الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

 

حرب التحرير الفلسطينية

 

انتفاضة الأقصى هي جزء من الحوار المسلح الذي انخرط فيه المنتفضون الفلسطينيون مع المستوطنين الصهاينة. ولعل من أهم ثمرات هذا الحوار أن المستوطنين الصهاينة بدأوا يدركون الانتفاضة لا باعتبارها إرهاباً (كما يدَّعي زعماؤهم أو كما يدَّعي جورج بوش وأعوانه)، وإنما هي حرب تحرير وحركة مقاومة.

ويبدو أن الصهاينة في بداية احتكاكهم مع الفلسطينيين أدركوا ذلك تمام الإدراك. فلننظر على سبيل المثال لهذه الكلمات:

ابتداءً أحب أن أبدِّد كل الأوهام التي سادت بين الرفاق. إن الإرهاب [العربي] ليس مسألة مجموعة من العصابات مموَّلة من الخارج.. نحن هنا لا نجابه إرهاباً وإنما نجابه حرباً، وهي حرب قومية أعلنها العرب علينا. وما الإرهاب سوى إحدى وسائل الحرب. هذه مقاومة فعَّالة من جانب الفلسطينيين لما يعتبرونه اغتصاباً لوطنهم من قِبَل اليهود- ولهذا يحاربون. وراء الإرهابيين توجد حركة قد تكون بدائية ولكنها ليست خالية من المثالية والتضحية بالذات. ومنذ زمن الشيخ عز الدين القسام أصبح واضحاً لي أننا نجابه ظاهرة جديدة بين العرب. هذا ليس النشاشيبي أو المفتي، فهذه ليست مسألة مصالح سياسية أو مالية شخصية. إن الشيخ القسام كان زيلوتياً [غيوراً دينياً]، على استعداد للتضحية بحياته من أجل مثل أعلى. ونحن اليوم لا نواجه واحداً وحسب مثله وإنما نواجه المئات بل الآلاف [أمثاله] ووراءهم كل الشعب العربي. نحن نقلِّل من أهمية المعارضة العربية في أحاديثنا السياسية في الخارج، ولكن ينبغي علينا ألا نتجاهل الحقيقة فيما بيننا. إن احترامي للحقائق السياسية هو الذي يجعلني أصر على ذكر الحقيقة. والاعتراف بهذه الحقيقة يؤدي بنا إلى نتائج حتمية وخطيرة بخصوص عملنا في فلسطين... يجب ألا نبني الآمال على أن العصابات الإرهابية سينال منها التعب، إذ أنه إذا ما نال من أحدهم التعب، سيحل آخرون محله. فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعاً... فمن الأيسر لهم أن يستمروا في الحرب وألا يكلوا ولا يتعبوا... والعرب الفلسطينيون ليسوا بمفردهم، فالسوريون سيمدون لهم يد المساعدة. فمن وجهة نظرنا هم غرباء، ومن وجهة نظر القانون هم أجانب، ولكن بالنسبة للعرب هم ليسوا أجانب على الإطلاق... إن مركز الحرب هو فلسطين، ولكن أبعادها أوسع من ذلك بكثير. وحينما نقول إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا - فإننا نذكر نصف الحقيقة وحسب، فبالنسبة لأمننا وحياتنا، نقوم بالدفاع عن أنفسنا، ووضعنا المعنوي والجسدي ليس سيئاً... ويمكننا مواجهة العصابات... وإذا ما سمح لنا بتعبئة كل قوانا فإنه لا يوجد أدنى شك بالنسبة للنتيجة... ولكن القتال ما هو إلا جانب واحد للصراع الذي هو صراع في جوهره سياسي. ومن الناحية السياسية نحن البادئون بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسهم. إن الأرض أرضهم لأنهم قاطنون فيها بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن، ونأخذها منهم، حسب تصوُّرهم... يجب ألا نظن أن الإرهاب هو نتيجة لدعاية هتلر أو موسوليني - قد يكون هذا عاملاً مساعداً، ولكن مصدر المعارضة يوجد بين العرب أنفسهم.

