت الملائم، وواصل عمله لتمرير خطته في المؤسسات المعنية. لكنه واجه معارضة قوية من المستوطنين وقوى اليمين وداخل حزبه، وجرده اتباعه من لقب «نبي الاستيطان» الذي ناله تقديرا لجهوده في حقل الاستيطان ومساندة المستوطنين في كل زمان ومجال. وأكدت الوقائع اللاحقة انه أخطأ التقدير وفشل في تسويق خطته داخل حزبه, وصدم عندما وقع تمرد شمل اعضاء في قيادة الحزب وكتلته في الكنيست, فحاول اللجوء الى قواعد الحزب في استفتاء حول الخطة، وارتبكت خطواته عندما خسر الاستفتاء ولم يصدق النتيجة وراح يبحث عن مخرج يحافظ على وحدة حكومته ووحدة الائتلاف الذي تستند إليه.

وبعد صراع حاد داخل ليكود وفي إطار الائتلاف الحزبي اليميني صادقت الحكومة الإسرائيلية في 6 حزيران (يونيو) 2004 على خطة معدلة اقرب إلى إعلان نوايا بغالبية 14 وزيرا وعارضها 7. وادخل شارون تعديلات نوعية في الخطة مست جوهرها وآلية تنفيذها، وجزأها في اربع مراحل: تبدأ الأولى باخلاء ثلاث مستوطنات معزولة في قطاع غزة نتساريم موراغ ورفياح يام. وفي الثانية يتم إخلاء مستوطنات كاديم وغانيم سانور وحوميش في شمال الضفة، وفي الثالثة تخلى مستوطنات غوش قطيف وكفار دروم في القطاع، وفي الرابعة تخلى ايلي سيناي ودوغيت. وخضع شارون لضغط معارضي الخطة بزعامة غريمه بنيامين نتنياهو ووافق على تأجيل المرحلة الأولى حتى تموز (يوليو) 2005، وإخضاع كل مرحلة من المراحل الأربع لمصادقة الحكومة. وأبقى استمرار السيطرة على محور فيلادلفي الفاصل بين الحدود المصرية والفلسطينية غامضا، ولم يوضح موقفه بشأن تدمير المباني والمنشآت المدنية في المستوطنات أو تسليمها للفلسطينيين ضمن صفقة تضمنها الادارة الأميركية، وبعد اشتراك حزب العمل في الحكومة راح شمعون بيريز يبحث عن طرف ثالث يشتريها لحساب الفلسطينيين.

بعد اقل من عام وبناء على اقتراح شارون صادقت الحكومة الإسرائيلية في 20 شباط (فبراير) 2005، بغالبية 17 وزيرا على الخطة بصيغتها النهائية وعارض القرار خمسة وزراء. واعتبر القرار انتصارا لشارون على خصومه. وبموجب «قانون الإخلاء والتعويض» الذي اقره الكنيست لم يتأخر شارون ووزير دفاعه شاؤول موفاز في توقيع أوامر الانسحاب العسكري وإجلاء نحو ثمانية آلاف مستوطن. وأكدت أوامر شارون على بدء العملية اعتبارا من 20 تموز (يوليو) المقبل. وبصرف النظر عن النيات والظروف التي أحاطت بقرار شارون الانفصال من جانب واحد، فان القراءة الموضوعية للخطة وأهدافها تبين أنها تتضمن تراجعاً استراتيجياً جديداً في المشروع الصهيوني التاريخي بعد التراجع الذي تم على الجبهات المصرية والأردنية واللبنانية. والانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات يكرس سابقة خشي زعماء حزب العمل، رابين وبيريز وباراك، الاقدام عليها عندما وصلوا رئاسة الوزراء. وقبلوا الانخراط في حكومة شارون من اجل تكريسها. اعتقادا منهم انها قابلة في ظروف دولية وإسرائيلية ان تتكرر في الضفة الغربية وتسهل على حزب العمل يوما ما تنفيذ مع عجز قادته عن تنفيذه قبل طرح شارون خطته.

إلى ذلك، حظيت خطة شارون في صيغتها النهائية بدعم أميركي، لكنها جوبهت، في البداية، بمعارضة الامين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية، واعتبرت محاولة هروب من الالتزام بخارطة الطريق. وقوبلت من قبل قوى النظام الفلسطيني بشقيه سلطة ومعارضة بغضب شديد, خصوصاً ان شارون لم يفكر في بحثها مع اركان السلطة عندما صاغها ولم يفكر في نقاشها معهم بعد صياغتها، ويصر على تنفيذها من جانب واحد. وازداد غضب الفلسطينيين عندما قدم بوش لشارون مقابل الخطة ضمانات أميركية خطية خطيرة على مصالحهم الاستراتيجية وحقوقهم التي اقرتها الامم المتحدة, وتضمنت اقرارا أميركيا بتغيير حدود 1967 واعترافا بالكتل الاستيطانية الكبيرة، ومعارضة حق العودة للاجئين. اي انها حسمت في قضايا مفاوضات الحل النهائي قبل ان تبدأ. ونجح شارون بمساندة أميركية في جعل خطته المشروع الوحيد المطروح في المدينة، وتهرب من تنفيذ التزاماته الواردة في خريطة الطريق خصوصاً إخلاء البؤر الاستيطانية «غير القانونية».

