|
فقدان الإحساس بالأمن والاتجاه

رغم أهمية الجانب الاقتصادي،
فإنه في حد ذاته لا يعني الكثير، إذ يكتسب أهميته من تأثيره على وجدان الإسرائيليين
وعلى رؤيتهم، ومن ثَمَّ على سلوكهم. وكي نفهم هذا الجانب من أثر الانتفاضة على
التجمُّع الصهيوني علينا أن نتجاوز تصريحات شارون الشيطانية والغارات الجهنمية التي
تشنها الطائرات الصهيونية والمذابح الدموية التي تُدبرها آلة القمع الصهيونية ضد
الفلسطينيين، والحملات الإرهابية التي تقوم بها القوات المسلحة الصهيونية،
والأكاذيب المصقولة التي تروج لها آلة الإعلام الصهيونية، فلنتجاوز كل هذا وصولاً
إلى استجابة المستوطن الصهيوني لما يحدث من حوله. فالمستوطنين يطالعون الصحف
الإسرائيلية التي تستخدم كثيراً من الصور المجازية والعبارات الموجزة الدالة التي
تنقل لهم الحقيقة كاملة. فالانتفاضة، حسبما جاء في الصحف الإسرائيلية، ليست مجرد
هبَّة بل هي "حرب استنزاف" أغرقت إسرائيل في "لجة من الدماء" (هآرتس1/2/2002)
وأدخلتها في "دائرة دموية" (يديعوت أحرونوت 29/1/2002)، إنها "رقصة الموت" ومباراة
"بينج بونج مرعبة" (يديعوت أحرونوت 29/1/2002)، تسبَّبت في فيضان "أنهار الدم"
(إعلان رافضي الخدمة العسكرية، هآرتس 8/2/2002). كما أدَّت إلى الغوص في مياه
راكدة، وإلى الغرق في "المستنقع الذي غرقت فيه قواتنا بدءاً من الثمانينيات" (في
إشارة واضحة للمستنقع اللبناني). وتشير الصحف الإسرائيلية إلى العام الأول
للانتفاضة بأنه عام "مضرج بالدماء" (معاريف 10/2/2002). وأنه "الأسوأ في تاريخ
إسرائيل في كل ما يتعلق بمواجهة الإرهاب" (معاريف 11/2/2002). وقد وصف أحد
الكُتَّاب الموقف بهذه العبارة الدالة: "صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر،
والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذاك" (معاريف 10/2/2002).
ولنتخيَّل المستوطن الصهيوني
وهو يقرأ كل هذه العبارات ثم يطالع عدد صحيفة الجيروساليم بوست يوم 18 نوفمبر 2001
ويتعرف على قضية ذلك المستوطن الإسرائيلي الذي نزح عن إسرائيل واستوطن في الأرجنتين
وحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأرجنتينية. وحينما عرض على زوجته أن تلحق به في وطنه
الجديد هي وابنها رفضت، فقام باختطافه. وحينما رفعت الزوجة قضية تطالب باسترداد
ابنها، حكمت المحاكم الأرجنتينية لصالحه باعتبار أن إسرائيل مكان غير آمن، ومن ثم
غير صالح لتنشئة الأطفال. لا شك في أن هذا المستوطن سيُصاب بالوجوم، لأن هذا
سيذكِّره بوضعه الأمني. فهو قد طالع من قبل هذه الرسالة المفتوحة التي كتبها جندي
احتياط إسرائيلي (ونشرت على موقع صحيفة يديعوت أحرونوت 29 أغسطس 2001 ونقلتها عنها
الصحف الإسرائيلية الأخرى). والتي قال فيها بكل صراحة :
أخاف من الموت، بلا سبب
كالأبله على الرمال النتنة المسماة قطاع غزة... لا أعرف أن أطير عندما يطلقون عليَّ
النار... عدت من الانتفاضة الأولى، ومن حرب لبنان، ومن الانتفاضة الثانية. عدت
بحالة جيدة، بمحض المصادفة... لا أؤمن بالمعجزات وبالحظوظ، ولا أعتقد أن لكل طلقة
عنواناً، لكن أنا أيضاً ليس لي عنوان... إذا ما مت فسأموت كالأبله. أبله لم ينتبه
له أحد. أبله إحصاءات. أبله عائلة ثكلى... أشعر بأن أولئك الجالسين في أبراجهم
العاجية أيضاً لا يتابعون إطلاقاً ما يحدث لي ولكتيبتي، وربما لنا جميعاً. أشعر
بأنهم لا يعيروننا انتباهاً... وأسأل نفسي ما إذا كنتما، أنتما الجالسان في برجيكما
العاجين، رئيس حكومتي ورئيس أركاني، تعرفان فعلاً ما الذي يجب عمله كي أتمكن من
العودة إلى البيت. وقبل هذا وذاك، أرجو أن تبيِّنا لي أنكما معنيان... بخوفي من
الموت كالأبله؛ ذلك بأنه لم يعد من الممكن أن تقنعاني بأنه جيد أن نموت من أجل
بلدنا... في غزة.
