الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

عمليات الشهيد البطل عماد عقل

 

 

 

1- عملية قائد الشرطة:

 

 شكلت هذه العملية بداية مرحلة جديدة من عمليات مجموعة الشهداء في كتائب عز الدين القسام التي كان الشهيد القائد عماد عقل ضابط اتصالها. فقد كانت أول عملية يتم التخطيط لها بشكل جيد، وتكون موجهة ضد الآلة العسكرية الصهيونية، إذ اقتصر عمل المجموعة بعد المطاردة على العمليات التطهيرية للعملاء ومروجي الفساد والمخدرات، كما أنها شكلت أول حلقة من حلقات التعاون بين مجموعة الشهداء ورديفتها في مخيم الشاطئ والتي لم تكن مطاردة في ذلك الوقت. فقد أفادت المجموعة المجاهدة في مخيم الشاطئ والتي تولت عملية رصد الهدف بأن سيارة فورد بيضاء مثبتاً عليها إشارة ضباط الشرطة اعتادت على المرور بشكل يومي ثابت في تمام الساعة السابعة وخمس دقائق صباحاً على طريق الشيخ عجلين باتجاه مقر الإدارة المدنية حيث قيادة شرطة القطاع تتبعها سيارة حراسة تقل عدداً من ضباط وأفراد جهاز مخابرات الأمن العام (الشاباك). وبتوالي التقارير التي أرسلتها المجموعة التي كلفت فيما بعد بمتابعة عملية رصد هذا الهدف الثمين والتي استمرت حوالي الشهر، قررت قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسام وضع خطة محكمة لنصب كمين لهاتين السيارتين تشترك فيه مجموعة الشهداء ومجموعة الشاطئ على الرغم من الظروف الصعبة التي كانت تمر بها المجموعتان، ولكن الإصرار على مواصلة طريق الجهاد ولهفة مقاتلة أعداء الله كانا أقوى من الصعاب والمثبطات عن الجهاد وقتال اليهود، فاستعدت المجموعتان لتنفيذ هذا الهجوم وتدافع أفرادها كل يريد أن يحظى بشرف هذه المهمة.

 

 وضعت خطة الكمين على أساس مشاركة أربعة مجاهدين إلى جانب السائق، فتم اختيار اثنين من مجموعة الشهداء هما عماد عقل ومحمد أبو العطايا وثلاثة من مجموعة الشاطئ هم: أحمد انصيو الذي أشرف على عملية الرصد وخالد المغير إلى جانب السائق الماهر عبد الفتاح جابر، واكتفوا باستخدام بندقيتي كارل غوستاف وقنبلة يدوية يتم إلقاؤها لتغطية انسحاب المجاهدين بعد تنفيذ العملية. وعلى الرغم من هذا التسليح المتواضع لتنفيذ مهمة كبيرة من هذا النوع، إلا أن الإبداع القسامي الجريء في تحقيق عنصر المباغتة وإفقاد قوات الاحتلال القدرة على الرد تجلي عندما خطط المجاهدون لمهاجمة الهدف عن قرب وهم واقفون على الأرض -أي ثابتون – بينما كان الهدف متحركاً. وبعد أن تم الأخذ بالأسباب من جميع الجوانب ودراسة تفاصيل الخطة الموضوعة دراسة جيدة، انطلقت المجموعة المجاهدة نحو الهدف المرصود حيث تم إيقاف السيارة في شارع فرعي يطل على طريق الشيخ عجلين المؤدي إلى شارع صلاح الدين الذي يشكل خط سير سيارة قائد شرطة قطاع غزة وسيارة الحراسة التابعة للشاباك، واستعد الشباب بانتظار مرور الهدف، حيث تهيأ خالد المغير وعماد عقل لإطلاق النار من بنادق كارل غوستاف فيما تولى أحمد انصيو ومحمد أبو العطايا مهمة المراقبة وتغطية الانسحاب.

 

 وفي تمام الساعة السابعة وخمس دقائق من صباح يوم الرابع من أيار (مايو) 1992، وكما أكد الرصد العسكري الذي سبق التنفيذ، مرت سيارة قائد الشرطة الجنرال يوسيف افني تتبعها سيارة الشاباك. وهنا حدث ما لم يكن ضمن الخطة حيث لم يبادر البطلان بإطلاق النار فور استقبالهما للسيارتين وإنما بعد أن مرت السيارة الأولى، ولهذا نجا الجنرال يوسيف افني من الموت المحقق بينما تمكن المجاهدان من تحطيم زجاج السيارة الثانية بصليات من أسلحتهما الرشاشة موقعين إصابات محققة في ركابها بعد أن أصيبت بأربع وعشرين رصاصة، ودون أن يتمكن العدو من الرد على مصدر النيران حيث استمرت السيارتان في طريقهما فيما غادرت المجموعة المكان باتجاه شارع صلاح الدين في حي الزيتون.

 

 لم تعترف سلطات الاحتلال بالعملية ولا بنتائجها رغم إغلاق قوات الجيش وحرس الحدود للمنطقة فيما بعد ومداهمة حي الزيتون الذي اختفى فيه أبطال المجموعة حيث تم اعتقال عشرات الشبان للتحقيق معهم. والغريب أن الصحف الإسرائيلية التي كشفت النقاب عن تعرض قائد الشرطة لإطلاق النار، لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى سيارة الشاباك التي كانت ترافقه وما حل بركابها. فقد اكتفت صحيفة معاريف في عددها الصادر يوم 11 أيار (مايو) بنقل تصريح للجنرال افني الذي قالت إنه لم يصب بأذى. فقال افني "سافرت إلى غزة وعندما وصلنا إلى مفترق الشيخ عجلين سمعت صلية طويلة من الرصاص وصرخ السائق: إنهم يطلقون النار علينا فنظرت من النافذة ورأيت شاباً مكشوف الوجه يطلق النار وركب بعد ذلك سيارة وفر من المكان ولم نتمكن من إطلاق النار عليه أو مطاردته"، وأشارت الصحيفة نقلاً عن قائد الشرطة بأنه تم العثور على (24) رصاصة فارغة خلال عملية التمشيط التي قامت بها قوات الجيش والشرطة في وقت لاحق. ومهما يكن من أمر الإصابات التي لحقت بسيارة المخابرات الإسرائيلية المرافقة والنتائج التي أسفرت عنها العملية من جهة خسائر العدو البشرية، فإن مجرد التخطيط وتنفيذ هذا الكمين وبهذا المستوى من الجرأة والشجاعة بعد الرصد الدقيق، على الرغم من تواضع الإمكانيات في ذلك الوقت، يدل دلالة واضحة على أننا أمام نوع فريد من الرجال الذين لا يقبلون الهزيمة والأمر الواقع ويتخذون مما يواجهونه من صعوبات ومعاناة دافعاً ومحركاً قوياً نحو مواصلة الجهاد بتخطيط وتسليح وتنفيذ أكثر تطوراً وتقدماً.

 

2- عملية الرينو العسكرية:

 

 لم تكن الإصابات التي اعترف بها الناطق العسكري الإسرائيلي هي ما أثار قلق أجهزة الأمن والمخابرات الصهيونية إذ بات سقوط هذا العدد من الجنود مألوفاً لدى هذه الأجهزة ولدى جنود الاحتلال منذ أن فجر شعبنا المجاهد انتفاضته المباركة، إلا أن عنصرين هامين تضمنتهما هذه العملية أثارا القلق لدى سلطات الحكم العسكري. العنصر الأول: مستوى الجرأة في التنفيذ التي بات المطاردون يتمتعون بها مما منح الانتفاضة روحاً جديدة، أسهمت في تأجيج حماس الشبان الذين يلقون الحجارة ويشاركون في النشاطات والفعاليات. فقد كانت هذه العملية هي الأولى من نوعها التي يتم خلالها مهاجمة سيارة عسكرية متحركة من سيارة أخرى متحركة أيضاً، وهذا ما فاجأ الجنود داخل سيارة الرينو العسكرية إذ أنهم لم يكونوا مهيئين لمثل هذه الحالات. وأما العنصر الثاني في هذه العملية فهو: الجهة التي أعلنت مسؤوليتها عنها، إذ اتصل رجل مجهول ذكر أنه يمثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تليفونياً بمكتب وكالة أنباء دولية في القدس وأعلن مسؤولية حماس عن الهجوم. ومغزى هذه الأهمية تنبع من أن كتائب الشهيد عز الدين القسام –جناح حماس العسكري اقتصر نشاطها حتى أواخر شهر يوليو (تموز) الماضي على قطاع غزة الذي يعتبر المعقل الرئيس للحركة. فجاءت هذه العملية لتعزز الاعتقاد لدى سلطات الاحتلال بأن كتائب عز الدين القسام نجحت رغم الضربة القاسية التي تلقتها مبكراً باعتقال الأبطال الغزيين الثلاثة من مجموعة الشهداء (محمد أبو العطايا ومحمد حرز ومحمد أبو عايش) في إقامة خلايا مسلحة في مدن الضفة الغربية. كانت هذه أول عملية يخطط لها الشهيد القائد عماد عقل وينفذها بمعاونة إخوانه في مجموعة الشهداء أو من تبقى منها بعد استشهاد غسان أبو ندى واعتقال مجدي وأبو العطايا وحرز وأبو عايش. فقد خططت مجموعة شهداء الأقصى بعد أن تلقى أفرادها التدريب على الأسلحة الأوتوماتيكية التي تزودوا بها لتنفيذ عمليات عسكرية ضد سيارات ودوريات الاحتلال منذ بداية تشرين الأول 1992. وبعد أن قام فريق الرصد في المجموعة باختيار موقع الهجوم الأول والذي كان قريباً من المعهد الإسلامي حيث تمر السيارات العسكرية الإسرائيلية في طريقها نحو الشارع الرئيسي في مدينة الخليل، تحرك المجاهدون عماد عقل وموسى عمرو وسفيان جمجموم بسائقهم الماهر إلى الموقع المحدد في سيارة بيجو (504) وأخذوا مواقعهم استعداداً لإطلاق النار عند مرور الهدف كما كان مخططاً، ولكن العملية ألغيت في آخر لحظة وغادر المجاهدون مواقعهم عائدين في سيارتهم بعد أن اكتشف المجاهد الذي كان يتولى قيادة السيارة التي أعدت لنقلهم وانسحابهم بعد تنفيذ العملية أن عدداً من المواطنين العرب شاهده ورأى السيارة، فكان هذا كفيلاً بإلغاء العملية للضرورة الأمنية. إذ إن قوات الاحتلال التي تصل عادة إلى مكان العملية تقوم أولاً بمحاولة حصر التهمة في أقل عدد ممكن مع إمكانية تحديد الأشخاص المنفذين هل هم من المطلوبين أم شخصيات محلية جديدة، فيتم تجميع الخراطيش الفارغة وذلك لتحديد نوع السلاح المستخدم، وهل استخدم من قبل في عمليات أخرى أم لا. كما يقوم هؤلاء الجنود بجمع تقارير وافية من المواطنين والعمال العرب الذين يتصادف وجودهم بالقرب من المكان بحيث يتجمع لدى المخابرات الإسرائيلية صورة شبه حقيقية وكاملة عن العملية مما يسهل على ضباط الشاباك تحديد بعض الجوانب المهمة التي قد تقوي الأمل لديهم في الوصول إلى شخصيات المنفذين. ولذلك جاء قرار الشهيد القائد عماد عقل بإلغاء العملية والعودة إلى القاعدة السرية صائباً، إذ أن مجموعة شهداء الأقصى لم تكن مكتشفة عند أجهزة الأمن الصهيونية وأفرادها سرّيُون إلى جانب أن العدو الصهيوني لا يملك أي معلومات حول وجود مطلوبين من قطاع غزة وبالأخص عماد عقل في مدينة الخليل.