وقررت السلطة الفلسطينية في عهد عرفات انتظار تفاعلات تنفيذ الخطة والتعامل مع الايجابي من نتائجها ورفض السلبي.وفي معرض الدفاع عن خطته القائمة على الانفصال من جانب واحد والانسحاب من قطاع غزة، قال شارون: «صحيح انه لن تبقى مستوطنات في قطاع غزة، لكن من الواضح انه ستبقى في يهودا والسامرة وستشكل جزءا من دولة إسرائيل». وبعد إقرار مجلس الوزراء الجدول الزمني لتنفيذ الخطة قال شارون «هذا أصعب قرار اتخذه في 40 عاماً من حياتي السياسية والعسكرية، لكني مقتنع انه يخدم الدولة من الناحية الاستراتيجية».

وبينت مناقشات الكنيست وقرار مجلس الوزراء أن الخطة ستنفذ قبل نهاية 2005 وتتوقع إسرائيل دعما دوليا واسعا لها. وأكد شارون انه سيواصل بناء الجدار الأمني، بناء على قرارات الحكومة،وينوي ضم قرابة 7-10 في المئة من اجمالي مساحة الضفة الغربية لإسرائيل تضم تجمع مستوطنات «غوش عتسيون» بين القدس والخليل، ومستوطنة «معاليه ادوميم» شرق القدس وتطل على البحر الميت، ومعظم مستوطنات جبل الخليل، ومستوطنة «ارئيل» وما يحيط بها من مستوطنات بين نابلس ورام الله. وجاء في النص ايضا ان «الخطة ستؤدي الى واقع امني أفضل لإسرائيل على الاقل في المدى القصير».

وتؤكد الخطة في مقدمها «ان إسرائيل ملتزمة بالعملية السلمية وتتطلع نحو تسوية متفق عليها على قاعدة مبدأ دولتين للشعبين: دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي ودولة فلسطينية للشعب الفلسطيني». واكد صاحبها ان تنفيذ خطته ليس مشروطا بتعاون فلسطيني، وبرر صياغتها وعزمه تنفيذها من جانب واحد بالادعاء ان ليس ثمة شريك فلسطيني يمكن العمل معه. وتبقي الخطة لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس وحق الرد واستخدام القوة ضد الاخطار التي قد تنشأ في المناطق التي سيتم اخلاؤها. وفيما يخص معبر «ايريز» على حدود إسرائيل مع القطاع تؤكد على ان «هذا المعبر سينقل الى داخل الاراضي الإسرائيلية في سياق جدول زمني محدد».

أما المعابر الدولية بين مصر وقطاع غزة وبين الضفة والأردن فالخطة تؤكد «بقاء الترتيبات القائمة حاليا كما هي». وأشارت الى أن إسرائيل معنية بنقل المعبر إلى نقطة «المثلث الحدودي»، الواقعة على بعد قرابة كيلومترين إلى الجنوب من موقع الحالي. يتم ذلك بالتنسيق مع مصر، وسيساعد ذلك على زيادة ساعات العمل في المعبر .و»تطمح إسرائيل، على المدى البعيد، وبشكل يتفق مع مصلحتها في تشجيع استقلالية الاقتصاد الفلسطيني على تقليص عدد العمال الفلسطينيين الذين يدخلون إلى إسرائيل».

وأكدت الخطة على أن «لا يكون في الضفة والقطاع وجود أمني لأية دولة في اية مرحلة من دون تنسيق مع إسرائيل والحصول مسبقا على موافقتها». وأشارت إلى إمكان أن تسمح إسرائيل لأربع دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر والأردن بمساعدة السلطة الفلسطينية في تدريب قواتها الأمنية. وفي حديثه مع الإدارة الاميركية والاتحاد الأوروبي وعد شارون ان تعمل حكومته على إطلاع الولايات المتحدة على مراحل الإخلاء والجدول الزمني المفصل وتقليص الحواجز ونقاط التفتيش في الضفة الغربية مع تواصل العمليات الأمنية الضرورية دون قيود.

وفي ما يخص الإخلاء والانسحاب من قطاع غزة أكدت الخطة على أن «إسرائيل ستخلي قطاع غزة بما في ذلك كل المستوطنات الإسرائيلية القائمة اليوم، وتعيد انتشار الجيش خارج أراضي القطاع باستثناء استمرار انتشار عسكري في منطقة خط الحدود بين قطاع غزة ومصر «محور فيلادلفي». وفي سياق الحديث عن منطقة «محور فيلادلفي» نصت الخطة «في المرحلة الأولى وفي اماكن معينة يحتمل أن يكون لازما توسيع مادي للأرض التي تنفذ فيها النشاطات العسكرية». ولاحقا إذا نشأت ظروف ملائمة «ستكون إسرائيل مستعدة لفحص امكان إقامة ميناء بحري ومطار في قطاع غزة بالخضوع إلى الترتيبات التي تتقرر مع إسرائيل».