هذه الكلمات قالها بن جوريون نفسه في عام 1938. وهي لا تختلف كثيراً عن كلمات موشيه شاريت. ففي خطاب له في 9 يوليو 1936 أمام اللجنة السياسية لحزب "الماباي" عرَّف الثورة العربية بأنها ليست ثورة الأفندية الذين يدافعون عن مصالحهم الشخصية إنما هي ثورة الجماهير التي تمليها المصالح القومية الحقة، وأضاف أن الفلسطينيين يشعرون بأنهم جزء من الأمة العربية التي تضم العراق والحجاز واليمن، ففلسطين بالنسبة لهم هي وحدة مستقلة لها وجه عربي، وهذا الوجه آخذ في التغيُّر، فحيفا من وجهة نظرهم كانت بلدة عربية، وهاهي ذا قد أضحت يهودية. ورد الفعل لا يمكن أن يكون سوى المقاومة. وفي 28 سبتمبر من نفس العام، كان شاريت قاطعاً في تشخيصه للحركة العربية على أنها ثورة ومقاومة قومية، وأن القيادة الجديدة تختلف عن القيادات القديمة، كما لاحظ وجود عناصر جديدة في حركة المقاومة: اشتراك المسيحيين العرب بل والنساء المسيحيات في حركة المقاومة، كما لاحظ تعاطف المثقفين العرب مع هذه الحركة، وبيَّن أن من أهم دوافع الثورة هو الرغبة في إنقاذ الطابع العربي الفلسطيني وليس مجرد معارضة اليهود.

[Simha Flapan. Zionism and The Palestinians (London: Croom Helm, 1979) pp. 140 – 150]

وقد كان هذا الاعتراف الصهيوني بشرعية المقاومة العربية للغزوة الصهيونية وبطبيعتها القومية النبيلة مجرد إشراقة وقتية، لحظة صدق غابت وتوارت وراء سحب كثيفة من الأكاذيب النابعة من الأسطورة العنصرية الصهيونية، أساس وجود الصهاينة في فلسطين. وجوهر هذه الأسطورة هو إنكار تاريخ الفلسطينيين ووجودهم ذاته، وهكذا تحولت فلسطين في وجدانهم إلى صهيون التي توقف تاريخها تماماً بسبب رحيل اليهود عنها. فخلت من السكان الأصليين، وإن حدث وكان هناك سكان أصليون، فهم حسب التصور الصهيوني قليلو العدد، متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثَم لا حقوق لهم، ويمكن إبادتهم إن ثبت أن ضررهم أكثر من نفعهم. وقد لخص وايزمان الصراع العربي الإسرائيلي بأنه "الصراع الأبدي بين الجمود من جهة، والتقدم والكفاءة والصحة والتعليم من جهة أخرى. إنها الصحراء ضد المدنية".

وقد قام الاستعمار الغربي بدعم الصهاينة وزيَّن لهم الوهم بأنهم في وسعهم أن يغزوا الأرض الفلسطينية ويطردوا منها أهلها. ومع توالي التراجع العربي، اكتسبت الأسطورة الصهيونية حياة وقوة ومصداقية أمام المؤمنين بها. وتدريجياً تحوَّلت فلسطين إلى إرتس يسرائيل في وجدانهم، فأصبح لهم - في تصوُّرهم - حقوقاً مطلقة فيها، ومن ثَمَّ فكل من يهاجمهم هو مجرد دخيل إرهابي يحاول أن يسلبهم حقوقهم! أما العرب فقد تحوَّلوا إلى مجرد أشياء يمكن تحريكها من مكان لآخر (كما يمكن بطبيعة الحال إبادتها). تصدر لها الأوامر بالتحرك فتتحرك، ثم يصدر لها أوامر بالتوقف فتتوقف. فالفلسطينيون ليسوا كائنات حية، حياتها وطاقتها وحيويتها تنبع من داخلها، وإنما هم كائنات آلية يمكن تحريكها من الخارج، تماماً كما يفعلون في مسرح العرائس. ولعل رسالة وايزمان إلى أينشتاين (بتاريخ 30/11/1949) تلخص الموقف، فهو يرى العرب باعتبارهم شعباً غير مستعد للديمقراطية، يحاول الجري قبل أن يستطيع السير، ولذا من السهل أن يقع تحت تأثير البلاشفة والكاثوليك!