 

 عادت فرق الرصد العسكري وعيون القسام الساحرة لتنقل للمجموعة المجاهدة تفاصيل عثورها على هدف عسكري جديد تم رصده يسير منفرداً على طريق الظاهرية بالاتجاه المعاكس نحو منطقة الحاووز في الضاحية الجنوبية لمدينة خليل الرحمن. وتمثل هذا الصيد، بسيارة من نوع (رينو-5) عسكرية تقل مجموعة من الضباط والجنود تمر بشكل ثابت يومياً على هذا الطريق بنفس الوقت وعلى نفس الاتجاه. وبعد أن أعدت مجموعة شهداء الأقصى خطتها وجهزت بندقيتين من نوع كلاشنكوف لاستخدامهما في إطلاق النار على السيارة، انطلق المجاهدون بسيارتهم القسامية نحو هدفهم في حوالي الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الأربعاء الموافق 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1992 حيث لحقوا به وبدأوا بالاقتراب منه ثم أطلقوا النار على السيارة بكثافة دون أن يعطوا ركابها (ضابطة وثلاثة جنود) أي فرصة لمحاولة تدارك الوضع والرد على مصدر النيران، فانقلبت السيارة العسكرية وتحطمت على جانب الطريق فيما انسحبت المجموعة بسلام إلى قاعدتها رغم محاولات قوات العدو التي استخدمت مئات الجنود تساندهم الطائرات المروحية في حملات التمشيط وتفتيش المنازل إيجاد أي أثر يقود إلى المجاهدين الذين نفذوا العملية الجريئة. وقد شهدت المدينة التي فرض عليها حظر التجول الذي شمل أيضاً بلدة دوراً المجاورة، وجوداً عسكرياً مكثفاً حيث أقيمت الحواجز العسكرية على جميع مداخل المدينة وأخضع المارة لعمليات التفتيش الدقيقة، إلا أن هذا أيضاً لم يسفر إلا عن فشل جديد لقوات الجيش وأجهزة المخابرات الإسرائيلية في مواجهة عبقرية أبطال القسام وجرأة مجموعة شهداء الأقصى وعلى رأسها الشهيد القائد عماد عقل. وحول الإصابات التي سجلها الأبطال في هذه العملية، فقد زعمت سلطات الاحتلال بأن العملية لم تسفر إلا عن إصابة الضابطة والجنود الثلاثة بجروح، نقلوا على أثرها إلى مستشفى الأميرة عالية في الخليل حيث أجرى لهم الإسعاف ثم نقلوا بعدها بطائرة مروحية إلى مستشفى هداسا – عين كارم في القدس لتلقي العلاج حيث وصفت إصابة أحد الجنود بأنها خطيرة للغاية حيث اخترق الرصاص رئتيه وفقد كمية كبيرة من الدم.

 

3-عملية الحرم الإبراهيمي:

 

 قرر المجاهد القسامي البطل عماد عقل أن يزرع في ذهن سلطات الاحتلال وآلتها العسكرية والأمنية أنها أمام ذهنية أمنية جهادية فريدة تداهمها من حيث لا تحتسب، وهذا ما ركز عليه المراسل العسكري اليهودي (عمانويل روزين) في مقال نشرته صحيفة معاريف العبرية تعقيباً على هذه العملية حيث قال: "إن العملية تدل على مستوى تنفيذ عال وجرأة وتطور لدى رجال المنظمات". واختتم مقاله بما يشبه التبرير "في حرب العصابات يظل التفوق للمقاتل الانتحاري تقريباً الذي يحتفظ بحق أولوية الضغط على الزناد"، معترفاً بأن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من كبح جماح "المتشددين" الذين يقودون التصعيد. وأما الرائد يائير نهواري نائب القائد العسكري السابق للقوات الإسرائيلية في منطقة مغارة الأنبياء القريبة من الحرم الإبراهيمي الشريف فقد اعترف في مقال نشرته صحيفة يديعوت احرنوت في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) بأن "الأمر يتطلب أكثر من الوقاحة والجرأة والشجاعة حتى يمكن مهاجمة معسكر للجيش على مرأى الجميع، وفي وضح النهار، وفي نفس الوقت التخطيط لإيجاد منفذ للهرب، وعلى الأقل، وحسب الاعتقاد النظري فإن من يخطط لمهاجمة قاعدة للجيش الإسرائيلي في مثل هذه الظروف أمام حراس مسلحين فإنه سيكون انتحارياً وفق الاحتمالات المرجحة، وتشهد النتائج أن رجال المنظمات خططوا سلفاً للبقاء أحياء، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الضباط يوضحون أن ذلك يتطلب أمراً آخر وهو الاستخفاف".

 

 تتضمن المنطقة العسكرية لمغارة الأنبياء (المكفلاة) القريبة من الحرم الإبراهيمي عدداً من الأبنية المقامة على الشارع الرئيسي القريب من البوابة الرئيسية للمغارة. وتتبع الوحدة العسكرية النظامية التي ترابط في هذه المنطقة الكولونيل يوسي قائد القوات الإسرائيلية في مدينة الخليل، وهي مزودة عادة بتجهيزات كاملة وسيارات نقل وجيب عسكرية كافية لصد أي هجوم تتعرض له الوحدة، وكما أشار الضباط الإسرائيليون في تلك المنطقة فإن جنود الاحتلال هناك لم يتعرضوا لأي حادث أو عمل مسلح منذ أن اتخذت السلطات الإسرائيلية من المغارة معسكراً لإحدى وحداتها المقاتلة. وهذا يعني أن الوحدة العسكرية المرابطة في المغارة تكون عادة في حالة استرخاء، وباستثناء نوبات الحراسة التي تتولى أمر النقاط العسكرية ومداخل المغارة فإن جنود الاحتلال يكتفون بالتجمع داخل الأبنية العائدة للمعسكر. إذن ليس غريباً أن يختار الشهيد القائد رحمه الله ومجموعته هذا المعسكر بالتحديد مكاناً لتنفيذ عمليتهم الثانية، خاصة بعد أن أفاد الراصد العسكري لمجموعة شهداء الأقصى بأن أنسب نقطة حراسة يمكن مهاجمتها والانسحاب بسلام هي الموقع الأعلى في منطقة مغارة الأنبياء المعروف باسم موقع (الجنراتور) نظراً لقربها من مولد الكهرباء الذي يغذي المعسكر. إذ يتم تبديل الحراسة في هذه المنطقة في تمام الساعة الواحدة ظهراً، وهذا وقت مناسب للهجوم نظراً لكون الجنود الذين يحين دورهم في الحراسة لم يأخذوا بعد استعدادهم اللازم والوضع القتالي المناسب.