وبشأن الاملاك الثابتة في المستوطنات المنوي اخلاؤها تشير الخطة الى امكان اقامة هيئة دولية بموافقة إسرائيل تتسلم المنشآت وتقدر قيمتها مع احتفاظ إسرائيل بحق المطالبة لاحقا بقيمتها المالية. وتؤكد ان البنى التحتية المتعلقة بالمياه والمجاري والكهرباء والاتصالات ستبقى. وكذلك الترتيبات الاقتصادية السارية حاليا بين إسرائيل والفلسطينيين ستبقى أيضا وتشمل حركة العمال والبضائع والنظام المالي. وستستمر إسرائيل في الإشراف على تزويد الفلسطينيين في القطاع بالكهرباء والماء والغاز والوقود وفق الترتيبات القائمة حاليا. وبشأن بقاء المنطقة الصناعية في منطقة «ايريز» تشترط الخطة اعترافاً صريحاً من الاسرة الدولية بان استمرار وجود هذه المنطقة لا يعتبر استمرار احتلال لها.

 

الأهداف المتوخاة من الخطة

وبعد انطلاق «الانتفاضة» وتصاعد العمليات العسكرية في منطقة ايرتز لم يصمد هذا الموقف طويلا، وقررت حكومة شارون اخلاء هذه المنطقة الصناعية ونقلها الى مناطق متفرقة داخل إسرائيل. خاصة بعد تعطل العمل فيها وبصورة كاملة مني المشاركون فيها بخسائر كبيرة.

وأيّا تكن دوافع وأهداف شارون الحقيقية من طرح خطته وإصراره على تنفيذها، فالواضح أن لديه ما يبررها ويتوخى خدمة أمن إسرائيل الاستراتيجي اولا وليس منح حرية للفلسطينيين وإعادة حقوق سلبتها إسرائيل قبل أكثر من نصف قرن بتواطؤ دولي، ويأمل شارون ومصممو الخطة النجاح في:

  • تأسيس مقومات أفضل للمحافظة على أمن إسرائيل وسحب البساط من تحت أقدام «المزاعم» الدولية الموجهة ضدها بشأن مسؤوليتها كقوة احتلال عن الفلسطينيين في قطاع غزة. ويتصور شارون انه بعد تنفيذ الخطة «لن يكون هناك أساس للزعم بان قطاع غزة هو منطقة محتلة». وانه بموجب الخطة والانسحاب وبالاستناد للدعم الأميركي يمكنه انتزاع موقف دولي ينزع عن إسرائيل صفة قوة الاحتلال. ـ عبر الخطة تحاول حكومة شارون معالجة مشكلة حقيقية تتعلق بالخطر الديمغرافي الذي يتهدد إسرائيل كما يتردد في الفكر السياسي الإسرائيلي، والتخلص من السيطرة على كثافة سكانية لا مثيل لها في العالم والتهرب من المسؤولية الأدبية والقانونية عن حياة أكثر من مليون وربع مليون فلسطيني يعيشون في 365 كلم مربعاً في حال فقر مدقع.

  • يامل شارون ان تساعد الخطة في عرقلة مسيرة السلام ومواجهة التحرك الدولي وتعطيل محاولات فرض خطة لحل النزاع من نوع خريطة الطريق التي طرحتها اللجنة الرباعية الدولية والهروب من تنفيذ الالتزامات التي وردت فيها. وقطع طريق المبادرة العربية التي صدرت عن قمة بيروت وارباك أي تحرك على أساسها. وجاء في خطة شارون: «عندما يكون في الطرف الفلسطيني أدلة على الاستعداد والقدرة والتحقيق العملي لمكافحة الإرهاب وتنفيذ الاصلاحات بموجب خريطة الطريق سيكون ممكنا العودة إلى المفاوضات والحوار».

  • يأمل شارون أن تساهم الخطة في معالجة مسألة جوهرية تتعلق بأمن إسرائيل وتؤثر في اقتصادها وعلاقاتها الدولية بجانب تأثيراتها الأمنية السلبية على الشارع والجيش والمستوطنين. وان تساعد في تقليص خسائر إسرائيل البشرية والاقتصادية والسياسية والأمنية، خاصة بعد فشله في قمع الانتفاضة ووقف العمليات كما وعد (شعب إسرائيل). ويأمل أيضا ان تساعده الخطة في تبرير موقفه المتعلق بمستقبل الضفة والتخلص من أعباء كلفة احتلال قطاع غزة المرتفعة، خصوصاً أن موقع قطاع غزة باهت وضبابي في نظرية ارض الميعاد التي وهبها الله لبني إسرائيل.