والصهاينة جاهزون بهذا التفسير السهل دائماً، فحينما تمرد العرب وقاوموا الظلم وعبَّروا عن غضبهم في أوائل القرن، لم يصنَّف تمردهم باعتباره ثورة، وإنما صُنِّف باعتباره مجرد مذبحة حرَّض عليها قنصل روسيا القيصري. أي أن الصهاينة حاولوا إنكار وجود أية هوية سياسية للعرب عامة، وللفلسطينيين على وجه الخصوص، أو أية مشاعر قومية من جانبهم. فالصهاينة في إدراكهم للثورات العربية عليهم، ينكرون طبيعتها القومية والسياسية ويؤكدون لأنفسهم ولرفاقهم أن الدافع إليها ليس حب الأرض أو الوطن أو التمسك بالتراث، فالدافع إليها هو التعصب الديني أو التحريض الخارجي. وكان الصهاينة يلومون المسيحيين العرب، أحياناً، باعتبارهم الأعداء الحقيقيين لمشروعهم الاستيطاني، ويصورون المسلمين في صورة الفريق الطيب الذي يمكن التفاهم معه. وكانوا أحياناً أخرى يفترضون العكس، فيؤكدون أن المسلمين هم العدو الحقيقي، وأن المسيحيين هم الفريق الذي يبدي استعداداً كبيراً للتعاون. وكانت الجماهير الفلسطينية بالنسبة إليهم مجرد غوغاء يتلاعب بها المهيجون الإقطاعيون والأفندية ولا تحركها الدوافع القومية. ويرى سمحا فلابان أن وايزمان كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن تمرُّد هذه الجماهير ليس تعبيراً صادقاً عن حركة قومية خلاقة وإنما كانت تمليه الاعتبارات الإقطاعية والقَبَلية الضيقة.

وإلى جانب هذا، كان الصهاينة يرون الفلسطيني أو العربي حيواناً أو مخلوقـاً اقتصـادياً محضاً تحركه الدوافع الاقتصادية المباشـرة. ولذا، فيمكن حل المشكلة العربية (حسب هذا التصور) في إطار اقتصادي لا يكون سياسياً بالضرورة. ولعل من الأمثلة الأولى على هذه الإستراتيجية الإدراكية رشيد بك، هذا العربي الذي تم تخليقه حسب المواصفات الصهيونية في رواية هرتزل الأرض الجديدة القديمة، والذي يؤكد لنفسه وللعرب وللعالم أن الوجود الصهيوني قد عاد على العرب بالنفع الكبير: لقد زادت صادرات البرتقال عشر مرات، كما أن الهجرة اليهودية كانت خيراً وبركة، خصوصاً بالنسبة لملاك الأراضي لأنهم باعوا أرضهم بأرباح كبيرة. وظل لفيف من الصهاينة يؤمنون إيماناً راسخاً بإمكان التغلب على معارضة الفلسطينيين عن طريق توضيح المزايا الاقتصادية الجمة التي سيجلبها الاستيطان الصهيوني، وعن طريق حثهم على الرحيل إلى البلاد العربية بعد إعطائهم التعويض الاقتصادي المناسب عن وطنهم (وهذا ما يسمَّى في الخطاب الصهيوني "الترانسفير الطوعي"). وكانت إحدى القناعات الإدراكية عند وايزمان أن تطوُّر فلسطين سيؤدي إلى أن يفقد العرب الاهتمام بالمعارضة السياسية.