 

 وحسب السيناريو والخطة المعدة، اتخذ القرار بأن يكون الهجوم من نقطة ثابتة بعد أن ينقل المجاهد جميل النتشة أخويه عماد عقل وهارون ناصر الدين بسيارة من نوع (بيجو 504) إلى الموقع وتستمر السيارة بضع عشرات من الأمتار في الشارع الذي يتفرع عند الموقع وتستمر السيارة بضع عشرات من الأمتار في الشارع الذي يتفرع عند المرتفع حيث نقطة الحراسة المبتغاة. وهناك أوقف جميل السيارة وترجل المجاهدان عماد وهارون حتى وصلا إلى نقطة تبعد ثلاثين متراً عن الجنديين اللذين وصلا إلى نقطة الحراسة في تمام الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم الأحد الموافق الخامس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 1992. وأطلق المجاهدان عدة صليات من بندقيتهما بعد ثلاث دقائق من وصول الرقيب الأول شموئيل غيرش (32 عاماً) والرقيب رونين كوهن (25 عاماً) إلى نقطة الحراسة فأصيب غيرش بثلاث رصاصات في الصدر ومات على الفور في حين أصيب كوهن بعدة رصاصات في الكتف والفخذ والذراع نقل على أثرها بالطائرة المروحية إلى مستشفى هداسا في القدس حيث وصفت حالته بأنها خطيرة. وقد عادت المجموعة إلى قاعدتها السرية بسلام حسب الخطة الموضوعة لخط الانسحاب على الرغم من تدافع عشرات الجنود من داخل المعسكر باتجاه سيارة المجاهدين في محاولة فاشلة لمطاردتها. ولم تنفع إجراءات جيش الاحتلال من فرض حظر التجول على المدينة وشن حملة تمشيط وبحث واسعة في الشوارع وداخل المنازل في الوصول إلى أي دليل يؤدي لأي من أبطال المجموعة المنفذة التي تركت في مكان العملية قطعة من الكرتون كتب عليها "نفذت العملية كتائب الشهيد عز الدين القسام"، وهكذا نجح عماد عقل ومجموعته في هذا الهجوم الصاعق الذي عدته سلطات الاحتلال من أعنف وأشجع الهجمات التي تعرضت لها معسكرات الجيش الصهيوني داخل الوطن المحتل، وظهر الإبداع القسامي مرة أخرى بتحقيق عنصر المفاجأة أو الصدمة من جهة والهجوم من مكان ثابت ضد هدف ثابت وهو ما لم يعهده العدو عن كتائب الشهيد عز الدين القسام من قبل، بالإضافة إلى نجاح المجموعة بالخروج من المكان دون أن تجد أي مقاومة أو تترك خلفها ما يوصل العدو للمجموعة. وكان من آثار هذه العملية الجريئة أن أصدر القادة العسكريون الإسرائيليون أوامر مشددة للمستوطنين اليهود الذين يسكنون في المستوطنات القريبة من مدينة الخليل وداخلها بوجوب التزام الحذر وعدم الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى وحمل السلاح أثناء تجوالهم. وفسر القادة الصهاينة مطالبهم هذه بأنها ترجع إلى وجود "خلية انتحارية من رجال المنظمات تتجول في المنطقة وهناك خوف من أن تقع عمليات مسلحة أخرى ضد المستوطنين". وإذا كانت العملية قد نجحت تخطيطاً وتنفيذاً ولم تترك ما يدل على شخصية المنفذين إلا أن سلطات الاحتلال بدأت تسرب بعد فشلها في تعقب من تبقى من مجموعة الشهداء التي قدمت من قطاع غزة بأن هذه العملية الجريئة تحمل بصمات كتائب عز الدين القسام في قطاع غزة حيث أدلى مصدر عسكري في تعقيبه على الهجوم بتصريح جاء فيه: (يبدو أن المهاجمين كانوا من الخبراء. وربما عملوا في أماكن أخرى من المناطق). وعلى الرغم من عدم استناد هذا المصدر العسكري إلى دليل مادي يدعم أقواله، إلا أن حملة الاعتقالات التي أعقبت العملية قادتا إلى أحد أفراد المجموعة على ما يبدو، وفشل هذا المجاهد بالتالي في مغادرة الخليل حفاظاً على المجموعة من المطاردة ضيق الخناق على حركة الشهيد القائد رحمه الله، فغادر عماد عقل مدينة خليل الرحمن عائداً إلى قطاع غزة في الثالث والعشريين من تشرين الثاني (نوفمبر) من نفس العام لتبدأ صفحة جديد من ملاحم العز القسامي.

 

4-عملية الشيخ رضوان:

 

 لم يكد يمضي يومان على انتقال الشهيد القائد رحمه الله من مدينة خليل الرحمن إلى قطاع غزة حتى ظهرت آثار هذا الانتقال بعملية نوعية جديدة أظهر فيها عماد عقل شجاعته المعهودة بشكل أذهل جيش الاحتلال الذي كان ما يزال يبحث عن القائد في الضفة الغربية في أعقاب عمليتيه الجريئتين في قلب مدينة الخليل واللتين نفذتا بفارق أربعة أيام بينهما.

 

 وجاءت العملية الجديدة لشهيدنا البطل كصورة طبق الأصل لعملية الحرم الإبراهيمي، حيث رصدت المجموعة جنديين يحرسان المدخل الشرقي لأحد معسكرات الجيش الصهيوني الضخمة التي تقع بجانب محطة بنزين غربي منطقة الشيخ رضوان، واتخذت كافة الاحتياطات الأمنية الضرورية من اختيار الأسلوب الأمثل للهجوم والتوقيت المناسب وطريقة الانسحاب دون أن تتمكن قوات الاحتلال من اعتراض المجموعة أو تعقبها.

 

 انطلقت سيارة البيجو (504) القسامية تقل البطلين عماد عقل وسالم أبو معروف يحملان بندقيتي (ام-16) وكلاشنكوف نحو الموقع الذي تم رصده. ودخلت السيارة من مدخل محطة البنزين الذي منعت الشرطة العسكرية الصهيونية السيارات العربية من الاقتراب منه نظراً لقربه من الأسلاك الشائكة التي تحيط بمعسكر الجيش وموقع الحراسة التابع له. وبعد أن قام البطلان بتفريق المواطنين العرب الذين تصادف وجودهم في المحطة وبالقرب منها وإرشادهم بالابتعاد عن المكان، أظهر عماد وسالم شجاعة منقطة النظير وجرأة فائقة حين تقدما نحو موقع الحراسة حتى أضحيا على بعد عشرين متراً فقط من الجندي الذي تصادف أنه كان يقف منفرداً في الموقع في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الأربعاء الموافق 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1992. وبتوقيت واحد تقريباً انطلقت نحو ثلاثين رصاصة قسامية من سلاحي البطلين باتجاه الجندي الصهيوني الذي خر صريعاً دون حراك. وعاد الشهيد القائد رحمه الله ورفيقه إلى مركبتهما التي أقلتهما نحو قاعدتهما بسلام وهما يهتفان مخرجين يديهما من النافذة (القسام .. القسام.. القسام) دون أن تستطيع قوات الاحتلال التي اندفعت من داخل المعسكر من تقصي آثارهما.

 

5-عملية مفترق الشجاعية:

 

 بدأت كتائب الشهيد عز الدين القسام استعداداتها اللازمة للتحضير لسلسلة من العمليات البطولية التي تتناسب مع جملة من الذكريات العظيمة التي تمر في شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام. ففي الثامن من هذا الشهر لعام 1992 تحتفل جماهير شعبنا بعيد الانتفاضة الخامس، وهذه مناسبة شهرية وسنوية يعم فيها الإضراب الشامل جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة . وفي الرابع عشر من هذا الشهر أيضاً تحل الذكرى الحبيبة لكل نفس مسلمة والتي عانقت الانتفاضة المباركة منذ قدومها، ألا وهي ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي اعتادت أن تجعل من يوم انطلاقتها السنوية انطلاقة جديدة لمرحلة جديدة من مراحل الجهاد ضد هذا العدو المتغطرس.

 

 من هنا كان تفكير كتائب القسام وعلى رأسها الشهيدان القائدان: جميل الوداي وعماد عقل منصباً على القيام بحملة من العمليات النوعية تجدد العهد بمواصلة مسيرة الجهاد والوفاء لدماء الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية أرض الوطن. فبدأ المجاهدون الإعداد لهذه الذكرى العزيزة بمرحلة جديدة من مراحل التصعيد الجهادي المتنامي سميت (مرحلة الكر والفر) تناسب الاستراتيجية التي اعتمدتها حركة المقاومة الإسلامية بتأثيراتها السياسية والعسكرية والنفسية والاقتصادية المتقدمة عن المرحلة السابقة التي عرفت باسم (حرب السكاكين). ولهذا أخذت مجموعات الاستطلاع والرصد العسكري يستطيع المجاهدون ضربه وإجبار سلطات الاحتلال على الاعتراف بخسائر جيشها البشرية والمادية بعد أن أحاطت هذه السلطات خبر الهجوم الذي شنته مجموعة الشهيدين عماد عقل وجميل الوادي في تمام الساعة السابعة من صباح يوم الخميس الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 1992 بكل السرية ولم تعلم عنها أو حتى تذكرها على هامش الأنباء مع أن المجاهدين عادوا بفضل الله ورعايته واثقين من نجاح العملية حيث أطلق البطلان ثلاثين رصاصة باتجاه سيارة الجيب العسكرية التي كانت تسير على طريق الشيخ عجلين متجهة جنوباً نحو البحر من بعد عشرة أمتار. ودفع هذا التكتم الإعلامي الذي أحيطت به العملية السابقة، مجاهدينا على تكرار الضربة ولكن هذه المرة يجب أن تكون أشد إيلاماً وبحيث لا تمر ذكرى الانتفاضة بأقل مما قدم عام 1990. وبعد جهد كبير من البحث والرصد والاستطلاع المستمر، جاءت العيون الساهرة في سبيل الله ووضعت كل المعلومات والحقائق على المائدة مشيرة إلى أن هذه العملية إذا نجحت بإذن الله ستكون مؤلمة وتنزل على سلطات الاحتلال نزول الصاعقة. فالعدو الذي يحرص كل الحرص على عدم الوقوع في نفس الأخطاء السابقة التي يقع فهيا، يقوم بتعزيز كل نقاط الضعف التي تتبدى له فور كل عملية تقوم بها كتائب عز الدين القسام. ومن هنا جاء اعتماد أسود القسام لنظريتهم التي أقرت في تنفيذ هذه العملية والتي حددت الأهداف التي يمكن ضربها بنجاح هي الأهداف غير المتوقعة للطرف الآخر وبطريقة غير منتظرة آخذين في الحساب الدور الأمني المتوقع للعدو فور التنفيذ مع التركيز على أن المجاهدين الأبطال يتميزون بحرصهم على الشهادة باعتبارها لوناً من العبادة وليس ضرباً من الفناء والإبادة، وهذا الحرص لا يقل عن حرصهم على إيقاع أكبر الخسائر البشرية في صفوف العدو. وقد أثبتت هذه النظرية صحتها ليس في عملية الشجاعية فحسب وإنما في مختلف العمليات التي تبعتها ونفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام، فلم يعد المجاهدون إلى هدف قد ضرب سابقاً، فجاءت العمليات على سلطات الاحتلال كالصواعق لم يفق عدونا من واحدة منها إلا وكانت تلحقها أختها في سرعة جعلت جهاز الشاباك يقف عاجزاً لا يقوى على عمل شيء يذكر. وبناء على هذا المنطق، كان التفكير في هذه العملية النوعية الجديدة والتي خطط لها بأن تكون نوعية في أهدافها وطريقة تنفيذها كما أنها نوعية برجالها فكانت فاتحة نهج جديد اختطه الشهيدان القائدان عماد عقل وجميل الوادي مهندس العمليات العسكرية في المنطقة الوسطى بقطاع غزة، سارت عليه عمليات القسام فيما بعد في الخليل وجباليا وجاني طال والزيتون ونابلس وغيرها من مواقع الشرف والبطولة. وكان من غايات هذا النهج الجديد تحقيق الأهداف التالية:

