|
الانتقال إلى القدس
تم ترتيب عملية خروج مجاهدي
مجموعة الشهداء على دفعات متلاحقة بترتيب وتخطيط بين قيادة الكتائب في قطاع غزة
ومثيلتها في الضفة الغربية حيث قام مجموعة من الشباب بسرقة عدد من الهويات
الإسرائيلية الخاصة بمن يسمون "عرب إسرائيل" أي المواطنين الفلسطينيين الذين بقوا
في قراهم وأراضيهم المحتلة منذ عام 1948. وبعد أن تم تزوير الهويات التي تتطابق
أوصاف وأعمار أصحابها مع مجاهدي المجموعة، انتقل الشهيد عماد عقل عن طريق حاجز إيرز
وهو المعبر الوحيد الذي يربط قطاع غزة بفلسطين منذ عام 1948 إلى الضفة الغربية في
الثاني والعشرين من أيار (مايو) 1992،واستقر في مدينة القدس حيث قام باستئجار شقة
في منطقة أبو ديس القريبة من المدينة المقدسة وذهب في اليوم التالي إلى أحد المعاهد
الخاصة وسجل اسمه ضمن الطلاب في شعبة الصحافة والإعلام، وانتظم في الدوام في ذلك
المعهد بانتظار وصول بقية أفراد المجموعة.
وما هي إلا أيام قليلة حتى
تبع الشهيد إلى القدس وبنفس الطريقة كل من المجاهدين محمد أبو عايش ومحمد حرز،
اللذين استقرا مع عمادفي شقة القدس في حين انتقل طلال صالح إلى مدينة رام الله
واستأجر مع خمسة من الطلاب القادمين من قطاع غزة شقة هناك، وقام هو الآخر بالانتظام
في دراسة الصحافة والإعلام في أحد المعاهد الخاصة. وحتى تلك اللحظة اقتصر تسليح
المجاهدين الأربعة على مسدس وعدة سكاكين ودون أن يكون لهم أي اتصال مع مسؤولي كتائب
الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية. وقد استمر هذا الوضع إلى أن قدم بشير
حماد ومحمد أبو العطايا الذي اشترك في عمليتين جريئتين ضد شرطة الاحتلال ومستوطنيه،
الأولى في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) واستهدفت شرطيين كانا يقفان أمام فندق
شاطئ البحر في مدينة غزة اتخذته سلطات الاحتلال مقراً للشرطة، وقد اعترف العدو
بإصابة الشرطيين على الرغم من إطلاق مخزن كامل من بندقية كارل غوستاف عن بعد مترين
فقط باتجاههما. والعملية الثانية كانت في الخامس والعشرين من يونيو (حزيران)
واستهدفت اثنين من المستوطنين كانا يعملان في مصنع لتعليب الحمضيات في منطقة ناحل
عوز واشترك فيها اثنان من الأشبال وأبو العطايا الذي أنهى عملية الطعن، ومجاهد رابع
تولى حماية المجاهدين الثلاثة ببندقية كارل غوستاف.
بعد اكتمال عقد المجموعة،
اتفق المجاهدون على أن يستمر طلال في المبيت في الشقة التي استأجرها في حين ينتقل
محمد أبو عايش ومحمد حرز مع بندقية كارل غوستاف إلى الشقة الجديدة التي تم
استئجارها في رام الله على أساس أنهم طلاب أيضاً، ويبقى في شقة القدس الشهيد عماد
عقل ومحمد أبو العطايا وبشير حماد وبحوزتهم المسدس.
وبدأت المجموعة بعد أن استقرت
على هذا الشكل بترتيب الاتصال مع الشيخ صالح العاروري الذي كان يتولى في ذلك الوقت
مسؤولية الجهاز العسكري في
الضفة الغربية. وبادرت مجموعة الشهداء منذ بداية اللقاء إلى الطلب بتزويدها بالسلاح
حيث وعدهم الشيخ بالعمل في هذا الاتجاه عند أقرب فرصة ممكنة، وحدد لهم يوم الخميس
30 يوليو (تموز). وفي هذه الأثناء وحتى يتم ترتيب الأمور خططت المجموعة لتنفيذ
عملية طعن بالسكاكين في مدينة القدس تكون بمثابة الثأر للمجزرة الوحشية التي
ارتكبتها قوات حرس الحدود الصهيوني في ساحة المسجد الأقصى قبل أكثر من عام ونصف.
