الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

 

من المنتصر ومن المهزوم

 

يُعدُّ يوري أفنيري، عضو الكنيست السابق، من أوائل المستوطنين الصهاينة الذين أدركوا أن المشروع الصهيوني لا يمكن تحقيقه، ولذا كان من أول مؤلفاته كتاب إسرائيل بدون صهيونية. وقد كتب مقالاً بعنوان "الضربة القاضية لم تُسدَّد بعد" (الأهرام ويكلي 19/4/2001) يقدِّم فيه تقييماً كلياً للمواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أحسن ما قرأت. يقول أفنيري:

يدخل ملاكمان الحلقة : واحد منهما بطل الوزن الثقيل، والآخر وزن الريشة. ويتوقع الجميع أن يقوم البطل بتسديد ضربة قاضية تقضي على غريمه الهزيل في الجولة الأولى.

ولكن وبأعجوبة تنتهي الجولة الأولى، والضربة القاضية لم تُسدَّد بعد، ثم الجولة الثانية، ويستمر نفس الوضع. وبعد الجولتين الثالثة والرابعة لا يزال خفيف الريشة واقفاً، مما يعني أنه هو الرابح الحقيقي، لا بالضربة القاضية ولا بالنقط، وإنما لمجرد أنه لا يزال واقفاً ومستمراً في الصراع مع غريمه القوي.

هذه الصورة المجازية تنطبق تمام الانطباق على المواجهة بين قوى الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني. فالجيش الإسرائيلي القوي لم ينجح حتى الآن في تحطيم العمود الفقري للانتفاضة. لقد جرَّب هذا الجيش كل شيء : البنادق والطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة والتصفية الجسدية وتحطيم أحياء بأسرها والحصار وتحطيم المنازل وقطع الأشجار، ومع هذا في الشهر السابع لا يزال الفلسطينيون واقفين يصارعون غريمهم.

وتتمتع حكومة شارون/بيريس، في صراعها مع الفلسطينيين، بدعم الولايات المتحدة الكامل، فهي تزوِّد إسرائيل بالأسلحة والمال وتمارس حق الفيتو لصالحها في مجلس الأمن (وكما قال دبلوماسي أوربي إن إسرائيل من الناحية الفعلية هي العضو السادس الدائم في مجلس الأمن، الذي يتمتع بحق الفيتو). وتكتفي أوربا بالتأييد اللفظي للفلسطينيين ولا تفعل أكثر من هذا. والنظم العربية تكتفي هي الأخرى بمنح الفلسطينيين كلمات طيبة.. وفي إسرائيل ذاتها جُنَّدت وسائل الإعلام في خدمة الحكومة، ولا توجد معارضة حقيقية في الكنيست، ولا توجد أية حركات احتجاج، باستثناء بعض قوى السلام الراديكالية، التي تقاطعها وسائل الإعلام.

إذا كان هذا هو الوضع، هل يمكن القول إن الفلسطينيين عاجزين تماماً أمام التفوق الساحق لحكومة شارون/بيريس؟ وهل أصابهم اليأس والوهن؟ الإجابة ستكون بالنفي، إذ أن آمالهم ترتكز على ما يلي:

أولاً: الانتفاضة نفسها. إن إرادة الشعب الفلسطيني لم يتم كسرها رغم كل الضربات القاسية التي سُدِّدت إليهم، وقد سبَّب هذا دهشة الچنرالات والمعلقين الإسرائيليين. لقد حُطِّم اقتصاد الفلسطينيين، وأصبحت حياتهم جحيماً، ومع هذا يؤيد الجمهور الفلسطيني الاستمرار في الكفاح.

وقد وصف أحدهم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأنه "صدام بين قوة لا يمكن مقاومتها، وشيء لا يمكن تحريكه". لقد أصبحت الانتفاضة حرب استنزاف. في مثل هذه الحرب بين قوة الاحتلال والمحتلين، نجد أن روح المحتلين المعنوية عالية لأنهم يدافعون عن وجودهم ذاته "وفي الحرب"، كما يقول نابليون، "تشكِّل الاعتبارات المعنوية ثلاثة أرباع، أما توازن القوى فيشكِّل الرابع الباقي".

وإسرائيل تدفع ثمناً باهظاً إن كان على هيئة خسائر مادية، أو على هيئة الدمار الذي يلحق بمقدرة الجيش على القتال(وهو ثمن لا يجرأ أحد على حسابه). ولا يعرف أحد متى سيلحق التعب بإرادة الشعب الإسرائيلي ومقدرته على الاستمرار في هذا الصراع الذي لا طائل من ورائه. ويبدو أن هذا قد يحدث قبل أن يرفع الفلسطينيون أيديهم علامة على الاستسلام.