 

 تجميع نقاط القوة وتوجيهها ضد نقاط ضعف العدو في عمليات إنهاك متواصلة تقاتل فيها على المستوى الاستراتيجي (المستوى البعيد) بواحد ضد مائة، هذا إذا قارنا أعدادنا وإمكاناتنا بأعداد العدو وإمكاناته. وكذلك نقاتل على المستوى التكتيكي (القريب) واحد ضد واحد وبذلك نحافظ على وجودنا بصورة مستمرة مع تحقيق خسائر متتالية في الطرف الآخر. وباستقراء عمليتنا هذه (عملية مفترق الشجاعية) فقد اختير إلى جانب السائق الماهر اثنان من أشجع وأجرأ المجاهدين وهما البطلان عماد عقل وجميل الوادي لتنفيذ هذه المهمة الجديدة الصعبة فكانت النتيجة حسبما سنرى عند الحديث عن التفاصيل.

 

إظهار إبداع الأمن العسكري القسامي وتفوقه على أجهزة الأمن الإسرائيلية في حرب الأدمغة في عملية فريدة من نوعها. فقد اعتاد العدو أن تكون الهجمات التي تقع ضده واحدة من اثنين: إما الهجوم من مكان متحرك ضد هدف ثابت مثل العملية التي قام بها أبطال القسام ضد معسكر لجيش الاحتلال من خلال سيارة منطلقة بسرعة أو الهجوم من مكان ثابت ضد هدف متحرك التي نفذها المجاهد عماد عقل مع إخوانه في مجموعة الشهداء عندما كمنوا لسيارة قائد الشرطة على طريق الشيخ عجلين ثم هاجموها عن قرب وهم واقفون على الأرض – أي ثابتون – وكان الهدف متحركاً. أما في هذه العملية فقد تم التخطيط لها على أساس أن يكون الهجوم من نقطة متحركة ضد هدف متحرك وهذا شيء جديد لم يعهده جيش الاحتلال في غزة وان كان الشهيد عماد عقل قد نفذ هذا الأسلوب في الخليل ضد سيارة الرينو العسكرية إلا أن الفارق الذي يجعل علمية مفترق الشجاعية الأولى من نوعها في عمليات القسام هي أنها موجهة ضد آلة عسكرية وليست سيارة صالون تقل جنود ضربت من نقطة متحركة.

 

تحقيق عنصر المباغتة أو ما يعرف بالصدمة مما يفقد العدو القدرة على المقاومة أو حتى ملاحقة المنفذ الذي يختفي في جنح الظلام بينما لم يفق العدو من هول الصدمة بعد.

 

الخروج من دائرة الاحتياط الأمني للعدو وذلك بضرب الهدف والانسحاب من المكان دون أي مقاومة تذكر ودون ترك ما من شأنه أن يوصل العدو وأجهزته الأمنية إلى المجاهد المنفذ.

 

 بعد دراسة المعطيات المقدمة من جهاز الرصد العسكري الذي أفاد بأن هناك سيارة جيب عسكرية تقوم بدورية ثابتة على الطريق الشرقي لمدينة غزة الموصل بين الشمال حيث حاجز بيت لاهيا وبين البوليس الحربي ومنطقة المغراقة في الجنوب ماراً بالقبة ونحال عوز وعلى متنه ضابط وجنديان، ويتحرك الجيب ذهاباً وإياباً على هذا الطريق سائراً بين سيارات العمال المتجهة إلى نقطة العبور عبر حاجز ايرز شمالاً أو تجاه نحال عوز جنوباً، ملتقياً مع دورية أخرى تتحرك في الاتجاه المعاكس. وذكر الراصدون الأبطال عيون القسام الساهرة عدة حقائق أمنية ساعدت في اعتماد هذا الهدف ورسم الخطة المناسبة لتنفيذ عملية الهجوم شاهدوها وتابعوها ثم نقلوها إلى إخوانهم لتكون مادة بحث واستنباط ومن هذه الحقائق:

 

 الدورية (الهدف) تتواجد في هذا المكان منذ فترة طويلة دون أن تتعرض لأي خطر مطلقاً، وبذلك فهي هدف غير متوقع بالنسبة للعدو. وهذا ما أكده الصحافي (يعيل جافريتس) لصحيفة يديعوت احرونوت حين نقل عن أفراد سرية الناحل التي وجهت الضربة لأفرادها قوله "إن أحد أفراد السرية قال لي قبل أسبوع من تنفيذ العملية: إن حديثاً دار قبل أسبوع مفاده أنه قيل لأفراد الدورية بأنهم محظوظون، ذلك لأنهم يحصلون على قاطع يعتبر هادئاً نسبياً".

 

إطلاق النار على الدورية من هدف متحرك أمر غير متوقع ولم يهيَّأ الجنود لمثله على الإطلاق، وبذلك يحقق المجاهدون عنصر المباغتة الذي قد يكون كافياً لشل كل مجالات التفكير والتصرف حتى وإن لم تحقق العملية هدفها بقتل الجنود الثلاثة.

 

يحدد يوم 7/12/1992 موعداً لهذه العملية بصورةقسرية وذلك لاعتبارات عديدة أهمها أن هذا اليوم يأتي بين أيام إضرابات وفي هذا اليوم تتوجه السيارات العربية التي تنقل العمال العرب بكثافة كبيرة جداً إلى حواجز الدخول لفلسطين المحتلة منذ عام 1948 متجاوزة السيارات العسكرية بسرعة فائقة دون أن تثير أي انتباه وهذا يعطي أبطالنا ساتراً كبيراً لتجاوز سيارة الجيب دون أن تلفت انتباه جندي الحماية الخلفية ومن ثم الخروج من المنطقة بسهولة بالغة كواحدة من سيارات العمال التي تتجاوز القافلة.

 

يتم التخطيط بتنفيذ العملية في الظلام حيث توجه الأنوار العالية لسيارة المجاهدين صوب جندي الحماية الخلفية مما يفقده القدرة على الرؤية تماماً فيسهل على المجاهدين اقتناصه بسرعة فائقة دون أن يفعل شيئاً، هذا إلى جانب أن الظلام يساعد على صعوبة تشخيص أفراد المجموعة المنفذة.

 

لابد من اختيار سائق ماهر يكون على دراية واعية وجيدة بخطة الانسحاب قبل تنفيذ العملية سواء تحرك الهدف نحو بيت لاهيا أو نحو الجنوب.

 

 وأمام هذه الحقائق الشاملة والوافية من قبل جهاز الرصد القسامي، بدأت الكتائب المغوارة بالمعاينة الميدانية لمكان التنفيذ ونوعية الهدف تمهيداً لوضع الخطة لتنفيذ العملية إذ إن كل دورية متحركة من دوريات جيش الاحتلال يكون لها اتصال دائم ومستمر مع مركز الجيش الذي انطلقت منه، وعند تعرضها لهجوم أو انقطاع الاتصال لسبب ما تتحرك على الفور فرق البحث والنجدة بسرعة شديدة جداً من مركز الجيش الذي تتبعه إلى مكان عمل هذه الدورية لمعرفة سبب انقطاع الاتصال. وفي ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة الرابع من كانون الأول (ديسمبر) انطلق اثنان من مجاهدي القسام لمعاينة المكان ودراسة أفضل الطرق للتنفيذ ووضع جميع الاحتمالات المتوقعة من الجيش فور إطلاق النار في المكان من حيث النجدة وسرعتها، كذلك دراسة جغرافية المكان: أماكن تجمع الجيش ونقاط التفتيش والمدة المطلوبة لوصول النجدة الصهيونية إلى مكان العملية بعد إصابة الهدف، وأفضل الطرق للانسحاب والوقت اللازم للانسحاب بأقصى سرعة. وهنا نتوقف عند أهم ما يميز العمل الجهادي لكتائب القسام بعد إلتزام المنهج الرباني والذي تجلى في أنصع صوره فيما إلتزم به المجاهدان اللذان قاما بالمعاينة من الطاعة وحسن الثقة في فكر واجتهاد القيادة لأمرائهم. فقد رصد المجاهدان أثناء المعاينة وعند مفترق القبة هدفاً جيداً يتمثل في ثلاثة جنود بينهم ضابط كانوا مصطفين على حائط تاركين سيارتهم من شدة البرد والمطر، ولكن المجاهدين تحاملا على نفسيهما وشوقهما لتصفية هذا الصيد الثمين رغم توفر السلاح اللازم لكونهما خرجا لمعاينة المكان وليس لتنفيذ العملية إلى جانب عدم تحديد طريق الانسحاب بعد، ولعدم وجود السائق الماهر معهم كي يستطيعوا الانسحاب بأقصى سرعة.

