|
غضب
العالم
من أهم ثمرات الانتفاضة التي
تتجاوز التجمع الصهيوني اختراقها للتعتيم الإعلامي الذي فُرض على الشعب الفلسطيني
وعلى جهاده ومقاومته. فوصلت الرسالة لكل شعوب العالم، وتعالت الأصوات الغاضبة. ففي
الشارع العربي الذي قال عنه علماء السياسة الأمريكيون إنه أسطورة لا وجود لها، خرج
الآلاف من الطلبة والمثقفين والفنانين بشكل يومي مستمر ليعبروا عن تضامنهم مع الشعب
الفلسطيني. وهذا أمر متوقع بطبيعة الحال، فالجماهير العربية مدركة لخطورة الغزوة
الصهيونية التي أسست جيباً استيطانياً في فلسطين لا لأنها أرض الميعاد وإنما لأنها
تقسم العالم العربي إلى نصفين وتعزل الواحد عن الآخر، ولأنها في موقع استراتيجي
متميز، فهي تطل على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، ولأنها بوابة مصر الشرقية،
مصر التي تضم أكبر كتلة سكانية من الشعب العربي وتشكل المركز والقلب لهذا الشعب.
والجماهير تدرك كل هذا، وإذا كانت قد لزمت الصمت بعض الوقت فإن هذا يعود إلى كفاءة
آلات البطش وحداثتها وتقدمها في عالمنا العربي. وأعتقد أن كثيراً من أعضاء النخب
الحاكمة في العالم العربي يعيدون حساباتهم في الوقت الحاضر بسبب تحرك الجماهير
العربية، وهو الأمر الذي قد يضطرهم إلى تحذير الولايات المتحدة من خطورة الموقف.
وكان من شأن استمرار المقاومة
الفلسطينية أن يجعل الصمت أمراً مستحيلاً على الكثيرين في أنحاء العالم، إذ اندلعت
مظاهرات في كل أنحاء العالم اشترك فيها الآلاف من الغربيين الذين لم يسمح لهم
ضميرهم بالاشتراك في مؤامرة الصمت. ومن أبرز الغاضبين الكاتب (الكولومبي الحائز على
جائزة نوبل في الأدب) جابرييل جارثيا ماركيث الذي كتب يقول:
استندت نظرية المجال الحيوي
الصهيونية إلى أن اليهود شعب بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. هكذا قامت الدولة
الإسرائيلية غير المشروعة في 1948. فلما تبين أن هناك شعباً، وأن في فلسطين شعب
يسكن في أرضه، كان من الضروري حتى لا تكون النظرية مخطئة إبادة الشعب الفلسطيني،
وهو ما يتم بصورة منهجية منذ أكثر من خمسين عاماً.
هناك بلا شك أصوات كثيرة على
امتداد العالم تريد أن تعرب عن احتجاجها ضد هذه المجازر المستمرة حتى الآن، لولا
الخوف من اتهامها بمعاداة السامية أو إعاقة الوفاق الدولي, أنا لا أعرف هل هؤلاء
يدركون أنهم هكذا يبيعون أرواحهم في مواجهة ابتزاز رخيص لا يجب التصدي له سوى
بالاحتقار، لا أحد عانى في الحقيقة كالشعب الفلسطيني، فإلى متى نظل بلا ألسنة؟
أنا أعلن عن اشمئزازي من
المجازر التي ترتكبها يومياً المدرسة الصهيونية الحديثة، ولا يهمني رأي محترفي
الشيوعية أو محترفي معاداة الشيوعية. أنا أطالب بترشيح آرييل شارون لجائزة نوبل في
القتل. سامحوني إذا قلت أيضاً أنني أخجل من ارتباط اسمي بجائزة نوبل. أنا أعلن عن
إعجابي غير المحدود ببطولة الشعب الفلسطيني الذي يقاوم الإبادة، بالرغم من إنكار
القوى الأعظم أو المثقفين الجبناء أو وسائل الإعلام أو حتى بعض العرب لوجوده.