إن التفكير الصهيوني تفكير غربي استعماري عنصري حتى النخاع، ولذا فهو يتسم بالتعميم والتجريد والانتقاء، فالمستوطن الصهيوني إن لم يفعل هذا وجد نفسه أمام وجود إنساني متعين، له قداسته وله قيمته الإنسانية والحضارية، الأمر الذي يجعل من العسير عليه تقبل الاعتذاريات التي تسوغ استغلال العرب وإبادتهم، وتحويلهم إلى مجرد شيء يُنقل من مكان لآخر، أو شيء لا ضمير له ولا هوية، ومن ثَمَّ يمكنه أن يخضع للترانسفير الطوعي. وهذا ما اقترحه هوراس كالن الفيلسوف البرجماتي الأمريكي في محاولته رسم صورة الفلسطيني في المستقبل، كما يحب أن يراها، فقال: "لو حصل اللاجئون على جوازات سفر وغيرها من الوثائق التي تمكِّنهم من التحرُّك بحرية، ولو حصلوا على مبلغ كافٍ من المال ليشقوا به طريقهم إلى مكان من المتوقع أن يجدوا فيه سُبل العيش المعقولة. وقيل لهم إن هذا هو كل ما سيحصلون عليه ولا شيء آخر أبداً، لو حدث هذا لبدأوا عندئذٍ في الاعتماد على النفس".

ولكن يوجد إلى جانب "الترانسفير الطوعي" "الترانسفير القسري" الذي يتم تحت مظلة البطش الصهيوني، والذي لا يزال يداعب جفون المستوطنين. ففي استطلاع للرأي أجري مؤخراً رأى 46% من الإسرائيليين ضرورة ترحيل الفلسطينيين من سكان المناطق و31% رأوا ضرورة ترحيل عرب إسرائيل (هآرتس 12/3/2002).

وهاهي الانتفاضة تحطِّم الأسطورة وتعيد للمستوطنين شيئاً من رشدهم وعقلهم عن طريق تقويض أسطورتهم الفاشية الزائفة. ويقول زئيف شيف أهم معلق عسكري في إسرائيل في وضوح كامل في هآرتس (4/3/2002) إن العمليات الفدائية الفلسطينية تنتمي إلى حرب العصابات وليس للإرهاب (الأمر الذي يذكِّرنا بكلمات بن جوريون وشاريت). أما يوئيل ماركوس فيشير في مقال له في هآرتس (13/11/2001) إلى فشل إسرائيل في القضاء على ما سماه "الإرهاب القومي" بالقوة. ومن الواضح أن الكاتب يخاف من الحديث عن الانتفاضة باعتبارها مقاومة مشروعة، ولذا يتخفى وراء عبارة "الإرهاب القومي" إلا أنه يعني، في واقع الأمر، "المقاومة الشعبية"، أو "حرب التحرير". ومما يدعِّم هذا الرأي أنه هو نفسه يقول إن فشل إسرائيل ليس فريداً "ففي القرن العشرين لم تنجح دولة في العالم في القضاء على الإرهاب القومي"، وهو بذلك يستدعي، عن غير وعي، إلى عقل المستوطنين الصهاينة تاريخ حركات المقاومة في أفريقيا وآسيا، وهي الحركات التي نجحت في هزيمة الجيوش الاستعمارية وتصفية الجيوب الاستيطانية سواء في الجزائر أم جنوب أفريقيا.

ويتساءل أبراهام يهوشع (يديعوت أحرونوت 22/1/2002): "هل بإمكانكم أن تأتوا بمثال واحد من التاريخ نجح فيه شعب في السيطرة على شعب آخر لفترة طويلة ؟ هل تعرفون مكاناً واحداً في العالم يعيش فيه بشر دون حقوق إنسان مثل الفلسطينيين؟".

إن ما يُسمى "الإرهاب" ليس إرهاباً، بل هو حرب تحرير، لأن الفلسطينيين ليسوا مجرد مجموعة متناثرة من المحاربين، بل هم شعب بأسره له تاريخه ومؤسساته الحضارية. وهذا ما يبيِّنه مايكل بن مائير (هآرتس 3 مارس 2002)، إذ يقول:

إن الانتفاضة هي حرب التحرير التي يخوضها الشعب الفلسطيني. فالتاريخ يعلمنا أنه لا توجد أمة على استعداد أن تعيش تحت هيمنة شعب آخر وأن حرب التحرير التي يخوضها شعب مضطهد ستنجح حتماً.

