|
نهاية "إسرائيل"

أدت ظواهر مثل تزايد النزوح من
المستوطن الصهيوني وتزايد الهجرة منه والمطالبة بفك المستوطنات والتفكير في تغليف
(أي تقسيم) القدس. وتدهور الحالة الاقتصادية والإحساس بالعجز الأمني وإدراك
الانتفاضة باعتبارها حرب تحرير، إلى طرح موضوع بقاء الجيب الاستيطاني الصهيوني على
بساط البحث، وهو موضوع لا يحب أحد في إسرائيل مناقشته، ولكنه يُطل برأسه في
الأزمات. ففي أثناء انتفاضة 1987، حين بدأ الإجماع الصهيوني بخصوص الاستيطان
يتساقط، حذر إسرائيل هاريل المتحدث باسم المستوطنين من أنه إذا حدث تقهقر ما من
جانب إسرائيل (أي شكل من أشكال الانسحاب والتنازل)، فهو لن يتوقف عند الخط الأخضر
(حدود 1948) إذ سيكون هناك انسحاب روحي يمكن أن يتهدَّد وجود الدولة ذاتها
(الجيروساليم بوست 30/1/1988). وهو تحذير قد يكون فيه قدر من المبالغة، ولكنه يحتوي
أيضاً على قدر كبير من الحقيقة، ففي الحروب القومية (كما يقول إسرائيل هاريل نفسه)،
تلعب الروح المعنوية (أو الجهادية) الدور الأساسي، وروح الإسرائيليين المعنوية في
حالة تراجع، فهل ستصدق نبوءة هذا المتحدث الصهيوني؟
ولا يهم إن كانت النبوءة
ستتحقق في المستقبل البعيد أو القريب، فما يهمنا في محاولة دراسة أثر الانتفاضة على
التجمُّع الصهيوني وعلى المستوطنين الصهاينة، أن نبيِّن أن موضوع نهاية إسرائيل
مطروح الآن على قائمة الاهتمامات الفكرية والوجدانية الصهيونية. انظر على سبيل
المثال إلى يديعوت أحرونوت (بتاريخ 27/1/2002) التي ظهر فيها مقال بعنوان "يشترون
شققاً في الخارج تحسباً لليوم الأسود"، واليوم الأسود هو اليوم الذي لا يحب
الإسرائيليون أن يفكروا فيه. ونفس الموضوع يظهر في مقال ياعيل باز ميلماد (معاريف
27/12/2001) الذي يبدأ بالعبارة التالية: "أحاول دائماً أن أبعد عني هذه الفكرة
المزعجة، ولكنها تطل في كل مرة وتظهر من جديد: هل يمكن أن تكون نهاية الدولة كنهاية
الحركة الكيبوتسية؟ من نقطة الزمن الحالية ما زالت هذه الفكرة مدحوضة، ولكن ثمة
الكثير جداً من أوجه الشبه بين المجريات التي مرت على الكيبوتسات قبل أن تحتضر أو
تموت، وبين ما يجري في الآونة الأخيرة مع الدولة". بل إن المستوطنين أنفسهم أصبحوا
يستخدمون نفس العبارة. فرئيس مجلس السامرة الإقليمي أخبر شارون (في مشادة لفظية
معه): "نحن سنحارب بكل قوتنا، وسننزل الشوارع. إن هذا الطريق الدبلوماسي هو نهاية
المستوطنات، إنه نهاية إسرائيل" (هآرتس 17/1/2002). وقد لخص جدعون عيست الموقف في
عبارة درامية (يديعوت أحرونوت 29/1/2002) "ثمة ما يمكن البكاء عليه: إسرائيل".
بل إن مجلة نيوزويك (2/4/2002)
صدرت وقد حمل غلافها صورة نجمة إسرائيل، وفي داخلها السؤال التالي: "مستقبل
إسرائيل: كيف سيتسنى لها البقاء؟". وقد زادت المجلة الأمور إيضاحاَ حين قالت: "هل
ستبقى الدولة اليهودية على قيد الحياة؟ وبأي ثمن؟ وبأية هوية؟" ثم اقتبست المجلة
قول الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون: "إنني في حالة يأس لأنني أخشى أن يكون الأمر قد
فات. وقد قلت لكم مجرد نصف ما أخشاه". ولا يختلف رأي الأمريكيين (أوثق حلفاء
إسرائيل) عن ذلك. فقد أعرب 18% عن رأيهم أن إسرائيل ستختفي من الوجود، وقال 23%
أنها لو استمرت في البقاء فلن تكون دولة يهودية، وهذه نسبة عالية للغاية (41%)،
خاصةً وأن أحداً لم يكن يجرؤ حتى على طرح السؤال منذ عدة شهور!