وبعد أن تم التخطيط لهذه
العملية بحيث يشترك فيها اثنان من مجاهدي المجموعة إلى جانب السائق الذي سيتولى
توصيلهم إلى المكان المحدد في حوالي الساعة الثالثة فجراً حيث يسير اليهود فرادى،
وينقض البطلان عليهم ثم يتم مواراتهم خلف أسوار المنازل إلى أن يتم تصفية عدد لا
يقل عن عدد الشهداء الذين سقطوا في المجزرة الصهيونية، تنافس عماد وأبو العطايا
وطلال فيمن يخرج لهذه العملية، الأمر الذي جعل المجموعة تعدل في المخطط ويتم
الاتفاق على خروج الثلاثة في هذه العملية كحل وسط. كما تم الاتفاق بين المجاهدين
الثلاثة على أن يحمل أحدهم المسدس أثناء تنفيذ العملية للطوارئ ويكون إطلاق النار
عند اكتشاف أمرهم دون أن يستخدمه أثناء العملية.
وفي ساعات الفجر الأولى من
يوم الأربعاء الموافق 29 يوليو (تموز) وبالتحديد بين الساعة الثالثة والنصف والساعة
الرابعة، خرج الشباب الثلاثة في سيارة وضعت تحت تصرفهم في عملية استطلاع ورصد
للمكان الذي سيكون مسرحاً لتنفيذ عمليتهم في فجر اليوم التالي، ثم عادت السيارة إلى
رام الله واكتمل عقد المجموعة في الشقة التي كان يستأجرها محمد أبو عايش ومحمد حرز
إلى جانب الشباب الذين كانوا يتولون مساعدتهم في أمور حياتهم ومعيشتهم وتنقلهم في
الضفة الغربية. وهنا نتوقف عند الهزة العنيفة التي أصابت مجموعة الشهداء بعد
انتقالها إلى الضفة الغربية ألا وهي اعتقال المجاهدين محمد أبو العطايا ومحمد أبو
عايش ومحمد حرز في حوالي الساعة العاشرة والنصف من مساء ذلك اليوم المشؤوم الذي
يوافق يوم الأربعاء 29 يوليو (تموز) 1992م، فإذا ما عدنا بالزمن والمكان إلى الوراء
قليلاً، نجد أن مجموعة الشهداء اختفت وبشكل مفاجئ من قطاع غزة ولم يستطع العملاء
وضباط الشاباك والوحدات الخاصة تعقب آثار هذه المجموعة على الرغم من الجهود الكبيرة
التي بذلت في هذا الاتجاه. وعلى الرغم من هذا الفشل فقد استمرت سلطات الاحتلال في
بث العملاء والعيون وإرسال الجيش وحرس الحدود في عمليات تمشيط وبحث في الأماكن
والمخابئ التي توقع أن يختبئ بها المطاردون أو كانوا قد استخدموها من قبل إلى أن
توصلت سلطات الاحتلال إلى أمر انتقال المجموعة إلى الضفة الغربية خلال عمليات
التحقيق والتعذيب القاسي الذي مورس ضد المعتقلين إثر حملات الاعتقال والتفتيش التي
أعقبت استشهاد قائد كتائب عز الدين القسام ياسر النمروطي. عندئذ، نقلت المخابرات
الإسرائيلية عمليات بحثها وتفتيشها عن المجاهدين الستة إلى الضفة الغربية مستعينة
بصورة حديثة للمجاهد طلال صالح كان قد بعث بها إلى أهله بعد مطاردته إلى جانب كون
المجاهد محمد أبو عايش أسود البشرة جعل عمليات الشاباك أكثر تركيزاً. ومما يَّسَر
على فرق المخابرات التي كانت تبحث عن الشباب في الضفة الغربية وجعلها تضيق الخناق
عليهم، وضع الشقة التي كانوا يجتمعون فيها في معظم الأحيان للتداول في وضعهم
ومشاكلهم ألا وهي الشقة التي استأجرها أبو عايش وحرز في مدينة رام الله، فقد أشار
لهم الشيخ صالح العاروري عند التقائه بهم لأول مرة أن المنطقة التي يسكنون فهيا غير
آمنة فهي تعج بالعملاء الخطرين الذين يراقبون تحركات نشطاء الانتفاضة ولهذا اتفق
الشيخ مع المجاهدين على أن يتم نقلهم من هذا المكان الخطر في نهاية الشهر، ولكن لا
مرد لقضاء الله وقدره، ففي مساء ذلك اليوم اجتمع المجاهدون الستة مع ثلاثة من