[والإسرائيليون كقوة احتلال] يقتلون الأطفال ويقومون بتنفيذ حكم الإعدام في أشخاص مطلوبين دون محاكمة. لقد أقمنا الحواجز التي حوَّلت حياة الملايين إلى كابوس... إن علماً أسوداً يرفرف فوق أفعالنا.. إن نظام الاحتلال يقوض المبادئ الأخلاقية ويمنع التوصل إلى سلام. وهكذا فهو يهدِّد وجود إسرائيل.

ولأنها حرب تحرير يشنها المضطَّهد صاحب الحق السليب، فإحساسه بشرعية جهاده يشد من أزره ويحفزه على الاستمرار "في الحرب.. بلا هوادة". وكما يقول يوزي بنزمان (هآرتس3 مارس 2002):

فلنتخيل أن كل الأوهام تحققت، وقبضنا على كل الإرهابيين، وصادرنا كل الأسلحة، وحطمنا كل مصانع السلاح حيث تُصنَّع المدافع والصواريخ. فهل سيكون لهذا أي تأثير؟ هل يشك أحد أنه في الصباح التالي ستظهر مصانع سلاح أخرى ستنتج المزيد من الأسلحة التي ستُستخدم ضد إسرائيل؟ هل يشك أحد في أنه في هذا الصباح هناك مئات من الفلسطينيين يذهبون إلى مراكز التنظيم وحماس، يعلنون أنهم على استعداد أن يشنوا هجوماً على إسرائيل؟ هل نفد خزان الانتحاريين من نابلس وقطاع غزة؟

[ولم يكن يوزي بنزمان هو من أول من أدرك ذلك، إذ يُروي عن إسحاق رابين أنه عندما نشبت انتفاضة 1987 سأله الجنود: "من أين يأتي مئات المتظاهرين الذين يلقون بالحجارة عليهم" (أبراهام يهوشع - نقلاً عن السفير 25/2/2002)].

أما جرشون باسكين، المدير العام المشترك للمنظمة الإسرائيلية - الفلسطينية للبحوث والمعلومات فكتب يقول:

إن الفلسطينيين يعرفون أن قوتهم العسكرية أقل بأضعاف من القوة الإسرائيلية وأنه لا توجد أمامهم أية إمكانية للفوز في أرض المعركة، ولكنهم يؤمنون من الناحية الأخرى بتفوقهم السياسي والأخلاقي. واعتقادهم هو أن العدل والتاريخ يقفان إلى جانبهم، وهم يقولون إن إسرائيل هي المحتل الأخير المتبقي في العالم وأن أحداً لا يستطيع أن يوقف نصرهم في حرب التحرير التي يخوضونها من الاحتلال الأجنبي. اعتقادهم هو أن اتباع تاكتيك مثل حزب الله سيحقق غاياته وأن الخسائر الفادحة التي تلحقها إسرائيل بهم تعزز من معنوياتهم وتشكل الفصل الأهم في الرواية الفلسطينية. واستناداً إلى تجربة عملية أوسلو الفاشلة، فهم يعتقدون أنهم لن يتمكنوا من انتزاع انسحاب كامل من المناطق من إسرائيل من خلال المفاوضات السياسية، وهم مقتنعون أنهم سيحققون ذلك في نهاية المطاف من خلال الكفاح الذي يخوضونه الآن"، [أي من خلال حرب التحرير الفلسطينية].

ولأنها حركة تحرير، فإن حملة شارون الأخيرة للقضاء على الانتفاضة، وعلى ما يسمونه البنية التحتية للإرهاب، محكوم عليها بالفشل، فهي "إعلان حرب على الشعب الفلسطيني كله"، فالبنية التحتية المشار إليها قد تكون "بعض الورش والمباني وبضع عشرات من القيادات والمخازن، وعشرات الآلاف من الأشخاص الحاملين للسلاح. ولكنها أيضاً المجموعة السكانية الفلسطينية التي تعيش في الضفة والقطاع، التي توفر الدعم الأخلاقي والحقيقي للمخربين، وباسم هذه المجموعة يهاجمون إسرائيل وإليها يعودون لإيجاد مخبأ لهم. ولذا فإسرائيل غير قادرة على مطاردة كل واحد من آلاف المخربين الفلسطينيين" (عوزي بنزيمان هآرتس 31/3/2002).