أما الكاتب البرتغالي ساراماجو
(وهو أيضاً حائز على جائزة نوبل في الأدب) فقد صرح أن رام الله التي رآها تحت
الحصار تذكره بمعسكر أوشفيتس النازي، فاتهمه البعض بأنه ضحية الدعاية "الفلسطينية
الرخيصة"! لكن ساراماجو لم يهتز كغيره أمام تهمة معاداة السامية الجاهزة، بل جاء
رده كاسحاً ساخراً حين قال: "أفضل أن أكون ضحية للدعاية الفلسطينية الرخيصة على أن
أكون عميلاً للدعاية الإسرائيلية الغالية"، وفصل رأيه فيما رآه قائلاً:
لم أكن أعرف أنه من الطبيعي أن
يبحث طفل فلسطيني دمروا بيته عن كتبه ولعبه وسط الأنقاض, لم أكن أعرف أنه من
الطبيعي تماماً أن تزين الرصاصات الإسرائيلية جدران المنازل الفلسطينية، ولا كنت
أعرف أنه يلزم لحماية أقلية من الناس أن تُصادر المزارع وأن تُدمر المحاصيل، ولا أن
توفير الأمن لهذه الأقلية يقتضي احتجاز المئات عند نقاط التفتيش وحواجز الطرق قبل
السماح لهم بالعودة إلى منازلهم منهكين، هذا إن لم يُقتلوا .. فهل هذه هي الحضارة؟
أيمكن أن نسمي هذه الأشياء ديمقراطية؟
كما قامت مجموعة من الكتاب
البريطانيين بتوقيع بيان يدمغون فيه الهجوم على الشعب الفلسطيني ومؤسساته ونسيج
مجتمعه وطالبوا بالانسحاب الفوري للجيش الإسرائيلي، وكان من بينهم الكاتب المسرحي
الشهير هارولد بنتر وعشرات آخرين. وقد اضطرت حكومات ألمانيا وفرنسا وإنجلترا إلى
وقف تصدير السلاح لإسرائيل، وظهر تغير ملحوظ في لهجة الإعلام الغربي المعروف بتحيزه
الواضح الأبله للدولة الصهيونية.
وقد بدأت بعض الأصوات اليهودية
الشريفة في الاعتراض على المجازر التي ترتكبها الدولة الصهيونية. فقد كتب يوري
ديفيس (وهو مواطن إسرائيلي يقيم خارج إسرائيل) يدمغ ما سماه جرائم الحرب التي تقوم
بها الحكومة الإسرائيلية ويرفض، باعتباره إسرائيلياً ويهودياً، أن تُرتكب هذه
الجرائم باسمه. كما تظاهر عدد من اليهود الإرثوذكس من جماعة "ناطوري كارتا" (نواطير
المدينة) المعادية للصهيونية والرافضة لها وهتفوا ضد الصهيونية. ورغم أن المظاهرة
كانت سلمية فقد اعتدت الشرطة الإسرائيلية عليهم بالضرب.
ووقع عدد من كبار المفكرين
والمثقفين اليهود الفرنسيين على بيان صيغ بلهجة بالغة القوة تعكس مشاعر الغضب
والاحتجاج على الوحشية الإسرائيلية واستنكروا صمت الحكام الغربيين أمام الجرائم
التي تقترفها قوات الاحتلال في الضفة الغربية. وقال البيان:
هؤلاء الذين يبررون حق عودة
اليهود إلى إسرائيل تحت دعوى "حق دم" يعود لآلاف السنين يرفضون حق العودة "حق
الأرض" للفلسطينيين. وأصحاب المقامات الرفيعة في الأمم المتحدة تصالحوا وارتضوا
الإذلال المفروض على السلطة الفلسطينية. وهؤلاء الذين يدعون إدارة العدالة الكونية
يديرون رأسهم عن أعمال القتل خارج نطاق القانون، وإعدام السجناء دون وجه حق وجرائم
الحرب التي يرتكبها آرييل شارون.
الإسرائيليون لديهم دولة ذات
سيادة وجيش وتراب وطني. أما الفلسطينيون فهم محبوسون كالبهائم في معسكرات منذ نصف
قرن معرضين للوحشية والإذلال، ومحاصرين على أرض من الأحزان في حجم مقاطعة فرنسية ..
إن الضفة الغربية مفخخة بالطرق الإستراتيجية ومثقوبة بنحو 700 نقطة تفتيش ومحاطة
بالمستوطنات.
لا يمكن المساواة بين المحتل
ومن تُحتل أرضه. الانسحاب غير المشروط للجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وتفكيك
المستوطنات هو مجرد تطبيق لحق معترف به شكلياً من الأمم المتحدة في القرارين 242
و338 وحتى قرار مجلس الأمن 1042، ومع ذلك يطلب بوش ضمانات من الضحايا.
"شارون يعتقل ممثليهم، وينسف
بيوتهم بينما تمنع قواته سيارات الإسعاف من الوصول للجرحى.
والموقعون على البيان جميعهم
يهود، وليسوا يهوداً عاديين، فهم من أبرز المثقفين اليهود في فرنسا. (نشر في صحيفة
لوموند يوم 7/4/2002).
|