ثانياً: الجماهير العربية. من الواضح أن النظم العربية ليست على استعداد أن ترفع إصبعاً واحداً دفاعاً عن الفلسطينيين، وهي غير قادرة كذلك على إغضاب الأمريكيين، ولكن موقف المثقفين والجماهير مختلف تمام الاختلاف، فتعاطفهم مع الفلسطينيين كبير إلى أقصى حد.

هذا الوضع لا يسبِّب الضيق لهذه النظم الآن. ولكن إن حدث شيء يسبِّب غضب الجماهير إلى درجة أنه قد يعرِّض استقرار هذه النظم للخطر، فإن الموقف سيتغيَّر تماماً فجأة. وتوجد جماعات قومية وإسلامية معارضة في البلاد العربية تنتظر اغتنام مثل هذه الفرصة. فلو ارتكبت إسرائيل إحدى فظائعها مثل مذبحة قانا (حتى ولو عن طريق الخطأ) أو قامت بشيء ما في الحرم الشريف يسبِّب غضب الجماهير العربية، فإن الموقف سيتفجَّر. ومن المعروف أن إحدى المظاهرات في المغرب اشترك فيها مليون شخص، وأن مظاهرة قامت في السعودية لأول مرة (قامت بها النساء)، وقامت مظاهرة غاضبة في عُمان. ويبدو أن الجميع ينتظر شارون أن يرتكب إحدى أعمال البطش ليتفجَّر الموقف لتصل ألسنة النيران إلى عنان السماء.

ثالثاً: ثمة حدود حتى للدعم الأمريكي الكامل لشارون وبيريس. وقد تكون إدارة بوش هي أسوأ الإدارات من وجهة نظر فلسطينية. ولكن توجد خطوط حمراء : البترول. لو حدث انفجار في العالم العربي، وقامت النظم العربية برسالة إلى أمريكا تطلب منها فيها أن تنقذها [من الجماهير الغاضبة] قد تهبط اليد الأمريكية الحديدية على شارون وشركائه.

وفي كل هذا الوقت، في الأسبوع التاسع والعشرين من الصراع في حلبة الملاكمة، لم يستطع بطل الوزن الثقيل أن يهوي بالضربة القاضية على خفيف الريشة.

وقد كتب أفنيري هذا في الشهر السابع من الانتفاضة، فما بالكم بالشهر السابع عشر والثامن عشر، وما بالكم بصاروخ قسام 2، محليِّ الصنع، الذي يصل إلى العمق الإسرائيلي، والذي كتبت عنه الصحف العربية في البداية، وكأنه خبرٌ عادي، وكأنه لا يتضمن تغيُّراً نوعياً في المواجهة بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي وصف فيه جدعون سامت الصاروخ بأنه "ليس نجاحاً للانتفاضة الثانية وحسب، بل هو أيضاً إخفاق محتم وصارخ لجهود الردع الإسرائيلية" (هآرتس 30/1/2002). وقال تالي شاحك (معاريف 30/1/2002): "يتغذى الخوف من التقديرات الأمنية والأنباء التي توقف شعر الرأس بشأن الصواريخ الموجهة في هذه اللحظات نحو مستوطنات خط التماس أو مراكز المدن، والعمليات المعقدة والمواد الناسفة التي لم يشهد لها مثيل".

لقد كان اسم عز الدين القسام محفوراً في الذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية رمزاً للمقاومة والاستشهاد، وهاهو ذا يتحول إلى حقيقة مادية، وهكذا حوَّل المنتفضون الحلم العربي إلى حقيقة، وهكذا تُفعَّل الهُوية والذاكرة لتحوِّل المستوطنات إلى أطلال، بدلاً من البكاء التقليدي عليها. ثم جاءت المفاجأة الأخيرة: تفجير دبابة "مركبا3" الإسرائيلية، وهي من أحدث أنواع الدبابات وأكثرها تحصيناً. كان الانفجار من القوة بحيث انقلبت الدبابة على جانبها. ويبدو أن المنتفضين، الذين خططوا للعملية بدقة، استخدموا مائة كيلو جرامات من المتفجرات. وتُعدُّ هذه العملية تصعيداً جديداً، لم يتوقعه الإسرائيليون الذين كانوا يتحدثون عن "جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يُقهر".