  • تحسين صورة إسرائيل عالميا وإبداء شيء من المرونة الزائفة تساعد إسرائيل على الحركة في ميدان الساحة الدولية، ومواجهة قرار محكمة العدل الدولية في شأن الجدار والاستيطان. وخلق ظروف أفضل لتكريس الاستيطان وضم مساحات واسعة من الضفة وتغطية عملية بناء الجدار القائمة على قدم وساق، وتعزيز الاستيطان وتوسيعه في الضفة الغربية وضم بعض التجمعات الى إسرائيل. وكشفت الصحف الإسرائيلية أخيراً عن مخططات مخيفة جديدة للبناء في المستوطنات خاصة في منطقة القدس ومستوطنة معاليه ادوميم.

  • وعلى رغم أن شارون طرح خطته وفي ذهنه هذه الأمور، إذ وضع في مقدمتها نصا يقول: «إسرائيل ملتزمة المسيرة السلمية وتتطلع الى تسوية متفق عليها على أساس مبدأ دولتين: دولة إسرائيل للشعب اليهودي، ودولة فلسطين كجزء من تحقيق رؤية الرئيس بوش». وأكد تمسكه برؤية بوش لحل النزاع، واشترط شارون وقف العنف و»الإرهاب» العودة إلى المفاوضات والتقدم نحو تنفيذ الخارطة، وشدد على القضاء على منظمات الإرهاب وإجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية.

 

 

يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون, تمسكه بخطة «فك الارتباط» والانسحاب وإخلاء المستوطنات في قطاع غزة، وخطى أخيراً خطوات مهمة على طريق التنفيذ وأزال عقبة الموازنة بعدما أقرتها الكنيست نهاية الشهر الجاري بغالبية كبيرة، ورفضت مشروع قانون يطالب بإجراء استفتاء على الانسحاب. وسبقن قرار الكنيست قرارات انتزعها شارون من الحكومة أهمها إخلاء المستوطنين وتعويضهم وجدولة تنفيذ الخطة زمنيا. وصوت الى جانب القرار الأخير 17 وزيرا وعارضه خمسة فقط واعتبرت القرارات انتصارا لشارون في مواجهة المعارضين للخطة.

ويفترض أن تبدأ عملية الإخلاء في 20 تموز (يوليو) المقبل وتستمر سبعة اسابيع في قطاع غزة. أما إخلاء المستوطنات الأربع كاديم وغانيم سانور وحوميش في شمال الضفة فسيستغرق اسبوعا واحدا. وحدد الجدول أسبوعين إضافيين لإخلاء البنية التحتية المدنية والعسكرية. ويفترض تنفيذ العملية في أربع مراحل، وسيكون شارون في حاجة إلى قرار جديد قبل تنفيذ كل مرحلة. وتحدث وزير الدفاع أخيراً عن امكان اختزال فترة الانسحاب وتقليص مراحله.

 

الخطة ستولّد أزمة داخلية

والقراءة المتأنية لأزمة النظام السياسي في (إسرائيل) وطبيعة المعركة حول خطة الفصل تبين انه لا يمكن الجزم بأنها ستنفذ كاملة بهدوء من ألفها إلى يائها وبحسب التوقيتات التي حددت. فعلى رغم المواقف المعلنة والتحضيرات الجارية لا أحد يستثني احتمال وقوع تطورات خلال الـ100 يوم التي تفصلنا عن تاريخ التنفيذ تؤثر في الجدول الزمني وتزيد في احتمالات الفشل. صحيح أن شارون كسب جولة حاسمة في معركة الفصل والإخلاء والانسحاب لكنه لم يربح الحرب. والكل يعرف كيف جاهد في الأيام والأسابيع الأخيرة من اجل البقاء في رئاسة الوزراء، وركض في كل اتجاه حتى مرر الموازنة، وتجاوز المأزق الخطير بشق الانفس وقدم رشوة لحزب شينوي أكلت جزءا من رصيد العجوزين لبيد وشارون. كما لا يمكن تجاهل احتمال تعطل تنفيذ بعض بنود الخطة, خصوصاً ان قرار مجلس الوزراء حمل في طياته ما يساعد على ذلك عندما أكد حاجة شارون لقرار جديد لتنفيذ كل مرحلة بذاتها. وقررت قوى اليمين تحويل المسألة قضية مصيرية وعقدت العزم على خوض معركتها بكل الامكانات. وتسمع اليوم أصوات في اوساط اليمين المتطرف تتهم شارون بالتخاذل والردة والخيانة شبيهة بتلك التي سبقت اغتيال رابين. فشارون يعرف ان خطته فجرت معركة حقيقية مع اقرب الناس اليه. وتمريرها في الكنيست والحكومة بالاستناد الى حزب العمل وحزب لبيد لا يؤشر على قوة، ولا يعني انه حقق انتصارا ساحقا على خصومه، وضمن فوزا استراتيجيا، بمقدار ما يعني ان معركة حقيقية بدأت داخل معسكره.

