الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

  المقبرة الشرقية تحتضن الجسد الطاهر

 

 رغم مشاعر الألم واللوعة التي تعتري الوالدين عند فراق الابن الغالي، وبخاصة لعائلة مثل عائلة عماد عقل التي قدمت لفلسطين خيرة أبنائها وعانت قبل ذلك من ممارسات سلطات الاحتلال ومداهماتها الانتقامية للمنزل كلما انطلق الرصاص القسامي باتجاه جنودها وضباطها، إلا أن معنويات والد الشهيد ووالدته كانت مرتفعة. ولعل الإيمان بالله سبحانه وتعالى وما أعده للشهداء الذين اصطفاهم وأكرمهم من بين خلقه وأنزلهم هذه المنزلة العظيمة هيأ الوالدين لسماع نبأ استشهاد ولدهم. كما أن كثرة أعداد المطاردين الذين استشهدوا في الآونة الأخيرة وشعور الوالد الجازم كما يقول بأن الله سبحانه وتعالى سيحقق لابنه ما يريد ويموت شهيداً جعل الوضع طبيعياً بالنسبة له. ولكن الحقد الصهيوني الدفين على الشهيد القائد لم يكتف بإيذاء الوالدين الصابرين من خلال المداهمات والتفتيش كلما أرادت سلطات الاحتلال الانتقام منه، بل تعداه إلى الاستمرار في هذا الإيذاء حتى بعد استشهاد البطل. فقد أصدر إسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية الذي يشغل في نفس الوقت منصب وزير الدفاع فيها قراراً يقضي بمنع أي شخص من الاقتراب من منزل عائلة الشهيد عماد عقل حيث بدأ مئات الجنود الذين احتشدوا في مخيم جباليا بتطبيق هذا القرار منذ صباح يوم الخميس الموافق 25 تشرين الثاني (نوفمبر). ولم يسمح الجنود بدخول المنزل إلا لوالد وشقيق الشهيد وشقيقته ووالدته في حين منعت الجماهير الغفيرة التي أحبت عماداً ورأت فيه القدوة والمثل الحي بالمقاومة والجهاد من التوافد إلى البيت أو حتى الاقتراب منه لتقديم التهاني على غياب عماد واستشهاده. وطال المنع كذلك جيران العائلة وأقرباء الشهيد بكافة درجاتهم، كما رفض المجرمون طلباً لأحد كبار السن من الأقرباء بإدخال بعض الخضار لوالدي الشهيد القائد اللذين عاشا يومهما أشبه ما يكون داخل معتقل أو في إقامة جبرية!. وفي مساء ذلك اليوم، اصطحب جنود الاحتلال الشيخ أبو العبد والد الشهيد إلى مركز الشرطة ومن ثم إلى مقر الإدارة المدنية الإسرائيلية لقطاع غزة ثم نقل بعدها إلى معهد أبو كبير الطبي في مدينة يافا للتعرف على جثمان الشهيد الذي تشوهت ملامحه.

 

 وتجسد الحقد الصهيوني مرة أخرى حين حرمت سلطات الاحتلال العسكرية جماهير شعبنا من شرف حمل الشهيد على أكتافها والمشاركة في عرسه الخاص، إذ طلبت من والد الشهيد الذي رافق الجثمان أن يتم التشييع والدفن بحضور عشرة من أقاربه فقط. كما رفضت هذه السلطات دفن الشهيد في مقبرة الشهداء القريبة من مقر الإدارة المدنية في المخيم، وهي المقبرة التي اعتاد أهل المخيم دفن موتاهم بها، وطلبت دفنه في المقبرة الإسلامية الشرقية بجباليا وذلك خوفاً من اندفاع الجموع الغاضبة باتجاه المقر العسكري الإسرائيلي لتحطيمه ومهاجمة الجنود الذين يحرسونه.

 

 وفي ساعة متأخرة من ذلك المساء الحزين، وصل الأب الصابر مع سيارة الإسعاف التي تحمل الشهيد إلى المقبرة ليتم الدفن في ظل حراب بنادق الاحتلال التي شرعت وكأنها تريد الانتقام من عماد الذي هزمها خلال صولاته وجولاته الشجاعة في الضفة والقطاع ولكن هيهات لهم. فقد انتصر الشهيد القائد عليهم حتى بعد استشهاده من خلال مداد دمه الطاهر التي أشعلت فعاليات الانتفاضة وزادتها توهجاً. وقبل أن ننتقل من المقبرة الشرقية إلى منطقة الفالوجة حيث نظمت الجماهير الفلسطينية من جميع أنحاء الوطن الحبيب بلا استثناء عرساً حقيقياً للشهيد تعبيراً عن حبها لعماد وغضبها على سلطات الاحتلال التي حرمتها من المشاركة في شرف دفنه، نتوقف عند الأم المجاهدة الصابرة التي كانت بأمس الحاجة إلى من يمسح الدموع التي تحجرت في مآقيها وشجاعتها بإصرارها على خرق تعليمات المجرمين والكشف عن جثمان الشهيد.

 

 ورغم الحزن والألم وعمق الروابط والذكريات، تتقدم والدة الشهيد القائد دون صراخ أو عويل نحو الجسد الطاهر وتقبله من قدمه، إذ أنها لم تستطع التعرف على معالم وجه ابنها نظراً لتمزق الرأس إلى عدة أجزاء بعد أن نالت منه القذيفة الصاروخية الجبانة.