وهو سيسمع النكت الشائعة الآن
في إسرائيل إذ يقول مستوطن لصديقه: "سأحضر إلى منزلك بالأتوبيس، وأمنيتي أن أنجح في
ذلك" (الجيروساليم بوست 1/1/2002)، فأبسط الأمور مثل رحلة الأتوبيس، أصبحت مسألة
محفوفة بالمخاطر. وبعد أن تحولت المستوطنات إلى مسرح للخوف والرعب، كتب يهودا جولان
ساخراً: "يمارس سكان مستوطنة جيلو تسلية جديدة: مشاهدة إطلاق النار... يستعدون كل
مساء للعرض اليومي المجاني الخاص بالضاحية" (معاريف 17/11/2000).
وسيقرأ هذا المستوطن الصهيوني
في صحيفة هآرتس (2 ديسمبر 2001) أن "ايتي فحيمة، المستوطنة الصهيونية قُتلت الأسبوع
الماضي، وأن زوجها كان قد أصيب [من قبل] بصورة بالغة في عملية شُنت بجانب بيتها في
أحد المستوطنات، وأن أولادها الأربعة أصبحوا أيتاماً من أمهم الآن"!
والصورة العامة في التجمُّع
الصهيوني قاتمة لأقصى حد. ففي مقال ليغئال موسكو (يديعوت أحرونوت 11/3/2002) تحدث
عن الصمت الذي يلف المدينة "لا توجد سيارات، وحتى المشاه القلائل يخفضون أصواتهم.
كل المدينة كوادي الأشباح". وحاول الكاتب أن ينقل لنا حديث أهل المدينة:
باستثناء العمل أنا لا أخرج من
البيت منذ أربعة أشهر. لا إلى المجمع التجاري ولا إلى المقهى. . . كان المجمع
التجاري خاوياً يا أخي وخصيتي كانت في حلقي. أنا لا أسافر وحدي في الليل، لأنهم
أطلقوا النار عدة مرات على الشارع وأنا لا أسمح لابني أبداً أن يخرج من الحي. قولوا
لي أية حياة أعيشها. حين أعرف أن ابني يركب سيارة عابرة عائداً إلى البيت. الآن كنت
أنا نفسي أزور الأصدقاء ليلتين على الأقل في الأسبوع، إلى أن أطلقوا النار على جاري
الذي كان يسافر بالضبط أمامي على الشارع.
ثم يعلِّق كاتب المقال على هذا
بقوله:
ليس هناك ملاذ في هذه البلاد.
الأعصاب متوترة، ووصلت لدى البعض إلى حد الانفجار، ورغم ذلك سيطرت سلبية غريبة على
الجميع. الناس ينظرون إلى حجم الدم اليومي كقضاء وقدر. تماماً مثلما ينظر البائسون
في بنجلادش إلى الفيضانات. يدخلون في سياراتهم بعد العمل، يصغون إلى الراديو الذي
تحول إلى بيان لإعلانات الجنازات. يصلون البيت ويغلقون الباب. يحتفظون بالأولاد
قريباً جداً منهم.
ولا تختلف الصورة التي يرسمها
سيما كرمون في مقال له في يديعوت أحرونوت (2/4/2002) عن الصورة التي رسمها يغئال
موسكو بل ربما تكون أكثر قتامة:
هذه أيام عصيبة للمواطن
العادي. أيام مجنونة. لم يسبق لبيت أن كان محصناً مثل هذه الأيام. البيت هو الحصن.
إنه غرفة عمليات. مع الهواتف، التليفزيون، والتأكد من أن الجميع على قيد الحياة.