مساعديهم وتداولوا في أمور تخصهم وأمر خروجهم في صبيحة اليوم التالي، بعد تنفيذ
عمليتهم في رحلة ترويحية مع شباب أحد مساجد المنطقة ضمن النشاط الاجتماعي لذلك
المسجد. وبعد الانتهاء من وضع الترتيبات النهائية لبرنامجهم في اليوم التالي، طلب
طلال الاستئذان بالخروج من الشقة والمبيت في الشقة التي كان يشارك خمسة من طلاب
القطاع في استئجارها في منطقة قريبة من رام الله. ولكون الطلاب الخمسة الذين
يشاركون طلالاً الشقة يقضون إجازتهم في قطاع غزة، أبدى طلال استعداده لاستضافة من
يريد من الشباب للمبيت عنده. فقام عماد وبشير والمساعدون الثلاثة يتبعون طلال
مغادرين الشقة في الساعة العاشرة والنصف من مساء ذلك اليوم وينطلقوا في سيارة
البيجو باتجاه الشقة الثانية فيما كانت قوات ضخمة من جيش الاحتلال وأعداد كبيرة من
حرس الحدود وضباط الشاباك يطبقون على الحي الذي تقع فيه الشقة الأولى بعد أن أكد
لهم الذين باعوا دينهم ووطنهم بأن المجاهدين الستة ومساعديهم موجودون معاً داخل
الشقة. ومن المؤكد أن قوات الاحتلال التي كانت تزحف على الشقة كانت تسير وفق خطة
عسكرية مدروسة بحيث لم يشعر حتى الشباب الستة الذين استقلوا سيارة البيجو بأي
تحركات عسكرية أو ظواهر تدل على أن أمراً ما سيحدث لزملائهم محمد أبو العطايا ومحمد
حرز ومحمد أبو عايش. فباستثناء سيارة جيب عسكرية كانت تسير بشكل بطئ بمفردها، لم
يشاهد ركاب البيجو أي وجود عسكري آخر لقوات العدو، ورغم ذلك يبدو أن شهيدنا عماد
عقل صاحب الحس العسكري المرهف توجس مما رآه واعتبر طريقة سير هذه السيارة العسكرية
اليتيمة بأنها أمر غير طبيعي، إذ قال لزملائه: "إن وقفة هذا الجيب ليست لله".
وبالفعل، فما هي إلا دقائق قليلة حتى كانت قوات الجيش تطبق على الشقة وتقتحمها في
حوالي الساعة الحادية عشرة تقريباً، ليؤخذ المجاهدين الثلاثة على حين غرة وليتم
اعتقالهم وتفتيش الشقة والاستيلاء على بندقية كارل غوستاف التي كانت مخبأة بعد أن
فشل المجاهد محمد أبو العطايا في الوصول إليها في الوقت المناسب عندما حاول
المقاومة والإفلات من قبضة المجرمين. وفي البيان العسكري الذي تلاه ناطق بلسان جيش
الاحتلال بعد تسعة أيام من اعتقال أبو العطايا وأبو عايش وحرز، أوضحت سلطات
الاحتلال أنه تم اعتقال ثلاثة نشطاء في خلية "عز الدين القسام" مسؤولين عن قائمة
طويلة من الهجمات الخطيرة للغاية، إذ ينسب إلى المعتقلين الثلاثة وهم من قطاع غزة
حاولا نقل نشاطاتهم إلى الضفة الغربية القيام بما يلي:
إطلاق النار على معسكر تابع لحرس الحدود في غزة بتاريخ
15/4/1992 ..
قتل تاجر مواشي إسرائيلي في مخيم جباليا بتاريخ 17/5/1992>
قتل موظف في مكتب وزارة الداخلية كان يعمل في الإدارة المدنية لقطاع غزة بتاريخ
11/6/1992..
إطلاق النار باتجاه مركز الشرطة على شاطئ مدينة غزة بتاريخ 22/6/1992 ..
قتل اثنين من تجار الخضار الإسرائيليين في شمال قطاع غزة بتاريخ 25/6/1992 ..
20
عملية قتل لعرب متعاونين مع السلطات الإسرائيلية..
وأضاف المتحدث العسكري
الإسرائيلي الذي نقلت صحيفة القدس المقدسية في عددها رقم 8239 الصادر بتاريخ
9/8/1992 مقتطفات موجزة لحديثة بأنه تم ضبط رشاش كارل غوستاف وذخيرة وسكاكين
وبطاقات هوية إسرائيلية مزيفة في الشقة التي كان فيها هؤلاء الشباب إلى جانب زورق
مطاطي ومواد إعلامية لحركة حماس وأشرطة فيديو سجل عليها بعض العمليات التي قام بها
المعتقلون.
|