 

 تم ترتيب أفكار العملية وصياغتها على أرض الواقع بمنتهى الدقة حيث تقرر أن يتحرك قناصا القسام جميل الوادي وعماد عقل مع السائق الماهر في سيارة بيجو (404) في اتجاه الطريق الشرقي حيث مكان تحرك سيارة الجيب العسكرية متمنطقين بزي عمال كنوع من التمويه والتغطية الأمنية ثم السير في قافلة السيارات ثم تجاوز هذه القافلة كما يفعل معظم سائقي السيارات المتجهة نحو حاجز ايرز . وقبل محاذاة الجيب يتم إطلاق النار على الجندي الذي يجلس في الخلف لتحقيق نقطة أمان عند تجاوز الجيب وبعد ذلك تتقدم البيجو موازية لسيارة الجيب وتحاذيها ثم يتواصل إطلاق النار على الضابط والسائق، ومن ثم الانسحاب بمنتهى السرعة بعد إلقاء بيان يعلن مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام عن العملية في ذكرى الانتفاضة السادسة وانطلاقة حماس وثأراً لشهداء حماس في منطقة الشيخ رضوان. ووُجّه الشهيدان عماد وجميل بأن يحرصا على عدم إطلاق كل ما لديهما من ذخيرة أثناء التنفيذ تحسباً لأي أمر طارئ غير متوقع ومواجهة أي صدمة مفاجأة أو ملاحقة وهذا أمر تطلب من الأخوين المجاهدين دقة فائقة في إطلاق النار والسيطرة على الأعصاب إلى جانب استخدام السلاح الجيد. ولهذا تم اختيار قطعتي سلاح جيدتين، الأولى رشاش (كلاشينكوف) حمله أمير العملية الشهيد جميل الوادي الذي جلس بجانب السائق، والثانية بندقية (ام-16) مطورة حملها الشهيد عماد عقل الذي جلس في المقعد الخلفي للسيارة. أمضى المجاهدان عماد عقل وجميل الوادي ليلتهما في القاعدة التي سينطلقان منها بين صلاة وابتهال ودعاء ورجاء لله أن يثبت أقدامهما ويسدد رميهما ويربط على قلوبهما ويحسن بلاءهما يذكر الواحد منهما الآخر بالآخرة وبما أعده الله للشهداء في جنات النعيم متعاهدين على الثبات والإقدام على الشهادة وبداخل كل واحد منهما دعاء لحوح أن "اللهم اجمع بيننا في جنات النعيم في رحاب رحمتك مع النبيين والصديقين والشهداء" فاستجاب الله لهما دعاءهما ولكن بعد أن أذاقا اليهود المتغطرسين ويلات الهزيمة في عمليات جريئة ونوعية. وما إن أخذت الساعة تقترب من الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة من صباح يوم الأحد الموافق 7 كانون الأول (ديسمبر) 1992، وبدأت مآذن المساجد تستعد لتجلجل بنداء الحق (الله أكبر)، حتى كان البطلان قد أعدا نفسيهما لعمل عظيم حريصين على الموتة الشريفة فيقول أحدهما للآخر "نحن نعتقد أننا إذا قتلناهم فسننتصر، وإذا استشهدنا فسننتصر". وبهذه الروح، وبتلك المعاني الإيمانية انطلق بطلان من قاعدتهما باتجاه الطريق الشرقي الذي وصلاه في حوالي الرابعة وثلاث وأربعين دقيقة، فبدأت العيون تخترق حجم الظلام باحثة عن الهدف الذي لاح في مرمى النظر فجأة، ولكن الصيد كان يسير في عكس اتجاه خط سير انسحاب الآلية القسامية، عندئذ سار المجاهدون خلفه بانتظار أن يصبح في الاتجاه الصحيح وخلال هذه الدقائق، بدأ أمير العملية يعطي إرشاداته الأخيرة مذكراً بالآخرة، وبخطوط الانسحاب في حالة النجاة بمنتهى الدقة. ونترك الشهيدين اللذين نفذا هذه العملية النوعية ليرويا بعد ذلك ما جرى، إذ جاء في الكتيب المعنون (بطولات قسامية) الذي خطه الشهيد جميل الوادي ووزعته حركة المقاومة الإسلامية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1993 في قطاع غزة ما يلي: "إنه لمشهد رهيب… شارع الشجاعية – بيت لاهيا يعج بالعمال من أبناء القطاع المتوجهين إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر سواء في ذلك أولئك المتوجهون نحو الجنوب وبئر السبع والنقب أو القاصدون الشمال عسقلان – أسدود – يافا…. إلخ، السيارات بأنوارها تبدو وكأنها سلسلة ذهبية مضيئة، وها هي دوريات الجيش الصهيوني تجوب الشارع…. دورية متجهة شمالاً، وأخرى جنوباً. وما إن التقت الدوريتان عند ملتقى الطريق القادم من مركز الشرطة المدنية إلى نهاية الشجاعية شرقاً (شارع بغداد) حتى شمال ناحال عوز من الشارع الواصل بين البوليس الحربي ماراً بالقبة (المنظار) مفرق بيت لاهيا حتى بدأت ملاحقة الصيد المتجهة شمالاً وقد كان عربة جيب المعروف بالصرصور وفيه ضابط وجنديان. هنا بدأت سيارة الأبطال في تجاوز قافلة السيارات العربية محاولة الاقتراب من الهدف وتمتمت الألسنة (بسم الله الرحمن الرحيم)، ونطقت القلوب قبل الشفاه بالشهادتين".

 

 استمرت سيارة أبطال القسام بالاقتراب من الصيد الثمين فيما الضوء العالي المنبعث منها يحجب الرؤية عن الرقيب أودي زمير الذي كان يجلس في المقعد الخلفي للجيب، وما إن أضحت السيارة على بعد أربعة أمتار من الدورية  صورة عملية مفترق الشجاعية الإسرائيلية وكانت الساعة تشير إلى الخامسة وسبع وعشرين دقيقة فجراً حتى بدأ المجاهد عماد عقل بإطلاق النار على الرقيب زمير في اللحظة التي أخذ فيها بوضع يده على فمه متثاوباً وعلى الفور تبعه المجاهد جميل الوادي ثم أخذ المجاهدان بصب وابل من النيران على الملازم أول حجاي عميت الذي كان يجلس في المقعد الأمامي وعلى الرقيب شلوم تسبري الذي كان يتولى قيادة الجيب عندما أصبحت المسافة بين السيارتين لا تتجاوز المتر فقط حيث أطلق البطل عماد تسع عشرة رصاصة في حين كان جملة ما خرج من كلاشنكوف جميل أربعاً وعشرين رصاصة من نوع (دمدم أحمر اللون). وهنا انطلقت سيارة القسام بسرعة للانسحاب من المكان بعد عشر ثوان من إطلاق النار وبعد أن تم إلقاء ما يقارب العشرين ورقة سطر فيها كلمات من نور تعلن مسؤولية (كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" عن هذا الهجوم البطولي بمناسبة انطلاقة الانتفاضة وحماس وانتقاماً لشهداء حماس في حي الشيخ رضوان). وواصلت السيارة انطلاقها بأقصى سرعة وكأنها سيارة إسعاف حيث أنارت الأضواء العالية وأطلقت أصوات التنبيه فيما أخذت السيارة التي كانت أمامها تخفف من سرعتها وتلتزم أقصى اليمين وبدت الطريق في ثوان قليلة كأنها خلت من السيارات. وهنا هاجت القلوب فرحة بنصر الله وتحركت فطرة المجاهدين عماد وجميل تلبي النداء بالشكر إلى الناصر الستار ودون تردد أخرج المجاهدان رأسيهما من نوافذ السيارة وبدأوا يهللون ويكبرون "الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. نحن أبناء القسام.. نحن جند الإسلام لا ريب.. نحن حماس.. نحن حماس.. حماس.. حماس". ويعود الركب الإسلامي العظيم إلى قاعدة إنطلاقه تاركاً دورية الاحتلال تسير بجنودها القتلى والدماء تسيل منها على الشارع إلى أن اصطدمت بسيارة واقفة. ولم يصل جنود الاحتلال وفرق النجدة إلا بعد مرور أكثر من خمس عشرة دقيقة على إتمام العملية حيث وصل نائب قائد كتيبة الدورية والذي كان على مفترق طرق الشجاعية، وهذا إن دل فإنما يدل على دقة تنفيذ خطة الانسحاب بعد الهجوم وبهذا فقد العدو الأمل في إلقاء القبض على منفذي العملية في منطقة الحادث. وعلى الرغم من تكثيف قوات الاحتلال من وجودها ودورياتها في مختلف مناطق القطاع وفرض الطوق الأمني عليه إلا أن هذه القوات فشلت في تعقب منفذي العملية أو أي من مجاهدي القسام الذين رسموا خطتهم جيداً لمواجهة إجراءات العدو الأمنية والعسكرية المتوقعة في أعقاب عملية جريئة من هذا النوع والتي كان منها:

 

 التأكد من عدم وجود أيِّ  من المطاردين في منطقة العملية أو حتى القريبة منها سواء كانوا من حماس أو الاتجاهات الأخرى والتزام المجاهدين المطاردين بالاختفاء في قواعدهم السرية.