وحين يطل موضوع "نهاية
إسرائيل" برأسه فإن العدو يذيع عن نفسه ما يسمَّى "العقدة الشمشونية"، وهي أنه إن
تم استفزازه ومحاصرته فإنه سيحطم الدنيا على رأسه وعلى رؤوس الآخرين، كما فعل شمشون
في الهيكل. ومن الأساطير الشمشونية الأخرى أسطورة ماساداه، وهي آخر قلعة يهودية
سقطت في أيدي الرومان أثناء التمرد اليهودي الأول ضد الإمبراطورية الرومانية (66 -
70 ميلادية). وتذهب الأسطورة الصهيونية إلى أن المحاربين اليهود المحاصرين آثروا
الانتحار على الاستسلام للرومان، وأن انتحارهم هذا يقف دليلاً ناصعاً على مدى صلابة
اليهود ووحدتهم. ويلاحظ أن كلا الأسطورتين ينطوي على حالة حصار نهائية مغلقة، لا
يمكن الفكاك منها إلا بتدمير الذات وربما تدمير الآخر، أي أن نهاية إسرائيل
سيصاحبها نهاية الآخر. والحركة الصهيونية في إشاعتها لهذه الأساطير الانتحارية،
التي لا تستند إلى أية حقائق تاريخية، تحاول توليد الرهبة والخوف في العقل العربي،
وبالتالي تكسب الكثير من المعارك النفسية والفعلية دون خوض أي حرب.
ولكن من المعروف أن القوات
الإسرائيلية التي حُوصرت في خط بارليف، على سبيل المثال، استسلمت بطريقة عملية
ورشيدة للغاية على مسمع ومرأى الصليب الأحمر الدولي والتليفزيون المصري. وفي أحد
هذه المواقع، سأل الجنود قادتهم بتهكم إن كان المطلوب هو القتال حتى الموت لإقامة
ماساداه ثانية، فأتاهم الرد بالاستسلام على أن يبتسموا أمام عدسات التليفزيون
المصري. أما الجنود الإسرائيليون الذين انتحروا في أثناء عملية لبنان، فيبدو أنهم
قاموا بفعلتهم هذه يأساً من الحرب وثمنها الفادح، إذ أنهم لم يكونوا داخل موقع
محاصر، وبالتالي فإن انتحارهم لم يكن من أجل الدولة والمُثُل الصهيونية وإنما
للاحتجاج عليها.
ومع اندلاع انتفاضة 1987 لم
يتحدث الصهاينة عن النهاية في الإطار الانتحاري للماساداه، فكلٍ من يهوشفاط حركبي
وآرييل شارون، حين تحدثا عن نهاية الكيان الصهيوني، لم يشيرا من قريبٍ أو بعيد إلى
ماساداه وإنما إلى الطائرة المروحية الأمريكية، أي تلك الطائرة التي ستأتي حينما
تحين لحظة النهاية وتحط فوق سطح السفارة الأمريكية (كما حدث في سايحون في فيتنام)
لتأخذ فلول المستوطنين وعملاء الولايات المتحدة، أي أنه بدلاً من الانتحار البطولي
الأسطوري المزعوم سيركض الجميع نحو الطائرة.
وتكرر نفس النمط مع اندلاع
انتفاضة الأقصى والاستقلال، فلم يتحدث الصهاينة عن الانتحار البطولي أو عن نهاية
الآخر، وإنما عن نهاية إسرائيل "ركوب آخر طائرة إذا تكررت قصة سايجون (هآرتس
24/1/2000). وفي مقال بعنوان "ليلة سعيدة أيها اليأس.. والكآبة تكتنف إسرائيل" كتبه
اتيان هابر (يديعوت أحرونوت 11/11/2001) يشير إلى أن الجيش الأمريكي كان مسلحاً
بأحدث المعدات العسكرية، ومع هذا يتذكر الجميع "صورة المروحيات الأمريكية تحوم فوق
مقر السفارة في سايجون محاولة إنقاذ الأمريكيين و[عملائهم] المحليين في ظل حالة من
الهلع والخوف حتى الموت" و كل لبيب بالإشارة يفهم. فماساداه لم تطل برأسها، وإنما
الطائرة المروحية رمز المقدرة على الاستسلام وعلى الهروب الجبان في الوقت المناسب.
ثم يستمر نفس الكاتب في تفصيل الموقف :
إن جيش الحفاة في فيتنام
الشمالية قد هزم الأمريكيين المسلحين بأحدث الوسائل القتالية... ويكمن السر في أن
الروح هي التي دفعت المقاتلين وقادتهم إلى الانتصار.. الروح تعني المعنويات
والتصميم والوعي بعدالة النهج والإحساس بعدم وجود خيار آخر... وهو ما تفتقده
إسرائيل التي يكتنفها اليأس.
|