|
المطارد عماد عقل

الرابع عشر من كانون الأول
(ديسمبر) من كل عام، يوم عزيز وغالٍ عند أبناء شعبنا سواء داخل الوطن المحتل وحتى
خارجه. ففي ذلك اليوم من عام 1987م أذاعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بيانها
التاريخي الأول، فكان عنوان مرحلة جديدة يأخذ فيها البعد العقائدي مكانه الطبيعي
والصحيح في مواجهة العدو الصهيوني المحتل لأرضنا ومقدساتنا. ولهذا لا يمكن أن تمر
هذه المناسبة دون احتفال يليق بها وخاصة من قبل كتائب الشهيد عز الدين القسام. وضمن
هذا الإطار، نظمت مجموعة الشهداء استعراضاً عسكرياً في مخيم جباليا في الرابع عشر
من كانون الأول (ديسمبر) 1991 شارك فيه مجدي حماد الذي سار في الاستعراض متلثماً
يحمل بندقية كارل غوستاف استعيرت من مجموعة كتائب الشهيد عز الدين القسام التي كانت
تعمل في مخيم الشاطئ بقيادة أحمد أنصيو. ولكن جسم مجدي الممتلئ والمميز لم يخفَ على
أهل المخيم، فانكشف أمره وعرفت شخصيته رغم اللثام، فأخذ العامة يتحدثون عن مسيرة
حماس والملثم الذي كان يطلق الرصاص. وكان لهذه الأحاديث المتواترة وانتشار عملاء
المخابرات الإسرائيلية الدافع الأكبر لمراجعة وضع مجموعة الشهداء من قبل قيادة
كتائب القسام التي رأت أن احتمالات انكشاف شخصيات مجاهدي المجموعة قد ازدادت، ولهذا
لابد من قطع الطريق على ضباط جهاز الشاباك وعملائهم والحفاظ على مجموعة الشهداء
بخروج مجدي حماد من فلسطين المحتلة. وتزامن هذا القرار مع قرار آخر مشابه يتعلق
بالمجاهد محسن العايدي الذي كان مطارداً على خلفية مسؤوليته لجهاز الأحداث التابع
لحركة (حماس) في المعسكرات الوسطى.
وفي ليلة معتمة كان المجاهدان
مجدي حماد ومحسن العايدي على موعد مع القدر، فقد وقع المجاهدان في الأسر أثناء
محاولتهما عبور خط الحدود الدولية بين فلسطين المحتلة ومصر بالقرب من مدينة رفح في
السادس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1991م، ليرسلا فوراً إلى قلعة الأبطال
(سرايا غزة) حيث يمارس التعذيب البشع والحرب النفسية والإرهابية ضد المجاهدين
البطلين حتى تبدأ الصفحة المختفية في الظهور وتبرز الكلمات والخطوط والأسماء أمام
عيون الجلادين الصهاينة. وتعرض مجدي حماد لتعذيب أشد كونه أحد أعضاء الجهاز العسكري
لحركة "حماس" وشقيق المعتقل فتحي حماد أحد قادة الجناح العسكري لحركة المقاومة
الإسلامية الذي كان يعرف باسم "المجاهدون الفلسطينيون" والمحكوم بالسجن لمدة خمسة
عشر عاماً، كما سبق لمجدي أن اعتقل إدارياً أربع مرات مدداً مختلفة في سجن النقب
الصحراوي وخرج من المعتقل لآخر مرة في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1991م.
منذ ذلك التاريخ، أصبح القائد
عماد عقل مطلوباً لقوات الاحتلال وأجهزة مخابراتها ووحداتها الخاصة والمستعربة التي
تتخفى بالملابس المدنية التي تشابه ما يلبسه المواطنون الفلسطينيون، وفي بعض
الأحيان تستخدم ملابس النساء العربيات للتخفي بهدف اختراق المجتمع العربي والاقتراب
إلى أقرب نقطة ممكنة من المطلوبين ليتم اعتقالهم أو إعدامهم ميدانياً بدون محاكمة.
لكن شهيدنا الذي هزم الخوف
منذ أن بايع على الشهادة، راح يواجه واقعه الجديد بشجاعة وإقدام، وإذا كانت
المخابرات الإسرائيلية قد توصلت إلى أن عماد عقل هو ضابط المجموعة، إلا أن الشهيد
القائد لم يرتعب ولم يضعف، بل زاده هذا الأمر شجاعة وفرض عليه في نفس الوقت أن يظل
على أهبة الاستعداد يحمل روحه على كفه وبندقيته على كتفه.. فقد عزم على الجهاد حتى
الشهادة، ورفض أن ينسحب من الميدان، إذ نقل عنه –رحمه الله- عند بداية مطاردته
قوله: "من الآن فصاعداً فأنا مطارد للاحتلال وعليه سوف أذيقهم العلقم بإذن الله".