الوسادة هي كيس رمل. الغطاء هو سور أسمنتي. رائحة الربيع تطرق النوافذ، رائحة
البرتقال، رائحة الياسمين ولكن الأيدي خاوية والأرجل ثقيلة لا تقوى على الخروج.
هذه أيام مجنونة. تنهض في
الصباح مع ألم اليوم التالي ولحظات الخوف قبل أن نفتح المذياع لنسمع عن اليوم
السابق. ندخل في يومٍ جديد مع خوف بأن لا يعود إلينا الجميع. الأمور بسيطة،
اليومية، يجب أن نفكر مرتين، ثلاث، أربع قبل أن نفعلها. هل نخرج مع الكلب. أن نتوجه
إلى البقالة. أن نسافر في الحافلة للعمل. أن نذهب للتسوق. أن نجلس في المقهى. أن
نرسل الأولاد للمدرسة. كل شيء يُدرس بإمعان. كل سؤال بسيط بات مشكلة وجودية ... هل
نحن حقاً في حاجةٍ اليوم لشراء الحليب، ألا يمكن الانتظار ليومٍ واحد؟ ومن أجل ماذا
نذهب إلى المقهى، ما دام كل شيء في البيت لطيفاً. والتسوق يمكنه الانتظار، والأولاد
يمكن أن يستقلوا سيارة عمومية، وثمة وقت لحفل الزفاف، لسنا مضطرين لشراء فستان
اليوم تحديداً. وبصورة عامة ليس من المهم أن نشاهد هذا الفيلم فبعد وقت قصير سيُوزع
في أشرطة فيديو، ومن له رغبة الآن لحضور العروض المسرحية، ومن أصلاً يفكر الآن
بخارج البلاد في الوقت الذي يخدم فيه ابنه في المناطق.
ونحن ننظر إلى الأولاد وقلوبنا
تتقطع. في إجازات عيد الفصح السابقة كانوا يتوقون للخروج من هنا، الخروج إلى
الخارج، ولكن كل ما يريدونه الآن هو البقاء في البيت من أجل أن نراهم طوال الوقت.
وقد ظهر في إسرائيل ما يسمَّى
"حضارة البقاء في المنزل"، وهي أن الناس يفضلون البقاء في المنزل ولا يذهبون إلى
المطاعم إلا نادراً، ولذلك فمعظم المطاعم فتحت خدمة تيك أواي. وحتى حينما يذهبون
إلى مطعم لا يجلسون في الموائد التي توجد في وسط المطعم، بل يفضلون الجلوس وراء
العمود. وتبدأ علامات الراحة تظهر عليهم، كما لو كانوا يحاولون كبت أية مخاوف
بداخلهم. ولكن "بانج" تنفجر إحدى البالونات فينتفض كل من في المطعم هلعاً ليتذكر
الجميع أنهم ليسوا في مطعم عادي ولا في بلد عادي. وهكذا في لحظة دالة حطمت الضوضاء
واجهة الهدوء (مارتن آسر أون لاين B.B.C. 62/3/2002).
وقد أكد يوئيل ماركوس في هآرتس
(13 نوفمبر 2001) "الحقيقة المرة أننا لم ننجح في تصفية الإرهاب ودحره بالقوة" بل
إن الفلسطينيين نجحوا "في زرع الرعب في صفوفنا... وفشلنا في إخافتهم" وأكبر دليل
على ذلك: "أن الوزير داني نفسه وأبناء عائلته أخلوا بيتهم ... خوفاً على أمنهم،
وذلك بناء على نصيحة جهاز الشاباك (جهاز الأمن الداخلي)... وقال رعنان كوهين، عضو
المعارضة، إن الوضع خطير جداً "أنا أنظر بخطورة بالغة إلى الوضع الذي لا يستطيع فيه
الوزراء أن يتجولوا بحرية داخل الخط الأخضر، وإن لم نشعر نحن الوزراء بالطمأنينة،
فكيف سيشعر الجمهور". واستمر كاتب المقال في القول:
إنجاز الفلسطينيين لا يكمن في
إخافة وزير في إسرائيل. إنجازهم الحقيقي يكمن في أنهم وضعوا علامة على كل
المستوطنين والإسرائيليين كأهداف وألحقوا الأذى باقتصاد إسرائيل وبالسياحة الوافدة
إليها، وزرعوا من خلال أعمالهم الإرهابية أجواء من الخوف والجزع في الوقت الذي لم
تنجح فيه "إسرائيل" في زرع خوف مشابه في أوساطهم.
