الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

  آه، كم كان يعشق الرحيل 

 

 الأستاذ: خضر محجز

 

(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) .

 

 هل آن للفارس أن يترجلْ؟!

 هل آن للمسافر أن يستريح؟!

 

 أمس فاجأتنا وسائل الأنباء برحيل عماد.

 

 أمس تفجرت كل براكين الحقد من فم رابين، وهو يهنئ جيشه برحيل البطل ذي الأرواح السبعة.

 اثنا عشر صهيونياً قتلهم، ثم قتلوه!!.. أجليبيباً آخر نرى في القرن العشرين!!.. هذا من محمد – ^ - ومحمد منه.

 آه، كم كان يعشق الرحيل!

 

 كان يحمل أمه في قلبه، ويرحل كل يوم إلى السماء.. يطوف بها بين النجوم، وينسج لها من شعاع الشمس إكليلاً، ويأوي بها إلى كهوف القمر.. كان يباهي الأشياء بأجمل الأشياء.

 وأمس قرر عماد أن ينام..

فتحت له أمه أحضانها، فنام..

بين ضلوعها، نام..

 إنها الآن تمسد له شعره الأشعث، وتغني له أغنية الحمام،

وألقت عصاها، واستقرت بها النوى

كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ

 آه.. كم هو غالٍ ثمن هذا العشق!

 

 أمس قالت الإذاعة أن عمره لم يتجاوز الأربعة والعشرين ربيعاً.. لكنني لا أتصوره إلا ذلك الشبل ابن الخمسة عشر عاماً، في سنيّ شبابه الأولى،

 

عندما التحق بركب الدعوة.. كنا نسميه "الفلفلة" لشدة حرارته، ولسرعة حركته.. كان ينتقل من مسجد إلى مسجد.. ودائماً كان أشبال المساجد حوله.

 

 حيثما يحل، تنقلب الموازين.. حتى قال أحدهم مرة لمحدثه: ألا تعرف عماد عقل؟!.. ذاك الولد الصغير الذي حول حارة الفالوجا في المخيم كلها إلى حماس.

 آه.. كم سيبكي المخيم!

 كان الموت غولاً، يجوب شوارع المخيم، وكان عماد كل صباح يحمل سلاحه مطارداً هذا الغول.. وكان الموت يخاف عماداً، ويهرب منه.. وكان عمادٌ يبحث عنه لينال منه ثأره.. أمس فقط صرع عمادٌ الموت برصاص رشاشه، والتحق بالخالدين، آه ما أشد فرحة الخالدين.

 عرف السجن صغيراً، حيث قضى فيه مدةً في بداية الانتفاضة وعرف السجن دعوة، حيث أثّر على الكثيرين من أبناء الاتجاهات وأخذ بأيديهم إلى دعوة الخير. وعرف السجن مدرسةً تعلم فيها دروس النضال والصبر.. وعرف السجن وعداً وقسماً:

 

لقد وعد معارفه بأنه لن يعود إلى السجن أبداً.

ولقد أقسم لربه أنه لن يختار السجن أبداً.

 ولكأني أسمع الأوغاد ينادونه بعد إحكام الحصار، يغرونه بالتسليم والاستسلام مقابل النجاة، ولكن قرار عماد كان سابقاً.. داعبت يده الحنون صديق العمر الأسمر، فانطلقت الزغاريد في عرس الوطن.

 في تلك اللحظات كانت أزهار الحنّون تتفتح في روابي فلسطين كما صدر عماد.

 آه.. ما أجمل شقائق النعمان في مرج ابن عامر!

 بعد خروجه من السجن في عام 1990 شكل خلايا العمل المسلح لكتائب القسام في شمالي قطاع غزة مع صديق عمره. ومن يومها لم يذق اليهود وعملاؤهم طعم النوم أبداً.

 

 لقد بلغ من حماس هذه المجموعة الرائدة أن هاجم أفرادها –وفيهم عماد- سيارة أحد العملاء المشهورين بسكاكينهم، بغية قتله والاستيلاء على سلاحه.. لقد أرادوا السلاح، الذي كان شحيحاً في تلك الأيام، ودفعوا ثمن ذلك روح شهيدهم الأول "غسان أبو ندى" الذي تحول إلى ضمير المجموعة، يحثها على الثأر.. من يومها لم يعد هناك لعماد فرصة للنوم.. فهل وجد عمادٌ فرصته أخيراً؟!

 آه.. ما أجمل الراحة بعد التعب!

 

 عرض رابين على أهله عرضاً مغرياً: أن يخرج عماد من الوطن إلى مصر أو الأردن بسلام، في رحلة نفي مدتها ثلاثة أعوام.. ذلك أن رابين يريد أن ينام.. ولكن عماداً لم يكن يومها يريد أن ينام.. لقد كان أمامه بعض العمل، كما أنه يريد أن يلتحق بعد إتمام عمله بإخوانه: ياسر وغسان وطارق والحسنات.. وأمس وصل.

 آه ما أجمل اللقاء بعد طول فراق!

 أعاد تنظيم الحركة المسلحة في القطاع ثم رحل إلى الضفة الغربية ليؤسس هناك خلايا عمل جديدة، وخاض هناك عدة مواجهات في الخليل.. وبعد أن اطمأن إلى نمو زرعه، عاد إلى غزة.. أخيراً عانق الساحل الجبل وملأت غابات البنادق سماء فلسطين الإسلامية.. فليودع عماد أحبابه هنا، ليلتحق بأحبابه هناك: محمدٍ وصحبه..

 آه.. ما أعذب الكوثر!

 

 وأخيراً، قرت عين أبي عماد.. لطالما أراد أن يزوج ابنه، ليفرح به في حياته.. فيا لفرحة الوالدين!.. ويا لفرحة الحور العين!

 لو قدر لك أن تذهب إلى معسكر جباليا، هذه الأيام، فلن تحتاج إلى السؤال عن بيت "عماد عقل".. ستندس وسط أي مجموعة من الناس تراها في أي شارع، وستسير معها حيث سارت دون سؤال.. فالكل الآن متوجهٌ إلى بيت الشهيد غربي المخيم.

 ستدخل الحارة التي تحولت إلى مهرجان فرح كبير، وسوف يغمرك الشباب

 

بالحلويات، والنساء بالزغاريد.

 لكن.. إذا ظهرت فجأة مجموعة للملثمين، فلا تجزع.. إنهم قادمون ليؤدوا التحية للقائد..

 تحية من نوع آخر..

 تحية الرجال للرجال..

 أعرف أنك سوف تطرب لسماع أزير الرصاص..

فنحن –أبناء فلسطين- لا يطربنا شيء كالرصاص.

 فسلام على الشهداء في كل مكان

 والله أكبر ولله الحمد

مرج الزهور

27/11/1993م