عاش شهيدنا البطل مع إخوانه
الخمسة المطاردين: ( أبو العطايا، أبو عايش، حرز، بشير، وطلال) حياة الأخوة بمعناها
الحقيقي، ومما يسجل للشهيد ما يرويه أحد الإخوة المجاهدين الذين عرفوه، إذ يقول هذا
الأخ: "في أحد مكامنه كنت وأحد الإخوة معه فقمنا نصلي ففضل البقاء في حراستنا ثم
صلى بعد ذلك حتى لا نؤخذ على حين غرة، كان خلال ذلك يحرس الغرفة جيئة وذهاباً وكأنه
يفكر في أمر يشغله، وضع بعدها لنا الطعام فلم يتناول سوى لقيمات قائلاً لا أريد
الإكثار حتى لا أتثاقل إلى الأرض فيشغلني ذلك عن مقارعة أعداء الله". وعلى الرغم من
الأعباء الجهادية المضنية التي ألقيت على كاهل المجموعة بعد مطاردتها كونها كانت
تقوم بملاحقة أخطر العملاء وتجار المخدرات حيث تمكنت المجموعة من النيل من أخطر
العملاء أمثال جمال البنا من مباحث الأمن سابقاً ويوسف كسكين إلى جانب الإطاحة
برؤوس ثلاثة عشر عميلاً آخرين، إلا أن ذلك لم يمنع عماد عقل ولم ينسه زيارة والديه
والاطمئنان عليهما ومتابعة أخبار إخوته وأخواته.
ضاقت مدينة غزة بمطاردي
مجموعة الشهداء، فقد انضم عشرة إخوة مجاهدين من كتائب الشهيد عز الدين القسام إلى
قائمة المطاردين الجدد، والخوف من أعمال التمشيط العسكري للبيارات والملاجئ
والمنازل أصبح هاجساً يتملك المطاردين في هذه البقعة الصغيرة، إلى جانب قلة السلاح
الناري لدى هؤلاء المطاردين، فمطاردو مجموعة الشهداء على سبيل المثال والذين لم
يكونوا يملكون قطعة سلاح واحدة قبل المطاردة، أرسلوا في طلب بندقية كارل غوستاف
التي كان قد حملها مجدي حماد في استعراض ذكرى الانطلاقة، من المجموعة غير المطاردة
فهم أولى الآن بها، واستلمت المجموعة بندقية أخرى من النوع نفسه من قيادة الحركة
بالإضافة إلى شراء بندقية ثالثة ومسدس.
وأمام هذا الوضع الجديد،
وحفاظاً على الإخوة المطاردين وتوفيراً للجهد المضني في توفير الملجأ، ولسهولة
الحركة لهذه الأعداد، تم التخطيط لخروج مطاردي مجموعة الشهداء من قطاع غزة
والانتقال إلى الضفة الغربية للإلتحاق بالجهاز العسكري لحركة "حماس" هناك.
وفيما يتوفر السلاح الناري
الحديث في الضفة الغربية بكمية أكبر بالمقارنة مع الوضع في قطاع غزة بالنسبة لشباب
حركة المقاومة الإسلامية، إلا أن المجموعات المقاتلة كانت في بدايات تكونها وهي
بحاجة إلى من يدربها ويجمع شملها وينظم صفوفها. ولذلك جاء اختيار مجموعة الشهداء
بالانتقال إلى الضفة الغربية اختياراً موفقاً، فقد خفف الانتقال العبء عن قطاع غزة
من جانب وأعطى دفعة قوية للضفة الغربية بتكوين الخلايا المسلحة التابعة لكتائب
القسام من جهة أخرى.
وقبل الانتقال مع مجموعة
الشهداء إلى الضفة الغربية، لابد من الوقوف مع حدثين بارزين في سجل هذه المجموعة
المجاهدة، ألا وهما أول عمليتين عسكريتين لها ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه الذين
يعيثون فساداً في قطاع غزة. ففي الرابع من أيار (مايو) 1992، أطلق عماد عقل رصاصة
القاسمي مستخدماً بندقية كارل غوستاف ضد قائد الشرطة في قطاع غزة الكولونيل يوسيف
آفني بعد أن أوقعته المجموعة في كمين نصبته له عند مفترق الشيخ عجلين، غير أن
العملية لم تسفر إلا عن إصابة ركاب سيارة المخابرات المرافقة له بإصابات مباشرة
وتحطيم زجاج سيارة المجرم اليهودي. وفي المرة الثانية، تعقب المجاهد محمد أبو
العطايا الذي كان يتنقل في سيارة بيجو برفقة أحد الشباب سيارة إسرائيلية تقل تاجر
المواشي ديفيد كوهين وأطلق عليه النار بعد أن أوقفه على طريق بيت لاهيا في السابع
عشر من أيار (مايو) ليخر صريعاً مضرجاً في دمائه. وفي العمليتين غادرت المجموعة
الفدائية موقع العملية إلى قاعدتها بسلام دون أن يتمكن جنود الاحتلال من تعقب
المجاهدين.
|