في كل الحالات سيعمق تنفيذ الخطة الاشكالات السياسية والحزبية في إطار النظام السياسي الإسرائيلي بصرف النظر عن شكل التنفيذ ومدته الزمنية. بعض الاشكالات بدأ يطل برأسه في الحلبة الحزبية، اولها فشل شارون في تمرير خطته في حزبه بهدوء، تلاها تصدع الائتلاف الحاكم وتمرد عدد من أعضاء ليكود في الكنيست. وهذه مقدمات لتطورات أكبر يقدر لها أن تطفو على سطح المسرح السياسي عند الشروع في تنفيذ الخطة. ولا أحد يستطيع تجاهل إمكان حدوث مفاجآت أمنية توثر في تنفيذ الخطة, خصوصاً ان النزاع داخل معسكر اليمين يتجه نحو التصعيد. وبغض النظر عن عنجهية شارون ومحاولة الإيحاء بأنه يمسك بزمام الأمور، فحالته الراهنة تشير إلى انه يسابق الزمن ويبحث عن مخرج لكن مأزقه يتعمق أكثر كيفما تحرك. فبعض أطراف اليمين يسعى الى إسقاط الحكومة قبل تنفيذ الخطة وقوى اليسار تخطط لإسقاطها بعد تنفيذها. وكل الدلائل تشير إلى أن حزب العمل عازم على فسخ الشراكة بعد الانتهاء من تنفيذ الخطة أو تعطل تنفيذها. وقد يحتاج شارون بدءا من تموز إلى معجزة لتمديد عمر حكومته وضمان بقائها وبقائه في رئاسة الوزراء حتى نهاية ولايته في 2007.

وبديهي القول أن فشل شارون في تنفيذ خطته لاي سبب كان يبقي الوضع في قطاع غزة وشمال الضفة على ما هو عليه، ويصاحب الفشل ارتفاع في درجة التوتر السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي وتوتر اشد في العلاقة مع الفلسطينيين، يرافقه خرق «الهدنة» وقد يتجدد إطلاق النار في كل الاتجاهات وتنتعش أعمال التطرف. وتكون النتيجة المؤكدة تجميد الجهود الهادفة الى تحريك عملية السلام بانتظار الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها في العام المقبل على ابعد تقدير. وتقدم هذا الاحتمال على الاحتمالات الأخرى يعفي الفلسطينيين من إشكالات داخلية محتملة، ويؤجل غرقهم في مهمات أمنية استثنائية ليسوا جاهزين لها. وفي كل الحالات إذا حال ميل المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف دون تنفيذ خطة شارون فالمسؤول الرئيس عن هذه النتيجة هو شارون نفسه الذي قاد المجتمع الإسرائيلي نحو أقصى درجات التطرف.

وبدهي القول أن لا مصلحة للفلسطينيين أو أي طرف عربي في مساعدة شارون على الخروج من المأزق. وخشية البعض سقوط شارون «المعتدل» وانتصار القوى الأكثر تطرفا في ليكود والمجتمع الإسرائيلي ومن ضياع فرصة الانسحاب من غزة, تعبر عن سذاجة سياسية في احسن الاحوال. فشارون يبقى ألد أعداء السلام العادل حتى إذا دمر مستوطنات القطاع كما دمر ياميت وسحب الجيش من هناك. ويخطئ من يعتقد أن موافقة شارون على تجديد دور مصر في البحث عن تسوية وإبداء الاستعداد اللفظي للتعاون مع محمود عباس يعبر عن تغير جوهري في سياسته المعادية للسلام وتغيير موقفه السلبي من السلام ومن خريطة الطريق، أو أنها تفسح في المجال للتقدم بمبادرات منتجة والقيام بتحركات تخرج عملية السلام من مأزقها وتعيد لها حيويتها.

 

خيارات شارون لتنفيذ الخطة: الآفاق والنتائج

وتفحص الخيارات المتوفرة لتنفيذ خطة شارون، في حال تجاوز الفشل، يبين ان هناك أكثر من خيار:الأول، أن يتم التنفيذ بالتعاون والتنسيق مع طرف ثالث. والثاني، تنفيذها من جانب واحد والاكتفاء بإبلاغ «الصديق» بوش بالجدول الزمني. والثالث، تنفيذها بالتعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية والمدنية.

الأخذ بالخيار الأول، أي مشاركة طرف ثالث في التنفيذ (قوات أمم متحدة أو قوات مصرية أو متعددة الجنسية من الحلف الأطلسي بقيادة أميركية أو قوات أميركية صرفة), يساعد في تمرير خطة الانفصال بهدوء ويوفر نسبة اعلى من الأمن لكل الاطراف. ويؤمن للخطة قوة تحميها وتساهم في تحويلها في مرحلة لاحقة إلى خطوة حقيقية على طريق حل النزاع وصنع السلام. وكل الأطراف وضمنها إسرائيل تعرف أن أجهزة الأمن الفلسطينية غير قادرة، بعد الضربات التي تلقتها، على ملء الفراغ الأمني الذي يخلفه انسحاب الجيش وإخلاء المستوطنات، ولن يكون سهلا عليها فرض سيطرتها الكاملة في كل زاوية يخليها الاحتلال, خصوصاً إذا حصل خلاف فلسطيني داخلي حول الموضوع، وهذا الأمر متوقع بعد إعلان «حماس» رغبتها في المشاركة في إدارة القطاع بعد الانسحاب، وقوات الأمن الفلسطينية بحاجة الى مساعدة طرف ثالث لملء الفراغ وتوفير فرصة لاعادة التنظيم.