لكل هذا ليس من الغريب أن أحد
استطلاعات الرأي في صحيفة معاريف وصف الوضع السائد في "إسرائيل" بأنه يسوده "ارتباك
شديد، وحيرة تزداد تعاظماً. فالجمهور يتراكض بذعر من هنا إلى هناك، وهو على استعداد
للإمساك بكل قشة تقع في طريقه من أجل محاولة التخلص من هذا الوضع، حتى لو كان ذلك
بقول الشيء ونقيضه. فهو يريد هذا وذاك: الفصل من طرف واحد، والتوصل إلى اتفاق.
الحوار مع القيادة الفلسطينية وكذلك تدميرها، والتحاور مع العرب في المناطق
المحتلة، وأيضاً بنسبة تأييد ملحوظة طردهم إلى الدول العربية المجاورة".
ويكتب حيمي شاليف في معاريف:
إن أخطر ما في الأمر، هو ذلك
الإحساس العام بأنه لا أحد في البيت، وأن السفينة تهتز في بحر عاصف، وأنه لم تعد
لدى قبطان السفينة أية أفكار أخرى. لا في الميدان السياسي، ولا في الميدان
الاقتصادي الاجتماعي. وثمة تقدير سائد بأن القيادة الوطنية فَقَدت سيطرتها على
الأحداث. وهذا وضع متطرف، يمكن أن يقود أيضاً إلى البحث عن حلول متطرفة.
وثمة إحساس عميق بفقدان
الاتجاه "فشارون ليس لديه تكتيك فقط. المبدأ البسيط: أن نصمد؛ ألا تطرف لنا عين؛ أن
نقلل الأضرار؛ أن نتماسك عندما تقع كارثة؛ أن نمضي قدماً. إلى أين؟" (معاريف 21
سبتمبر 2001). وقد أكد سيماكرمون نفس المعنى في يديعوت أحرونوت (2/4/2002) حين قال:
إن القيادة الإسرائيلية لا تعرف ماذا يجب فعله "فوراء الصمت لا توجد خطة ... ونحن
لا نعرف إلى أين نسير فهم أيضاً لا يعرفون".
وفي ظل ارتفاع الخسائر البشرية
مع استمرار الانتفاضة زادت معدلات الخوف والقلق بين الإسرائيليين بصورة مطردة خلال
الشهور الثلاثة الأولى من الانتفاضة.
معدلات الخوف
|
الشهر |
مطلع أكتوبر |
منتصف أكتوبر |
مطلع نوفمبر |
|
الشعور
بالخوف على الأمن الشخصي أو أمن الأبناء عام 2000. |
57% |
68% |
78% |
أكثر من مصدر: معاريف 20
فبراير 2001، يديعوت أحرونوت 10 نوفمبر 2001
وفي شهر مارس لم يختلف الأمر
كثيراً، فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت (14/3/2002) أن 78% من الإسرائيليين لم
يعودوا يسهرون في أماكن عامة خشية الإصابة في عمليات تفجير فلسطينية.
إن جمهور المستوطنين (63%)
يعتقد أن الدولة الصهيونية قد دخلت طريقاً مسدوداً، فهي لا يمكنها القضاء على
الانتفاضة بالقوة، مما يعني أن الانتفاضة لن تنتهي". وفي الوقت ذاته لا يمكن التوصل
إلى اتفاقات سلام مع الفلسطينيين. فكل محاولات وقف إطلاق النار باءت بالفشل
(الجيروساليم بوست 30/9/2001). أو كما يقول أمنون دنكنر في مقال نشرته جريدة
معاريف: "أسوأ الأمور هو أن من الواضح أنه لم يعد ثمة حلول سحرية يمكن التوصل إليها
بضربة واحدة. ولم يعد السلام الشامل والنهائي مُغرياً، وحتى ليس ثمة حلول عسكرية
تتكلل بأناشيد المنتصرين. ومن الجهة الأخرى، لا يوجد أي إمكان للاستمرار في ظل
الوضع الحالي من دون عمل شيء".