ونفس الموضوع يكرره مكيفا الدار (هآرتس 14/3/2002) في مقال بعنوان "عرفات معترف بالنصر" يقول فيه:

شارون يعرف بالتأكيد ما يعرفه كل ضيف ينزل في ديوان رئيس السلطة الفلسطينية الملئ بالثقوب في هذه الحرب. وربما يكونون قد أحرزوا هذا النصر بالفعل. هذا النصر موضوع على طاولته بشكل يومي من خلال عناوين الصحف. لن تستطيع أية دبابة إسرائيلية أن تأخذ هذا النصر منه ولا حتى من خلال القذف بنسوة رام الله من بيوتهن في الليل الدامس نحو النيران الموجودة في الشوارع.

إن المجاهدين يأتون بكل تراثهم وإبداعهم ليقاتلوا ضد المحتل. وهذا ما لاحظه يوسي ساريد (معاريف 4/3/2000). ففي رده على اليمين الإسرائيلي الذي يتهم اليسار الإسرائيلي بأنه أعطى الفلسطينيين البنادق (أي قوات الأمن التابعة للسلطة بتوقيع اتفاقية أوسلو). يقول:

صحيح، نحن قدَّمنا لهم البنادق، ولكن اليمين الوطني قدَّم لهم الحافزية. الاحتلال الذي يطول يقدِّم لهم الحافزية. المستوطنات التي تقام داخل أرضهم تقدِّم لهم الحافزية. الأطواق والإغلاقات والجوع والفقر والإذلال تقدِّم لهم الحافزية، البنادق بدون حافزية لا تطلق النار، ولكن إذا كانت هناك حافزية، حتى المكنسة تطلق النار. وها هي المكنسة أطلقت النار أمس: بندقية كاربين، يعرفها كل متطوع في الحرس المدني عن كثب، سلاح غير أوتوماتيكي... بندقية قديمة، مثبتة بالمسامير، خردة، ليست بندقية بقدر ما هي مكنسة، بندقية واحدة ومخرِّب واحد قتلا عشرة رجال، سبعة جنود وثلاثة مدنيين.

إن الردع الذي حققه المخرِّب الوحيد مع بندقية كاربين الخردة، تفوق ألف مرة الردع الذي حققه الجيش الإسرائيلي في عملية استعراضية في مخيم بلاطة وجنين مع كل دباباتها ومروحياتها.

إن حرب التحرير الفلسطينية تنبع من أنبل الدوافع الإنسانية، إقامة العدل في الأرض وتحرير الوطن من المغتصب والقضاء على الاحتلال وتنفيذ مقررات الشرعية الدولية، فمصدرها هو الأمل والمقدرة على التضحية بالذات، وليس اليأس والرغبة في تفجيرها، إنها تعبير عن امتلاء إنساني وأخلاقي حقيقي، ولولا هذا لما كُتب لها الاستمرار، ولما أتى مئات المتظاهرين والاستشهاديين، المفعمين بالأمل والرغبة في تحرير الأرض.

وهي حرب أعادت إلى الوجدان العربي والإسلامي إحساسه بمقدرته على تغيير الواقع وعدم الاستسلام للظلم، ومن هنا ثورة الشارع العربي على الظلم، وإرساله رسائل للعالم بأسره بأنه لا يمكن السكوت على ما يحدث في فلسطين، وهي ثورة بددت الوهم الغربي بأن الشارع العربي لا وجود له، وأن الأجيال العربية الجديدة التي نمت وترعرعت في إطار ما يسمَّى «ثقافة السلام»، والتي كان من المقدَّر لها أن تتمركز حول نفسها وتنسى فلسطين والفلسطينيين لتحقق لنفسها المتعة من خلال معدلات متصاعدة من الاستهلاك، هذه الأجيال بدأت تبعث بالرسائل الواضحة بأن البطش الصهيوني الذي يتم بأسلحة أمريكية ودعم سياسي واقتصادي غربي لن يقابل بسلبية بلهاء، وإنما سنتصدى له وسيدفع الجزار الثمن!