وإذا أتيح للقيادة الفلسطينية حق اختيار الطرف الثالث فالمصلحة الفلسطينية تعطي أفضلية لقوة دولية تتشكل بقرار من مجلس الأمن الدولي، ولا تعترض على أن تكون قوات أميركية صرفة أو متعددة الجنسية ومن اي جنسيات ترضى عنها إسرائيل.

وعلى رغم المبرر الواقعي لدور طرف ثالث، إلا أن هذا الخيار غير مطروح حتى الآن بشكل جدي على أجندة أحد باستثناء الطرف الفلسطيني الضعيف ودول الاتحاد الأوروبي بنسبة أقل. ومراجعة مواقف إسرائيل من المسألة يؤكد ان حظ هذا الخيار شبه معدوم في ظل موقف شارون الرافض فكرة منح طرف ثالث دورا ميدانيا مباشرا في تنفيذ الخطة. وهو استبق أي تفكير في طرف ثالث وضمّن خطته فقرة تقول «إسرائيل تصر على ان لا يكون وجود امني أجنبي في قطاع غزة و/او في يهودا والسامرة دون موافقتها». وتوافق على «انه بالتنسيق معها ستمنح مشورة مساعدة وإرشاد لقوات أمن فلسطينية (لاحظ مشورة وإرشاد وليس أكثر) لغرض مكافحة الإرهاب والحفاظ على النظام من قبل محافل أميركية وبريطانية ومصرية وأردنية أو خبراء آخرين وكما يتفق عليه ثنائيا».

وإذا كان شارون يعارض بقوة أي دور ميداني لطرف ثالث، ويعارض الاستعانة بقوات أميركية أو دولية أو متعددة الجنسية للفصل بين الشعبين و»الدولتين»، فليس عاقلا من يصدق أنه سيترك الحدود المصرية الفلسطينية دون رقابة إسرائيلية مشددة او انه سيسلم الحدود والمعابر الرسمية للفلسطينيين، وهو الذي يؤمن بأن الرقابة الأمنية الإسرائيلية وحدها القادرة على منع الفلسطينيين من تهريب الأسلحة والمتفجرات. وشارون ليس في عجلة من أمره ولا يتعرض لأي ضغط جدي داخلي أو إقليمي أو دولي للانسحاب من قطاع غزة وتسليم المعابر والحدود مع مصر للفلسطينيين. وبديهي قول أن بقاء معبر رفح تحت السيطرة الإسرائيلية ينسف جوهر فكرة الانسحاب ويبقي القطاع بصيغة وأخرى تحت الاحتلال.

وفي شأن الخيار الثاني "التنفيذ من جانب واحد": يمكن القول إن رحيل عرفات وتولي محمود عباس زمام السلطة الفلسطينية عبر انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة، ولقاء شارون مع الرئيس الفلسطيني في قمة شرم الشيخ في حضور حسني مبارك والملك عبد الله الثاني، ورغبة جورج بوش في تجنب إحراج محمود عباس وتنسيق خطة الانسحاب إسرائيلي معه,أحدث تبدلا في موقع هذا الخيار ضمن الخيارات الثلاثة. في عهد عرفات كان هذا الخيار في الصدارة وعليه بنى شارون خطته وحملت عنوان «فصل وانسحاب أحادي الجانب»، لكنه بعد تولي عباس زمام السلطة تراجع جزئيا لصالح الخيار الثالث المفضل أميركيا والقائم على التنفيذ بالتنسيق بصيغة وأخرى مع الجانب الفلسطيني.

لا شك في أن بإمكان شارون إيجاد ذريعة بديلة لذريعة عرفات وحتى خلق ذرائع كثيرة إذا أراد، أو الاستمرار في توجهه دون ذريعة, خصوصاً انه لا يتعرض لضغوط اميركية ودولية جدية، ومصلحته لا تزال تكمن في الانسحاب الأحادي الجانب الذي يعفيه من إجراء تعديلات في الخطة تفرضها قواعد الشراكة, ويعفيه من كشف أوراقه في ما يتعلق بالجواب على سؤال ماذا بعد الانسحاب من غزة.

صحيح أن لدى شارون جواب خلاصته دعونا ننفذ الخطة ونرتاح 10 سنوات كمرحلة انتقالية، لكنه يعرف أن جوابه مرفوض فلسطينيا ولا يحظى برضا أحد بما في ذلك بوش ودول الاتحاد الأوروبي.