وفي 25 يناير 2002 أكد يوئيل
ماركوس في هآرتس أن شارون:
أدخل الإسرائيليين في دائرة
دموية مفرغة لا يمكن الخروج منها ... الناس يخرجون مرات أقل خوفاً من الهجمات
الإرهابية .. الجمهور مُتعب ومُرهق ومُتشائم .. طاقة إسرائيل تم تقويضها، ورغم أن
إسرائيل عضو في نادي أقوى خمسة جيوش في العالم ونادي الدول النووية الثمانية فقد
بلغت النقطة التي لا يمكن فيها أن تصل إلى حل عسكري مع الفلسطينيين.
وقد عبَّر دانمار روبنشتاين،
أحد أبرز المعلقين الإسرائيليين عن نفس الفكرة، إذ قال في صحيفة معاريف
(20/9/2001): "إن طريقة مواجهة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للانتفاضة لم تفشل فقط،
بل إنها أدت إلى انتقال حمى العمليات الاستشهادية إلى فصائل لم تتبناها من قبل،
وحصلت إسرائيل على عكس النتائج التي راهنت على تحقيقها".
إن قوة الجيش، كما جاء في
معاريف (11/2/2002)، تتآكل بمنهجية بعد أن غرقت في مستنقع الانتفاضة. وقد وصل الأمر
إلى درجة أن المطلوب هو "جندي في كل دكان، في كل موقف سيارات، في كل محطة أتوبيسات،
وسبعة منهم في كل مفترق". وبالفعل نشرت جريدة معاريف (2/4/2002) أن اللجنة القطرية
لأولياء أمور الطلبة في إسرائيل اتخذت قراراً بعدم استئناف الدراسة في المدارس بعد
عطلة عيد الفصح إذا لم يوضع حراس مع أسلحة حول كل المؤسسات التعليمية.
ولكل هذا أعلن أليكس فيشمان في
مقال له في يديعوت أحرونوت أن سياسة الأمن الإسرائيلية تحتضر، وأشار إلى أن الوضع
الأمني الذي تعيشه إسرائيل يعتبر إفلاساً أمنياً يُلزم المطبخ الأمني باتخاذ قرارات
تكسر دوامة عملية رد العملي التي تسحب الطرفين في عناق الموت نحو الهاوية.
لقد وصل العقل الإسرائيلي مرةً
أخرى إلى حالة "إين بريرا". وهي عبارة تعني "لا خيار"، وكانت تعني في الماضي أن
المستوطن الصهيوني محكوم عليه بالدخول في حروب مستمرة، الواحدة تلو الأخرى لمدة
طويلة، ولكن كان الاعتقاد الصهيوني الراسخ أن ثمة مخرجاً في نهاية النفق المظلم من
خلال ما يسميه الفكر الأمني الإسرائيلي "الحائط الحديدي"، أي أن يبني المستوطنون
حائطاً حديدياً حول أنفسهم لا يمكن للعرب اختراقه، مما يضطرهم للرضوخ للأمر الواقع
والاقتناع بأنه لا يمكن هزيمة هؤلاء الوافدين من الغرب.
ولكن بدلاً من الحائط الحديدي
ظهرت عبارة "العجز الأمني" فهي حالة من "إين بريرا" دون أمل. أو كما قال أحد
الكُتَّاب في معاريف (30/1/2002): "إن المجتمع الإسرائيلي يشعر باليأس مثل قطيع بلا
راعٍ، محاط بذئاب مجنونة". وكما قال آخر في يديعوت أحرونوت (11/11/2001): "ليلة
سعيدة أيها اليأس... والكآبة تكتنف إسرائيل". ولذا فإن هآرتس (23/11/2001) تطرح
شعاراً جديداً للصهاينة: "دعونا نأكل ونشرب فسوف نموت غداً". ولو نجح شارون في
تنفيذ مخططه لضرب الانتفاضة لكرَّس نمط الحائط الحديدي، ولبعث فيه الحياة، وفشله
يعني في واقع الأمر سقوط هذا الوهم، مما يعني سقوط الحلم الصهيوني (وهل يمكن للجيوب
الاستيطانية أن تعيش دون حلم أو وهم أو أساطير؟).
لكل هذا تدهورت ثقة
الإسرائيليين في دولتهم ومؤسساتها، حتى فيما يخص جيش الاحتلال.. ويتبين هذا التراجع
بالمقارنة بين ثقة الإسرائيليين في هذه المؤسسات بين عامي 1996 – 2002. فبينما كان
60% من الإسرائيليين يثقون في الحكومة عام 1996، انخفضت النسبة إلى 37% عام 2002.