 

تم الإيعاز إلى كل وحدات كتائب عز الدين القسام بعدم القيام بأي عملية أخرى في منطقة قطاع غزة بعد هذه العملية مباشرة إلا بعد دراسة كل الإجراءات التي اتخذتها قوات الأمن الصهيونية مع التأكيد على استغلال نقطة تركيز قوات العدو نظرها على القطاع لتوجيه ضربات في الضفة وفي العمق اليهودي، فكانت عملية الحاووز بالخليل وخطف الرقيب الأول نيسيم طوليدانو من مدينة اللد تجسيداً لهذا المنهج. وفيما أشارت الصحف العبرية بأن هذه العملية تعتبر نصراً جديداً لحركة حماس وجهازها العسكري ضد قوات الجيش، يمكن تلخيص رد فعل العدو على جميع المستويات بأنه (الذهول) وهذا ما أكده يهوداً باراك بعد أن استعاد وعيه من وقع الصدمة التي ألمت به حيث قال:

 

" أيها السادة: إننا في حالة حرب.. لقد أصبح الفدائيون على قدر من الجرأة لم نشهده أبداً". أما موشيه فوجيل الناطق الرسمي بلسان سلطات الاحتلال فقد صرح: "أن هذا الهجوم هو الآدمي يستهدف جنوداً يعملون في المناطق منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية عام 1987". وهذا ما يؤكده نواح روزنفيلد وهو من أفراد السرية التي تم الهجوم على أفرادها في الشجاعية حيث صرح قائلاً: "الضربة الصاعقة التي تلقيناها تكمن في أنهم لم يعدونا لحرب من هذا النوع من الاحتراف في إطلاق النار والقتل، إن هذا شعور كامل بالعجز".

 

6-عملية حي الأمل:

 

 تدمير منازل الأبرياء وتشريد (35) أسرة فلسطينية من مساكنها في حي الأمل بخان يونس لا يمكن أن يمر دون عقاب أو رد مناسب. هذا ما قالته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في بيانها الخاص عن هذه الجريمة، وجاء تأكيده في وقت لاحق من قبل الشهيد القائد رحمه الله ومجموعته الفدائية حين رد الصاع بصاعين وجعل الجنرال يومتوف سامية قائد القوات الإسرائيلية التي غطت جريمة تدمير حي الأمل قائلاً بغرور: "سنواصل ليل نهار كفاحنا ضد أصوليي حماس وكل فروعها في المناطق وسنكرر الضربة التي وجهت إلى حماس في خان يونس". ففي أقل من عشر ساعات على إنتهاء عملية التدمير الهمجية، كان عماد عقل وإثنان من إخوانه بما فيهما السائق ينطلقون بسياراتهم القسامية على الطريق الشرقي لحي الشجاعية لاصطياد سيارة مدنية إسرائيلية تقل جنوداً وضباطاً يخدمون في قطاع غزة تم رصد خط سيرها اليومي على هذا الطريق منذ مدة. وباعتماد الأسلوب الذي طبق في عملية مفترق الشجاعية التي استعرضنا تفاصيلها في الفقرات السابقة، وهو الهجوم على هدف متحرك من نقطة متحركة، أطلقت البنادق الأوتوماتيكية في حوالي الساعة الثانية من فجر يوم الجمعة الموافق 12 شباط (فبراير) 1993 رصاصها القسامي على السيارة التي كانت في تلك اللحظة تقترب من محطة بنزين

حمودة مما أدى إلى إصابة ركابها بإصابات مباشرة. وظهر الإبداع القسامي لعماد عقل ومجموعته المجاهدة مرة أخرى في طريقة الانسحاب والإفلات من محاصرة الدوريات الصهيونية التي تمر بكثافة على هذا الطريق حين تابع المجاهدون سيرهم شمالاً وكأنهم يتجهون إلى المناطق المحتلة منذ عام 1948، باتجاه معاكس للخط الذي توقع ضباط الاحتلال أن تسلكه المجموعة.

 

 وتجلت الشجاعة التي تحلى بها الشهيد القائد وإخوانه في هذه العملية البطولية عند تقابلهم مع سيارة جيب عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي كانت منطلقة في الاتجاه المعاكس للطريق التي سلكتها سيارة المجاهدين في انسحابها. فقد أطلقت السواعد المجاهدة نيران أسلحتها باتجاه الجنود داخل الجيب الذي كان يهرع لنجدة السيارة التي ضربتها المجموعة بالقرب من محطة البنزين. وإذا كان الأبطال قد انسحبوا في أعقاب ذلك إلى قاعدتهم بسلام تاركين جنود الاحتلال يتخبطون في دمائهم، فإن الخوف والرعب الذي أصاب الجنود الذين نجوا من الإصابة أفقدهم القدرة على الرد على مصدر النيران وتعقب السيارة القسامية. فقد اكتفت السيارة العسكرية الإسرائيلية بالاستمرار في سيرها على الطريق الشرقي لحي الشجاعية دون أن تبلغ عما حدث لها أو عن الاتجاه الذي سلكه المجاهدون إلا بعد وصولها إلى مركز القيادة الإسرائيلية.

 

 ومهما يكن من أمر الخسائر البشرية التي أصابت قوات العدو جراء هذه العملية، إذ أن حالة الخوف والرعب التي عاشها المستوطنون في المنطقة على الرغم من عدم استهدافهم في أي من العمليات التي قادها ونفذها الشهيد رحمه الله كان واضحاً للعيان بحيث لم تستطع الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية المرئية تجاهلها. وكانت قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي قد اعترفت بالعملية البطولية غير أنها تكتمت على حقيقة الإصابات التي لحقت بالسيارتين، حيث اكتفى الناطق العسكري الذي أعلن عن الهجوم بالإشارة إلى إصابة جندي احتياط في السيارة الأولى بجروح خطيرة نقل على إثرها بطائرة مروحية إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع بالإضافة إلى إصابة جندي آخر في سيارة الجيب بجروح وصفت بأنها طفيفة. وزعم الناطق بأن الجنود الإسرائيليين ردوا على النار بالمثل في الهجوم الثاني ولكن المهاجمين نجحوا في الفرار دون إصابات بعد أن تركوا مشطاً فارغاً لبندقية آلية من نوع (إم-16) رسم عليه شعار حركة حماس إلى جانب اسم (كتائب الشهيد عز الدين القسام).

 

 حفظ الله الشهيد القائد وأخويه في هذه العملية وأعمى عنهم التعزيزات العسكرية ودوريات الجيش التي قامت بانتظام ومن دون توقف بتفتيش النقاط الساخنة في القطاع إذ أصيبت السيارة التي أقلتهم بعطل ميكانيكي مفاجئ أثناء الانسحاب فخرجت عن الطريق مصطدمة في شجرة بعد أن هوت في واد صغير. فنزل المجاهدون منها وقاموا بدفعها باتجاه الطريق العام وعين الله ترعاهم، لينطلقوا بها من جديد دون أن تجذب هذه السيارة انتباه فرق التفتيش العسكرية التي كانت تبحث عنهم.

 

7-عملية غزة بدر:

 

 بدا قطاع العز والكرامة وكأنه يعيش أجواء حرب حقيقية في أعقاب عمليات التصعيد الجهادي الشامل في مختلف المواقع والمدن والمناطق التي نفذتها كتائب الشهيد عز الدين القسام بهدف إيصال الهلع والخوف إلى داخل كل بيت في الكيان الصهيوني. وفيما يستمر الاستنفار العسكري للآلة الحربية الإسرائيلية من جيش وحرس حدود وما يرافقه عادة من توتر نفسيّ على العسكريين الصهاينة نظراً للنهج العسكري المتميز لكتائب القسام الذي يقتصر على مهاجمة الدوريات والآليات العسكرية وإنزال أشد الضربات البشرية في ركابها، عززت الشرطة الإسرائيلية وجودها في مختلف أنحاء القطاع إلى جانب الحواجز العسكرية والتي أقامها الجيش على الطرق وعند نقاط العبور بين القطاع والمناطق المحتلة عام 1948 بغية التدقيق والتفتيش في هويات المواطنين العرب. ولكن هذه الإجراءات وما رافقها من أجواء إرهابية ضد المدنيين الأبرياء وتحركات ضباط الشاباك وعملائهم لكشف الخلايا العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية وقفت عاجزة أمام جراءة وتحدي المجموعات الفدائية المختارة التي كان يقودها الشهيد القائد عماد عقل لما عرفت به من إيمان وثقة عالية بالنفس وإتقان الهجوم وإجادة التمويه عند انسحابها وفق خطة مدروسة.

 

 ففي ساعات متقدمة من مساء يوم الأربعاء 17 رمضان 1413هـ الموافق 10 آذار (مارس) 1993، شارك الشهيد القائد ومجموعته البطلة جماهير شعبنا الصابر المرابط على أرض الإسراء احتفالها بذكرى غزوة بدر بطريقتهم المعهودة. فقد اخترقت المجموعة الفدائية نظام الحواجز الأمنية والعسكرية الدقيقة التي وضعتها سلطات الاحتلال للحد من حركتها، وتتبعت حافلة عسكرية حمراء عليها خطوط بيضاء خرجت من شريط المستوطنات المعروف باسم غوش قطيف باتجاه منطقة تل السبع وهي تقل إلى جانب سائقها سبعة من جنود الاحتياط.