إلى ذلك، هناك عقبات أخرى تصب في مصلحة العودة لاعتماد خيار التنفيذ من جانب واحد، منها صعوبة الاتفاق مع الجانب الفلسطيني على تفاصيل التنفيذ خلال الفترة الباقية. إذ إن شارون التزم أمام الكنيست ترتيبات خاصة يصعب التراجع عنها، ووفرت عملية تل أبيب التي نفذتها سرايا القدس التابعة للجهاد الإسلامي ذريعة !!؟ لشارون وزاد تمسكه بتنفيذ خطته من جانب واحد, ومماطلته الملموسة بحجج مختلفة في تسليم المسؤولية الأمنية عن المدن الفلسطينية الخمس: أريحا وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم ورام الله للسلطة، تؤكد نياته السيئة، خصوصاً أن السلطة دانت العملية بلسان رئيسها وتحركت لاعتقال ومحاكمة المسؤولين عنها، ونجح عباس بمساعدة مصرية في التوصل إلى "هدنة !".

في كل الحالات، يعفي التنفيذ الأحادي الجانب الطرف الفلسطيني من أي التزامات أمنية تجاه الجانب الإسرائيلي، ويثير في حال تطبيقة أسئلة حول مصير المستوطنات والبنية التحتية: هل سيقرر شارون تدميرها أم يتركها سليمة ويسلمها للسلطة مباشرة أو عبر طرف ثالث, وسؤال آخر حول تشغيل مطار غزة والميناء وحول السيطرة على المعابر البرية. ونص مشروع شارون «الخطة» على أن «إسرائيل ستشرف على الغلاف الخارجي في البر وتحرسه، وستسيطر بشكل منفرد في المجال الجوي لغزة وتواصل إجراء النشاط العسكري في المجال البحري لقطاع غزة». وبديهي القول إن تمسك إسرائيل بهذا الشرط يبقي القطاع عمليا تحت الاحتلال.

ونعتقد أن الانسحاب الأحادي لن يمر بهدوء وسلام وسيبدو وكأنه انتصار لأنصار العمل العسكري والعمليات الانتحارية، وقد يتسبب في فوضى في الجانب الفلسطيني في السيطرة على مخلفات الجيش والمستوطنين من منشآت ومعدات صناعـــية وزراعية. واستمرار شارون بالاستهتار بالطرف الفلسطيني وإضعاف مكانة السلطة يزيد في احتمال وقوع أعمال عسكرية في مرحلة ما بعد الانتخابات الفلسطينية تكون حتما قوية من الجانب الإسرائيلي لردع أي تطاول !! فلسطيــــني, تقابلها أعمال فلسطينية ينفذها البعض لاعتبارات معنوية ومحاولة تكريس الدور الذاتي وانتزاع حصة في الترتيبات.

لن نتأخر غالبية الإسرائيليين في إدراك مخاطر أطروحة شارون ومفاهيمه حول الأمن على صنع السلام بين الشعبين ومستقبل العلاقة بينهما وعلى علاقات إسرائيل بالقوى الإقليمية والدولية التي تؤمن بالسلام وتنادي بالفصل بين الشعبين باتفاق سلام شامل ودائم. وفي كل الأحوال يبقى الانسحاب من جانب واحد وهم خادع لا يحقق «الأمن والسلام» في بقية عهد شارون، وهو يشبه وهماً قديماً دام 20 عاما بناه أركان المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية على سياج أمني أقاموه على حدود لبنان، وأيضا على المنطقة الأمنية العازلة التي عينوا أنطوان لحد زعيما لها وطواه النسيان. وتجربة العزل والفصل المفروضة على قطاع غزة منذ سنوات تؤكد ان خطة الفصل قادرة على تقليص العمليات داخل إسرائيل لكنها لا تنهيها كليا. وترفع في نسبة الأمن للإسرائيليين لكنها لا تحققه كاملا ولا تقضي على العمليات الانتحارية ولا توقف القصف بمدافع الهاون والقذائف الصاروخية.

الاحتمال الثالث "التنسيق مع السلطة": يمكن القول إن حظوظ هذا الخيار باتت في الآونة الأخيرة أعلى من سواه وزادت لأسباب عدة منها: زوال الذريعة بعد وفاة عرفات وتولي عباس السلطة ونجاحه في إقناع قيادة حركة حماس وبقية القوى بوقف إطلاق النار والتوصل بمساعدة مصرية إلى هدنة طويلة ( الناشر: هي تهدئة مشروطة لها سقف زمني أقل من عام).

ويعبر عباس بوضوح عن رغبته في التنسيق مع الإسرائيليين بشأن خطة الفصل وفي كل خطوة تمس الأرض والشعب. وزادت تطورات الوضع خصوصا تبوأ عباس قيادة السلطة في رغبة الإدارة الأميركية والمجموعة الأوروبية ان يتم تنفيذ خطة شارون بالتنسيق بين الطرفين وتجنب كل ما يسبب إحراجا لعباس. وانضمام حزب العمل للحكومة رفع من نسبة الأخذ بهذا الخيار خصوصاً أن الحزب يعلن انه دخل الائتلاف لضمان تنفيذ خطة الانفصال، وتتمسك قيادته بتنشيط الاتصالات مع الرئيس عباس وتفضل تنفيذ الخطة بالتنسيق معه.