ويُلاحظ نفس النمط في مؤسسات أخرى، فالثقة في الكنيست انخفضت من 62% إلى 25%،
وانخفضت النسبة في الأحزاب من 36% إلى 16% خلال نفس الفترة الزمنية.
ويمكننا الآن أن نطرح سؤالاً:
ما هو الأثر النفسي لهذا الإحساس بعدم الأمن؟ كفانا الباحثون الإسرائيليون مؤونة
البحث فقد جاء في جريدة هآرتس (6/10/ 2001) أن عدد المرتادين على عيادات الأطباء قد
زاد بشكل كبير في الآونة الأخيرة رغم أنهم ليسوا مرضى من الناحية العضوية، وإنما
يعانون من ضغوط وتوتر على خلفية الأحداث الأخيرة [أي الانتفاضة]. وقد نشرت جريدة
معاريف (2/4/2002) أن وزارة الصحة الإسرائيلية فتحت مراكز استعلامات هاتفية يستطيع
المواطنون عبرها تلقي مساعدات نفسية. كما بيَّنت يديعوت أحرونوت (14/2/2002) أن
شركات الأدوية أفادت بأن هناك ارتفاعاً بنسبة 50% في استهلاك المهدئات والمسكنات.
وقد نشرت كل من هآرتس وبنئيم
(عدد 17 صيف 2001) عن ظاهرة يسميها علماء النفس ظاهرة "العجز المكتسب". ولشرح هذه
الظاهرة تقول الصحف إنه أجريت تجربة عُرِّض أثناءها كلبان لصدمات كهربائية وأعطي
واحد منهما الفرصة للفرار، أما الآخر فقد حُرم منها، فاكتسب الأول حساً سريعاً
بتجنب الصدمات الكهربائية من خلال القفز إلى الجهة الآمنة، أما الثاني فقد تكيف
تماماً وتقبل الموقف بخنوع، حتى أنه حينما أتيحت له فرصة الهرب في تجربة أخرى، لم
يغتنمها. فالعجز المكتسب هو سلوك سلبي ينشأ من الإدراك أن لا وسيلة لتجنب آثار
مؤلمة، ومن عدم اليقين بخصوص أي شيء، فهي حالة "إين بريرا" بامتياز.
وقد توصل العلماء إلى أن ظاهرة
العجز المكتسب في المجتمع الإسرائيلي تنطوي على أخطار كثيرة مثل الشلل من جهة،
والتطلع من جهة أخرى إلى حلول سحرية قد تحل كل المشاكل بضربة واحدة. وهذا الاتجاه
الأخير أرض خصبة لتطور توق قوي إلى ظهور مسيح دجال، والاستعداد لقبول من يقدم نفسه
"كقائد قوي" يمكنه حل المشكلات كافة. (وهذا يفسر ظهور شارون الذي وعدهم بإعادة
الأمور إلى نصابها).
ومن أطرف المؤشرات على حالة
الذعر التي انتابت التجمُّع الصهيوني أنه مع تصاعد الانتفاضة بدأت حالة الذعر تنتاب
الكلاب والقطط في المنازل الإسرائيلية، ولذا اقتضى الأمر تقديم المهدئات لها
(الفاليم). وقال أطباء بيطريون إن الكلاب تبدأ في النباح وتصبح أكثر عدوانية وترتجف
لا إرادياً أو تفقد التحكم في مثانتها عندما تصل أصداء دوي إطلاق النار في الضفة
الغربية إلى مباني القدس.
وقال بيني سابير، وهو طبيب
بيطري في القدس: اليوم فقط عالجت كلباً من نوع السيشن كان قد امتنع عن الطعام ويرفض
مغادرة منزله. وقال طبيب بيطري آخر إنه لم ير مثل هذا العدد من الكلاب المضطربة منذ
أمطر العراق تل أبيب بصواريخ سكود خلال حرب الخليج عام 1991.
وقال طبيب آخر إن كلبه هو
شخصياً يرفض الخروج من المنزل. إن الناس مصابة بالتوتر ولا يدرون ماذا يفعلون وعلى
مَنْ يلقون باللوم، الناس متوترة وكذلك حيواناتها (BBC
ويديعوت أحرونوت 6/3/2002).
|