 

 وبنفس الأسلوب الذي اتبع في عمليتي مفترق الشجاعية وحي الأمل، بدأت سيارة المجاهدين بتجاوز الحافلة الإسرائيلية أثناء سيرها على الطريق الشرقي لحي الشجاعية بمدينة غزة واقتربت منها حتى أصبحت على بعد مترين منها ثم أطلق الشهيد القائد واثنان من إخوانه وابلاً من الرصاص من ثلاث بنادق رشاشة (إم-16 وكلاشنكوف) باتجاه الحافلة التي أصيبت بإصابات مباشرة دون أن يتمكن الجنود الذي كانوا داخلها من الرد على مصدر النيران.

 

 وقد عادت المجموعة الفدائية التي لم تستطع تحديد حجم الخسائر والإصابات البشرية التي لحقت بركاب الحافلة العسكرية إلى قاعدتها بسلام ويبدو أن نجاة سائق الحافلة من الإصابة كون المجاهدين ركزوا تصويب رشاشاتهم باتجاه الجنود، جعل الحافلة العسكرية تنطلق بأقصى سرعتها باتجاه مقر الحكم العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة حيث تم إخلاء الإصابات ونقلهم بالطائرات المروحية إلى أحد المستشفيات الإسرائيلية القريبة.

 

 مهما يكن من أمر اعتراف سلطات الاحتلال بحقيقة خسائر جيشها البشرية من جراء هذا الهجوم الجريء، فإن الإجراءات الإرهابية التي اتخذتها هذه السلطات عقب العملية البطولية تدل على عظم الأثر الذي خلفه نجاح الشهيد القائد وإخوانه على جنود العدو. فقد قام جيش الاحتلال في صبيحة اليوم التالي بقطع نحو (20) شجرة حمضيات وزيتون قرب مكان إطلاق النار على الحافلة، إلى جانب هدم سور تعود ملكيته للمواطن إياد أبو ضبة زعمت السلطات العسكرية بأنه يحجب الرؤية عن المسافرين على الشارع. وشقت السلطات الإسرائيلية كذلك طريقاً بعرض خمسة أمتار في حقل رعي يملكه مواطن فلسطيني آخر يقع مقابل السور الذي تم هدمه وذلك بحجة تسهيل مرور دوريات الجيش وحرس الحدود. وأما حول الإصابات التي اعترف بها جيش الاحتلال الذي دأب على التقليل مما يصيبه جراء ضربات السواعد المباركة، فإن سلطات العدو لم تعترف في البداية بوقوع الهجوم على الرغم من تأكيد شهود عيان حدوث إطلاق النار باتجاه الحافلة العسكرية. ولكن السلطات الإسرائيلية التي أغلقت قواتها المنطقة وشنت حملة تفتيش واسعة، عادت واعترفت بالعملية بعد أربع وعشرين ساعة على حدوثها مدعية أن عيارات نارية أطلقت على حافلة إسرائيلية جنوبي مدينة غزة مما أدى إلى إصابة إسرائيلي بجراح. ثم عاد الناطق العسكري الإسرائيلي في وقت لاحق ليعلن عن إصابة جنديين خلال اشتباك مسلح وقع بين (الشبان المطاردين) ودورية عسكرية كانت تمر على الطريق الشرقي لحي الشجاعية ومن المؤكد أن التخبط والتناقض في رواية العدو الذي ظهر بشكل جلي في بيانات الناطق العسكري يدل دلالة واضحة على جسامة الإصابات التي ألحقها عماد وإخوانه في الحافلة العسكرية، فقد أعلن الناطق نفسه في مرة ثالثة عن إصابة سائق حافلة عسكرية بعيار ناري بالكتف خلال إطلاق ملثمين النار يوم الأربعاء 10 آذار (مارس) على حافلة عسكرية كانت تسير على الطريق الشرقي. وبذلك يكون مجموع ما اعترف به العدو الصهيوني أربعة جرحى مع أن الرقابة العسكرية تلجأ عادة إلى منع نشر أنباء العمليات التي تلحق إصابات بشرية قاتلة في صفوف الجيش والشرطة وحرس الحدود إلى حين إخطار عائلاتهم.

 

8-عملية ليلة القدر:

 

 سجل الشعب الفلسطيني بحروف العزة والكرامة هذه العملية التي نفذها الشهيد القائد عماد عقل ومجموعته المختارة ضمن مسلسل العمليات الرمضانية لكتائب الشهيد عز الدين القسام في سجله التاريخي الخالد. فقد أعطت هذه العملية النوعية الجديدة بعداً جديداً للصراع مع دولة العدوان الصهيوني بتأكيد قادة العدو أنفسهم، فهذا يهوشع ساغي رئيس الاستخبارات العسكرية السابق يقول: "إن مستقبل الانتفاضة سيشهد المزيد والمزيد من سفك الدماء… إنها لم تعد انتفاضة، إنها حرب عصابات جامحة بدون حدود".

 

 إذن هي مرحلة جديدة من مراحل الارتقاء الجهادي في الانتفاضة سجل لكتائب الشهيد عز الدين القسام وقائدها في منطقة غزة عماد عقل فضل صناعتها والسبق في تنفيذها. فإذا كانت عمليات الشهيد القائد تمتاز بالتجديد دائماً، فقد جاءت عملية ليلة القدر بمميزاتها خطوة جديدة على درب الجهاد والشهادة، وذلك يرجع إلى عدة حقائق أهمها:

 

 بدت في هذه العملية خبرة الشهيد وحنكته في رسم خطة التنفيذ وطريقة الانسحاب وأسلوب الهجوم في وقت قياسي إذ أن المجموعة كانت خارجة في الأصل لتنفيذ عملية جريئة ضد دورية كانت تمر في حوالي الساعة العاشرة مساءً بشارع ترابي في منطقة (العطاطرة/ بيت لاهيا)، إلا أن المجموعة المجاهدة لم تتمكن من قتل الجنود والاستيلاء على أسلحتهم حسب ما كان مخططاً له نظراً لعدم مرور هذه الدورية في تلك الليلة، وقدر الله سبحانه وتعالى ألا تقع هذه الدورية في الكمين الذي نصب لها. وعند عودة المجاهدين إلى قاعدتهم في حوالي الساعة الثانية والنصف من فجر يوم السبت الموافق 20 آذار (مارس) 1993 التقوا بالراصد العسكري الجريء الشهيد عماد نصار الذي أبلغهم بوجود هدف عسكري جديد تم متابعته ورصده منذ مدة، وعندئذ قرر عماد عقل وإخوانه الخروج والنيل من جنود الاحتلال بعد أن تم دراسة هذا الهدف ووضع الخطة المناسبة له.

 

<أظهر الشهيد القائد رحمه الله وإخوانه جرأة فائقة تميزوا بها كأبطال لكتائب القسام في تنفيذ العملية تمثلت في مهاجمتهم لدورية عسكرية مؤلفة من سيارتي جيب كبيرتين تقلان ما لا يقل عن خمسة عشر جندياً بكامل أسلحتهم وعتادهم الحربي بينما كانت الدورية تقترب من مركز الجيش في وسط مخيم جباليا. وعلى الرغم من عدم التكافؤ في الأسلحة والتجهيزات بين المجاهدين وجنود الاحتلال، إلا أن المجاهدين نجحوا في إيقاع خسائر كبيرة في صفوف جنود الدورية دون أن يتمكن هؤلاء من الرد على مصدر النيران. وظهر الخوف والارتباك الذي أصاب جنود الاحتلال بإشارتهم في التقرير الذي رفعوه إلى قيادتهم بأن أحد المجاهدين بقي في المكان موجهاً نيران مدفعه الرشاش باتجاههم مما منعهم من تعقب بقية أفراد المجموعة المجاهدة مع أن المجموعة الفدائية غادرت أرض العملية دون أن تترك أحداً من أفرادها كونهم لم يتعرضوا لأي مواجهة أو إطلاق نار من قبل الجنود داخل السيارتين العسكريتين.

 

<على الرغم من أن العملية تمت من كمين ثابت ضد هدف متحرك، إلا أن الجديد الذي أظهره عماد عقل ومحمد دخان ورائد الحلاق ما تمتعوا به من شجاعة تنم عن حب الجهاد والاستشهاد في سبيل الله حيث خرج الأبطال من كمينهم وتقدموا نحو السيارتين العسكريتين وبدأوا بإطلاق النار بغزارة من ثلاث بنادق رشاشة (اثنتين من نوع إم-16 والثالثة من نوع كلاشنكوف). فقفز الشهيد القائد رحمه الله أمام السيارة الأولى مفرغاً مخزناً كاملاً من الرصاص في جنودها من مسافة خمسة أمتار فقط بينما خرج المجاهد محمد دخان من مكمنه بعد أن عطل عمود الكهرباء عليه رؤية الدورية واقترب من السيارة الثانية مطلقاً هو الآخر رصاص مخزن كامل من مسافة مترين تقريباً على جنودها الذين كانوا يجلسون في المقعد الخلفي ويتأهبون للخروج في محاولة لمواجهة عماد عقل  الذي استمر في إطلاق النار على السيارة الأولى. وأما المجاهد رائد الحلاق فقد خرج هو الآخر من مكانه واقترب من السيارتين مطلقاً النار باتجاههما من الجانب.