كما أن وجود شمعون بيريز وآخرين من العمل في الحكومة يزيد في قدرة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ومصر والأردن على التأثير في موقف شارون وربما يساعد في تحويل الخطوة من انسحاب أحادي إلى انسحاب بالتعاون والتنسيق مع الجانب الفلسطيني. وجاءت قمة شرم الشيخ يوم 8 شباط 2005 التي جمعت عباس وشارون بحضور الرئيس المصري مبارك وملك الأردن عبد الله الثاني وزادت في احتمال اعتماد هذا الخيار. ولا شك في أن تعيين الإدارة الأميركية الجنرال وليم وورد كمنسق للعلاقة الأمنية مع الفلسطينيين يساعد في لعب الجانب الأميركي دورا أكبر من دور المسهل أو المراقب لتنفيذ مهام التعاون والتنسيق.

 

خلاصة القول

نظن أن حكومة شارون تملك القوى والوسائط لتنفيذ الخطة إذا حزمت أمرها، والمؤسسة الأمنية العسكرية معروفة بانضباطها للقرار السياسي وجاهزة لتنفيذ قرار الإخلاء. والقرار يحظى بغالبية برلمانية وشعبية، وتمرد المستوطنين وأنصارهم في اليمين وداخل ليكود لا يعطل تنفيذ القرار إذا حسم شارون موقفه. ومصلحة الجيش الإسرائيلي تتقاطع مع موقف عباس بشان التنسيق الأمني ولدى قيادته رغبة حقيقية غير معلنة بهذا الخيار وتحاشي تكرار نموذج الانسحاب من جنوب لبنان في عهد باراك.

وترى قيادة الجيش في تنفيذ الخطة بالتنسيق مع السلطة خياراً يقلص كلفة الانسحاب المادية والمعنوية، ويعفي الجيش من مسألة حساسة هي الظهور أمام العالم في صورة من تراجع أمام المقاومة. ويعتقد بعض أركان الجيش أن التنسيق يحول الخطوة من «انسحاب» دون ثمن إلى «انسحاب» مقابل ضمان الهدوء خلال الانسحاب وبعده. وإذا كانت عملية تل أبيب التي نفذتها الجهاد الإسلامي شوشت على خيار «تنفيذ الخطة بالتنسيق مع السلطة» فان موقف أبو مازن وإجراءات أجهزة الأمن الفلسطينية تبقى حظوظه عالية شريطة أن لا تتبعها عمليات أخرى.

وبديهي القول أن اعتماد هذا الخيار يفرض على الجهات المعنية في السلطة بذل أقصى الجهود لصياغة البروتوكولات اللازمة لضمان الحقوق في الخطة وفي المراحل اللاحقة عليها. وإذا كانت القيادة الإسرائيلية لا تثق بدور قوى الأمن الفلسطينية في حماية الحدود، وتخشى تولي هذه الأجهزة أمن المعابر، وترفض تكييف متطلبات إسرائيل الأمنية للقوانين الدولية وتتصرف بأريحية في قرارات الأمم المتحدة، وتطبق ما تريد وترفض ما تريد ولا تجد من يردعها, يصبح دور الطرف الثالث ضرورة لا غنى عنها لإنجاح التعاون والتنسيق الثنائي. ويصعب تصور خطة شارون خطوة على طريق تهدئة الصراع واستقرار الأمن في المنطقة من دون هذا الطرف .

في كل الحالات، نظن أن الفلسطينيين والمهتمين بصنع السلام في المنطقة ستشاهدون في النصف الثاني من هذا العام مزيد من الاشتباكات السياسية والعنيفة في شوارع إسرائيل وفي مناطق المستوطنات وطرقها بين أنصار الخطة وخصومها. وهذه التطورات الدراماتيكية ستوفر لوسائل الإعلام الدولية مادة مثيرة ومشوقة تعرضها يوميا على جمهور المتفرجين. ويتوقع أن يسلط بعضها الأضواء على حجم معاناة المستوطنين ويضخم آخرون حجم معاناة شارون ومشاكله. وينسى خلالها الإسرائيليون والأوروبيون والاميركيون معاناة الفلسطينيين الذين سلبتهم أرضهم واقيمت عليها المستوطنات التي ستزال والتي ستبقى تمزق جسد الدولة الفلسطينية وتعرقل صنع السلام والأمن والاستقرار لشعوب المنطقة. وقد يطالب بعضهم السلطة الفلسطينية والدول العربية بمد العون «للمناضل» من أجل السلام «شارون». ويجب أن لا يفاجئ رئيس السلطة رئيس المنظمة أبو مازن إذا سمع في زيارته القريبة لواشنطن بوش وأركانه يتمنون عليه التحلي بالصبر ومساعدة شارون «المسكين» في مواجهة المستوطنين المتطرفين...!