 

 تزامنت هذه العملية البطولية مع احتفال جماهير شعبنا المسلم المرابط بليلة القدر وإحيائهم لها بالصلاة والدعاء وجلسات الذكر في المسجد الأقصى المبارك رمز وحدة المسلمين وعزتهم. ولأن هذه الليلة خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، قرر الشهيد القائد وإخوانه في كتائب الشهيد عز الدين القسام أن يكون إحياؤها على الطريقة القسامية باحتفال جهادي يليق بهذه المناسبة المباركة متحدياً في ذلك كل الإجراءات الأمنية الوقائية التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية وجيشها وأجهزة مخابراتها من تكثيف لعدد الجنود ومضاعفة الدوريات المتحركة بحيث تدفع المجاهدين بشكل غير مباشر إلى عدم الدخول في معركة يعرف المجاهدون مسبقاً أن حجم الخسارة فيها سيكون كبيراً. ولكن الشهيد القائد، بناء على مفهوم (الدور غير المتوقع) الذي يعتبر من أرقى المفاهيم الأمنية التي اعتمدت عليها كتائب القسام في عملياتها، خطط لضربة مؤلمة تكسر كل احتياطات العدوة الأمنية. فإذا كانت عمليتا مفترق الشجاعية والحاووز اللتان نفذهما أبطال القسام في كانون الأول (ديسمبر) من عام 1992 قد أثارتها ذهولاً يخالطه القلق لدى المؤسسة السياسية الإسرائيلية لما كشفته من وجود ثغرات أمنية خطيرة في التركيبة العسكرية الإسرائيلية واهتزاز مكانة الجيش الإسرائيلي وارتباك جنوده، فإن قيادة جيش الاحتلال قررت عدم السماح للسيارات الفلسطينية بتجاوز السيارات العسكرية إبان الليل على طرق الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنعت السيارات العسكرية كذلك من التجول أو القيام بأعمال الدورية بشكل منفرد في شوارع معينة في الضفة والقطاع ومنها مخيم جباليا الصمود لما عرف عنه من بطولة ومقاومة حيث سيرت الإدارة العسكرية الإسرائيلية دورياتها في شوارعه بشكل ثنائي ووفق تشكيل قتالي مكثف. ورغم هذه المعطيات، إلا أن الشهيد القائد ومجموعته ازدادوا قوة وإصراراً على مواجهة التحدي بضربات تهز أركان الدولة العبرية، فانطلقت المجموعة تحمل ثلاث بنادق أوتوماتيكية في السيارة القسامية المباركة باتجاه الجهة الشمالية من مقبرة الشهداء في مخيم جباليا حيث تمر باتجاه وسط المخيم عند انتهاء أعمال الدورية. وما أن اقتربت الدورية الإسرائيلية من مكان الكمين وأضحت السيارة الأولى على بعد حوالي خمسة أمتار من سور المقبرة حتى انطلق الرصاص القسامي في حوالي الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم السبت 20/3/1993، وهاجم الأبطال السيارتين في تحد جريء لجنود الاحتلال الخمسة عشر وأمطروهم بحوالي تسعين طلقة من أسلحتهم الرشاشة. وعادت المجموعة المجاهدة بفضل الله ورعايته سالمة إلى قاعدتها على الرغم من حظر التجول وحملات التفتيش الدقيقة والواسعة للمخيم من قبل سلطات الحكم العسكري وقوات الجيش وحرس الحدود المعززة بأجهزة المخابرات وعملائها.

 

 وعلى عادة الإعلام الصهيوني في إخفاء الحقائق وعدم الإعلان عن النتائج الحقيقية لعمليات كتائب القسام، فإن سلطات العدو أصّرت على عدم الاعتراف في البداية إلا بمصرع العريف يوسيف شابتاي (21 عاماً) الذي فارق الحياة أثناء نقله بالطائرة المروحية إلى المستشفى ولكن المجاهدين يؤكدون أنهم جرحى. وقد تأكدت الرواية القسامية حين عاد الناطق العسكري في وقت لاحق ليعلن مصرع العريف شموئيل يورم والجندي إدوارد حننايف (20 عاماً) ولكنه زعم بأنهما سقطا في حوادث متفرقة في ذلك اليوم.

 

9-عملية مصعب بن عمير:

 

 لم يستغرق الأمر أكثر من ثوان قليلة إلا وكان الشهيد القائد رحمه الله يقفز فوق رؤوس جنود الاحتلال الذين قتلهم أمام مسجد مصعب بن عمر معلناً رفضه القاطع للاتفاق الذي توصل إليه ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الصهيوني في أوسلو، ومقدماً الدليل العملي الواضح على الطريق الصحيح الذي يجب انتهاجه لإعادة أرض الإسراء والمعراج المباركة. ففي الوقت الذي كانت فيه الاستعدادات تجري للتوقيع على اتفاق بيع فلسطين وبيت المقدس في حديقة البيت الأبيض، سلطت وسائل الإعلام العالمية كاميراتها على المشهد العظيم لسيارة الجيب العسكرية التابعة لجيش الاحتلال وقد اخترق الرصاص القسامي هيكلها ليستقر في أجساد ورؤوس المجرمين الذين ارتمى أحدهم خلف عجلة القيادة فيما كان النصف العلوي لجثة زميله الذي يجانبه تتأرجح خارج السيارة، وأما الثالث والذي اتضح فيما بعد أنه قائد الدورية فقد سقط أمام السيارة بعد أن تمكن من الخروج محاولاً الهرب رغم إصابته من الضربة الأولى التي تلقاها من عماد وأخيه الذي شاركه في تنفيذ العملية.

 ما كان الطريق الترابي القريب من إحدى البيارات الذي يمر أمام مسجد مصعب بن عمير بحي الزيتون ليذكر أو تعيره وسائل الإعلام العالمية أي انتباه لولا أن عيون أبطال القسام الذين يقودهم البطل عماد عقل وضعته تحت المراقبة والرصد. وما إن نقل القساميون إلى قائدهم خلاصة معلوماتهم عن سيارة الجيب الصغيرة المسماة (صرصور) وبداخلها ثلاثة جنود والتي تمر في وقت محدد في هذا الطريق ضمن نشاطها الميداني في المنطقة الشرقية لمدينة غزة حتى بدأ الشهيد القائد بدراسة هذا الهدف مكثفاً عمليات الرصد مع التركيز على ما يفيد المجاهدين في رسم خطتهم للهجوم على هذا الصيد الثمين مثل: نوع السيارة، عدد الجنود بداخلها، السلاح الذي يحمله الجنود عادة في هذه الدورية، والأوقات التي تمر بها الدورية في الغالب. وبالفعل نجح شهيدنا بجمع هذه المعلومات، فكان لزاماً عندها وضع الخطة المناسبة التي تضمن تدمير الهدف والاستيلاء على السلاح وما يحمله الجيب من ذخيرة وعتاد.

 

 ويعلم الشهيد القائد وإخوانه في كتائب القسام أن كل ما يدور في أروقة الفنادق والغرف المظلمة التي قادت إلى اتفاق أوسلو ما هي إلا مناورات كاذبة لبيع بيت المقدس، قرر شهيدنا رحمه الله أن تتزامن الضربة القسامية مع احتفالات اليهود بانتصارهم الذي أحرزوه في النرويج. وبذلك تؤكد كتائب الشهيد عز الدين القسام أن لواء الجهاد في سبيل الله لن يحيد عن إحدى الحسنيين (النصر أو الشهادة). فقد رابط الشهيد القائد رحمه الله واحد إخوانه بعد أن أنزلتهم السيارة القسامية المباركة عند المسجد خلف إحدى البوابات القريبة يحملان بندقيتين (إم-16) وكلاشنكوف بانتظار وصول الدورية الإسرائيلية. وما إن اقتربت السيارة العسكرية التي كانت تسير على الطريق الترابي الذي يمر أمام المسجد من مكان المجاهدين، وأضحت على بعد مترين تقريباً منهما حتى زغرد الرصاص القسامي معلناً رفض الهزيمة والذل في حوالي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم السبت 12 أيلول (سبتمبر) 1993، فأصيب الجنود الثلاثة إصابات مباشرة حيث قتل السائق والجندي الذي بجانبه على الفور بينما تمكن قائد الدورية من القفز من السيارة في محاولة للهرب ولكن بنادق القسام كانت له بالمرصاد وعاجلته قبل أن يتمكن من الابتعاد عن السيارة المصابة. وبسرعة البرق، خرج البطلان من مكمنهما وهما يطلقان الرصاص على رؤوسهم قبل أن يستوليا على كل ما يوجد داخل الجيب من أسلحة أتوماتيكية من نوع (إم-16) وذخيرة وعتاد ما عدا بندقية كانت مخبأة تحت مقعد سائق الدورية.

 

 وانسحب الشهيد القائد وأخوه المجاهد بحفظ الله ورعايته يحملان ما غنماه من جنود الاحتلال الذين صرعوهم عائدين إلى قاعدتهما بعد أن ألقيا منشورات تعلن مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام عن العملية.

 لقد كانت عملية مصعب بن عمير امتداداً لبطولات القسام التي سطرها الشهيد القائد عماد عقل وإخوانه القساميون في المنطقة الشمالية من قطاع غزة مما أجبر قائد القوات الإسرائيلية في قطاع غزة الجنرال يومتوف سامية على

الاعتراف بأنها عملية محكمة ومعقدة من الناحية التنفيذية. إذ لم تصل التعزيزات العسكرية إلى المنطقة إلا بعد مرور وقت طويل على إتمام العملية، وهذا إن دل فإنما يدل على دقة تنفيذ خطة الانسحاب بعد الهجوم مما أفقد العدو الأمل في تعقب البطلين المنفذين. كما أثبت المجاهدان جرأة وشجاعة فائقة أولاً بتنفيذهما الهجوم فيما الدورية على بعد مترين فقط منهما وثانياً في سرعة حركتهما وقفزهما فوق السيارة العسكرية واستيلائهما على السلاح والذخيرة قبل الانسحاب إلى قاعدتهما.